بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 162-201
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الخامس

صفحات 162-201
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

هو إما منافق وإما فاسق وإما داعٍ إلى بدعة عظيمة ونحو ذلك وكذلك فيمن يدعي العقل الصريح والمعرفة بالمعقولات ويدعي صحة النظر ومعرفة الأدلة القطعية والبراهين الموزونة بالميزان العدل وغير ذلك من هم في كثير من أمورهم أو أكثرها من أبعد الناس عن العقل والمعقول وهذا كله تسمية الشيء من العيان والصفات بغير أسمائها كما قال تعالى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ [النجم 23] وإذا كان كذلك فالمنازعون يقولون إن العقل الصريح يمنع أن يكون العقل الصريح موجودًا مع غيره ليس بداخلٍ في غيره ولا خارج أو ليس بمباين له ولا محايث أو يكون قائمًا بنفسه لا يباين القائم بنفسه بالجهة ونحو ذلك من المعاني التي يمكن التعبير عنها بعبارات متنوعة وما زال أئمة الإسلام يذكرون أن العقل يمنع وجود هذا فقول القائل هذا

قول بأن الموجود لا يكون إلا جسمًا أو قائمًا به ونحو ذلك لا يدفع ما ذكر بعد ذكرنا بعض ما تقدم من قولهم فإن أول من ابتدع في هذه الأمة وصف الموجود بعدم النهاية هو الجهم ولفظ المتحيز والجسم والحد والنهاية وتنزيه الرب سبحانه بهذه الأسماء كلها من بدع الجهمية قال الإمام أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي وادعى المعارض أنه ليس لله حد ولا غاية ولا نهاية قال وهذا هو الأصل الذي بنى عليه جهم جميع ضلالاته واشتق منها أغلوطاته وهي كلمة لم يبلغنا أنه سبق جهمًا إليها أحدٌ من

العالمين أي من هذه الأمة وإلا فهذا النفي كان موجودًا قبل هذه الأمة في كثير من مبتدعه اليهود والنصارى وفي طائفة من المشركين والصابئين والفلاسفة لهم في ذلك قولان مشهوران قبل الإسلام قال عثمان فقال للجهم قائل ممن يحاوره قد علمت مرادك منها أيها الأعجمي وتعني أن الله لا شيء لأن الخلق كلهم علموا أنه ليس شيء يقع عليه اسم الشيء إلا وله حد وغاية وصفة وأنه لا شيء ليس له حد ولا غاية ولا صفة فالشيء أبدًا موصوف لا محالة ولا شيء يوصف بلا حد ولا غاية وقولك لا حد له يعني أنه لا شيء قال أبو سعيد والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره

ولا يُجَوِّزُ أحدٌ أن يتوهم لحده غاية في نفسه ولكن نؤمن بالحد ونَكِل علم ذلك إلى الله تعالى والمكانة أيضًا حد وهو على عرشه فوق سماواته فهذان حدان اثنان قال وسئل ابن المبارك بِمَ نعرف ربنا قال بأنه على العرش بائن من خلقه قيل بحد قال بحد وتقدم ذكر هذا بتمامه وقال عبد العزيز المكي في رده على الجهمية بعد أن ذكر بيان فساد قولهم في مسألة العرش وأبطل قولهم إنه في كل مكان قال فلما شنعت مقالته قال أقول إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء مع الشيء ولا كالشيء خارجًا عن الشيء ولا مباينًا للشيء قال يقال له إن أصل قولك القياس والمعقول فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئًا لأنه لو كان شيئًا ما خلا في القياس والمعقول أن يكون داخلاً في الشيء أو خارجًا منه فلما لم يكن في قولك شيء استحال أن يكون كالشيء في الشيء أو خارجًا من الشيء فوصفت لعمري ملتبسًا لا وجود له وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل وقال الإمام أحمد إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أن الله في كل مكان ولا يكون في مكان دون

مكان فقل أليس الله كان ولا شيء معه فيقول نعم فقل له حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل وقد تقدم تمام هذا الكلام وقوله أيضًا فلما ظهرت الحجة على الجهم بما ادعى على الله أنه مع خلقه قال هو في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين منه فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو مماس قال لا فقلنا فكيف يكون في كل شيء غير مماس لشيء ولا مباين فلم يحسن الجواب فقال بلا كيف فخدع الجهال بهذه الكلمة مَوَّهَ عليهم وقال في خطاب الجهمية وقلنا هو شيء فقال هو شيء لا كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يؤمنون بشيء ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية فإذا قيل من تعبدون قال نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يُعرَف بصفة قالوا نعم قلنا قد عرف المسلمون أنكم

لا تؤمنون بشيء وإنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فقلنا لهم هذا الذي يدبر هو الذي كلَّم موسى قالوا لم يكلم ولا يتكلم لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة والجوارح عن الله منتفية فإذا سمع الجاهل قولهم نظر أنهم من أشد الناس تعظيمًا لله ولا يشعر أنهم إنما يعود قولهم إلى فرية في الله تعالى أو قال إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر إذا تبين ذلك أن يقال في الوجه الثامن كونه خارج العالم لا يخلو إما أن يستلزم كونه حاصلاً في الحيز أو لا يستلزم ذلك فإن كان ذلك لا يستلزم كونه متحيزًا أمكن أن يقال هو خارج العالم ولا يكون متحيزًا وحينئذ فالعلم بأن الموجود لا يكون إلا داخل العالم أو خارجه لا ينافيه العلم بأنه إما أن يكون حاصلاً في الحيز أو لا يكون فإن لم ينافِهِ لم يكن هذا جوابًا عن الأول بل يكون قول الأولين أن الموجود إما داخل الآخر أو خارجه صحيحًا وذلك يوجب أن يكون الباري إما داخل العالم وإما خارجه وهو مقصودهم وإن كان مع ذلك ليس بحاصلٍ في الحيز وهذا يقوله من يقول إنه فوق العرش مباين للعالم وليس بجسم

فقوله الموجود إما حاصل في الحيز وإما غير حاصل في الحيز حينئذٍ يجتمع مع قول الأولين على هذا التقدير فلا يضرهم التزامه وإن كان هذا منافيًا للأول بحيث أنه إذا قيل الموجود قد يكون حاصلاً في الحيز وقد لا يكون وما ليس في الحيز ليس بداخل في غيره ولا خارج منه كان قول من قال إن الموجود لا يكون إلا داخلاً في غيره أو خارجًا قولاً منهم بأنه لا موجود إلا حاصل في الحيز وهذا هو الذي يقوله من يقول ليس فوق العرش وليس بجسم كما يقوله المؤسس وذووه ويقوله من يقول هو فوق العرش وهو جسم وهو أيضًا يقتضي قول من قال إن الله فوق العرش بحدٍّ وعلى هذا التقدير فيكون الأئمة الذين قالوا إنه لا موجود مع غيره إلا داخل الآخر أو خارجه أو أنه على العرش يقولون بهذا وأنـ ـه كان كذلك وقد علم أن هؤلاء يقولون إن العقل الصريح يمنع وجود موجود لا داخل الآخر ولا خارجه فيكونون هؤلاء على هذا التقدير يقولون إن العقل الصريح يأبى

وجود موجود غير حاصل في الحيز على هذا التقدير والتفسير وقد صرح طوائف من أهل الكلام باللغة التي يتخاطبون بها بذلك وقالوا لا موجود إلا الجسم أو الجسم وما يقوم به وقالوا لا يعقل موجود إلا كذلك ومن ادعى وجود موجود غير ذلك فقد خالف العقل الصريح وهذا كله إذا ادعى المنازع ذلك بغير قياس على القديم والمحدث وأما تقديره بالقياس فيقال في الوجه التاسع المكان المشهور المعروف هو الأعيان المشهورة وما يقوم بها سواء قيل إن المكان هو نفس الأجسام التي يكون الشيء عليها أو فيها أو قيل إن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي الملاصق للسطح الظاهر للجسم المحوي وأما الزمان المعروف فإنه تابع للجسم سواء قيل إنه تقدير الحركة أو مقارنة حادث لحادث أو مرور الليل والنهار قال تعالى في كتابه الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام 1] وقال إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [البقرة 164] ولا نزاع بين أهل الملل أن الله سبحانه كان قبل أن يخلق هذه الأمكنة والأزمنة وأن وجوده لا يجب أن يقارن وجود هذه الأمكنة والأزمنة كما تقدم بيان ذلك لكن مع هذه الأمكنة المخلوقة الموجودة يقدر الذهن لها أحيازًا حاوية لها ويقدر ذلك مع عدم هذه الأمكنة

وهذا معنى قولهم الحيز وتقدير المكان وكذلك الذهن يقدر أن هذه الأزمنة لها دهر يحيط بها ويقدر فيه تعاقبًا كتعاقب الأزمنة وتقدير هذا الدهر مع عدم هذه الأزمنة وليس الغرض هنا الكلام بأن هذا الدهر والحيز هل هو وجودي كما يقوله بعض الناس أو هو عدمي لا وجود له في غير الذهن كما يقوله الجمهور وإنما الغرض ذكر مقايسة أحدهما بالآخر وقد علم أنه لابد من وجود واجب وأن هذا لا يمكن النزاع فيه وذلك هو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولا ريب أنه لم يزل موجودًا وأنه يمتنع عدمه فإن وجوب الوجود ينافي جواز العدم فضلاً عن وقوعه ولا نزاع بين من يقول بحدوث العالم أو تقدمه ووجوبه عنه في أنَّ العالم مفتقر إليه محتاج إليه وأنه متقدم عليه بالمرتبة والغلبة والذات وهؤلاء أيضًا قد يقولون العالم محدث ويعنون حدوثه وجوده بالرب ووجوبه به وافتقاره إليه لا يشترطون في المحدث أن يكون معدومًا ثم يوجد والمعروف في اللغة ما هو عُرْفُ أهل الكلام وغيرهم أن المحدث ما كان بعد أن لم يكن بل المحدث في اللغة أخص من المحدث عند أهل الكلام فإن المحدث والحدث يقابل القديم والمتقدم

والقديم في اللغة ما كان متقدماً على غيره ولو كان مخلوقاً كما قال تعالى حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴿39﴾ [يس 39] وقال وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴿11﴾ [الأحقاف 11] وقال قَالُواْ تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ ﴿95﴾ [يوسف 95] وقال الخليل عليه السلام أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿75﴾ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿76﴾ [الشعراء 75-76] والأقدم أبلغ من القديم والقديم فعيل من قدم يقدم ومنه قولهم أَحْدَثيّ فيما قدم وما حدث وقد زعم بعض أهل الكلام من المعتزلة ومن اتبعهم أن القديم حقيقة فيما لم يسبقه عدمٌ وهو الله وهو مجاز فيما تقدم على غيره مع كونه مخلوقاً وقال قوم لئن حرم أن الله لا يجوز أن يسمى قديماً لأن ذلك لم يرد به الشرع فأسماء الله شرعية والصواب أن القديم ما تقدم على غيره في اللغة التي جاء بها القرآن وأما كونه كان معدوماً أو لم يكن معدوماً فهذا لا يشترط في تسميته قديماً والله أحق أن يكون قديماً لأنه متقدم على كل شيء لكن لما كان لفظ القديم فيه نواحٍ

لا تدل مطلقة إلا على المتقدم على غيره كان اسم الأوَّل أحسن منه فجاء في أسمائه الحسنى التي في الكتاب والسنة أنه الأول وفرق بين الأسماء التي يُدعَى بها وبينما يُخبر به من الألفاظ لأجل الحاجة إلى بيان معانيها كما هو مذكور في غير هذا الموضع فصار المتكلمون الذي يقولون إن القديم هو الله فقط وأن تسمية غيره به مجاز يجعلون القديم الذي لم يكن معدوماً ولم يزل موجوداً وجعلوا المحدث ماكان معدوماً ثم وجد وقالـ وا إن الله هو القديم وما سواه محدث وسبق العدم داخل في معنى المحدث عندهم ولا ريب أن من قال إن العالم لم يزل موجوداً يقول إنه قديم ولا ريب أن الله سبحانه قديم سواء فسر القديم بما لم يسبقه عدمه أو فسر القديم بأنه

متقدم على غيره بل هو متقدم على كل شيء إذ هو الأول الذي ليس كمثله شيء وأما الحديث ففي اللغة لا يكون إلا ما حدث بعد أن لم يكن وهو عند أهل اللغة مقابل للقديم ولهذا يراد به المتجدد القريب الزمان كما يقال تمر قديم وتمر حديث لكن هؤلاء سموا العالم محدثاً باعتبار تقدم الباري عليه وإن لم يكن ذلك على محض اللغة ولهذا لم يوجد في كلام سلف الأمة وأئمتها لفظ حدوث العالم لأن هذا اللفظ يقتضي التجدد المنافي للتقدم الإضافي بل يقولون كما قال الله إنه مخلوق ونحو ذلك مـ ما أخبرت به الرسل وإن كان يوصف بالقدم الإضافي كما في العرجون القديم إذا عرف ذلك فقولُ القائل الموجود إما أن يكون قديماً أو محدثاً إذ لا يخلو عن القدم والحدوث ينبغي أن يعرف على هذه الاصطلاحات فمن جعل القديم ما لم يسبقه عدم وما سوى ذلك فهو محدث يقول الموجود إما أن يكون بعد

عدمه أو يكون موجوداً لم يزل وهذا تقسيم حاصر وعلى هذا فالقِدم له وجهان أحدهما ذاتي للموصوف وهو يعود إلى كونه أزليًّا وهو كونه موجوداً لم يزل سواء قدر وجود غيره أو لم يقدر والثاني أن يكون قدمه باعتبار تقدمه على غيره وذلك معنى كونه الأول فإن اسم الأول فيه معنى للإضافة إلى غيره كما في المتقدم على غيره بحيث لو لم يفرض وجود غيره لم يعقل كونه أولاً أو آخراً كما لم يفهم كونه متقدماً أو سابقاً فإذا قيل الموجود إما أن يكون قديماً أو محدثاً فهو بالمعنى الذاتي إما أن يكون أزليًّا أو لا يكون وبالمعنى الثاني إما أن يكون قبل غيره أو لا يكون وكونه قبل غيره له وجوه قد تقدم ذكرها ومن قال بقدم العالم يقول هو قبل العالم بوجه مع أنهما أزليان وكنوه أزليًّا معناه أنه لم يزل موجوداً وهذا الأزلي الدايم الباقي يقدر العقل معه دهوراّ متعاقبة شيئاً بعد شيء لا ابتداءَ لها كما لا ابتداءَ له هذا مع تقدير أنه لا وجود للزمان المعروف لكن قد تقدم أن هذا الدهر المقدر لا وجود له إلا في الذهن عند أكثر الناس ومنهم من يجعل وجوده خارجيًّا وكذلك القديم بالمعنى الثاني فإن المتقدم على غيره يعقل تقدمه عليه مع عدم الليل والنهار والزمان المعروف والذهن يقدِّر بينهما دهوراً متعاقبة كنحو ما يقدره مقارناً لوجود الأزل وهكذا يوجد في اسمه الكبير والعظيم والعلي والظاهر

ونحوه من أسماء الله المتعلقة بالمكان فإنه هو سبحانه في نفسه قائم بنفسه متميز بحقيقته وهو في نفسه كبير عظيم سواء كان غيره موجوداً أو لم يكن لكن العقل يقدر معه أحيازاً خالية لا نهاية لها وهذه تقديرات ذهنية لا وجود لها في الخارج عند عامة العقلاء ومنهم من يزعم أنها وجودية وهي تقدير المكان وهذه المباينة والامتياز وكونه بحيث يشار إليه أمر ثابت له سواء كان غيره موجوداً أو لم يكن ثم إذا وجد غيره فهو أيضاً مباين له منفصل عنه فمباينته تابعة لوجوده لا يكون موجوداً إلا بحقيقته التي يباين بها غيره وهو العظيم الكبير ولا يكون واجب الوجود إلا بوجوب هذه المباينة له لاختصاصه بحقيقته التي تستلزم مباينته لغيره وهو الصمد الذي لا يجوز عليه التفرق وهو الكبير العظيم وكما أن وجوده بنفسه يقتضي أزليته فوجوده بنفسه يقتضي عظمته وبينونته التي هي أعظم من كل عظمة وبينونة وأن يكون أحداً صمداً لا يخرج منه شيء فيكون والداً ولا يخرج من شيء فيكون ولداً إذا حقيقته مباينة لكل شيء فإنه كما أن وجوبه بنفسه ينافي عدمه فلا يكون محدثاً موجوداً بعد عدمه لأنه حينئذ يكون مفتقراً إلى غيره فلا يكون وجوده بنفسه ينافي تعلقه بغيره وملابسته له بحيث يكون محتاجاً إلى مماسته ومخالطته ونحو

ذلك فإن ذلك ينافي وجوبه بنفسه بل هو الغني مطلقاً الصمد مطلقاً فيكون مبايناً لغيره لا يحتاج إليه ولا يتعلق به بوجه من الوجوه كما لا يجوز عليه العدم والحدوث بوجه من الوجوه وهذه المباينة لها وجهان أحدهما ذاتي للموصوف وهو يعود إلى كونه موجوداً ووجوبها يعود إلى كونه واجب الوجود صمداً والثاني أن تكون مباينته باعتبار انفصاله عن غيره إذا وجد وذلك معنى كونه الظاهر والأعلى والظاهر في المباينة كالأول في المتقدم قال تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد 3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء فقول القائل لا يكون الموجود إلا مبايناً أو محايثاُ كقوله لا يُعقل موجود إلا قديماً أو محدثاً بالاعتبارين الذاتي والإضافي فإنه إن أراد بالقديم ما لم يسبقه عدم والمحدث ما سبقه عدم فالمباين هو القائم بنفسه والمحايث ما لا يقوم بنفسه وذلك في الموضعين تابع لوجوده ووجوب وجوده وغن أراد بالقديم ما تقدم على غيره وبالمحدث ما تقدمه غيره فالمباين ما باين غيره وقام بنفسه والمحايث ماكان قيامه

بغيره لا يباينه وقول القائل إما أن يكون داخل العالم أو خارجه كقول القائل إما أن يكون مع العالم أو قبله فإن محايثته للعالم في المكان ومجامعته للعالم في الحيز كمقارنته للعالم في الزمان ومجامعته له فيه وهو إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً له وإما أن يكون مقارناً للعالم أو متقدماً عليه وكذلك كل موجود مع وجود غيره إما أن يكون قبله أو لا يكون وإذا لم يكن قبله فإما أن يكون معه أو بعده وإما أن يكون مبايناً له فإما أن يكون محلاًّ له أو حالاًّ فيه والحجة التي حكاها المنازع لم يحرِّرها تحريراً يظهر فيه التماثل فإنه قال لا نعقل موجوداً خالياً عن القدم أو الحدوث فكذلك لا نعقل موجوداً ليس في العالم ولا خارج العالم ولا في شيء من جهاته الست وكان تحرير التماثل أن يقال لا يُعقل موجودان إلا أن يكون أحدهما متقدماً على الآخر أو هما متقارنان فكذلك لا يعقل موجودان إلا أن يكون أحدهما خارجاً عن الآخر بائناً منه أو يكونا متحايثين فيكون أحدهما داخلاً في الآخر أو

يقال لا يُعقل موجود خالٍ عن القدم أو الحدوث فكذلك لا يعقل موجود خال عن المباينة والمحايثة ونحو ذلك ما يظهر به تماثل التباين ومما يوضح ذلك أن من قال العالم قديم والباري متقدم عليه بالذات والغلبة وغير ذلك وهو محدث باعتبار تقدمه عليه يمكنه أن يقول أيضاً إن الباري فوق العالم بالذات والغلبة والرتبة وغير ذلك وهو تحته باعتبار عُلوَِه عليه ومن قال إنه متقدم عليه تقدماً حقيقيًّا بحيث يقدر الذهن بين وجوده ووجود العالم أزمنة لا نهاية لها كما يقدر ذلك في وجوده مفرداً وإن لم يكن لذلك وجود يقول إنه ظاهر عالٍ على العالم ظهوراً وعلوًّا حقيقيًّا بحيث يقدر الذهن بينه وبين العالم أحيازًا خالية كما يقدر ذلك في وجوده ووجود العالم وإذا كان ذلك تقديراً لما لا وجود له في الخارج فمن جعل علوه على العالم ليس إلا بالرتبة والقدرة ونحوهما فهو شبيه بمن جعل تقدمه على العالم ليس إلا بالرتبة والتوليد

ونحوهما وهذا في الحقيقة إنكار لكونه الأول وإثبات لمقارنة العالم له في الزمان وذلك إنكار لكونه هو الظاهر وإثبات لمقارنة العالم له في المكان وكلا القولين يعود إلى تعطيل الصانع في الحقيقة وأنه ما ثَمَّ غير هذا العالم ولهذا كان الاتحادية وغيرهم من هؤلاء يصرحون بذلك ويقولون إن العالم هو حقيقته وهويته وهذا في الحقيقة قول المعطلة للصانع كما أظهره فرعون ولهذا يعترف أئمتهم بأنهم على قول فرعون وكنت قد ذكرت أنه يلزمهم قول فرعون لبعض من له خبرة وصدق حتى حدثني عن إمام من أئمتهم أنه قال له ونحن على قول فرعون والله سبحانه قبل الأزمنة وفوق الأمكنة ولكن الذهن يقدر تقدمه بدهر وتقدم فوقيته بحيز كما تقدم ذكره وهما أمران ذهنيان مقدران لا وجود لهما في الخارج عند جمهور الناس لكن بين النوعين فرق لابد منه وهو أن الدهر المقدر والزمان الموجود هو يقتضي شيئًا بعد شيء لا يجتمع أوله وآخره في زمان واحد

ولهذا يمكن ألا يكون له نهاية في وجوده كالزمان فإن أهل الجنة ونحوهم لا نهاية لوجودهم وأما الحيز المقدر والمكان الموجود فإنه موجود في وقت واحد لا يوجد شيئًا بعد شيء فلابد له من حد وحقيقة ولا يمكن وجود مكان لا نهاية له ولا جسم لا نهاية له فلهذا كان الفرق بين تقدمه على العالم ومباينته له أنه في تقدمه على ما يتقدم عليه من خلقه يمكن فرض أزمنة لا نهاية لها وأما مباينته لما يباينه من خلقه فلا يمكن أن يفرض بينهما أمكنة لا نهاية لها ولهذا لم يكن لابتداء وجوده ولا لدوام بقائه حد ولا نهاية ولا غاية ولا يقال مثل ذلك في عظمة ذاته وقدره بل يقال لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام 103] وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ﴿110﴾ [طه 110] وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الزمر 67] ونحو ذلك ولهذا كان الجهم وأبو الهذيل وهما إماما الجهمية وغيرهما لما قاسوا النهاية في الذات والمكان على النهاية في الوجود والزمان عدُّوا حكم هذا إلى حكم هذا وحكم هذا إلى

حكم هذا فقال بأن المخلوق تثبت له النهايتان جميعًا وأثبتوها فـ الانتهاء فقال الجهم بفناء الجنة والنار وقال أبو الهذيل بفناء الحركات كلها وقالوا بأن الخالق تعالى لا تثبت له النهايتان جميعاً فكما لا نهاية لابتداء وجوده وانتهائه فلا يكون لذاته نهاية ثم تفرَّعت بهم وبأصحابهم المقالات كما تقدم نقل المقالات السبع لهم هل يقال إنه لا يتناهى وليس بجسم أو هو جسم أو غير ذلك من الأقوال التي تقدمت وقد تقدم ذكر عثمان بن سعيد أن أول من قال بعدم الحد

والنهاية وهو الجهم ولا خلاف أنه أول من قال بفناء الجنة والنار وأعظم من هؤلاء ضلالاً المتفلسفة الصابئة الذين يقولون بعدم النهاية للعالم ابتداءً وانتهاءً كالصانع ثم يثبتون النهاية لذات العالم دون الصانع فسوَّوه بالخالق في عدم النهاية ابتداءً وفرقوا بينهما في الذات ثم هؤلاء الجهمية الذين أثبتوا النهاية للعالم ابتداءً وانتهاءً وتكلموا في الفناء كما تكلموا في الحدوث ونفوا عن الباري النهايتين يوضح ذلك الوجه العاشر وهو أن يقال قد تبين تماثل المكان والزمان وما يقدر بهما في لزومهما للموجود أو عدم اللزوم وفي انقسام الموجود إلى ما ذكر من القسمين في النوعين جميعًا سواء قسّم الموجود باعتبار ذاته أو باعتبار إضافته إلى القسم الآخر فإذا قيل الموجود إما أن يكون قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره

أو قيل إما أن يكون مباينًا أو محايثًا وإذا قيل إما أن يكون مباينًا أو لا مباينًا ولا محايثًا فهو كما لو قيل إما أن يكون قديمًا أو محدثًا أو لا قديمًا ولا محدثًا وهذه القسمة ذهنية والقسم الثالث فيها ممتنع في الخارج بخلاف القسم الأول ولو قيل إما أن يكون حاصلاً في المكان أو لا يكون فهو كما لو قيل إما أن يكون في الزمان أو لا يكون وهي تسمية صحيحة في الخارج إذا لم يرد بالمكان الأجسام أو صفاتها وبالزمان مقدار حركاتها وما يشبه ذلك فإن نفس أجسام العالم ليست في مكان بهذا الاعتبار ولا هي أيضًا في زمان وكذلك الزمان ليس في زمان آخر وإذا قيل إما أن يكون حاصلاً في الحيز أو لا يكون فهو كما لو قيل إما أن يكون حاصلاً في الدهر أو لا يكون والمراد بالدهر ما يقدر الذهن وجود أزمنة فيه ومعلوم أنه ما من موجود إلا والذهن يقدر تعاقب أزمنة مقارنة فإذا كان وجوده إلى غير غاية وإن لم يكن ذلك موجودًا وكذلك ما من موجود إلا والذهن يقدر معه أحيازًا خالية يفرض فيها أمكنة لا نهاية لها وهذا أيضًا لا وجود له في الخارج وإنما الموجود في الخارج دوام الحق وبقاؤه وللناس نزاع في الباقي هل هو باقٍ ببقاء أو لا وكذلك

حده وحقيقته التي بها بان وامتاز فلا موجود قبل العالم إلا الله بما هو عليه من صفاته وقد ذهب طوائف من أهل السنة والمعرفة إلى أن الدهر من أسماء الله على ظاهر الحديث المروي في ذلك وقالوا معناه الباقي الدائم الأزلي وذكر أنه روي يا دهر يا ديهور يا ديهار وتسميته قديمّا

وأوّلاً مثل تسميته عليًّا وظاهرًا وكونه دهرًا بمعنى تقدُّمه مثل كونه محلاًّ للصفات بمعنى موصوف بها فهو سبحانه الغني بقدمه وقيامه بنفسه عن غيره من زمان ومكان وغيرهما وإذا قيل الموجود إما أن يكون متقدمًا على غيره أو محدثًا بعده فهو كما لو قيل الموجود إما أن يكون عاليًا على غيره بائنًا عنه أو يكون داخلاً فيه محايثًا له قائمًا به فالمتقدم على غيره مستغنٍ كاستغناء القائم بنفسه عن القائم بغيره والمحدث بعد العدم مستلزم لزمانٍ أو تقدير مكانٍ يكون هو بعده والقائم بغيره مستلزم لمكانِ محل هو فيه والقديم المطلق مستغنٍ عن الزمان والقائم بنفسه مستغنٍ عن المكان والمحدث بعد غيره مقارن للزمان المفتقر بمقارنة حادث لحادث والقائم بغيره مفتقر إلى المكان والمحل وهو سبحانه الأول فليس قبله شيء بل هو قبل الأزمنة وما فيها وهو الظاهر فليس فوقه شيء بل هو فوق الأمكنة وما فيها ومن قال هو في الأمكنة المخلوقة فهو بمنزلة من قال ليس ذاته قبل الأزمنة وذلك لا تنفصل ذاته عنها ولا تكون ذاته فوقها فهو بمنزلة من قال هو مع الأزمنة المخلوقة مقارن لها لا تكون ذاته قبلها ولا يتقدم عليه والأول جحود لكونه الظاهر فوقها وهذا جحود لكونه الأول قبلها

ومن قال ليس في الأمكنة ولا خارجًا عنها فهو كمن قال ليس مقارنًا للأزمنة ولا متقدمًا عليها وكل من هذين المقالين من مقالات الجهمية لكن الأولى أقرب إلى العقل وهي قولهم في الابتداء يقولون إنه في كل مكان فيجعلونه بمنزلة الحال فيها المحتاج إليها هو نظير قول من قال مقارن للأزمنة المحدثة فيكون هؤلاء قد جعلوه داخلاً في المخلوقات والمحدثات بل زادوا حتى جعل الاتحادية منهم نفسَ وجود المخلوقات فهؤلاء أقروا به ثم جعلوه هو المخلوق أو بعض المخلوق وإذا قال هو في العالم لا مباين له ولا مماس له كان كقولهم هو مع العالم لا متقدم عليه ولا مقارن له وأما الجهمية في الانتهاء فإنهم عطَّلوه بالكلية ولم يثبتوا له وجود المخلوقات ولا غيرها حيث قالوا لا هو داخل العالم ولا خارجه كما لو قالوا لا هو مع العالم ولا قبله ليس بين هذا وبين هذا فرق في بديهة العقل ومن أجاب عن هذا بأن العقل الصريح يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون فهو بمنزلة من قال العقل الصريح لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون

حاصلاً في الذهن وإلى ما يكون وإذا كان هذا لا يمنع ما يعلمه العقل بفطرته من أنه إما أن يكون وجوده مقارنًا للعالم أو متقدمًا عليه فكذلك ما ذكره في الحيز لا يمنع ما يعلمه العقل من فطرته من أنه إما أن يكون وجوده داخل العالم محايثّا له أو خارجًا عنه مباينًا له وكما لا يُعقل موجود إلا قديم أو محدث فلا يعقل إلا قائمًا بنفسه أو بغيره وكما أن القديم ينقسم إلى القديم المطلق الذي لا يجوز عدمه وإلى القديم المقيد وهو المسبوق بالعدم أو الممكن عدمه فالقائم بنفسه ينقسم إلى المحتوم المطلق وهو الذي لا يجوز عدمه ولا يحتاج إلى غيره بحال وإلى القائم المقيد وهو المحتاج إلى غيره والذي يقوم في وقت ويعدم في وقت وكما أن المخلوق القديم قديمٌ مقيدٌ إذا كان متقدمًا على غيره فالخالق القديم أولى بأن يكون متقدمًا على غيره ويكون هو الأول الذي ليس قبله شيء الكائن قبل كل شيء فالمخلوق القائم بنفسه قائمًا مقيدًا لحاجته إلى غيره إذا كان مباينًا لغيره فالخالق للعالم قائم بنفسه قيامًا مطلقًا أولى أن يكون مباينًا لغيره وأن يكون هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء والجهمية من المتكلمين يقولون هو القديم والعالم

محدث مع قولهم إنه في كل مكان أو أنه مع ذلك لا مباين للعالم ولا مماس له أو قولهـ م إنه لا داخل العالم ولا خارجه وأما الجهمية من المتفلسفة والصابئة فيقولون مع ذلك إن العالم أيضًا قديم معه مقارن له في الوجود مقارنة المعلول لعلته التامة والمتولّد لمولِّده كتولُّد الصوت عن الحركة والشعاع عن الشمس ومع هذا يقولون إن الباري تعالى متقدم عليه بالغلبة وبالذات أو بالطبع وبالشرف وقد يقولون العالم محدث بمعنى افتقار إلى الصانع وعند التحقيق فلا يثبتون له تقدمًا حقيقيًّا كما أنهم وجهمية المتكلمين لا يُثبتون له عليه علوًّا حقيقيًّا ومباينة معقولة وذلك أن هؤلاء قالوا التقدم والتأخر خمسة أنواع الأول التقدم بالعلية كتقدُّم السراج على ضوء السراج وتقدم الشمس على شعاعها فإن العقل يدرك تقدم وجود السراج على ضوء السراج وإن امتنع تأخُّر أحدهما عن الآخر في الزمان

الثاني التقدم بالطبع وهو تقدم الشرط على المشروط مثل تقدم الواحد على الاثنين والفرق بينه وبين ما قبله بعد اشتراكهما فالمتأخر لا يوجد إلا بعد وجود المتقدم إذ العلة تستلزم وجود المعلول والشرط لا يستلزم وجود المشروط الثالث التقدم بالشرف والرتبة كتقديم العالم والقادر على الجاهل والعاجز الرابع التقدم بالمكان كتقدم الإمام على المأموم وخامسها التقدم بالزمان كتقدم الشيخ على الشاب ثم إنهم لما زعموا حصر التقدم في هذه الوجوه قالوا نحن نقول بتقدم الباري على العالم بالوجوه الثلاثة الأُوَل والتقدم بالمكان ليس مما يتعلق بما نحن فيه وأما التقدم بالزمان فممتنع ولو كان ممكنًا لكان مبطلاً لقول منازعنا وأما كونه

ممتنعًا فلأن تقدم الباري على العالم لو كان بالزمان لزم أن يكون الباري زمانًا والزمان زمانيًّا أما الأول فلأن الزمان من لواحق التغيُّر وذلك ممتنع على الباري وأما الثاني فلامتناع التسلسل وأما كونه مبطلاً لقول منازعنا فلأنه إذا كان تقدم الباري على العالم زمانيًّا مع أن الله سبحانه لا بداية لتقدمه على العالم لزم أن لا يكون للزمان بداية فيكون الزمان قديمًا والزمان من العالم فلا يكون العالم محدثًا كما يقوله منازعنا وقد يستدلون بهذه الحجة على امتناع كون العالم مسبوقًا بالعدم بأن تقدم العدم عليه لا يصحّ أن يكون بالوجوه الأربعة ولو كان بالزمان لزم قدم الزمان فهذا الكلام الذي قالوه قد موَّهوا به على الناس حتى اضطرب هنا كثير من أذكياء العالم وقد أجاب عنه مَن أجاب مِن متكلمي الإسلام بإثبات تقدم آخر خارج هذه الأقسام الخمسة وهو كتقدم أجزاء الزمان بعضها على بعض وتقدم الباري على الحوادث اليومية وقد يسمي بعضهم كالشهرستاني وغيره هذا التقدمَ

بالذات ولاريب أن تقدم بعض أجزاء الزمان على بعض ليس بالعلّية ولا بالشرط ولا بالشرف لامتناع تقارب أجزاء الزمان مع تقارب المتقدم والمتأخر بهذه الوجوه ولأن أجزاء الزمان متماثلة وليس أيضًا بالزمان لأنه يلزم أن يكون للزمان زمان وأن يكون الباري زمانيًّا قالوا وإذا كان قد عُقِل تقدم الأمس على اليوم من غير حاجة إلى زمان آخر فكذلك يعقل تقدم العدم على الوجود وتقدم الباري على الوجود قالوا وانتم لا تقولون بهذا التقدم لا تقولون إنه مسبوق موجود غيره أو معدوم نفسه بهذا النوع من السبق والتقدم وقد يقال هذا الجواب

وإنْ كان فيه من إبطال كلام أولئك ما فيه فلم يجيبوا عن الشبهة في الجواب بل هذه معارضة ومن أعطى النظرَ حقَّه علم أن هؤلاء الملاحدة قلبوا الحقيقة ونفوا عن الرب التقدم الحقيقي ومنعوا إمكان التقدم الحقيقي بحال كما أنهم وملاحدة المتكلمين في العلو قلبوا الحقيقة فنفوا عن الرب العلوَّ الحقيقي والمباينة الحقيقية بل منعوا إمكان العلو الحقيقي والمباينة الحقيقية بل منعوا أو موَّهوا بما في لفظ المكان من الاشتراك وبيان ذلك أن يقال لا ريب أنه يقال إن التقدم والتأخر والمقارنة من الأمور التي فيها إضافة كما يقال هذا إما أن يكون متقدمًا على هذا أو متأخرًا عنه أو مقارنًا له ويقال إما أن يكون معه أو قبله أو بعده وإما أن يكون معه أو أمامه أو خلفه فلفظ مع هي بمعنى المقارنة والمصاحبة وهي ظرف يقارن ظرف الزمان تارة وظرف المكان أخرى فإذا قيل هو قبله أو بعده أو معه كانت هنا ظرف زمان وإذا قيل أمامه أو وراءه أو معه كانت ظرف مكان والتقدم والتأخر قسيمان للمقارنة التي يعبر عنها بلفظ مع فيقال هو متقدم عليه أو متأخر عنه أو هو معه وإذا كان

كذلك فالتقدم والتأخر والمقارنة في الأصل إنما هي بالزمان والمكان كما أنه المستعمل في ذلك إذا قلَّب الزمان والمكان وهي الألفاظ التي تسمى ظروف الزمان والمكان والله الذي علّم البيان علم الإنسانة العبارة عن المعاني التي يعقلها قلبه فالمعقول لبني آدم من ذلك هو المعبَّر عنه بألفاظ الزمان والمكان فأما التقدم والتأخر بالمكان كقول سمرة بن جندب أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كنا ثلاثة أن يتقدم أحدنا رواه الترمذي وكقول أبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه الذي في الصحيحين لما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه الحديث في صلاة

الخوف ذكر الصف المقدم والصف المؤخر وهكذا لفظ الأول والآخر يستعمل في المكان كما يُستعمل في الزمان كما في الصحيحين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها ونظائر هذا في الاستعمال كثير ومنه قوله تعالى وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴿97﴾ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود 97-98] مع أن تقدم فرعون وتقدم الإمام هو بالمكان والزمان جميعًا فإذًا فعلُهُ قبل فِعْلِهم وهو إمامهم

ثم التقدم بالرتبة والشرف هو من هذا فإن المكانة والرتبة مأخوذة من المكان لأن صاحب الرتبة المتقدمة يكون متقدمًا في المكان والمكانة على صاحب الرتبة المتأخرة كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ليلني منكم أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم والتقدم بالرتبة كالعلو بالرتبة والدرجة والمكانة وأصله من المكان وقد تكلمنا على هذا مبسوطًا في غير هذا الموضع وسنوضحه إن شاء الله إذا تكلمنا على ما تأوَّل به ما جاء في القرآن من وصفه سبحانه بالعلو فإن إلحاد هؤلاء في أسمائه وآياته التي وُصف فيها بالعلو والظهور والرفعة تشيه إلحاد هؤلاء في أسمائه وآياته التي

وصف فيها بالأولية والتقدم والنوع الثاني التقدم والسبق والأولية بالزمان كقوله سبحانه وتعالى حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴿39﴾ [يس 39] وقوله وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ﴿11﴾ [الأحقاف 11] وقول إبراهيم عليه السلام أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ ﴿75﴾ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ﴿76﴾ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿77﴾ [الشعراء 75-77] وقوله تعالى وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ ﴿24﴾ [الحجر 24] يتناول هذا وقد فسر أيضًا بالاستقدام والاستيخار في صفوف الصلاة ومنه قوله تعالى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس 12] فإن الذي قدموه هو ما فعلوه قبل موتهم وآثارهم ما أخروه وقد فسر أيضًا بالمكان وفسرت آثارهم بآثار خطاهم في المسجد والتقدم والتأخر والسبق والأولية في هذا النوع أشهر وقد يقال إنما استُعمل في المكان لتضمُّنه التقدم في الزمان أيضًا كما استعمل لفظ الأول والآخر فإنه لا يكاد يخلو في جميع موارده عن تقدمه نوعًا من التقدم بالزمان

وأما ما ذكروه من التقدم بالعلية والشرط فهذا قد نًوزِعوا فيه وقيل لهم يمتنع في المقارنة الزمانية أن يكون أحدهما متقدمًا على الآخر بوجه من الوجوه فإن التقدم إذا كان من عوارض الزمان وهو ضد المقارنة واجتماع التقدم والتأخر مع المقارنة في شيئين لأعيانهما جمع بين الضدين فكما أنه يمتنع أن يكون أمامه ويكون معه في ظروف المكان والمكانة وموانعهما فإنه يمتنع أن يكون قبله ويكون معه في ظرف الزمان وتوابعه فمن قال إن العالم مع الله لم يصح أن يقول هو بعده ولا متأخرًا عنه ولا أن يقول إن الله قبله ولا متقدمًا عليه وهذا يختص بالكلام على ما أثبتوه من التقدم بالعلية والشرط دون الزمان وما نفوه من امتناع تقدم الله بالزمان كما نفوا أيضًا علوه بالمكان فيُجعل في ذلك فصلان

الفصل الأول ما أثبتوه من التقدم بالعلة والشرط دون الزمان وأما المتقدم بالشرط كما مثلوه من تقدم الواحد على الاثنين فإن الواحد ليس له وجود خارجي محدد عن المواد بل ليس في الخارج من الوحدان إلا ما له حقيقة تتميز بها ولكن الإنسان يتصور في ذهنه الواحد قبل الاثنين ويتكلم بلفظ الواحد قبل الاثنين وهذا ترتيب زماني محسوس ثم إذا قُدِّر اجتماع تصوره للواحد والاثنين أو اجتماع نطقه بهما فهو كاجتماع أعيانهما في الخارج كما لو اجتمع درهم ودرهمان وثلاثة دراهم ونحو ذلك فليس هناك ترتيب أصلاً وليس الدرهم متقدم على الدرهمين ولا الدرهمان متقدمان على الثلاثة وقول القائل لا توجد الدرهمان إلا بوجود الدرهم أو لا يوجد الاثنان إلا بوجود الواحد يقال له أما الدرهمان الموجودان في الخارج فهما مستغنيان في وجودهما عن الدرهم المنفرد عنهما لا يشترط وجودُهما وجودَه بحال ولكن هما متوقفان على وجود أنفسهما كتوقف الدرهم الواحد على وجود نفسه فليس بأن يجعل تقدمه عليهما لكون الاثنين واحدًا وواحدًا بأولى من أن يجعل متقدمًا على نفسه لأن الواحد واحد وكل هذا غلط وهذا الترتيب من جنس التركيب

والافتقار الذي يذكرونه في افتقار الشيء إلى صفته وبعضه وهو من جنس افتقاره إلى نفسه فيكون وجوده لا يكون إلا بصفته التي يمتنع أن يكون ذاته بدونها مثل كون وجوده لا يكون إلا بوجوده وهو مثل كونه واجبًا بنفسه ولا ريب أن الذهن قد يغلط فيظن في الواجب بنفسه أنه علة نفسه وأن هناك

تقدمًا وتأخرًا وهو غلط بل هو هو فتوقُّف الاثنين على الواحد وتوقف الثلاثة على الاثنين هو توقف الجملة على بعض أفرادها وهو كتوقف الشيء على نفسه كتوقف الاثنين على الاثنين والثلاثة على الثلاثة وإذا لم تكن الجملة إلا هذه الأفراد وهذا التأليف لم يكن المتوقف غير المتوقف عليه ولم يكن هناك شيء متقدمًا على شيء بوجه من الوجوه في الخارج إلا إذا وجد أحدهما قبل الآخر فيكون الترتيب زمانيًّا وهو حق ولكن الذهن قد يدرك المفرد قبل الجملة والبسيط قبل المركب والواحد قبل العدد وننطق بذلك فيكون الترتيب في علمنا ونطقنا لا في الحقيقة نفسها فهذا هو التقدم بالشرط الذي يجعلونه في الأعداد والمقادير والمركبات ونحو ذلك وكذلك هو في الصفات والكيفيات فإنه إذا قيل العلم والقدرة مشروطة بالحياة والشرط متقدم على المشروط فليس في الموصوف ترتيب بحال بل الحياة والعلم والقدرة موجودة معًا بكل وجه لكن العلم يستلزم وجود الحياة فلا يوجد إلا معها لا أنه لا يوجد إلا بعدها وإذا لم يوجد إلا معها سواء كانت قبله أو لم تكن لم يقتض ذلك أنه يجب تأخره عنها بل إذا قارنها فهو مقارن لها وإذا قدر حياة لا علم لها ثم حصل معها علم فهنا هو متأخر عنها في الزمان أيضًا ونحن لا ننازع في أن الصفات يعرض لها الترتيب الزمني كما يعرض الأعداد كما تقدم ولكن ليس هذا بواجب ومتى

انتفى هذا الترتيب لم تكن مرتبة أصلاً بل تكون متقارنة وأما الترتيب في علم الإنسان بالصفات فهذا لا ينضبط فقد يعلم الإنسان العلم ويستدل به على الحياة وقد يعلم الحياة ويستدل بها على العلم وحيث وجد ذلك الترتيب فهو ترتيب زماني وهو ترتيب في العلم بها والتعبير عنها لا في ذاتها وأما ما ذكر وهـ من التقدم بالعلية فيقال لهم ليس هذا أيضًا حقيقة وليس في المخلوق شيء واحد هو علة تامة لشيء أصلاً لكن مشيئة الله تعالى مستلزمة لمراده بها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وما سوى ذلك من الأسباب الموجودة فليس شيء منها بمفرده علة تامة لشيء ولكن يكون سببًا والسبب بمنزلة الشرط الذي إذا ضم إليه غيره من السباب صار المجموع علة ولكن ذلك المجموع لا يكون إلا بمشيئة الله لا يكون المجموع بعلة غير مشيئة الله قط فإذًا وصف العلية التامة لا تقوم بشيء من المخلوقات وإذا لم يكن شيء من المخلوقات علة تامة امتنع بطريق الأولى أن يكون متقدمًا بالعلية لكن يكون سببًا وهو كالشرط والشرط لا يجب تقدمه على المشروط بل قد يقارنه وقد يسبقه كما تقدم وإذا قارنه فليس هو متقدمًا عليه بوجه من الوجوه فكذلك ما يسمونه علة إنما هو في الحقيقة شرط وسبب ويكون متقدمًا عليه وإذا كان

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل