أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
فإن الله لم يبعث رسولاً ولم يُنزل كتابًا إلا بالتوحيد كما قال تعالى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [النحل 36] وقال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴿25﴾ [الأنبياء 25] وقال تعالى وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ
آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴿45﴾ [الزخرف 45] وقال تعالى شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ﴿13﴾ [الشورى 13] وقال تعالى أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّه [الشورى 21] وقال يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴿51﴾ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ﴿52﴾ [المؤمنون 51-52] ولم يحدث في أهل الكتاب وأتباع الرسل من العرب وبني إسرائيل وغيرهم شرك إلا مأخوذ من غير أهل الكتاب كما ابتدع عمرو بن لحي بن قَمَعَة سيد خزاعة الشرك في العرب الذين كانوا على ملة إبراهيم إمام الحنفاء صلى الله عليه وسلم ابتدعه لهم
بمكة بأوثان نقلها من الشام من البلقاء التي كانت إذ ذاك دار الصابئة للمشركين سلف أبي معشر وذويه وكذلك بنو إسرائيل عبد من عبد منهم الأوثان كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه تعالى وتقدس وإنما حَدَث فيهم هذا في جيرانهم الصابئة المشركين سلف أبي معشر وذويه فإذا كان أصل المذهب الذي سموه مذهب التشبيه لا يعرف إلا عمن هو من أهل كتابٍ منزل من السماء وأهل الكتاب لم يكونوا هم الذين ابتدعوا الشرك أولاً عُلم أن الشرك لم يبتدعه أولاً القوم الذين سماهم أهل التشبيه
الوجه السابع أنه إذا كان الإشراك متضمنًا لما سماه تشبيهًا فمن المعلوم أن المرسلين كلهم ليس فيهم من تكلم بنقض هذا المذهب ولا نهى الناس عن هذا الذي سماه تشبيهًا فليس في القرآن عن محمد صلى الله عليه وسلم ولا عن المرسلين المتقدمين ولا في التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب ولا في الأحاديث المأثورة عن أحد من المرسلين أنهم نهوا المشركين أو غيرهم أن يقولوا إن الله تعالى فوق السموات أو فوق العرش أو فوق العالم أو أن يصفوه بالصفات الخبرية التي يسميها هؤلاء تشبيهًا ولا ذموه ولا أنكروه ولا تكلموا بما هو عند هؤلاء توحيد وتنزيه ينافي هذا التشبيه عندهم أصلاً ثبت أن المرسلين صلوات الله عليهم وسلامه كلهم كانوا مقررين لهذا الذي سموه تشبيهًا وذلك يقتضي أنه
حق فهذا النقل الذي نقله أبو معشر واحتج به الرازي إن كان حقًّا فهو من أعظم الحجج على صحة مذهب خصومهم الذين سموهم مشبهة وإن لم يكن حقًّا فهو كذب فهم إما كاذبون مفترون وإما مخصومون مغلوبون كاذبون مفترون في نفس المذهب الذي انتصروا عليه الوجه الثامن أن الشرك كان فاشيًا في العرب ولم يُعلم أحد منهم كان يعتقد أن الوثن على صورة الله تعالى وقبلهم كان في أمم كثيرة وله أسباب معروفة مثل جعل الأوثان صورًا لمن يعظمونه من الأنبياء والصالحين وطلاسم لما يعبدونه من الملائكة والنجوم ونحو ذلك ولم يعرف عن أحد من هؤلاء المشركين أنه اعتقد أن الوثن صورة الله والشرك في أيام الإسلام ما زال بأرض الهند والترك فاشيًا والهند فلاسفة وهم من أعظم سلف أبي معشر ومع هذا فليس في الهند والترك من يقول هذا فَعُلم أن هذا أول مفتر الوجه التاسع لو كان هذا من أسباب الشرك فمن المعلوم أن غيره من أسباب الشرك أعظم وأكثر وأن الشرك في غير هؤلاء الذين سماهم مشبهة أكثر فإن كان الشرك في
بعض مثبتة هذه الصفات عيبًا فالشرك في غيرهم أكثر وأكثر وكان الطعن والعيب على نفاة الصفاة بما يوجد فيهم من الشرك أعظم وأكبر الوجه العاشر قوله فَثَبت أن دين عبادة الأصنام كالفرع على مذهب المُشَبِّهة كلام مجمل فإن من الفرع ما يكون لازمًا لأصله فإذا كان الأصل مستلزمًا لوجود الفرع الفاسد كان فساد الفرع وعدمه دليلاً على فساد الأصل وعدمه ومن الفروع ما يكون مستلزمًا للأصل لا يكون لازمًا له وهوالغالب فلا يلزم من فساده وعدمه فساد الأصل وعدمه ولكن يلزم من فساده وعدمه فساد هذا الفرع وعدمه فالأول كما قال الله تعالى ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء ﴿24﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿25﴾ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴿26﴾ [إبراهيم 24-26] فالكلمتان كلمة الإيمان واعتقاد التوحيد وكلمة الكفر واعتقاد الشرك فلا ريب أن الاعتقادات توجب
الأعمال بحسبها فإذا كان الاعتقاد فاسدًا أورث عملاً فاسدًا ففساد العمل وهو الفرع يدل على فساد أصله وهو الاعتقاد وكذلك الأعمال المحرمة التي تورث مفاسد كشرب الخمر الذي يصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة ويوقع العداوة والبغضاء فهذه المفاسد الناشئة من هذا العمل هي فرع لازم للأصل ففسادها يدل على فساد الأصل وهكذا كل أصل فهو علة لفرعه وموجب له أما القسم الثاني فالأصل الذي يكون شرطًا لا يكون علة كالحياة المصححة للحركات والإدراكات وأصول الفقه التي هي العلم بأجناس أدلة الفقه وصفة الاستدلال ونحو ذلك فهذه الأصول لا تستلزم وجود الفروع وإذا كان الفرع فاسدًا لم يوجب ذلك فساد أصله إذ قد يكون فساده من جهة أخرى غير جهة الأصل وذلك نظير تولد الحيوان بعضه من بعض فالوالدان أصل للولد والله تعالى وتقدس يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فالكافر يلد
المؤمن والمؤمن يلد الكافر وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن اعتقاد ثبوت الصفات بل اعتقاد التشبيه المحض ليس موجبًا لعبادة الأصنام ولا داعيًا إليه وباعثًا عليه أكثر ما في الباب أن يقال اعتقاد أن الله تعالى وتقدس مثل البشر يمكن معه أن يجعل الصنم على صورة الله تعالى بخلاف من لم يعتقد هذا الاعتقاد فإنه لا يُجْعَل الصنم على صورة الله تعالى فيكون ذلك الاعتقاد شرطًا في اتخاذ الصنم على هذا الوجه وهذا القدر إذا صح لم يوجب فساد ذلك الاعتقاد بالضرورة فإن كل باطل في العالم من الاعتقادات والإرادات وتوابعها هي مشروطة بأمور صحيحة واعتقادات صحيحة ولم يدل فساد هذه الفروع المشروطة على فساد تلك الأصول التي هي شرط لها فإن الإنسان لا يصدر منه عمل إلا بشرط كونه حيًّا قادرًا شاعرًا ولم يدل فساد ما يفعله من الاعتقادات والإرادات على فساد هذه الصفات والذين أشركوا بالله تعالى وتقدس وعبدوا معه إلهًا آخر كانوا يقولون إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ويق4ولون هم شفعاؤنا عند الله ويعتقدون أن الله يملكهم كما كانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك وقد قال تعالى ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم
مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ [الروم 28] وقد اخبر عنهم سبحانه وتعالى بقوله تعالى وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان 25] وقال قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿84﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿85﴾ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿86﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴿87﴾ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿88﴾ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴿89﴾ [المؤمنون 84-89] وقال تعالى وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾ [يوسف 106] قال عكرمة يؤمنون أنه
رب كل شيء وهم يشركون به فإذا كانوا إنما أشركوا به لاعتقادهم أنه رب كل شيء ومليكه وأن هذه الشفعاء والشركاء ملكه وآمنوا بأنه رب كل شيء ثم اعتقدوا مع ذلك أن عبادة هذه الأوثان تنفعهم عنده فهل يكون ما ابتدعوه من الشرك الذي هو فرع مشروط بذلك الأصل قادحًا في صحة ذلك الإيمان والإقرار الحق الذي قالوه الوجه الحادي عشر أن الذين أشركوا بالله تعالى حقيقة من عباد الشمس والقمر والكواكب والملائكة والأنبياء والصالحين والذين اتخذوا أوثانًا لهذه المعبودات إنما فعلوا ذلك لاعتقادهم وجود الشمس والقمر والكواكب والملائكة
والأنبياء واعتقادهم ما تفعله من الخير تشبيهًا فهل يكون ذلك قادحًا في وجودها وفي اعتقاد ما هي متصفة به أم لا فإن كان ذلك فلزم أبا معشر والرازي أن يقدحوا في العلوم الطبيعية والرياضية ويقدحوا في الملائكة والنبيين وفن لم يكن كذلك ما ذكره من الحجة باطلاً الوجه الثاني عشر قوله فَثَبَت أن دين عبادة الأصنام كالفرع على مذهب المشبهة يقال له الثُّبوت إنما يكون بذكر حجة عقلية أو سمعية وهب أن ما ذكره أبو معشر إنما هو خبر عن أمم متقدمين لم يذكرهم ولم يذكر إسناده في معرفة ذلك وليس أبو معشر ممن يحتج بنقله في الدين بإجماع أئمة الدين فإنه لم يكن كافرًا منافقًا كان فاجرًا فاسقًا وقد قال الله تعالى وتقدس يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [الحجرات 6] فلو قدر أن هذا النقل نقله بعض أئمة التابعين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان هذا عنده خبرًا مرسلاً لا يثبت به حكم في فرع من الفروع فكيف
والناقل له مثل أبي معشر عن أمم متقدمة فهذا خبر في غاية الانقطاع ممن لا تُقبلُ روايته فهل يَحْسن بذي عقل أو دين أن يُثبت بهذا شيئًا في أصل الدين ومن العجب العجيب أن هذا الرجل المحاد لله ولرسوله عمد إلى الأخبار المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي توارثها عن أئمة الدين وورثة الأنبياء والمرسلين واتفق على صحتها جميع العارفين فقدح فيها قدحًا يشبه قدح الزنادقة المنافقين ثم يحتج في أصل الدين بنقل أبي معشر أحد المؤمنين بالجبت والطاغوت أئمة الشرك والضلال ونعوذ بالله من شرورهم وأقوالهم والله المستعان على ما يصفون والله سبحانه وتعالى أعلم
فصل قال الرازي الفصل الثاني في تقرير الدلائل السمعية على أنه تعالى منزه عن الجسمية والحيز والجهة قلت لم يذكر في هذا الفصل حجة تدل على مطلوبه دلالة ظاهرة فضلاً عن أن تكون نصًّا بل إما أن يكون ما ذكره عديم الدلالة على مطلوبه وذلك يتبين بذكر حججه قال الحجة الأولى قوله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴿1﴾ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴿2﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴿3﴾ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴿4﴾ [الإخلاص 1-4] قال واعلم أنه قد اشتهر في التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ماهية ربه وعن نعته وصفته فانتظر الجواب من الله تعالى فأنزل الله هذه السورة إذا عرفت هذا فنقول هذه السورة يجب أن تكون من
المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى جعلها جوابًا عن سؤال السائل وأنزلها عند الحاجة وذلك يقضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات وإذا ثَبَت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة كان باطلاً
قلت كون هذه السورة من المحكمات وكون كل مذهب يخالفها باطلاً هو حق لا ريب فيه بل هذه السورة تعدل ثلث القرآن كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة وهي صفة الرحمن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وعليها اعتمد
الأئمة في تنزيه الله كما ذكره الفضيل بن عياض والإمام أحمد وغيرهم من أئمة الإسلام وهي على نقيض مطلوب
الجهمية أدل منها على مطلوبهم كما قررناه في موضعه وربما نذكر منه هنا ما ييسره الله لكن سائر الآيات المذكورة فيها أسماء الله وصفاته مثل آية الكرسي وأول الحديد وآخر الحشر ونحو ذلك هي كذلك كل ذلك من الآيات المحكمات لكن هذه السورة ذكر فيها ما لم يُذكر في غيرها من اسمه الأحد
الصمد ومثل نفي الأصول والفروع والنظراء جميعًا وإلا فاسمه الرحمن أنزله الله لما أنكر المشركون هذا الاسم فأثبته الله لنفسه ردًّا عليهم وهذا أبلغ في كونه محكمًا من هذه السورة إذ الرد على المنكر أبلغ في إثبات نقيض قوله من جواب السائل الذي لم يَرِد عليه نفي ولا إثبات وقد قال وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً ﴿60﴾ [الفرقان 60] وقال تعالى كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴿30﴾ [الرعد 30] وكذلك قول فرعون يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿36﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً [غافر 36-37] هذا أبلغ في كون موسى صرح له بأن إلهه فوق السموات حتى قصد تكذيبه بالفعل من الإخبار عن ذلك بلفظ موسى وكذلك مسألة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم هل نرى ربنا يوم القيامة فقال هل تضارون من رؤية الشمس صحوًا ليس دونها سحاب وهل تضارون في رؤية القمر صحوًا ليس دونه سحاب فقالوا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤيته كما لا تضارون في
رؤية الشمس والقمر وسائر ما في هذا المعنى من الأحاديث الصحيحة الصريحة المتواترة مع ورودها على سؤال السائل وجوابه بهذا التصريح هو من أبلغ ما يكون في إثبات هذه الرؤية وأبعد عن التشابه كما يظنه الرازي وغيره ممن يحرف الرؤية عن حقيقتها اتباعًا للمريسي وغيره من الجهمية وإن كان الرازي في
الظاهر مقرًّا بالرؤية فإن إقراره بها كإقرار المريسي وذويه بألفاظها ثم يحرفون الكلم عن مواضعه ثم قال الرازي فنقول إن قوله تعالى أَحَدٌ يدل على نفي الجسمية ونفي الحيز والجهة أما دلالته على أنه تعالى ليس بجسم فذلك لأن الجسم أقله أن يكون مركبًا من جوهرين وذلك ينافي الوحدة وقوله أَحَدٌ مبالغة في الوحدانية فكان قوله أحد منافيًا للجسمية قال وأما دلالته على أنه ليس بجوهر فنقول أما الذين
ينكرون الجوهرالفرد فإنهم يقولون إن كل متحيز فلابد وأن يتميز أحد جانبيه عن الثاني وذلك لأنه لابد أن يتميز يمينه عن يساره وقدامه عن خلفه وفوقه عن تحته وكلما تميز فيه شيء عن شيء فهو منقسم لأن يمينه موصوف بأنه يمين لايسار ويساره موصوف بأنه يسار لايمين فلو كان يمينه عين يساره لاجتمع في الشيء الواحد أنه يمين وليس بيمين ويسار وليس بيسار فيلزم اجتماع النفي والإثبات في الشيء الواحد وهو محال قالوا فثبت أن كل متحيز فهو منقسم وثبت أن كل منقسم فهو ليس بأحد فلما كان الله موصوفًا بأنه أحد وجب أن لا يكون متحيزًا أصلاً وذلك ينفي كونه جوهرًا وأما الذين يثبتون الجوهر الفرد فإنه لا يمكنهم الاستدلال
على نفي كونه تعالى جوهرًا من هذا الاعتبار ويمكنهم أن يحتجوا بهذه الآية على نفي كونه جوهرًا من وجه آخر وبيانه هو أن الأحد كما يراد به نفي التركيب والتأليف في الذات فقد يراد به أيضًا نفي الضد والند ولو كان الله تعالى جوهرًا فردًا لكان كل جوهر فرد مِثْلاً له وذلك ينفي كونه أحدًا ثم أكدوا هذا الوجه بقوله تعالى وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴿4﴾ [الإخلاص 4] ولو كان جوهرًا لكان كل جوهر فرد كفوًا له فدلت هذه السورة من الوجه الذي قررناه أنه تعالى ليس بجسم ولا بجوهر وإذا ثبت أنه تعالى ليس بجسم ولا جوهر وجب أن لايكون في شيء من الأحياز والجهات لأن كل ما كان مختصًّا بحيز وجهة فإن كان منقسمًا كان جسمًا وقد بينا إبطال ذلك وإن لم يكن كان جوهرًا ولما بطل القسمان ثبت أنه يمتنع أن يكون في جهة أصلاً فثبت أن قوله أَحَدٌ يدل دلالة قطعية على أنه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا في حيز وجهة أصلاً
قلت هذا الاستدلال هو معروف قديمًا من استدلال الجهمية النافية فإنهم يزعمون أن إثبات الصفات ينافي التوحيد ويزعمون أنهم هم الموحدون فإن من أثبت الصفات فهو مشبه ليس بموحد وأنه يثبت تعدد القدماء لايجعل القديم واحدًا فقط فالجهمية من المتفلسفة والمعتزلة
وغيرهم يبنون على هذا وقد يسمون أنفسهم الموحدين ويجعلون نفي الصفات داخلاً في مسمى التوحيد ومبنى ذلك على أصل واحد وهو أنهم سموا أقوالهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان إن هي إلا أسماء سموها هم وآباؤهم وجعلوا مسمى الأسماء الواردة في الكتاب والسنة أشياء أخر ابتدعوها هم فألحدوا في أسماء الله وآياته وحرفوا الكَلِم عن مواضعه وقد ذكر تلبيسهم وتحريفهم وإلحادهم أئمة السلف والخلف وممن نبه عليه الإمام أحمد قال في رسالته في الرد على الزنادقة والجهمية فقالت الجهمية
لنا لما وصفنا الله بهذه الصفات إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته قلنا لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولا نقول ولم يزل ونوره ولكن نقول لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر فقالوا لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء فقلنا نحن نقول قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلهًا واحدًا بجميع صفاته وضربنا لهم مثلاً في ذلك فقلنا أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكَرَب وليف وسَعَف
وخُوص وجُمَّار واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد لانقول إنه قد كان في وقت من الأوقات ولا قدرة حتى خلق قدرته والذي ليس له قدرة هو عاجز ولا نقول قد كان في وقت من الأوقات ولا يعلم حتى خلق له علمًا فعلم والذي لا يعلم هو جاهل ولكن نقول لم يزل الله عالمًا قادرًا مالكًا لا متى ولا كيف قال وسمى الله رجلاً كافرًا اسمه الوليد بن المغيرة
المخزومي فقال ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴿11﴾ [المدثر 11] وقد كان الذي سماه وحيدًا له عينان وأذنان ولسان وشفتان ويدان ورجلان وجوارح كثيرة وقد سماه وحيدًا بجميع صفاته فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد فهذا القول الذي ذكره الإمام أحمد عنهم أنهم قالوا لا تكونون موحدين أبدًا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء هو كلام مجمل ولكن مقصودهم أنه لم يكن موجودًا بشيء يقال إنه من صفاته فإن ثبوت الصفات يستلزم عندهم التركيب
والتجزئة إما تركيب المقدار كالتركيب الذي يزعمونه في تأليف الجسم من أجزائه وإما التركيب الذي يزعمونه في الحدود وهو التركيب من الصفات كما يقولون النوع مركب من الجِنْس والفصل ويستلزم أيضًا التشبيه والتوحيد عندهم نفي التشبيه والتجسيم ويقولون إن
الأول يعنون به عدم النظير والثاني يعنون به أنه لا ينقسم وهم يفسرون الواحد والتوحيد بما ليس هو معنى الواحد والتوحيد في كتاب الله وسنة رسوله وليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسوله وهذا أصل تعظيم يجب معرفته فقال نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والفلاسفة ونحوهم الواحد هو الذي لا صفة له ولا قدر ويعبرون عن هذا المعنى بعبارات فيقول من يريد هذا المعنى من الفلاسفة كابن سينا وأمثاله إن واجب الوجود واحد من كل وجه ليس فيه أجزاء حد ولا أجزاء كم أو يقال ليس فيه
كثرة حد ولا كثرة كم أو يقال ليس فيه تركيب المحدود من الجنس والفصل ولا تركيب الأجسام ومقصود هذه العبارات أنه ليس لله صفة ولا له قدرة وكذلك تقول الجهمية من المعتزلة وغيرهم إن القديم واحد ليس معه في القدم غيره ولو قامت به الصفات لكان معه غيره وأنه ليس بجسم إذ الجسم مركب مؤلف منقسم
وهذا تعديد ينافي التوحيد أو يقولون أيضًا إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وعددًا في ذاته وذلك خلاف التوحيد ويسمون أنفسهم الموحدين والعلم الذي يعلم له هذا علم التوحيد وهذا عندهم أول الأصول الخمسة التي هي عندهم التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين وانفاذ الوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن هنا أخذ محمد بن التومرت هذا اللقب وسمى
طائفته الموحدين ووضع لهم المرشدة المتضمنة لمثل عقيدة المعتزلة وغيرهم من الجهمية في التوحيد ولم يذكر اعتقاد الصفاتية كابن كلاب والأشعري فضلاً عن اعتقاد السلف والأئمة لكن ذكر في القدر مذهب أهل الإثبات وهذا
الذي ذكر يشبه قول حسين النجار وضرار بن عمرو وكان حفص الفَرد من أصحاب النجار وكان برغوث من
أصحاب ضرار وذاك خصم الشافعي
وهذا من خصوم أحمد وذهب حسين النجار وطائفة من المعتزلة إلى أن معنى الواحد هو الذي لا شبيه له كما يقول فلان واحد دهره وقد يقولون التوحيد يجمع المعنيين جميعًا فالأول نفي التجسيم وهذا نفي التشبيه فإن نفي الصفات عندهم هو نفي التجسيم وهذا نفي التشبيه والتوحيد ينافي التشبيه والتجسيم وجماع قولهم إن التوحيد يجمع ثلاث معان أنه واحد في نفسه لا صفة له وقَدْر فليس بمركب
ولا محدود ولا موصوف بصفة تقوم به وهو أيضًا واحد لا شبيه له فهذان نفي التجسيم والتشبيه والثالث أنه واحد في أفعاله لا شريك له وهذا الثالث هو متفق عليه بين المسلمين لكن الناس يقولون هذا التوحيد لايتم للقدرية الذين يجعلون بعض العالم مفعولاً لغير الله ويجعلون من يفعل كفعل الله فإن هذا إثبات شريك له في الملك ثم إن المعتزلة وغيرهم من الجهمية وإن وافقهم بقية المسلمين على نفي التشبيه فإنهم يدخلون في اسم التشبيه كل من أثبت لله صفة كما هو معروف عنهم ولذلك نقله عنهم الأئمة كما ذكره الإمام أحمد في الرد عليهم فقال في وصف الجهم وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف من الله شيئًا وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله صلى الله عليه وسلم كان كافرًا وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشرًا كثرًا وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة
ووضع دين الجهمية وأكثر الشيعة المتأخرين على هذا التوحيد ونفي القَدر وأمل الشيعة المتقدمون الذين أدركوا زمن الأئمة فكان
جمهورهم على الإثبات وغالب الإمامية مُصرِحون بالتجسيم قلت أصحاب عمرو بن عبيد هم المعتزلة فإن عمرًا هو الإمام الأول الذي ابتدع دين المعتزلة هو وواصل بن عطاء
وأما الذين اتبعوه من أصحاب أبي حنيفة فهم من جنس الذين قاموا بأمر محنة المسلمين على دين الجهمية لما دَعُوا الناس إلى القول بخلق القرآن وغيره من أقوال الجهمية وهم مثل بشر المريسي وأحمد بن أبي دُواد قاضي القضاة وأمثالهم ولما أدخلت الجهمية هذا النفي الذي ابتدعوه في مسمى التوحيد أظهر المسلمون خلافهم من الأئمة والفقهاء وأهل الحديث والكلام كما وروى أبو عبد الرحمن السلمي ومن طريقه شيخ