أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
هؤلاء عما ألزمهم به النفاة من التجسيم الذي هو التركيب والانقسام كقول القاضي أبي بكر فإن قيل فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا قيل قوله وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن 27] وقوله مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا فإن
فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لاتعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة قلنا لا يجب هذا كمالا يجب إذا لم يعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله ولا يجب في كل شيء كان قائماً بنفسه أن يكون
جوهرًا لأنا وإياكم لم نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك قال وكذلك الجواب لهم إن قالوا فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفاته عرضًا واعتلوا بالوجود فإن قال قائل أتقولون إنه في كل مكان قيل له معاذ الله بل هو مستوٍ على عرشه كما أخبر في كتابه فقال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿5﴾ [طه 5] وقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿16﴾
[الملك 16] قال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأماكن إذا خلق منها مالم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل ما كان ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله وقال أبو الحسن الأشعري يقال لهم ما أنكرتم أن يكون الله عنى بقوله بِديَّ يدين ليستا نعمتين فإن قالوا
لأن اليدين إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة فإن قالوا رجعنا إلى الشاهد وإلى ما نجد فيما بيننا مخلوقًا فوجدنا ذلك إذا لم يكن نعمة في الشاهد لم يكن إلا جارحة قيل لهم إن كان رجوعكم إلى الشاهد وعليه عملتم وبه قضيتم على الله عز وجل فكذلك لم تجدوا حيًّا من الخلق إلا جسمًا ولحمًا ودمًا فاقضوا بذلك على ربكم تعالى وإلا كنتم لقولكم تاركين ولاعْتِلاَلِكُمْ ناقضين وإن أثبتم حيًّا
لا كالأحياء فلم أنكرتم أن تكون اليدان التي خبر الله عنْهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا كالأيدي وكذلك يقال لهم لم تجدوا حكيمًا قديرًا ليس كالإنسان وخالفتم الشاهد فيه فقد نقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد الوجه الرابع قوله عن المنازع لم لا يجوز أن يقال إنه تعالى وحده منزه عن التأليف والتركيب ومع كونه كذلك فإنه يكون عظيمًا قوله العظيم يجب أن يكون منقسمًا وذلك ينافي
كونه واحدًا قلنا سلمنا أن العظيم يجب أن يكون منقسمًا في الشاهد فلم قلتم إنه يجب أن يكون في الغائب كذلك فإن قياس الغائب على الشاهد من غير جامع باطل والجواب عن الأول أن نقول إنه إذا كان عظيمًا فلابد وأن يكون منقسمًا وليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد بل هذا بناء على البرهان القطعي وذلك لأنا إذا أشرنا إلى نقطة لا تنقسم فإما أن يحصل فوقها شيء آخر أو لا يحصل فإن حصل فوقها شيء آخر كان ذلك الفوقاني مغايرًا له إذ لو جاز أن يقال إن هذا المشار إليه عينه لا غيره جاز أن يقال هذا الجزء عين ذلك الجزء فيفضي إلى تجويز أن الجبل شيء واحد
يقال له هؤلاء قد يقولون لا هو عينه ولا هو غيره كما عرف من أصولهم أن غيرالشيء ما جاز مفارقته له وأن صفة الموصوف وبعض الكل لا هو هو ولا هو غيره فطائفة هذا المؤسس هم ممن يقولون بذلك وحينئذ فلا يلزم إذا لم يكن عينه أن يكون مغايرًا له فلا يفضي إلى تجويز أن الجبل شيء واحد وإذا جاز أن يقولوا إن هذا الموصوف الذي له صفات متعددة هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم جاز أيضًا أن يقال إن الذي له قَدْر هو واحد غير متكثر ولا مركب ولا ينقسم وإن كان في الموضعين يمكن أن يشار إلى شيء منه فلا يكون المشار إليه هو عين الآخر فإن قيل فهذا يقتضي أن يكون كل جسم غير مركب ولا منقسم والغرض في هذا السؤال وخلافه فإن هذا السؤال فرق فيه بين العظيم الشاهد والعظيم الغائب وان الشاهد منقسم بخلاف الغائب
قيل هذا الجواب هو مبني على أن غير الشيء ما جاز مفارقته له وكل مخلوق فإن الله سبحانه قادر على أن يفرق بعضه عن بعض وإذا جاز مفارقة بعضه لبعض جاز أن يكون بعضه مغايرًا لبعض كما أن علمه وقدرته لما كان قيام هبه جائزًا لا واجبًا كان عرضًا أي عارضًا للموصوف لا لازمًا له والرب تعالى لا يجوز أن يفارقه شيء من صفاته الذاتية ولا يجوز أن يتفرق بل هو أحد صمد إذا كان كذلك لم يلزم عند هؤلاء أن يكون بعضه مغايرًا لبعض كما أصلوه الوجه الخامس أنهم قد ألزموا المنازع مثلما ذكره وقالوا إذا كان حيًّا عالمًا قادرًا ولم يعقل في الشاهد من يكون كذلك إلا جسمًا منقسمًا مركبًا وقد أثبته المنازع حيًّا عالمًا قادرًا ليس بجسم منقسم مركب فكذلك يجوز أن يكون إذا كان عظيمًا وكبيرًا وعليًّا ولم يعقل في الشاهد عظيم وكبير وعليٌّ إلا
ما هو جسم مركب منقسم لم يجب أن يكون جسمًا مركبًا منقسمًا إلا إذا كان وجب أن يكون كل حي عليم قدير جسمًا مركبًا منقسمًا وكذلك يقولون لمن يقول إن حياته وعلمه وقدرته أعراض وكذلك يقول هؤلاء لمن يسلم إثبات الصفات فيقال إذا كان القائم بغيره من الحياة والعلم والقدرة وإن شارك سائر الصفات في هذه الخصائص ولم يكن عندك عرضًا فكذلك القائم بنفسه وإن شارك غيره من القائمين بأنفسهم فيما ذكرته لم يجب أن يكون جسمًا مركبًا منقسمًا ولا فرق بين البابين بحال فإن المعلوم من القائم بنفسه أنه جسم ومن القائم بغيره أنه عرض وأن القائم بنفسه لابد أن يتميز منه شيء عن شيء والقائم بغيره لابد أن يحتاج إلى محله فإذا أثبت قائمًا بغيره يخالف ما علم من حال القائم بنفسه في ذلك فكذلك لزمه أن يثبت قائمًا بنفسه يخالف ما علم من حال القائمين بأنفسهم وجماع الأمر أنه سبحانه قائم بنفسه متميز عن غيره وله أسماء وهو موصوف بصفات فإن كان كونه عظيمًا وكبيرًا موجبًا لأن يكون كغيره من العظماء الكبراء في وجوب الانقسام
الممتنع عليه فكذلك كونه حيًّا عالمًا قادرًا وله حياة وعلم وقدرة وسنتكلم على قوله إن هذا ليس من باب قياس الشاهد على الغائب وأما ما ذكره من التقسيم فيقال له في الوجه السادس أن ما ذكرته من التقسيم يَرِدُ نظيره في كل ما يثبت للرب فإنه يقال إذا أشرناإلى صفة أو معنى أو حكم كعلمه وقدرته أو عالميته أو قادريته أو وجوبه ووجوده أو كونه عاقلاً ومعقولاً وعقلاً ونحو ذلك فإما أن تكون الصفة أو المعنى أو الحكم الآخر هو إياه أو هو غيره فإن كان هو إياه لزم أن يكون كونه حيًّا هو كونه عالمًا وكونه عالمًا هو كونه قادرًا وكونه موجودًا هو كونه فاعلاً وكونه فاعلاً هو كونه عاقلاً ومعقولاً وعقلاً وهذا يفضي إلى تجويز جعل المعاني المختلفة معنى واحدًا وأن يكون كل عرض وصفة قامت بموصوف صفة واحدة وهذا شك في البديهيات فهذا نظير ما ألزموه للمنازع فإنه يجب الاعتراف بثبوت معنيين ليس المفهوم من أحدهما هو
المفهوم الآخر وهذا قد قررناه فيما تقدم فإن كان ثبوت هذه المعاني يستلزم التركيب والانقسام كان ذلك لازمًا على كل تقدير وإن لم يكن مستلزمًا للتركيب والانقسام لم يكن ما ذكره مستلزمًا للتركيب والانقسام فإن مدار الأمر على ثبوت شيئين ليس أحدهما هو الآخر وهذا موجود في الموضعين وهذا يتقرر بالوجه السابع وهو أن يقال المراد بالغيرين إما أن يكون ما يجوز وجود أحدهما دون الآخر أو ما يجوز العلم بأحدهما دون الآخر فإن كان المراد بالغيرين هو الأول لم يجب أن يكون ما فوق المشار إليه غيره إلا إذا جاز وجود أحدهما دون الآخر وهذا ممتنع في حق الله تعالى بالاتفاق وبأنه واجب الوجود بنفسه على ما هو عليه كما هو مقرر في موضعه ثم قد يقال في سائر المعاني إنه يجوز وجود أحدهما دون
الآخر فيجوز حصول الوجود دون الوجوب أو دون الفاعلية أو دون العلم والعناية ودون كونه حيًّا عالمًا قادرًا ونحو ذلك وإن كان المراد بالغيرين ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر كالإحساس بأحدهما دون الآخر كما ذكر من جَوَّزَ الإشارة إلى نقطة دون ما فوقها فيقال لا ريب في جواز العلم ببعض المعاني الثابتة لله دون الآخر كماقد يعلم وجوده دون وجوبه ويعلم وجوبه دون كونه فاعلاً ويعلم ذلك دون العلم بكونه حيًّا أو عالمًا أو قادرًا أو غير ذلك وإذا كانت المغايرة ثابتة بهذا المعنى على كل تقدير وعند كل أحد ولا يصح وجود موجود إلا بها وإن كان واحدًا محضًا كان بعد هذا تسمية ذلك تركيبًا أو تأليفًا أو غير تركيب ولا تأليف نزاعًا لفظيًّا لايقدح في المقصود الوجه الثامن أن يقال اصطلاح هؤلاء أجود فإنه إذا ثبت أن الموجودات تنقسم إلى مفرد ومؤلف أو إلى بسيط ومركب أو إلى واحد وعدد علم أن في الموجودات ما ليس بمركب ولا مؤلف ولا عدد وهذه المعاني لا يخلو منها شيء من الموجودات فعلم أن هذه المعاني لا تنافي كون الشيء واحدًا ومفردًا فيما إذا كان مخلوقًا فكيف ينافي كون الخالق واحدًا
فردًا غير مركب ولا مؤلف فهذا الاعتبار المعروف الذي فطر الله عليه عباده يوضح هذا أنا قد قدمنا أن اسمه الأحد ينفي أن يكون له مِثل في شيء من الأشياء فهوينفي التشبيه الباطل واسمه الصمد ينفي أن يجوز عليه التفرق والانقسام وما في ذلك من التركيب والتجسيد وذلك لأنه سبحانه وصف نفسه بالصمدية كما وصف بالأحدية وهو سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] في جميع صفاته بل هو كامل في جميع نعوته كما لا يشبهه فيها شيء فهو كامل الصمدية كما أنه كامل الأحدية والواحد من الخلق قد يوصف بأنه واحد كما قال
وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً [النساء 11] وكما في ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴿11﴾ [المدثر 11] ويوصف بالأحد مقيدًا أو مطلقًا كقوله فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ [يوسف 78] وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى [النحل 58] وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴿4﴾ [الإخلاص 4] ويوصف أيضًا بالصمد وكما قال يحيى بن أبي كثير الملائكة صمد والآدميون جوف وكما قال الشاعر
أَلاَ بَكَّرَ النَّاعي بخير بني أشد بعمرو بن مسعودٍ وبالسيدِ الصمد وكما قال فأنت السيِّدُ الصَّمَدُ
وكذلك لما في العبد من معنى الوحدة ومعنى الصمدية مع أنه جسم من الأجسام فعلم أن كون الموجود جسمًا لا يمنع أن يكون واحدًا وأن يكون أحد الأجسام وأن يكون صمدًا مع أن كونه جسمًا لا يمنع أن يكون حيًّا عالمًا قادرًا لكن العبد ليس له الكمال الذي يستحقه الله في شيء من صفاته ولاقريب من ذلك فالله تعالى إذا وصف أنه واحد صمد عالم قادر كان في ذلك على غاية الكمال الذي لا يماثله في شيء منه شيء من الأشياء لكن إذا كان ما ذكروه من المعاني التي يجعلونها كثرة وعددًا وتركيبًا ثابتة لكل موجود وذلك لا يمنع أن يكون المخلوق واحدًا فكيف يمتنع ذلك أن يكون الإله الذي ليس كمثله شيء أحدًا وذلك يظهر بالوجه التاسع وهو أن هذه المعاني التي يعلم
القلب أن أحدها ليس هو الآخر أمر لابد منه كما قد علم على كل تقدير ونفي هذه نفي لكل موجود وهو غاية السفسطة ونهايتها وذلك يجمع كل كفر وضلال ويخالف كل حس وعقل فهذا التميز إن أوجب أن تكون الحقيقة في نفسها فيها نوع من التميز لم يكن هذا منافيًا لما هو الواجب والواقع من الوحدانية فإن ذلك إذا لم ينف أن يكون كثير من المخلوقات واحدًا فأن لا ينفي ذلك في الخالق أولى وأحرى مع أن أحديته لها من الخصائص ما لا يجوز مثله لشيء من المخلوقات فإنه لا مثل له في شيء من الأشياء وأما غيره فله الأمثال قال الله تعالى وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿49﴾ [الذاريات 49] قال فتعلمون أن خالق الأزواج واحد وإن قيل كما يقوله بعض الناس إن هذا الامتياز
والتعدد الذهني لا يوجب أن يكون كذلك في الخارج وجعلوا هذا مثل الاتحاد الذي في المعاني الكلية فإنه كما أن الذهن يدرك إنسانية واحدة وجسمًا واحدًا كليًّا عامًّا أو مطلقًا يطابق الأفراد الموجودة في الخارج مع أنه ليس في الخارج شيء إلا موجود بعينه لا يوجد فيها ما هو كلي عام ولكن لما بين الحقائق من التشابه والتماثل يوجد في هذا نظير ما يوجد في هذا فهو باعتبار النوع لا باعتبار العين بل هو نظيره باعتبار العين فإذا كان هذا التشبيه والتمثيل الموجود في الخارج أوجب للذهن إدراك معنى عام كلي يجمع الأمرين وإن لم يكن في الخارج عامًّا كليًّا فكذلك ما يوجد في العين الواحدة مما يظن أنه أجزاء كم وكيف قد يقال للذهن هو الذي يفرق تلك ويميز بعضها عن بعض وإلا فهي في
نفسها واحدة لا تعدد فيها ولا تكثر ولا تركيب فالذهن هو الذي يأخذ الشيء الواحد فيفصله ويركبه بعد التفصيل كما أنه هو الذي يأخذ الشيئين فيمثل أحدهما بالآخر ويجعلهما واحدًا بعد التمثيل فما يذكر من التشبيه والتمثيل الذي يعود إلى معنى عام كلي يشتركان فيه وما يذكر من الأجزاء والصفات الذي يعود إلى معان تتميز في الذهن فيركبها ويؤلفها هو الذي عليه مدار باب التشبيه والتمثيل وباب التجسيم الذي هو التركيب وفي أحدهما يجعل الذهن العدد واحدًا وفي الآخر يجعل الواحد عددًا لكن باعتبارين صحيحين لا يخالف ما هو عليه الحقيقة في نفس الآخر لهذا تغلط الأذهان هنا كثيرًا لأن بين ما في الأذهان وما في الأعيان مناسبة ومطابقة وهو من وجه مطابقة العلم للمعلوم ومخالفة من وجه وهوأن ما في النفس من العلم ليس مساويًا للحقيقة الخارجة فلأجل ما بينهما
من الائتلاف والاختلاف كثر بين الناس الائتلاف والاختلاف ومن فهم ما يجتمعان فيه ويفترقان زاحت عنه الشبهات في هذه المحارات والغرض في هذا الوجه الذي يقال في مواقع الإجماع بين الخلائق التي لابد من إثبات شيء منها لكل عاقل في كل موجود يقال في مواقع النزاع بين مثبتة الصفات ونفاتها ولهذا يقال ما من أحد ينفي صفة من الصفات التي وردت بها النصوص أو يتأولها على خلاف مفهومها فرارًا من محذور ينفيه إلا ويلزمه فيما أثبته نظير مافر منه فيما نفاه فسبحان من لا ملجأ منه إلا إليه اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ونعوذ بك منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
وهذا القدر وإن كان فيه رد على الطائفتين فيما نفته بغير حق فلا يضر في هذا المقام فإن المقصود هنا حاصل به وهو أن هؤلاء المثبتة لعلو الله على عرشه مع نفيهم ما ينفونه يلزمون نفاة العلو على العرش بأعظم مما يلزمونهم به الوجه العاشر قوله أن نقول إذا كان عظيمًا فلابد وأن يكون منقسمًا وليس هذا من باب قياس الغائب على الشاهد بل بناء على البرهان
القطعي وهو ما ذكره من التقسيم فيقال له كل برهان قطعي يستعملونه في حق الله تعالى فلابد وان يتضمن نوعًا من قياس الغائب على الشاهد فإنهم إنما يمكنهم استعمال القياس الشمولي الذي هو القياس
المنطقي الذي لابد فيه من قضية كلية سواء كانت القضية جزئية حملية أو كانت شرطية متصلة تلازمية أو كانت شرطية منفصلة عنادية تقسيمية فإنه إذا قيل الواحد لا يصدر
عنه إلا واحد وقيل لو كان يشار إليه بالحس لكان إما منقسمًا أو غير منقسم أو لو كان فوق العرش لكان إما كذا وإما كذا ولكان جسمًا أو غير ذلك فلابد في جميع ذلك من قضية كلية وهو أن كل واحد بهذه المثابة وأن كل ما كان مشارًا إليه بالحس لا يخرج عن القسمين وان كل ما كان فوق شيء فإما أن يكون كذا وكذا ولابد أن يدخلوا الله تعالى في هذه القضايا العامة الكلية ويحكمون عليه حينئذ بما يحكمون به على سائر الأفراد الداخلة في تلك القضية ويشركون بينها وبينه في ذلك ومشاركته لتلك الأفراد في ذلك الحكم المطلق والمعلق على شرط ومشابهته لها في ذلك هو القياس بعينه
ولهذا لما تنازع الناس في مسمى القياس فقيل قياس الشمول أحق بذلك من قياس التمثيل كما يقوله ابن حزم وطائفة وقيل بل قياس التمثيل أحق باسم القياس من قياس الشمول كما يقوله أبو حامد وأبو محمد المقدسي وطائفة
وقيل بل اسم القياس يتناول القسمين جميعًا حقيقة كان هذا القول أصوب فما من أحد يقيس غائبًا بشاهد إلا ولابد أن يدخلهما في معنى عام كلي كما في سائر أقيسة التمثيل وما من أحد يدخل الغائب والشاهد في قياس شمول تحت قضية كلية إلا ولابد أن يشرك بينهما ويشبه أحدهما بالآخر في ذلك فقول القائل لو كان عظيمًا مشارًا إليه لكان منقسمًا لأنا لا نعلم عظيمًا مشارًا إليه إلا كذلك أو لا نعقل عظيمًا مشارًا إليه إلا كذلك هو كقوله لأن كل عظيم فإذا أشرنا فيه إلى نقطة فإما أن تكون هي ما فوقها وتحتها أولا تكون هي ذلك فإنه
في الموضعين لابد أن يتصور عظيمًا مطلقًا مشارًا إليه ويُشْرك بين العظيم الشاهد المشار إليه وبين العظيم الغائب المشار إليه في ذلك لكن قوله لا يعقل أبلغ من قوله لانعلم أو لم نشهد لأن قوله لا نعلم أو لم نشهد إنما ينفي ما قد علمه وشهده دون ما لم يعلمه ويشهده بعد وقله لا يعقل ينفي أن يكون معقولاً في وقت من الأوقات ومتى لم يعقل العظيم المشار إليه إلا كذلك فالبرهان الشمولي إنما هو بناء على ما تصوره المستدل به وعَقَلَه في معنى العظيم المشار إليه فإن فرضية النقطة في ذلك العظيم المشار إليه وقوله إما أن تكون هي الأخرى أو لاتكون إنما فرض ذلك وقَدَّره فيما عقله وعلمه فارتسم في ذهنه وهو الذي يعقله من معنى العظيم المشار إليه فإن جاز أن يثبت الغائب على
خلاف ما يعقل بطل هذا البرهان وكان لمنازعه أن يُثبت واحدًا عظيمًا مشارًا إليه منزهًا عن التركيب وإن كان ذلك على خلاف ما يعقل من معنى العظيم المشار إليه وإن كان لا يثبت الغائب إلا على ما يعقل بطلت مقدمة الكتاب وبطل قوله إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه وبإثبات موجودين ليس أحدهما متصل بالآخر ولا منفصلاً عنه وهذا كلام في غاية الإنصاف لمن فهمه فإنا لم نقل إن هذا البرهان باطل لكن قلنا صحة مثل هذا البرهان يستلزم صحة مذهب الذي يقول إنه خارج العالم ويمتنع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه فإن كان البرهان صحيحًا صح قوله إنه فوق العرش وإن كان البرهان باطلاً لم يدل على أنه ليس فوق العرش
وهذا يتقرر بالوجه الحادي عشر وهو أن يقال ما قاله المنازع في مقدمة الكتاب مثل قوله الإنسان إذا تأمل في أحوال الأجرام السفلية والعلوية وتأمل في صفاتها فذلك له قانون فإذا أراد أن ينتقل منها إلى معرفة الربوبية وجب أن يستحدث لنفسه فطرة أخرى ومنهجًا آخر وعقلاً آخر بخلاف العقل الذي اهتدى به إلى معرفة الجسمانيات وتقريره لما ذكره عن معلم الصابئة المبدلين أرسطو حيث قال من أراد أن يشرع في المعارف الإلهية فليستحدث لنفسه فطرة أخرى
فيقال له قولك إذا أشرنا إلى نقطة لا تنقسم فإما أن يحصل فوقها شيء آخر أولا يحصل هذا هو العقل الذي يهتدي به إلى معرفة الجسمانيات فإن الكلام في النقطة والخط وما يتبع ذلك من علم الهندسة وهو متعلق بمقادير الأجسام فإن كان مثل هذا الدليل حقًّا في أمر الربوبية بطلت تلك المقدمة التي قررت فيها أنه لا ينظر في الأمور الإلهية بالعقل الذي به تعرف الجسمانيات وإذا بطلت صح قول منازعك أن وجود موجود لا داخل العالم ولاخارجه ممتنع ومتى بطلت كان قول منازعك معلومًا بالبديهة والفطرة الضرورية التي لا معارض لها حيث لم يعلم فسادها إلا إذا بطل حكم العقل الذي به تعرف الجسمانيات في أمر الربوبية وإذا كان هذا الدليل لما أنه متعلق بالجسمانيات لا يجوز الاستدلال بمثله في أمر الربوبية فقد بطل هذا الدليل ولم يكن
لك طريق إلى إفساد قول من يقول إنه فوق العالم وفوق العرش وإنه مع ذلك ليس بمركب ولا مؤلف أو يقول ليس بجسم كما ذكرنا القولين فيما تقدم يوضح ذلك الوجه الثاني عشر هو أن علوه وكونه فوق العرش هو صفة من صفاته سبحانه وتعالى والعلم والقول في صفات الموصوف يتبع العلم والقول في ذاته فإن كان مثل هذا الدليل حجة في صفاته نفيًا وإثباتًا كان حجة مثل حجة في ذاته نفيًا وإثباتًا لأن العلم بالصفة دون العلم بالموصوف محال فإذا قال لو كان فوق العرش لكان منقسمًا مركبًا مؤلفًا فإنما هو حكم على ذاته بأنها لا تكون فوق العرش إلا إذا كانت منقسمة مركبة مؤلفة والعلم بذلك ليس أظهر في العقل من العلم بأنه إذا كان موجودًا لم يكن إلا داخل العالم
أو خارجه فإن جميع ما ذكره من الحجج في معارضة قولهم إذا كان موجودًا إما أن يكون داخل العالم وإما أن يكون خارجه هو بعينه يقال في قوله إذا كان فوق العرش مشارًا إليه فإما أن يكون منقسمًا وإما أن يكون حقيرًا بل تلك يقال فيها إنا نعلم بالاضطرار أنه فوق العالم ونعلم بالاضطرار أنه يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه فهاتان قضيتان معينتان ونعلم بالاضطرار أن الموجودين فإما أن يكون أحدهما داخلاً في الآخر بحيث هو كالعرض في الجسم وإما أن يكون مباينًا عنه ونعلم بالاضطرار أن وجود موجود لا يكون داخلاً في الآخر ولا خارجًا عنه محال فهذان علمان عامان مطلقان فإن جاز دفع هذه بأن يقال حقيقة الرب على خلاف ما يعقل من
الحقائق وأمره ثابت على خلاف حكم الحس والخيال فقول القائل إذا كان فوق العرش فإما أن يكون منقسمًا مركبًا وإما أن يكون بقدر الجوهر الفرد أولى بالدفع أن يقال حقيقة الرب على خلاف ما يعقل من الحقائق وأمره ثابت على خلاف حكم الحس والخيال وكون الشيء الذي فوق غيره والذي يشار إليه بالحس لابد أن يكون منقسمًا أو حقيرًا هو من حكم الحس والخيال قطعًا يقرر ذلك الوجه الثالث عشر وهو أنك وسائر الصفاتية تثبتون رؤية الرب بالأبصار كما تواترت بذلك النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم إنك وطائفة معك تقولون إنه يرى لا في جهة ولا مقابلاً للرائي ولا فوقه ولا في شيء من جهاته الست وجمهور عقلاء بني آدم من مثبتة الصفاتية ونفاتها يقولون إن فساد هذا معلوم بالبديهة والحس ومن المعلوم أن كونه فوق
العرش غير منقسم ولا حقير أظهر للعقل من كونه مرئيًّا بالأبصار لا في شيء من الجهات الست فإن هذا مبني على أصلين كلاهما تدفعه بديهة العقل والفطرة أحدهما إثبات موجود لا في شيء من الجهات ولا داخل العالم ولا خارجه ولهذا كان عامة سليمي الفطرة على إنكار ذلك والثاني إثبات رؤية هذا بالأبصار فإن هذا يخالفك فيه من وافقك على الأول فإن كونه موجودً أيسر من كونه مرئيًّا فإذا كنت تجوز رؤية شيء بالأبصار لا مقابل للرائي ولا في شيء من جهاته الست فكيف تنكر وجود موجود فوق العالم وليس بمركب ولا بجزء حقير وهو إنما فيه إثبات وجوده على خلاف الموجود المعتاد من بعض الوجوه وذلك فيه إثباته على خلاف الموجود المعتاد من وجوه أعظم من ذلك ودليل ذلك أن جميع فطر بني آدم السليمة تنكر ذلك أعظم
من إنكار هذا وأن المخالفين لك في ذلك أعظم من المخالفين لك في هذا فإن كون الرب فوق العالم اظهر في فطر الأولين والآخرين من كونه مرئيًّا بل العلم بالرؤية عند كثير من المحققين إنما هو سعي محض أما العلم بأنه فوق العالم فإنه فطري بديهي معلوم بالأدلة العقلية وأما دلالة النصوص عليه فلا يحصيها إلا الله وما وقع في هذا من الغلط يكشفه الوجه الرابع عشر هو أن معرفة القلوب وإقرارها بفطرة الله التي فطرها عليها أن ربها فوق العالم ودلالة الكتاب والسنة على ذلك وظهور ذلك في خاصة الأمة وعامتها وكلام السلف في ذلك أعظم من كونه تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة أو أن رؤيته بالأبصار جائزة ويَشْهد لهذا أن الجهمية أول ما ظهروا في الإسلام في أوائل المائة الثانية وكان حقيقة قولهم في الباطن تعطيل هذه الصفات كلها كما ذكر ذلك الأئمة لايصفونه إلا بالسلوب المحضة التي لا تنطبق إلا على المعدوم وقد ذكر هذا
المؤسس أن جهمًا ينفي الأسماء كلها أن تكون معانيها ثابتة لله تعالى وكانوا في الباطن ينكرون أن يرى أو أن يتكلم بالقرآن أو غيره أو يكون فوق العرش أو أن يكون موصوفًا بالصفات التي جاءت بها الكتب وعُلمت بدليل من الدلائل العقلية وغيرها لكن ما كانوا يظهرون من قولهم للناس إلا ما هو
أبعد عن أن يكون معروفًا مستيقنًا من الدين عند العامة والخاصة وأقرب إلى أن يكون فيه شبهة ولهم فيه حجة ويكونون فيه أقل مخالفة لما يعلمه الناس من الحجج الفطرية والشرعية والقياسية وغير ذلك فهذا شأن كل من أراد أن يُظهر خلاف ما عليه أمة من الأمم من الحق إنما يأتيهم بالأسهل الأقرب إلى موافقتهم فإن شياطين الإنس والجن لا يأتون ابتداء ينقضون الأصول العظيمة الظاهرة فإنهم لا يتمكنون ومما عليه العلماء أن مبدأ الرفض كان من الزنادقة
المنافقين ومبدأ التَّجهم كان من الزنادقة المنافقين بخلاف رأي الخوارج والقدرية فإنه إنما كان من قوم فيهم إيمان لكن جهلوا وضلوا ولهذا لما نبغت القرامطة الباطنية وهم يتظاهرون بالتجهم والرفض جميعًا وهم في الباطن من أعظم بني آدم كفرًا وإلحادًا حتى صار شعارهم الملاحدة عند الخاص والعام وهم كافرون بما جاءت به الرسل مطلقًا ومن أعظم الناس منافقة لجميع الناس من أهل الملل المسلمين واليهود
والنصارى وغير أهل الملل وضعوا الرأي الذي لهم والتدبير على سبع درجات سموا آخرها البلاغ الأكبر والناموس الأعظم وكان من وصيتهم لدعاتهم أن المسلمين إذا أتيتهم فلا تأت هؤلاء الذين يقولون الكتاب والسنة فإنهم صعاب عليك لا يستجيبون لك ولكن ائتهم من جهة التشيع فأظهر الموالاة لآل محمد والتعظيم لهم والانتصار لهم والمعاداة لمن ظلمهم واذكر من ظلم الأولين لهم ما أمكن فإن ذلك يوجب أن يستجيب لك خلق عظيم وبذلك يمكنك القدح في دينهم أخيرًا ثم ذكر درجات دعوته درجة