أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت 15] ونثبت لله تعالى السمع والبصر ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج ونقول إن كلام الله غير مخلوق وأنه لم يخلق شيئًا إلا وقد قال له كن فيكون كما قال سبحانه إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴿82﴾ [يس 82]
وأنه لايكون في الأرض شيء من خير ولا شر إلا ماشاء الله وأن الأشياء تكون بمشية الله وأن أحدًا لا يستطيع أن يفعل شيئًا قبل أن يفعله الله عز وجل ولا يستغني عن الله ولا يقدر على الخروج من علم الله وأنه لا خالق إلا الله وأن أعمال العباد مخلوقة لله مقدرة له كما قال سبحانه وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴿96﴾ [الصافات 96] وأن العباد لايقدرون أن يخلقوا شيئًا وهم يخلقون كما قال سبحانه لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ
يُخْلَقُونَ ﴿20 { [النحل 20] وكما قال عز وجل أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ {35﴾ [الطور 35] وهذا في كتاب الله سبحانه وتعالى كثير وأن الله وفق المؤمنين لطاعته ولطف بهم ونظر لهم وأصلحهم وهداهم وأضل الكافرين ولم يهدهم ولم يلطف بهم بالإيمان كما زعم أهل الزيغ والطغيان ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين ولو هداهم لكانوا مهتدين كما قال تعالى مَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي [الأعراف 178] وأن الله سبحانه وتعالى يقدرأن يصلح الكافرين ويَلْطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ولكن أراد أن يكونوا كافرين كما علم وأن الله خذلهم وطبع على قلوبهم وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره وأنا نؤمن بقضاء الله وقدره وخيره وشره وحلوه ومره ونعلم أن ما أصابنا
لم يكن ليخطئنا وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا وأنا لا نملك لأنفسنا ضرًّا ولا نفعًا إلا ماشاء الله وأنا نلجئ أمورنا إلى الله ونثبت الحاجة والفقر في كل وقت إليه ونقول إن القرآن كم الله غير مخلوق وأن من قال بخلق القرآن كان كافرًا وندين بأن الله سبحانه يرى بالأبصار يوم القيامة كمايرى القمر ليلة البدر ويراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقول إن الكافرين إذا رآه المؤمنون عنه محجوبون كما قال الله كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿15﴾ [المطففين 15] وأن موسى سأل الله الرؤية في الدنيا وأن الله تجلى للجبل فجعله دكًّا وأعلم بذلك موسى
أن لايراه في الدنيا ونرى أن لا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنا والسرقة وشرب الخمر كما دانت بذلك الخوارج وزعموا أنهم بذلك كافرون ونقول إن من عمل كبيرة وما أشبهها مستحلاً لها كان كافرًا إذا كان غير معتقد لتحريمها ونقول إن الإسلام أوسع من الإيمان وليس كل إسلام إيمانًا وندين بأن الله يقلب القلوب وأن القلوب بين إصبعين من أصابعه
وأنه يضع السموات علي إصبع والأرضين على إصبع كما جاءت الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وندين بأن لا ننزل أحدًا من الموحدين المتمسكين بالإيمان جنة ولا نارًا إلا من شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم ونرجوا الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين ونقول إن الله سبحانه وتعالى يخرج من النار قومًا بعد ما امتحشوا
بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ونؤمن بعذاب القبر وبأن الميزان والحوض حق والبعث بعد الموت حق وأن الله يوقف العباد بالموقف ويحاسب المؤمنين وأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ونسلم للروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى تنتهي الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ونَدِين بحب السلف الذين اختارهم الله لصحبة نبيه ونثني عليهم بماأثنى الله عليهم ونتولاهم
ونقول إن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه وأن الله أعز به الدين وأظهره على المرتدين وقدمه المسلمون للإمامة كما قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ثم عثمان بن عفان نضر الله
وجهه قتله قاتلوه ظلمًا وعدوانًا ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهؤلاء الأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافتهم خلافة النبوة ونشهد للعشرة بالجنة الذين شهد
لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتولى سائر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونكف عما شجر بينهم وندين الله أن الأئمة الأربعة راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم ونصدق بجميع الروايات التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا وأن الرب سبحانه وتعالى يقول هل من سائل هل من مستغفر وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافًا لماقاله أهل الزيغ والتضليل
ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين وما كان في معناه ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها ولا نقول على الله ما لا نعلم ونقول إن الله يجيء يوم القيامة كما قال وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴿22﴾ [الفجر 22] وأن الله يقرب من عباده كيف يشاء كما قال سبحانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿16﴾ [ق 16] وكما قال ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴿8﴾ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴿9﴾ [النجم 8-9] ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد خلف كل بر وغيره وكذلك سائر الصلوات والجماعات كما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يصلي خلف الحجاج وأن
المسح على الخفين سنة في الحضر والسفر خلافًا لقول من أنكر ذلك ونرى الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة وندين بترك الخروج عليهم وترك القتال في الفتنة ونقر بخروج الدجال كما جاءت به الرواية عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومسألتهم المدفونين في قبورهم ونصدق بحديث المعراج ونصحح كثيرًا من الرؤيا في المنام ونقول إن لذلك تفسيرًا ونرى الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم ونؤمن أن الله ينفعهم بذلك ونصدق بأن في الدنيا سحرة وأن
رسم السحر كائن موجود في الدنيا ونؤمن بالصلاة على من مات من أهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم وتوارثهم ونقر بأن الجنة والنار مخلوقتان وأن من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل وأن الأرزاق من قبل الله يرزقها عباده حلالاً وحرامًا وأن الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه
ويخبطه خلافًا لقول المعتزلة والجهمية كما قال الله عز وجل الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة 275] وكما قال الله عز وجل مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴿4﴾ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿5﴾ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴿6﴾ [الناس 4-6] ونقول إن الصالحين يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات يظهرها عليهم وقولنا في الأطفال أطفال المشركين إن الله سبحانه يؤجج لهم نارًا في الآخرة ثم يقول اقتحموها كما جاءت الرواية
بذلك وندين بأن الله تعالى يعلم ما العباد عاملون وإلى ما هم إليه صائرون وما كان وما يكون وما لايكون أن لو كان كيف كان يكون وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين
ونرى مفارقة كل داعية لبدعة ومجانبة أهل الهواء وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه وما لم نذكره بابًا بابًا وشيئًا شيئًا ونتكلم عن مسألة رؤية الله بالأبصار وعلى القرآن ثم قال باب ذكر الاستواء وذكر ما قد نبه عنه قريبًا الذي أوله فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل له إن الله مستو على عرشه كما قال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿5﴾ [طه 5] وقال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال سبحانه وتعالى بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء 158] وقال سبحانه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى
الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ [السجدة 5] وقال فرعون يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿36﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً [غافر 36-37] فأكذب موسى في قوله إن الله فوق السموات وقال سبحانه أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿16﴾ [الملك 16] والسموات فوقها العرش فلما كان العرش فوق السموات قال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك 16] لأنه مستو على العرش الذي فوق السموات وكل ما علا فهو سماء فالعرش أعلى السموات وليس إذا قال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك 16] يعني جميع السماء بقوله السماء وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات ألا ترى أن الله عز وجل ذكر السموات فقال وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح 16] ولم يرد أن القمر يملؤهن
جميعًا وأنه فيهن جميعًا ورأينا المسلمين جميعًا إذا دعوا يرفعون أيديهم نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض قال وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية إن معنى قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿5﴾ [طه 5] أنه استولى وملك وقهر وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون الله على عرشه كما قال أهل الحق فذهبوا في الاستواء إلى الاستيلاء ولو كان هذا كما قالوه كان لافرق بين العرش والأرض السابعة
السفلى لأن الله تعالى قادر على كل شيء ثم قال أبو الحسن الأشعري باب الكلام في الوجه والعينين والبصر قال الله تبارك وتعالى كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص 88] وقال سبحانه وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿27﴾ [الرحمن 27] فأخبر سبحانه أن له وجهًا لا يفنى ولا يلحقه الهلاك وقال تعالى تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر 14] فأخبر عن العينين ولله تعالى ذكره عين ووجه كما قال لا يحد ولا يكيف وقال سبحانه وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور 48] وقال وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه 39] وقال الله
تعالى وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴿134﴾ [النساء 134] وقال تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿46﴾ [طه 46] فأخبر عن سمعه ورؤيته وبصره قال ونفت الجهمية أن يكون له وجه كما قال وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر ووافقوا النصارى لأن النصارى لم تثبت لله سمعًا ولا بصرًا إلا على معنى أنه عالم وكذلك قالت الجهمية قال وحقيقة قول الجهمية أنهم قالوا إن
الله عالم ولا نقول سميع بصير على غير معنى عالم وكذلك قول النصارى وقالت الجهمية إن الله عز وجل لا علم له ولا قدرة ولا سمع ولا بصر وإنما قصدوا إلى تعطيل التوحيد والتكذيب فقالوا سميع بصير لفظًا ولم يحصلوا تحت قولهم معنى ولولا أنهم خافوا السيف لأفصحوا أن الله غير سميع ولا بصير ولا عالم ولكن خوف السيف منعهم من إظهار كفرهم وكشف زندقتهم وهذا قول المعتزلة الجهال قال وزعم شيخ منهم مقدم عندهم أن علم الله هو سبحانه وأن الله علم
فنفى العلم من حيث أوهم أنه يثبته حتى التزم أن يقول يا علم اغفر لي إذا كان علم الله هو الله وكان الله على قياسه علمًا وقدرة وهو أبو الهذيل تعالى الله عما
يقولون علوًا كبيرًا ومن سألنا فقال أتقولون إن لله عز وجل وجهًا قيل له نقول ذلك خلافًا لما قاله المبتدعون وقد دل على صحة ذلك قوله سبحانه وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿27﴾ [الرحمن 27] وإن سألنا فقال أتقولون إن لله عز وجل يدين قيل له نعم نقول ذلك لقوله سبحانه وتعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح 10] وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن
الله خلق آدم بيديه وغرس شجرة طوبى بيده وقال سبحانه وتعالى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة 64] وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كلتا يديه يمين وقال سبحانه لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ﴿45﴾ [الحاقة 45] وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل عملت كذا وكذا بيدي وهو يعني به النعمة وإذا كان الله سبحانه خاطب العرب بلغتها وما تجده مفهومًا في كلامها ومعقولاً في خطابها ولا يجوز أن تقول في خطابها
فعلت بيدي وتعني به النعمة بطا أن يكون معنى قوله بيديَّ النعمة وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل لي عليه يدان يعني له عليه نعمتان ومن دافعنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها ودفع ذلك دفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد نعمة إلا من جهة اللغة فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يحتج بها وأن لا يقرأ القرآن
ولا يثبت اليد نعمة من قبلها لأنه إن رجع في تفسير قوله بيديَّ يعني نعمتي إلى الإجماع فليس المسلمون على ما ادعاه من ذلك متفقين وإن رجع إلى اللغة أن يقول معنى نعمتي أن يقول القائل بيديَّ نعمتي وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد إلى ذلك سبيلاً ويقال لأهل البدع لم زعمتم أن معنى قوله بيديَّ نعمتي أزعمتم ذلك إجماعًا أو لغة فلا يجدون في ذلك إجماع ولا في لغة فإن قالوا قلنا ذلك من
القياس قيل لهم من أين وجدتم في القياس أن قول الله عز وجل خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] لا يكون معناه إلا نعمتي ومن أين يمكن أن يعلم العقل أن يفسر لفظة كذا وكذا مع أنا رأينا الله عز وجل قد قال في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ [إبراهيم 4] وقال سبحانه أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [النساء 82] ولولا أن القرآن بلسان العرب ما جاز أن تتدبره
ولا أن تعرف العرب معانيه إذا سمعته فلما كان من لايحسن كلام العرب لا يحسنه وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه علم أنهم علموه لأنه بلسانهم نزل قال وقد اعتل معتل بقول الله عز وجل وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات 47] قال الأيدي القوة فوجب أن يكون معنى قوله بيدي أي بقدرتي قيل لهم هذا التأويل فاسد من وجوه أحدها أن الأيد ليس بجمع اليد لأن جمع يد أيدي وجمع اليد التي هي نعمة أيادي والله عز وجل لم
يقل بأيدي ولا قال بأيادي وإنما قال لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] فبطل أن يكون معنى قوله بيدي معنى قوله بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات 47] وأيضًا فلو أراد القوة لكان معنى ذلك بقدرتي وهذا مناقض لقول مخالفينا ومجانب لمذاهبهم لأنهم لا يثبتون قدرة الله عز وجل فكيف يثبتون قدرتين وأيضًا فلو كان الله عز وجل عنى بقوله لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] القدرة لم يكن لآدم عليه السلام على إبليس لعنه الله في ذلك مزية والله عز وجل أراد أن يرى فضل آدم عليه السلام إذ خلقه بيديه دونه فلو كان خالقًا لإبليس بيده كما خلق
آدم بيده لم يكن لتفضيله على إبليس بذلك وجه وكان إبليس محتجًّا على ربه عز وجل أن يقول وأنا أيضًا خلقتني بيدك كما خلقت آدم بها فلما أراد تفضيله عليه بذلك قال له توبيخًا على استكباره على آدم أن يسجد له مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ [ص 75] فدل ذلك على أنه ليس معنى الآية القدرة إذْ كان الله عز وجل قد خلق الأشياء جميعها
بقدرته وأنه إنما أراد إثبات يدين لم يشارك إبليس لعنه الله آدم عليه السلام في أنه خلق بهما قال وليس يخلو قوله عز وجل لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] أن يكون معنى ذلك إثبات يدين نعمتين أو يكون معنى ذلك إثبات جارحتين أو يكون معنى ذلك إثبات قدرتين أو يكون معناه معنى ذلك إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا قدرتين ولا يوصفان
إلا كما وصف الله ولا يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين لأنه لا يجوز أن يقول القائل عملت بيديّ وهو يعني نعمتي ولا يجوز أن يعني عندنا ولا عند خصومنا جارحتين ولا يجوز عند خصومنا أن يعني قدرتين لأنهم لا يثبتون قدرة واحدة فكيف يثبتون قدرتين وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع وهو أن معنى قوله عز وجل بيدي إثبات يدين ليستا قدرتين ولا نعمتين ولا جارحتين ولا يوصفان إلا أن يقال إنهما يدان ليستا كالأيدي خارجًا عن سائر الوجوه الثلاثة التي سلفت وأيضًا فلو كان معنى قوله بيدي نعمتي لكان
لا فضيلة لآدم عليه السلام على إبليس في ذلك على مذاهب مخالفينا لأن الله قد ابتدأ إبليس بنعمة على قولهم كما ابتدأ بذلك لآدم فليس تخلو النعمتان أن يكون عنى بهما بدن آدم أو تكونا عرضين خلقا في آدم فإن عنى بذلك بدن آدم فالأبدان عند مخالفينا من المعتزلة جنس واحد وإذا كان الأبدان عندهم جنسًا واحدًا فقد حصل في جسد إبليس على مذاهبهم من النعمة ماحصل في جسد آدم وكذلك إن كان عنى عرضين فليس من عرض فعله في بدن آدم من لون أو حياة أو قوة أو غير ذلك إلا وقد فعل من جنسه عندهم في بدن إبليس فهذا يوجب أنه
لا فضيلة لآدم على إبليس في ذلك والله عز وجل إنما احتج على إبليس بذلك ليريه أن لآدم في ذلك الفضيلة فدل ما قلناه على أن الله عز وجل قال خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] لم يعن نعمتي ويقال لهم ماأنكرتم أن يكون الله عز وجل عنى بقوله يدي يدين ليستا نعمتين فإن قالوا لأن اليدين إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة قيل لهم ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة فإن قالوا رجعنا إلى الشاهد وإلى ما نجد فيما بيننا مخلوقًا فوجدنا ذلك إذا لم
يكن نعمة في الشاهد لم يكن إلا جارحة قيل لهم إن كان رجوعكم إلى الشاهد وعليه عملتم وبه قضيتم على الله عز وجل فكذلك لم تجدوا حيًّا من الخلق إلا جسمًا ولحمًا ودمًا فاقضوا بذلك على ربكم تعالى وإلا كنتم لقولكم تاركين ولاعتلالكم ناقصين وإن أثبتم حيًّا لا كالأحياء فلم أنكرتم أن تكون اليدان التي أخبر الله عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين
ولا كالأيدي وكذلك يقال لم تجدوا مدبرًا حكيمًا إلا إنسانًا وأثبتم الباري مدبرًا حكيمًا ليس كالإنسان وخالفتم الشاهد فقد نقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف للشاهد فإن قالوا فإذا أثبتم لله يدين لقوله سبحانه وتعالى لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] فلم لا أثبتم له أيدي لقوله سبحانه مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس 71] قيل لهم
قد أجمع على بطلان قول من قال ذلك فوجب أن يكون الله عز وجل ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين لأن الدليل قد دل على صحة الإجماع وإذا كان الإجماع صحيحًا وجب أن يرجع من قوله أيدي إلى يدين لأن القرآن على ظاهره
ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة فوجدنا حجة أولنا بها ذكر الأيدي على الظاهر إلى ظاهر آخر ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقة لا يزول عنها إلا بحجة فإن قال قائل إذا ذكر الله الأيدي وأراد يدين فما أنكرتم أن يكون ذكر الأيدي ويريد به يدًا واحدة قيل له ذكر الله عز وجل أيدي وأراد يدين لأنهم أجمعوا على
بطلان قول من قال أيدي كثيرة وقال من قال يد واحدة فقلنا يدان لأن القرآن على ظاهره إلا أن تقوم حجة بأن يكون على خلاف ظاهره فإن قال قائل ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس 71] على المجاز قيل له حكم كلام الله على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة ألا ترون أنه إذاكان ظاهر كلام عموم فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص فليس على حقيقة الظاهر وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم بغير حجة فكذلك قوله عز وجل خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] على ظاهره من إثبات الأيدي ولايجوز أن يعدل به عن