بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 122-161
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الخامس

صفحات 122-161
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

فبيَّن أحمد أن هذه الكلمة إنما يقبلها الجهال فينخدعون بها لأنهم يعتقدون أن ما ذكره هذا ممكن وإن لم نعلم نحن كيفيته وإنما كانوا جهالاً لأنهم خالفوا العقل والشرع وقبلوا ما لا يقبله العقل واعتقدوا هذا من جنس ما أخبر به الشارع من الصفات التي لا نعلم نحن كيفيتها والفرق بينهما من وجهين أحدهما أن الله ورسوله عالم صادق فيما أخبر به عن نفسه وهو أعلم من عباده فإذا أخبرنا بأمر فقد علمنا صدقه في ذلك وعلمنا مما أخبرنا به ما أفهمناه وما لم نعلم كيفيته من ذلك لا يضرنا عدم علمنا به بعد أن نعلم صدق المخبر وأما هؤلاء فإنما يدعون ما يقولونه بالعقل لا يثبتونه بالشرع فإذا كان العقل الذي به يعتصمون لا يقبل ما يقولونه ولا يثبته بل ينفيه كان ما يقولون باطلاً ولم يكن لهم به علم وكانوا أسوأ حالاً ممن استشهد بشاهد فكذَّبه أو نزع بآية ليحتج بها وكانت حجة عليه إذ كان مفزعهم العقل والعقل عليهم لا لهم وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو كما ذكرناه على كلام هذا المؤسس ونحوه من أنهم يدعمون العقل ما لا يقبله العقل بل يرده كدعواهم وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه كما قال إخوانهم بوجود موجود في العالم لا مباين العالم ول مماس

له ثم إن صنف المؤسس وهذا الصنف الآخر كل منهما يقول بأن الإلهيات تثبت على خلاف ما يعلمه الناس وتثبت بلا كيفية ويدعون ذلك فيما يثبتونه بالعقل والعقل نفسه لا يقبل ما يقولونه بل يرده بضرورته وفطرته فضلاً عن قياسه ونظره الوجه الثاني أن الشارع لم يخبر بما يعلم بالعقل بطلانه ولا بما يحيله العقل حتى يكون نظيرًا لهذا وهؤلاء ادَّعَوا ما يرده العقل ويحيله فلهذا كان ما لأخبر به الشارع يقال له والكيف مجهول ويقال فيه بلا كيف لعدم امتناعه في العقل وهؤلاء الجهمية ادعوا محالاً في العقل فلم يقبل منهم بلا كيف ولهذا قال الإمام أحمد إنه خدع الجهال بهذه الكلمة موَّه عليهم حيث لم يثبتوا الفرق بين خبر الشارع وبين كلام هؤلاء الضُّلاَّل ولم يثبتوا الفرق بين ما يقبله العقل ويرده وهذا الذي ذكره أحمد عنهم من قولهم هو فيه غير مباين ولا مماس وقول الآخرين الذين منهم المؤسس لا داخله ولا خارجه قد علم بالفطرة الضرورية أنه خروج عن النقيضين

كما علم مثل ذلك في قول سائر الجهمية من الملاحدة والباطنية ونحوهم حيث قالوا هو لا حيٌّ ولا ميت ولا عاجز ولا قادر ولا عالم ولا جاهل وكلام هؤلاء كلهم من جنس واحد يتضمن الخروج عن النقيضين ويتضمن تعطيل ما يستحقه الباري وحقيقته وتعطيل ذاته بالكلية وتعطيل معرفته وذكره وعبادته بحسب ما نعوه من ذلك فإن قيل ما ذكره الإمام أحمد وقدَّرتموه من امتناع كونه في العالم غير مباين ولا مماس معارضٌ بما يذكره طوائف من أهل الإثبات من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم القائلون بأنه فوق العرش فإنهم يقولون هو فوق العرش غير مباين ولا مماس فما الفرق بين الموضعين قيل هؤلاء الذين يقولون هذا إنما يقولونه لأنهم يقولون إنه فوق العرش وليس بجسم وهذا قول الكلابية وأئمة الأشعرية وطوائف ممن اتبعهم من أهل الفقه وغيرهم وطوائف كثيرة من أهل الكلام والفقه يقولون بل

هو مماس للعرش ومنهم من يقول هو مباين له ولأصحاب أحمد ونحوهم من أهل الحديث والفقه والتصوف في هذه المسألة ثلاثة أقوال منهم من يثبت المماسة كما جاءت بها الآثار ثم من هؤلاء من يقول إنما أثبت إدراك اللمس من غير مماسة للمخلوق بل أثبت الإدراكات الخمسة له وهذا قول أكثر الأشعرية والقاضي أبي يعلى وغيره فلهم

في المسألة قولان كما تقدم بيانه وعلى هذا فلا يرد السؤال ومنهم من أصحاب أحمد وغيره من ينفي المماسة ومنهم من يقول لا أثبتها ولا أنفيها فلا أقول هو مماس مباين ولا غير مماس ولا مباين وهذه المباينة التي تقابل المماسة أخصُّ من المباينة التي تقابل المحايثة فإن هذه العامة متفق عليها عند أهل الإثبات وهي تكون للجسم مع الجسم وللجسم مع العرض وأما التي تقابل المماسة فإنها لا تكون له مع العرض والعرض يحايث الجسم فلا يباينه المباينة العامة وأما الخاصة فلا يقال فيها مباينة ولا مماسة وإذا كان أحمد قد ذكر امتناع خلوه عن المباينة الخاصة والمماسة فامتناعُ خُلوِّه عن المباينة العامة والمحايثة أولى فإن المباينة الخاصة والمماسة نوعان للمباينة

العامة فإذا امتنع رفع النوع فامتناع رفع الجنس أولى وليس هذا موضع الكلام في هذه الأقوال ولكن نذكر جوابًا عامًّا فنقول كونه فوق العرش ثبت بالشرع المتواتر وإجماع سلف الأمة مع دلالة العقل ضرورة ونظرًا أنه خارج العالم فلا يخلو مع ذلك إما أن يلزم أن يكون مماسًّا أو مباينًا أو لا يلزم فإن لزم أحدهما كان ذلك لازمًا للحق ولازمُ الحق حق وليس في مماسته للعرش ونحوه محذور كما في مماسته لكل مخلوق من النجاسات والشياطين وغير ذلك فإن تنزيهه عن ذلك إنما أثبتناه لوجوب بُعدِ الأشياء عنه ولكونها ملعونة مطرودة لم نثبته لاستحالة المماسة عليه وتلك الأدلة منتفية في مماسته للعرش ونحوه كما روي في مس آدم وغيره وهذا جواب جمهور أهل الحديث وكثير من أهل الكلام وإن لم يلزم من كونه فوق العرش أن يكون مماسًّا أو مباينًا فقد اندفع السؤال فهذا الجواب هنا قاطع من غير حاجة إلى تغيير القول الصحيح في هذا المقام وبين من قاله إنه فوق العرش ليس

بمباين له ولا مماس كما يقوله من الكلابية والأشعرية من يقوله من اتبعهم من أهل الفقه والحديث والتصوف والحنبلية وغيرهم إن كان قولهم حقًّا فلا كلام وإن كان باطلاً فليس ظهور بطلانه موجود قائم بنفسه مع وجود قائم بنفسه أنه فيه ليس بمماس ولا مباين له وأنه ليس هو فيه ولا هو خارجًا عنه ثم ذكر أحمد الحجة الثانية فقال فقلنا لهم إذا كان يوم القيامة أليس إنما الجنة أو النار والعرش والهواء إلى آخره فبيَّن أن موجب قولهم أن يكون بعضه على العرش وبعضه في الجنة وبعضه في النار وبعضه في الهواء لأن هذه هي الأمكنة التي ادَّعَوا أن الله فيها فيتبعَّض ويتجزأ بتيعُّض الأمكنة وتجزُّئها وذكر أنه عند ذلك تبين للناس كذبهم على الله لأن

الناس في الدنيا قد آمنوا بالغيب وبأمور أخرى لم يروها في الدنيا وسوف يرونها في الآخرة فإذا ظهر لهم أن هؤلاء يقولون إنه يكون في الآخرة كما كان في الدنيا متفرقًا متجزئًا لم يمكن أن يراه أحد ولا أن يحايث أحدًا ولا أن يختص أولياؤه بالقرب منه دون أعدائه بل يكون في النار مع أعدائه كما هو في الجنة مع أوليائه فظهر بذلك من كذبهم على الله ما لم يظهر بما ذكروه في أمر الدنيا وقال عبد العزيز الكناني في رده على الجهمية بعد أن بيَّن أنه على العرش وأجاب عما احتجوا به ثم قال ولكن يلزمك أنت أيها الجهمي أن تقول إن الله عز وجل محدود وقد حوته الأماكن إذ زعمت في دعواك أنه لا يعقل شيء في مكان إلا والمكان قد حواه كما تقول العرب فلان في

البيت والماء في الحِبِّ والبيت قد حوى فلانًا والحِبُّ قد حوى الماء ويلزمك أشنع من ذلك لأنك قلت أفظع مما قالت به النصارى وذلك أنهم قالوا إن الله حلّ في عيسى وعيسى بدن إنسان واحد وكفروا بذلك وقيل لهم ما أعظمتم الله تعالى إذ جعلتموه في بطن مريم وأنتم تقولون إنه في كل مكان وفي بطون النساء كلهن وبدن عيسى وأبدان الناس كلهم ويلزمك أيضًا أن تقول إنه في أجواف الكلاب والخنازير لأنها أماكن وعندك أنه في كل مكان تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًّا فبما شنعت مقالته قال أقول إن الله في كل مكان لا كالشيء في الشيء ولا كالشيء على الشيء ولا كالشيء مع الشيء خارجًا عن الشيء ولا مباينًا للشيء يقال له إن أصل قولك القياس والمعقول فقد دللت بالقياس والمعقول على أنك لا تعبد شيئًا لأنه إذا كان شيئًا ماخلا من القياس والمعقول أن يكون داخلاً في الشيء أو خارجًا فلما لم يكن في قولك شيء استحال أن يكون كالشيء في الشيء

أو خارجًا عن الشيء فوصفته لعمري ملتبسًا لا وجود له وهو دينك وأصل مقالتك التعطيل

فصل ثم ذكر الرازي الحجة الثانية لمثبتي الجهة فقال وثانيها أنه كما لا يُعقَل موجود خاليًا عن القدم أو الحدوث فكذلك لا يُعقَل موجود ليس في العالم ولا خارج العالم ولا فوق العالم ولا أسفل العالم ولا قُدَّام العالم ولا خلف العالم ولا يمين العالم ولا شمال العالم ولو جاز إثبات موجود غير موصوف بهذه الأوصاف جاز إثبات موجود غير موصوف لا بالقدم ولا بالحدوث وذلك سفسطة وهذه الحجة تشبه ما ذكره في التأسيس من كون المنازعين له يقولون إن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه معلوم بالضرورة العقلية امتناعه

ثم قال والجواب عما تمسكوا به ثانيًا من أن ذلك غير معقول فهو ممنوع لأن صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فقياسُ أحدهما على الآخر بعيد قال وأيضًا فالعقل يأبى إثبات موجود في جهة لا يمكن أن ينسب إلى موجود في جهة أخرى بأنه يساويه أو أنه أصغر منه أو أعظم منه وأنتم تمنعون من أن يقال الباري تعالى

مساوٍ للعرش أو أعظم أو أصغر منه فإن التزموا ذلك لزمهم انقسام ذاته قلت والكلام على هذا من وجوه أحدها أن كون الموجود إما داخل العالم وإما خارجه مثل كونه إما قديمًا وإما حديثًا إما خالقًا وإما مخلوقًا وإما قائمًا بنفسه وإما قائمًا بغيره وإما واجبًا وإما ممكنًا وهذا معلوم بالفطرة الضرورية ولهذا لم يكن ينازع في ذلك الجهمية الذين خاطبهم الأئمة كما ذكر الإمام أحمد في احتجاجه عليهم أنه إذا كان وحده ثم خلق العالم فإما أن يكون خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه ولم يكن القسم الثالث وهو أن يقال خلقه لا في نفسه ولا خارجًا عن نفسه لأن هذا معلوم انتفاؤه بضرورة

العقل ولا نازعه في ذلك الجهمية الذين قالوا في العالم غير مماس ولا مباين وإن دعوى أولئك قد يسلِّم الرازي وأمثاله أنها معلومة بالفساد وبضرورة العقل فدعواهُ أظهرُ فسادًا في ضرورة العقل كما تقدم التنبيه عليه إذ العرض في الجوهر ليس بمماس له ولا مباين له ولا يوجد جوهر ولا عرض إلا هو مباين للآخر أو محايث له فكلٌّ من طائفتي الجهمية يوافق الجماعة على أن قول الأخرى مخالف لضرورة العقل وحقيقة الأمر أن قول الطائفتين جميعًا مخالف لضرورة العقل وقو هؤلاء الموجود المباين للعالم ليس بداخل العالم ولا خارجه أو قولهم الموجود ليس بداخل العالم ولا خارجه مثل قول إخوانهم أنه في العالم ليس بمباين للعالم ولا مماس له فإذا كان قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة فكذلك قولهم وإلا فلا فرق بل قولهم أظهر فسادًا كما تقدم إذ قد عرف وجود ليس بمماس لموجود ولا مباين له ولم يعرف موجود ليس بمباين لوجود آخر ولا محايث له وكذلك قول الملاحدة أنه موجود ليس بحي ولا ميت ولا هو عالم ولا جاهل ولا هو قادر ولا عاجز ونحو ذلك فهذه الأمور معلوم فسادها بضرورة

العقل ودعوى وجود موجود خارج عن هذين القسمين مخالف لفطرة العقل الضرورية وهو من أعظم السفسطة فلا تقبل من أحد دعوى ذلك ومتى سمع ذلك وجب أن تسمع نظائره من السفسطة الوجه الثاني أنه يجب الفرق بين الأقسام الممكنة في الوجود الخارجي وبين التقديرات الذهنية التي لا يُشتَرط فيها مطابقة للأمور الخارجية فإن الذهن يقدر الأمور الممتنعة مع امتناع وجودها في الخارج ويقدر الموجود معدومًا والمعدوم موجودًا وليس هو كذلك في الخارج فباب التقديرات الذهنية أوسع من باب الأقسام الممكنة الخارجية وذلك أن الذهن تقديره بحسب ما يفرضه من الأقسام فيمكنه أن يقول الشيء إما أن يكون موجودًا وإما أن يكون معدومًا وإما أن يكون لا موجودًا ولا معدومًا والشيء إما أن يكون مجهولاً أو معلومًا أو لا معلومًا ولا مجهولاً وإما أن يكون واجبًا أو ممتنعًا أو جائزًا أو لا واجبًا ولا ممتنعًا ولا جائزًا ويمكنه أن يقول الموجود إما أن يكون قديمًا أو محدثًا أو لا قديمًا

ولا محدثًا وإما أن يكون خالقًا أو مخلوقًا أو لا خالقًا ولا مخلوقًا والموجودان وإما أن يكون أحدهما مقارن للآخر ولا سابقًا ولا متأخرًا أو يقول إما أن يكون مقارنًا أو منفكًا أو لا مقارنًا ولا منفكًا وإما أن يكون مباينًا للآخر أو محايثًا له أو لا مباينًا له ولا محايثًا له والموجودان والقائمان بأنفسهما إما أن يكون أحدهما داخلاً في الآخر أو خارجه أو لا داخل الآخر ولا خارجه وإما أن يكون متحيزًا أو حالاّ في المتحيز أو لا متحيزًا ولا حالاّ في المتحيز وإما أن يكون حيًّا أو ميتًا أو لا حيًّا ولا ميتًا وإما أن يكون عالمًا أو جاهلاً أو لا عالمًا ولا جاهلاً وإما أن يكون قادرًا أو عاجزًا أو لا قادرًا ولا عاجزًا وذلك كما تقول الموجود إما أن يكون واجبًا أو جائزًا أو ممتنعًا أو الموجود إما أن يكون ثابتًا أو منتفيًا أو لا ثابتًا ولا منتفيًا فيكون الذهن يقدر هذه التقديرات لا يقتضي جواز وجودها في الخارج بل مع ذلك يعلم أن بعض هذه الأقسام ممتنع في الخارج كما يعلم امتناع أن يكون الموجود ممتنعًا أو أن يكون الموجود منتفيًا أو نحو ذلك وكما يعلم عدم خروج الموجود عن القسمين الحاصرين مثل علم العقل بامتناع أن يكون الموجود لا خالقًا ولا مخلوقًا أو

لا قديمًا ولا محدثًا أو لا واجبًا ولا ممكنًا والعلم بامتناع أن يكون الموجودان لا متقاربين ولا منفكين ولا متباينين ولا متحايثين فقول القائل هذا الموجود لا داخل هذا ولا خارجه كقوله ليس مقارنًا له ولا منفكًا عنه بتقدم أو تأخر أو يقال هذان الموجودان ليس واحد منهما مقارنًا للآخر ولا قبله أو ولا بعده إذا ظهر ذلك فقولُه صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فقياس أحدهما بالآخر بعيد يقال له ليس هذا بموازنة عادلة لأن قوله الموجود إما أن يكون حاصلاً في الحيز أو لا يكون إما أن يريد بالحيز أمرًا وجوديًّا منفصلاً عن المتحيز أو لا يريد بالحيز شيئًا وجوديًّا منفصلاً عن المتحيز فإن أراد الأول كان ذلك نظير قول القائل الموجود إما أن يكون في الزمان أو لا يكون إذا أراد بالزمان

تقدير حركات الفلك ومايجري مجرى ذلك في الأمور الوجودية فإن كلا هذين القسمين مضمونُه أنّ الموجود إما أن يكون في مكان وجودي أو زمان وجودي منفصل عنه أو لا يكون وهذا تقسيم صحيح فإن كل موجود لو احتاج إلى مكان وجودي وزمان وجودي منفصل عنه لكان ذلك المكان الموجود والزمان الموجود يحتاج إلى مكان آخر موجود منفصل عنه وزمان آخر موجود منفصل عنه وذلك يقتضي التسلسل إذا أُرِيدَ به غير الأول وإن أريد به الأول فإن أريد به العلة أفضى إلى الدور وإلا فليس ذلك محالاً إذا جُعِل كل منهما زمانًا للآخر أو سُمِّي حيزًا له وأما إن أراد بالحيز ما ليس بشيء وجودي منفصل عن المتحيز إما أمر عدمي أو شيء قام بالمتحيز أو نوع إضافة ونحو ذلك مما لابد للقائم بنفسه منه أو لابد للجسم منه فهذا

نظير ما يعني بالدهر إذا أريد بالدهر نحو ذلك من أمر عدمي أو بعض صفات الحي أو أمر إضافي أو نحو ذلك فإنه كما يقال إن الحيز تقدير المكان فإنه يقال الدهر تقدير الزمان وكما يقدر الذهن فيهما العالم أحيازًا عدمية هي تقدير الأمكنة فإنه يقدر قبل العالم دهورًا عدمية هي تقدير الأزمنة وهذا هو الذي يجعله بعض الفلاسفة أمرًا وجوديًّا كما يُذكَر ذلك عن أفلاطون ويحكون أنه يُثبِت المادة والمدة والخلا والمثل الأفلاطونية

وأرسطو صاحبه وجمهور العقلاء يعلمون أن هذه إنما هي ثابتة في الأذهان لا في الأعيان بل العقلاء يعلمون أن ما بيَّنه أرسطو وأتباعه من الهيولى المطلقة إنما هي أيضًا في الأذهان لا في الأعيان بل وكذلك ما يثبتونه من العقول المحرفات وإذا كان كذلك فتقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلاً في

الحيز وما لا يكون نظيره تقسيم الوجود إلى ما يكون حاصلاً في الذهن وما لا يكون ومعلوم أن هذا تقسيم ذهني لا خارجي وإلا فكل موجود في الخارج فهو في الذهن ومعلوم بهذا التفسير فكذلك كل موجود في الخارج فهو في الحيز بهذا التفسير وليس من الموجودات شيء يمتنع عليه أن يقال هو في أمر عدمي وإن سمي ذلك العدمي حيزًا أو دهرًا ولا في الموجودات ما يمتنع أن يضاف إليه أو ينتسب إليه شيء بل إذا كان لا موجود إلا ويمكن أن يقارنه ما يقدر فيه الزمان فلا موجود إلا ويقارنه ما يقدر فيه المكان وأما خلو الشيء عن ثبوت الأزلية ولا ثبوتها فنظيرُه خلو الشيء عن ثبوت الفوقية ولا ثبوتها فقول القائل إما أن يكون للشيء أول أو يكون مسبوقًا بغيره أو لا يكون فإن كان له أول فهو العالم والمحدث وإن لم يكن له أول فهو الرب القديم نظيره قول القائل إما أن يكون للشيء فوق بمعنى أنه علاه غيره أو لا يكون فإن علاه غيره فهو العالم وإن لم يَعْلُهُ غيره فهو الرب الأعلى سبحانه وتعالى ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء

وأنت الباطن فليس دونك شيء وكذلك إذا فسر المُحْدَثُ بالذي كان بعد أن لم يكن أو بالمسبوق بعدم نفسه وقيل يكون مسبوقًا بتقدير زمان فإنه يفسر الأسفل بالذي يمكن لأن يعلوه غيره ويقال هو مخصوص بعلم ما يمكن بتقدير موجود فيه وإذا قيل الأول القديم هو الذي لم يزل موجودًا وهو الذي لم يسبقه شيء فتفسير الظاهر بأنه العلي الأعلى وهو الذي لا يعلوه شيء وإذا قيل إن الباري لم يسبقه عدم يصلح لتقدير الزمان قيل إنه لا يعلوه عدم يصلح لتقدير المكان فكما لا يمكن أن يكون شيء قبله لا يمكن أن يكون شيء فوقه بل هو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء

وقد تكلمنا بنحوٍ من ذلك في أول هذا الحكم العادل بينه وبين منازعه الذي خلَّصنا فيه ما التبس من الحق بالباطل في تأسيسه ولكنا تكلمنا هنا على ما ذكره في نهايته وقد ظهر بما ذكرناه أنه عمد إلى تقدير المكان والزمان فذكر في أحدهما المقارنة له وذكر تقسيم الموجود إلى المقارن له وغير المقارن وذكر في الآخر الذي في القسمين جميعًا المقارنة له لكن فتتميمها إلى المقارن المطلق والمقيد وليست هذه موازنة عادلة ومقايسة صحيحة وتمثيلاً مطابقًا في الموضعين بل هذا من الأقيسة الفاسدة الجائرة الظالمة بل يجب أن يوزن ونسبة كل واحد بنظيره وحينئذ فيكون في كل من الصنفين نوعان فيجيء المجموع أربعة كما ذكرناه الوجه الثالث أنه ينبغي أن يعرف أن الأمثال والمقاييس تُضرب للشيء تارة لخفاء حكمه وظهوره بالتمثيل سواء كان التمثيل لتصوُّره أو للتصديق به وتارة يكون هو في نفسه مع سلامة الفطرة جليًّا بديهيًّا ظاهرًا ولكن في القلب ظن أو هوى يصرفه عن معرفة نفسه فضرب المثل الذي لا يعارض

الحق فيه لا ظن ولا هوى فيدركه القلب ويعلم أن هذا مثل ذلك بالضرورة فينقاد إلى الحق لزوال المانع فالغرض أن الأمثال تضرب تارة لتحقيق المقتضى وتارة لدفع المانع ويكون المقصود بها العلم تصورًا أو تصديقًا ويكون المقصود بها أيضًا اتباع العلم والعمل بموجبه أيضًا وهذا كما أن الملكين لما نزلا على داود فقالا فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ ﴿22﴾ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴿23﴾ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ الآية [ص 22 - 24] فلما حكم داود تبيَّن أن هذا مثل مضروب له وعلم حال نفسه ومعلوم أن الأدلة العلمية على قضية كلية يحصل بها التصورات العلمية على هذه القضية لكن هذه لم يكن فيها مانع يخاف أن يعوقه عن معرفة الحق واتباعه فكان التمثيل بما يؤمن فيه المانع محصلاً للمقصود وما نحن فيه من تمثيل المكان وتقديره بالزمان وتقديره هو من هذا الباب فإن مورد النزاع قد حصل فيه للمنازع من الاعتقاد ما قد يصرف عن تصور المطلوب وإلا فالأمران بديهيان فطريان ضروريان في الحقيقة وإذا كان كذلك فنحن نتكلم على ما ضرب من المثل

فيقول له المنازع لا أعقل موجودًا مع غيره خاليًا عن التقدم عليه والحدوث وهذا هو المثل الذي ضربه والأصل الذي مثل به وهو خلو الموجود عن هذين النعتين جميعًا اللذين لابد للموجود من أحدهما فإن الذي سبقه غير محدث والذي سبق غيره أو سبق كل شيء قديم يـ قال وكذلك مسألتنا لا أعقل موجودًا مع غيره خاليًا عن العلو والسفول خاليًا عن الدخول في غيره والخروج عنه فهو أيضًا ذكر خلو الموجود مع غيره عن هذين النعتين وكل من هذين النعتين ينقسم إليهما الموجود له والموصوف به نسبة وإضافة إلى النعت الآخر وموصوفه فللقدم والقديم نسبة وإضافة إلى المحدث والحدث وبالعكس وكذلك العلو والعلي نسبة وإضافة إلى السفل والسافل فالقديم متقدم على المحدث فلا شيء أقدم منه والمحدث ما تقدمه القديم أو ما تقدم عدمه أي كان بعد أن لم يكن كائنًا فكان قبله تقدير زمان يقدر وجوده فيه ولم يكن فيه موجودًا بل الموجود في غيره والعلي عالٍ على السافل وهو العلى فلا شيء أعلى منه والسافل ما علاه العلي وما علاه عدم أي كان يجب أن يكون ما لم يكن

فيه أو كان فوقه حيز وهو تقدير مكان يقدر وجوده فيه ولم يكن فيه موجودًا بل الموجود فيه غيره وهذه موازنة صحيحة وأنت ذكرت في الجواب أن صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما لا يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما يكون ولكن يأبى خلو الشيء عن ثبوت الأزلية وعدمها وكونه حاصلاً في الحيز أو ليس فيه وفي غيره والخروج منه قسمان للمتحيز على ما يقوله فهو كما لو قيل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون حاصلاً في الدهر وإلى ما لا يكون فكان الواجب أن تذكر نفس الصورة التي ادعى منازعك العلم الضروري بها إما بلفظها أو بلفظ آخر ثم تعرضها على العقل هل يقبلها أو يردها وهو قد قال العقل لا يحكم حكمًا بديهيًّا عن الموجود مع غيره إما أن يكون داخلاً فيه أو خارجًا عنه غير داخل فيه ويحكم بأن الموجود مع غيره إما أن يكون محدثًا معه أو متقدمًا عليه غير محدث وهو لا يذكر هذه الصورة للاحتجاج بها أو أن الحكم فيها أقوى بل نفس ما ذكره معلوم بفطرة العقل وضرورته كما أن الثاني كذلك وليس العلم بالأول مستفادًا من العلم بالثاني ولا بالعكس بل كل منهما معلوم

بنفسه والعقل بفطرته وبديهته يعلم أن الموجودين إما أن يكون أحدهما داخل الآخر أو خارجه وإما أن يكون فوقه أو لا يكون فوقه وإما أن يكون محايثًا له مجامعًا له في حيزه بل مباينًا لحيزه وكل هذه العلوم مستقرة في الفطرة وقول القائل العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون متحيزًا أو إلى ما لا يكون ليس نظيرًا لذلك لا في اللفظ ولا في المعنى فلا يدفع ما علم من ذلك بالبديهة وحينئذ فلا حاجة إلى القياس والتمثيل ويعرف ذلك بالوجه الرابع وهو أن يقال قول القائل لا أعقل موجودًا خاليًا عن القدم والحدوث أو لا أعقل موجودًا لا داخل الموجود الآخر ولا خارجه ولا مباينًا له ولا محايثًا له ليس معناه أني لا أعلم ذلك ولا أعرفه أو أني أعجز عن عقله ومعرفته فإن كون الإنسان لا يعلم الشيء ويعقله أو لا يقدر على عقله وعلمه لا يدلُّ على عدمه ولا على امتناعه إذ في الموجودات التي لا يعلمها كثير من بني آدم ولا يقدرون على علمها ما لا يحصيه إلا الله وإنما مراد القائل بقوله هذا غير معقول أي لا يتصور أن يكون معقولاً ومعلومًا وجوده أي يمتنع أن يعقل وجوده أو يعلم وجوده وما امتنع العقل أو العلم بوجوده كان ممتنعًا في نفسه وهذا كقوله تعالى قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ [يونس 18] أي بما لا يكون فإنه لو

كان لعلمه وهكذا ما عقل الإنسان وعلم امتناعه في نفسه وأنه لا يمكن وجوده يقال فيه أنه غير معقول وأن هذا لا يُعقل وإن كان هذا اللفظ يقال على المعنى الأول فاللفظ إذا كان فيه اشتراك قد يغلط الناس في فهمهم فـ لا يعرف المعنى وإذا علم أن هؤلاء المنازعين قالوا إنا نعقل عقلاً ضروريًّا فطريًّا أو نعلم علمًا ضروريًّا فطريًّا امتناعَ وجود موجودين ليس أحدهما داخل الآخر ولا خارجه ونعلم أن من أثبت موجودًا لا داخل العالم ولا خارجه فإنه أثبت ما لا يتصور أن يعلم وجوده وما لا يكون وجوده بل هذا بمنزلة جعلِه لا موجودًا ولا معدومًا ولا قديمًا ولا محدثًا ولا عالمًا ولا غير عالم ولا قادرًا ولا غير قادر والموجود يمتنع أن يخلو عن هذين النقيضين فمن أثبتهما أو نفاهما يكون قد وصف الموجود بصفة الممتنع وجوده فضلاً عن أن يكون معدومًا فيكون قد أثبت واجب الوجود وجعله ممتنع الوجود فيكون قد جمع في كلامه بين إثبات واجب الوجود بين وجوده وبين عدمه وهذه صفة هؤلاء الملاحدة من الجهمية وأشياعهم هم منافقون مذبذبون بين الإقرار بالصانع واجب الوجود وبين إنكاره وإحالة وجوده لا جحدوه بالكلية ولا أقروه بالكلية

وصفوه بما يقتضي أنه واجب الوجود ووصفوه بما يقتضي أنه ممتنع الوجود ثم قد يكون هذا في كلامهم اغلب وقد يكون هذا أغلب وحينئذ فيكون الكفر الصريح على بعضهم أغلب وهو حال الملاحدة النفاة للنقيضين جميعًا فإن جحود هؤلاء وجعلهم له ممتنعًا أضعاف إقرارهم بوجوب وجوده وقد يكون الإثبات أغلب وهو حال من أقر بعامة أسمائه وصفاته وإنما جحد منها شيئًا يسيرًا كما يوجد في بعض الصفاتية كثيرًا وهؤلاء يؤمنون ببعض أسناء الله تعالى ويكفرون ببعض ويؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ولهذا تنازع الناس في إيمانهم وكفرهم بما ليس هذا موضعه ولا ريب أن فيهم الجاهل المتأول الذي لا يجوز أن يُحكم عليه بحكم الكفار وأن قوله من قول الكفار كما أن فيهم المنافق الزنديق الذي لا ريب في نفاقه وكفره وإذا كان منازعك قد قال إنا نعلم ونعقل بالفطرة امتناع وجود ما ذكرته من وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه فقولُك صريح العقل لا يأبى تقسيم الموجود إلى متحيز وغير متحيز ليس فيه جواب عن هذا القول أصلاً فإنك

لم تقل إن صريح العقل يقبل وجود موجود لا يكون داخل العالم ولا خارجه فإنك لو قلت هذا كان رجوعًا إلى قولك الأول وكان ذلك مقابلة لدعوى العلم الضروري بالامتناع بدعوى العلم الضروري بالإمكان وإذا وصل الأمر إلى أن يقول أحد المناظرين أنا أعلم بالضرورة امتناع هذا ويقول الآخر أنا أعلم بالضرورة إمكانه لم يكن الفصل بينهما إلا من وجوهً أخرى كما بيَّناه في غير هذا الموضع ومع هذا فلا يكون أحدهما قد قطع الآخر فإذا كنت لو ادعيت العلم الضروري بإمكان لم يكن له وحينئذٍ يكون كلٌّ منهما متكافئًا فكيف إذا لم تذكر ذلك بل ادّعيت العلم بشيء آخر غير محل النزاع الذي ادعى المنازع العلم الضروري به ومن المعلوم أن أحدًا من الخلق لا يمكنه أن يدعي الضرورة بإمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه بل غايته أن يذكر علمًا نظريًّا وأن

يزعم أن ما عند المنازع ليس علمًا ضروريًّا وأن لا يقول أنا أعلم بالضرورة امتناع هذا فغايته أن ينفي العلم الضروري الذي إنْ اضطر إليه بعض الناس لم يضطر إليه آخرون لم يكن هذا دافعًا لما عند أولئك لأنه إنْ جوّز اختصاص بعض الناس بالعلوم الضرورية كما يختصون العلوم النظرية كما يختصون بالعلم بالأخبار المتواترة والمخبريات وعلم الأشياء الدقيقة وهذا أصح القولين فلا يضرهم عدم علم غيرهم وإن قيل بل يجب اشتراك الناس في كل العلوم الضرورية كما تقوله طائفة من أهل الكلام فإذا قال هؤلاء نحن مضطرون إلى العلم وقال هؤلاء لم نضطر إليه لم يكن قبول قول أحدهما أولى من الآخر إلا بموجب منفصل وعلى هذا التقدير فلا يندفع ما ذكره المنازع من العلم الضروري بنفي ذلك عن محل النزاع لو فعله المنازع فكيف إذا لم يذكر ذلك إلا في ضرورة أخرى يقرّر هذا الوجه الخامس وهو أن هذه الصورة التي ادعى أن العقل الصريح لا يأباها إمّا أن تكون مستلزمة لإمكان ما أحاله المنازع أو لا تكون مستلزمة لإمكانه فإن لم تكن مستلزمة لم يكن جوابًا أصلاً وإن كانت مستلزمة كانت غايته أنه قدح فيما

ذكره المنازع من العلم الضروري بحجة نظرية لأنه يقول العقل يجوِّز هذا وتجويز هذا يستلزم تجويز ذاك والقدح في الضروريات بالنظريات غير مقبول لأن الضروريات أصل النظريات فلو جاز القدح في الضروريات بالنظريات لكان ذلك قدحًا في أصل النظريات والقدح في أصل الشيء قدح فيه نفسه فيكون القدح في الضروريات بالنظريات يتضمن القدح في الضروريات والنظريات وإذا كان على هذا التقدير لا تصح الضروريات ولا النظريات لم يكن هذا علمًا ولا كلامًا صحيحًا فلا يقدح به في شيء وهذا من الكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وهو كما قيل حُجَجٌ تهافت كالزُّجاج تَخَالُهَا حقًّا وكُلٌ كاسرٌ مكسورٌ وإذا كان القدح في الضروريات بالنظريات مستلزمًا ألاَّ يكون واحدٌ منهما علمًا ولا يثبت أنه حق وصدق كان كلام القادح

ليس علمًا ولا يثبت أنه حق وصدق فلا يكون مقبولاً فثبت أنه على التقديرين لا يقبل ما ذكره وليس هو علمًا ولا ثبت أنه حق وصدق فبقي ما قاله المنازع على حاله غير مقدوح فيه الوجه السادس أن هذه الصورة التي قد ذكر أن العقل الصريح لا يأباها وهو أنه لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون حاصلاً في الحيز وإلى ما لا يكون فيقال له تعني بقولك إن العقل الصريح لا يأبى هذا التقسيم أتريد أن العقل الصريح لا يعلم امتناع هذا في الحيز أو أن العقل الصريح يعلم إمكان هذا في الخارج فإن قال العقل الصريح يعلم إمكان هذا في الخارج كان معنى ذلك أن العقل الصريح يعلم أنه يمكن في الخارج وجود موجود متحيز ووجود موجود غير متحيز كما يعلم وجود موجود متحيز وقائم بالمتحيز ووجود الجسم وصفاته والعقل الصريح هنا إنما يُراد به العلم الضروري وإلا لم يحصل المقصود ومعلوم أنه لم يَدَّع ولا ذكر عن أحد من ذويه أنهم ادعوا أنهم يعلمون علمًا ضروريًّا وأن عقلهم الصريح يحكم بإمكان وجود موجود في الخارج ليس بمتحيز ولا قام بالمتحيز إذا فُسِّر المتحيز بالمباين لغيره بالجهة بل هؤلاء إنما يثبتون إمكان ذلك كما يثبتون وجوده بالأدلة النظرية ولو أمكنهم دعوى العلم الضروري بذلك كانوا يدعون العلم

الضروري بإمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه ثم لو قُدِّر أنه ادعى ذلك مدعٍ لم يكن دعواه دافعة لما ادعاه أولئك بل يكون الحكم لغيرهما وحينئذ فعليهم جميعًا أن يسلِّموا الحمم لكتب الله المنزلة وأنبيائه المرسلة ولا نزاع بين الخلائق أن دلالة الكتب الإلهية والآثار النبوية على أنه سبحانه فوق العالم أعظم من دلالتها على نفي كيفيته وكَمِّيتهِ وذلك يقتضي رجحان ذلك لو فرض أن لهؤلاء في السمع دليلاً فكيف وجميع علمائهم وعلماء الأولين والآخرين يعلمون أن السمع ليس فيه دلالة تدل لا نصًّا ولا ظاهرًا على أن الله سبحانه وتعالى ليس فوق العالم وفيه من الأدلة التي هي نصوص وظواهر على أن الله سبحانه وتعالى فوق العالم ما لا يحصيه إلا رب العباد ولما علم الله أن بني آدم يصل الأمر بينهم في المناظرات إلى هذا الحد وكانوا يدعون وجدا وعلمًا ضروريًّا إما صادقين في ذلك وهم غالطون لا يعرفون وجه غلطهم وإما كاذبين في ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه وأمرهم أن يحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه ولهذا لا يقطع النزاع عن بني آدم إلا بالنبي والرسول وحاجتهم إلى ذلك ضرورية قال الله تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ [البقرة 213] وقال تعالى فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ

الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿59﴾ [النساء 59] وهذا كله إذا ادعى مدعٍ العلمَ الضروري العقلي بنقيض ما ادَّعاه أولئك فكيف ولم يذكر أن أحدًا ادعاه ولا يدعيه إلا من خالف أصحابه ودخل في السفسطة الصريحة والجحود والبهتان ولا ريب أن باب الكذب والافتراء ليس مسدودًا فيمكن أن يحمل بعض الناس اعتقاده وظنه أو هواه وغرضه أو كليهما على ادعاء ذلك وإن قال معنى قولي إن العقل الصريح لا يأباها أي لا يعلم امتناعها فهذا إذا علم لم يضر المنازع فإن المنازع إذا قال أنا أعلم بالضرورة امتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه وأنت لم تعلم امتناع صورة تستلزم إمكان ذلك لم يكن عدم العلم بامتناع ما يوجب إمكان ذلك قادحًا في العلم بامتناعه فإنا إذا علمنا أن الشيء ممتنع وكان إمكان غيره مستلزمًا لإمكانه وذلك اللزوم لا يعلم امتناعه لم يكن عدم علمنا بامتناع مستلزم الإمكان مثبتًا للإمكان هذا ولا مانعًا من العلم بالامتناع وقد تقدم أنه لو قال لا أعلم امتناع ذلك لم يكن هذا جوابًا فكيف إذا قال بما يثبت به الإمكان أني أعلم امتناع هذا التقسيم لم يكن عدم العلم بامتناعه موجبًا عدم العلم بامتناع ذلك الخلو عن القسمين إذ أحدهما ليس هو الآخر وإن كان

بينهما تلازمًا الوجه السابع أن يقال لا نسلّم أن العقل الصريح لا يأبى هذا التقسيم إذا بين معناه وزال عنه الاشتباه وذلك أن الحيز يراد به الأمر الوجودي المنفصل عن المتحيز ويراد به ما لا ينفصل عن المتحيز ولا يستلزم وجود غيره فإن تحيز العالم وغيره من الأجسام لا يستلزم وجود شيء غيره وبالجملة فالمتحيز إن أريد ما يستلزم وجود شيء غيره لم ننازع فيما ذكره من التقسيم فإن العقل يعلم أن الموجود قد يكون في حيز منفصل عنه وقد لا يكون ولكن هذا لا يضر فإن المنازع إنما ادعى العلم الضروري أن الموجود لا يكون داخل العالم ولا خارجه لم يذكر المتحيز وكذلك إن أريد بالمتحيز الجسم فقط دون العرض فقد علم أن الموجود فيه أجسام وصفات يقوم بها وإن كان هذا فيه نزاع ومن الناس من يقول لا موجود إلا الجسم وهذا تنازع في هذا التقسيم ويقول لا أسلّم أن العقل الصريح لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون متحيزًا أو غير متحيز لكن ليس الغرض الكلام من جهة هؤلاء فقط بل يقالُ كلامًا عامًّا إذ لا حاجة إلى هذه الأقوال فإذا أراد بالحاصل في الحيز المتحيز أصالة أو تبعًا ولم يعين بالحيز أمرًا وجوديًّا منفصلاً عنه لم يسلم له منازعه أن العقل الصريح لا يأبى تقسيم الموجود إلى ما يكون حاصلاً في الحيز وما لا يكون حاصلاً فيه لا بمعنى أن العقل يعلم جواز ذلك في الخارج كما تقدم

ولا يعني أن العقل الصريح لا يعلم امتناع ذلك بل نقول العقل الصريح يعلم امتناع ذلك مما صرح ذوو العقول الصريحة من أئمة الإسلام وعلمائهم بأن العقل يمنع ذلك ولم يعرض على ذوي عقل صريح هذا إلا أنكره ونفاه إذا فهم حقيقة المعنى وأما من لم ينكر عقله ذلك فلأنه لم يعرضه على العقل الصريح فإن الصريح هو المحض الخالص الذي لا يشوبه هوى ولا جهل فكثير من الناس يسمع هذه الألفاظ المتداولة مثل الحيز والمتحيز والجسم والجوهر والعرض والصفات ونحو ذلك وهي فيها من الاحتمال والاشتراك ما يوجب تنازع العقلاء فيها فيكون كثير من النظر في مسماها ليس بعقل صريح خالص من الاشتباه والاشتراك ومن الناس من أَلِفَ قولاً واعتاده وتقلده عن بعض المعظَّمين في قلبه مثل تقلده أن الباري ليس في جهة أو أنه ليس بمتحيز أو ليس بجسم ولا جوهر أو هو جسم أو جوهر فيكون هذا التقليد مانعًا له من أن يكون عقله صريحًا كما قال تعالى وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُواْ بَلْ ن

َتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ﴿170﴾ [البقرة 170] وقد قال تعالى وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴿116﴾ [الأنعام 116] وقال تعالى أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴿44﴾ [الفرقان 44] فالعقل الصريح قليل في بني آدم ولكن علامته متابعة ما جاء به الرسل عن الله تعالى فإن العقل الصريح لا يخالف ذلك قط بل لو وَحَّدَه لوجد الإيمان ولهذا قال أهل النار لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿10﴾ [الملك 10] فأخبروا أنه أي الأمرين وجد منهم العذاب وقد قال تعالى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴿46﴾ [الحج 46]

وأعظم الناس عقلاً وأعظمهم إيمانًا ويقينًا بما جاءت به الرسل وهم أعظم الناس علمًا كما قال تعالى وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴿6﴾ [سبأ 6] وأن العقل الصريح يوجب الاجتماع فإن الحق لا يختلف ولا يتناقض ولهذا كان ما جاء من عند الله كذلك كما في قوله كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ [الزمر 23] وقال في خلافه وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴿82﴾ [النساء 82] وقال إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴿8﴾ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴿9﴾ [الذاريات 8- 9] وقد قال تعالى تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴿14﴾ [الحشر 14] فَبَيَّنَ سُبْحَانَه وتعالى أن تشتُّتهم بسبب عدم العقل ومعلوم أن هؤلاء المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم من أعظم الناس تفرقًا واختلافًا ولهؤلاء في معنى الجسم والجوهر والمتحيز والعرض وأحكامه نفيًا وإثباتًا من الاضطراب ما لا يعلمه إلا الله فأين العقل الصريح معهم ولكن معهم دعوى العقل ولكن بين دعوى صفات الكمال وبين وجودها بون عظيم فما أكثر من ادعى بنوة الله وولايته وهم من أكذب الناس وكل من خرج عن شريعة الله فلابد أن يفتري ويكذب في دعواه منهم من ادعى

النبوة والرسالة كمسيلمة والعنسي والثقفي وغيرهم ممن قال الله تعالى فيهم وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [الأنعام 93] ومنهم من ادعى ولاية الله تعالى وأنه من أهله وخاصته كما يدعي ذلك الملاحدة من القرامطة والباطنية والرافضة والاتحادية وأمثال هؤلاء ممن

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل