الجزء السابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
عثمان فيما خرجه من أحاديث الصفات بإسناده عن ابن عباس قال كانت الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين قلت وهذا صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما كما تقدم قال وروى أبو حفص بن شاهين في سننه بإسناده عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رآه بفؤاده مرتين وهو الذي اتبعه أحمد واحتج به عن ابن عباس كما تقدم
وأما هذا التقييد فمن وضع بعض المتأخرين قال القاضي وروى أبو حفص بإسناده عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بفؤاده مرتين وروى أيضًا بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال رأى محمد ربه بقلبه قال القاضي وهذا الاختلاف عنه ليس براجع إلى ليلة المعراج وإنما هو راجع إلى رؤيته في المنام في غير تلك الليلة رآه بقلبه على ما نبينه فيما بعد قلت هذه الألفاظ المتأخرة ثابتة في الصحيح عن ابن عباس وهو ذكرها في تفسير قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] ولم يقل ابن عباس إن الرؤية بفؤاده كانت في المنام بل تكون في اليقظة
ثم قال القاضي وما رويناه عن ابن عباس أولى مما روي عن عائشة لأن قول ابن عباس يطابق قول النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت رؤيته تلك الليلة ولأنه مثبت والمثبت أولى من النافي ولا يجوز أن يثبت ابن عباس ذلك إلاّ عن توقيف إذ لا مجال للقياس في ذلك قلت أما ترجيحه قول ابن عباس بأنه مثبت وبأن ذلك لا يقال إلاّ عن توقيف فهو من الترجيح القديم الذي يحتج به مثبت رؤية محمد صلى الله عليه وسلم من الأئمة وسائر أهل الحديث ولا ريب أن المثبت أولى من النافي فـ يـ ما كان من باب الرواية كما قدم الناس رواية بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت على قول أسامة
إنه لم يصل وقد قالوا هذا لا يقال بالقياس وإنما يقال بالتوقيف فيكون من باب الرواية لكن قد يقال ونفي ذلك أيضًا لايؤخذ بالقياس وإنما يقال بالتوقيف فإن كون رؤية محمد ربه وقعت أو لم تقع هو من الأخبار التي لا تُعلم بمجرد القياس وعائشة رضي الله عنها لما نفت ذلك لم تستند مع استعظام ذلك أن تكون في الدنيا إلاّ إلى ما تأولت من الآيتين وابن عباس ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] فكلامه أيضًا كان في تأويل القرآن وأما الأحاديث التي رواها ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت ربي فقد ذكر القاضي ذلك لما ذكر تلك الأحاديث وأما ما احتج به من أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت رؤيته تلك الليلة فإنه لم يعتمد في ذلك إلاّ على الحديث الذي ذكر هذا كله في الكلام عليه وهو
الحديث الذي سنذكره إن شاء الله مما رواه الخلال عن أبي ثعلبة عن أبي عبيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى قلت لا أدري قال فوضه يده حتى وجدت فذكر كلمة ذهبت عني قال ثم قال فيم يختصم الملأ العلى وذكر الخبر قال القاضي أعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصول أحدها في إثبات ليلة الإسراء وصحتها والثاني في إثبات رؤيته لله تعالى تلك الليلة والثالث في وضع الكف بين كتفيه الرابع في إطلاق تسمية الصورة عليه والخامس قوله لا أدري لما سأله فيم يختصم الملأ الأعلى ثم تكلم على ذلك قلت الإسراء وإن كان حقًّا ورؤية محمد صلى الله عليه وسلم قد جاءت بها آثار ثابتة وهذا الحديث قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه بالمدينة
في المنام لكن هذا الحديث بهذا اللفظ المذكور في ليلة الإسراء من الموضوعات المكذوبات كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لما كانت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى وإنما ذكر أن ربه أتاه في المنام وقال له هذا ووضع يده بين كتفيه بالمدينة في منامه ولهذا لم يحتج أحد من علماء الحديث بهذا بل رووه للاحتجاج ولم يثبتـ ـه أحد في الأحاديث المعروفة عند أهل العلم بالحديث كما بيناه فتبين أن القاضي ليس معه ما اعتمد عليه في رواية اليقظة إلاّ قول ابن عباس وآية النجم وقول ابن عباس قد جمعنا ألفاظه فأبلغ مايقال لمن يثبت رؤية العين أن ابن عباس أراد بالمطلق رؤية العين لوجوه أحدها أن يقال هذا المفهوم من مطلق الرؤية والثاني لأن عائشة قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه
فد أعظم على الله الفرية وتأولت قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] وقوله وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا [الشورى 51] وذلك إنما ينفي رؤية العين فعلم أنها فهمت من قول من قال إن محمدًا رأى ربه رؤية العين الثالث أن في حديث عكرمة أليس يقول الرب تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] فقال لا أم لك ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لايدركه شيء ومعلوم أن هذه الآية إنما يعارض بها من يثبت رؤية العين ولأن الجواب بقول ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء يقتضي أن الإدراك يحصل في غير هذه الحال وان ما أخبر به من رؤيته هو من هذا الإدراك الذي هو رؤية البصر وأن البصر أدركه لكن لم يدركه في نوره الذي هو نوره الذي إذا تجلى فيه لم يدركه شيء وفي هذا الخبر من رواية ابن أبي داود أنه سُئل ابن
عباس هل رأى محمد ربه قال نعم قال وكيف رآه قال في صورة شاب دونه ستر من لؤلؤ كأن قدميه في خضرة فقلت أنا لابن عباس أليس في قوله لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) [الأنعام 103] قال لا أم لك ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء وهذا يدل على أنه رآه وأخبر أنه رآه في صورة شاب دونه ستر وقدميه في خضرة وأن هذه الرؤية هي المعارضة بالآية والمجاب عنها بما تقدم فيقتضي أنها رؤية عين كما في الحديث الصحيح المرفوع عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء الوجه الرابع أن في حديث عبد الله بن أبي سلمة أن عبد الله بن عمر أرسل إلى عبد الله بن عباس يسأله هل رأى محمد ربه فأرسل إليه عبد الله بن عباس أي نعم فرد عليه
عبد الله بن عمر رسوله أن كيف رآه فأرسل إليه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب تحمله أربعة من الملائكة كما تقدم وكون حملة العرش على هذه الصورة أربعة هو كذلك الوجه الخامس أنه ذكر أن الله اصطفى محمدًا بالرؤية كما اصطفى موسى بالتكليم ومن المعلوم أن رؤية القلب مشتركة لا تختص بـ محمد كما أن الإيحاء لا يختص بـ موسى ولا بد أن يثبت لمحمد من الرؤية على حديث ابن عباس مالم يثبت لغيره كما ثبت لموسى من التكليم كذلك وعلى الروايات الثلاث اعتمد ابن خزيمة في تثبيت الرؤية حيث قال
باب ذكر الأخبار المأثورة في إثبات رؤية النبي صلى الله عليه وسلم خالقه العزيز العليم المحتجب عن أبصار بريته قبل اليوم الذي يجزي الله كل نفس ما كسبت وذكر اختصاص الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالرؤية كما خص إبراهيم عليه السلام بالخُلَّة من بين جميع الرسل والأنبياء جميعًا وكما خص نبيه موسى بالكلام خصوصية خصه الله بها من بين جميع الرسل وخص الله كل واحد منهم بفضيلة وبدرجة سنية كرمًا منه وجودًا كما أخبرنا عز وجل في محكم تنزيله في قوله تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ [البقرة 253] ثم اشتمل حديث هشام الدستوائي عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم
والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين وذكر حديث الحكم عن عكرمة الذي فيه صورة شاب وذكر احتجاج بعض أصحابه بما روي عن أبي ذر وابن عباس في تفسير قوله في سورة النجم واحتجاج بعضهم بقول ابن عباس في قوله وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء 60] أنها رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال وليس الخبر بالبين أيضًا إن ابن عباس أراد بقوله رؤيا عين رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربع بعينه لست أستحل أن أحتج
بالتمويه ولا أستجيز أن أموه على مقتبسي العلم فأما خبر قتادة والحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس وخبر عبد الله بن أبي سلمة عن ابن عباس فبين واضح أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه وهذا من كلامه يقتضي أنه اعتمد هذه الطرق وأنها تفيد رؤية العين لله التي ينزل عليها قوله تعالى وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الإسراء 60] ويدل على ذلك حديث حماد ابن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي وحديث الحكم عن عكرمة في حكم المرفوع أيضًا لأنه ذكر خبر الرؤية على وجه لا يعلم بالرأي ولا بتأويل القرآن وكذلك حديث ابن أبي سلمة عن ابن عباس أخبر فيه بأمور لاتُعلم من تفسير القرآن وعلى هذا فيكون خبر عكرمة عن ابن عباس ونحوه روية عين كما يذهب إلى ذلك طوائف من أهل الحديث ومع هذا فقد روي بهذا الإسناد بعينه عن عكرمة ما يبين أن
رؤية الآخرة على وجه آخر وقال في هذه الرواية ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لم يدركه شيء وروى عبد الرحمن حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان حدثنا أبي عن عكرمة في قوله عزوجل وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) [القيامة 22-23] قال مسرورة فرحة إلى ربها ناظرة قال عكرمة انظر ماذا أعطى الله عبده من النور
في عينيه أن لو جعل الله جميع من خلق الله من الإنس والجن والدواب والطير وكل شيء من خلق الله فجعل نور أعينهم في عين عبد من عباده ثم كشف عن الشمس سترًا واحدًا ودونها سبعون سترًا ما قدر أن ينظر إلى الشمس والشمس جزء من سبعين جزءًا من نور الكرسي والكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش والعرش جزءًا من سبعين جزءًا من نور الستر فانظر ماذا أعطى الله تعالى عبده من النور في عينيه أن النظر إلى وجه ربه الكريم عيانًا لكن قال الحافظ أبو عبد الله بن منده الوجه الرابع ما رواه الإمام أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة حدثنا فضل بن
سهل حدثنا عمرو بن طلحة القناد حدثنا أسباط عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) قال إن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل فقال له رجل أليس قد قال لاتدكه الأبصار وهو يدرك الأبصار فقال له عكرمة أليس ترى السماء قال بلى قال أفكلها ترى وهذا مروي من وجوه أخرى فلهذا ترجم أبو بكر بن أبي عاصم باب ما ذكر في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه
فروى حديث شعبة عن قتادة عن عكرمة عن أنس أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه تبارك وتعالى وروى حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس هذا وروي حديث عاصم عن الشعبي وعكرمة عن ابن عباس قال رأى محمد ربه وروى حديث عكرمة عن ابن عباس أن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى
موسى بالكلام واصطفى محمدًا بالرؤية وروى حديث الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس الذي فيه ذلك إذا تجلى بنوره واختصره وقال فيه كلام يعني كلامًا لم يذكره وروى من حديث عن جابر بن زيد عن عطاء بن أبي رباح عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى
قال هو محمد دنا فتدلى إلى ربه عز وجل وروى حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة وروى حديث هشام الدستوائي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن شيء قال عن أي شيء كنت تسأله قال كنت أسأله هل رأيت ربك فقال سألته فقال نور أني أراه وحديث هشام عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية
لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم إنه ذكر رؤية الله في الآخرة ثم ذكر رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في المنام فعلم أن أحاديث ابن عباس عنده في اليقظة لكن لم يقل بعينيه فاحتجاج المحتج بهذه الآية وجوابه بقوله ألست ترى السماء قال بلى قال فكلها ترى دليل على أنه أثبت رؤية العين وقد يقال بل أثبت رؤية القلب ورؤية النبي بقلبه كرؤية العين كما تقدم ذكر هذا من كلام الإمام أحمد وغيره فلم يكن كلام ابن عباس مختلفًا وتكون هي رؤية يقظة بقلبه والذي يدل على الجزم بهذا الوجه أن هذه من رواية سماك عن عكرمة عن ابن عباس وقد روى ابن خزيمة والطبراني وغيرهما م حديث إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 11]
قال رآه بقلبه قال ابن خزيمة حدثنا عمي حدثنا عبد الرزاق حدثنا إسرائيل وقال الطبراني حدثنا يوسف القاضي حدثنا محمد بن كثير حدثنا إسرائيل فذكره يبين ذلك ما رواه الترمذي في جامعه في تفسير سورة والنجم فروى حديث ابن عيينة عن مجالد عن الشعبي قال لقي ابن عباس كعبًا فعرفه فسأله عن شيء فكبر حتى جاوبته الجبال فقال ابن عباس إنا بني هاشم
نزعم أنَّ محمدًا رأى ربه فقال كعب إنَّ الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين قال مسروق فدخلت على عائشة فقلت هل رأى محمد ربه فقالت لقد قفَّ شعري مما قلت قلت رويدًا ثم قرأت لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) قالت أين يُذهب بك إنما هو جبريل من أخبرك أنَّ محمدًا رأى ربه تعالى أو كتم شيئًا مما أمر به أو يعلم الخمس التي قال الله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ الآية [لقمان 34] فقد أعظم على الله الفرية ولكنه رأى جبريل لم يره على صورته إلاّ مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سدّ الأفق
قال أبو عيسى وقد روى داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا الحديث وحديث داود أنص من حديث مجالد وروى الترمذي مثل ذلك عن الشيباني قال وسألت زرّ بن حبيش عن قوله فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فـ ـقال أخبرني ابن مسعود أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب
صحيح ثُمَّ روى الترمذي فقال حدثنا محمد بن عمرو بن نبهان بن صفوان البصري حدثنا يحي بن كثير العنبري حدثنا سلم بن جعفر عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال رأى محمد ربه قلت أليس الله يقول لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] قال ويحك ذاك نوره إذا تجلى بنوره الذي هو نوره وقد رأى محمد ربه مرتين قال أبوعيسى هذا حديث حسن
غريب من هذا الوجه قلت وقد روى أبوبكر بن أبي عاصم هذا الحديث في كتاب السنة عن هذا الشيخ كما رواه الترمذي عنه إلى آخره قال وقد رأى محمد ربه مرتين وفيه كلام أراد ابن أبي عاصم أنَّ الحديث فيه كلام آخر وهذا هو الكلام الذي تقدمت الإشارة إليه أنه قال رآه دونه ستر من لؤلؤ كما ذكرنا فإن هذه الزيادة كانوا يروونها وتارة يتركونها كما تركها ابن خزيمة والترمذي وابن أبي عاصم وهكذا قال ابن أبي عاصم لما روى حديث شاذان فقال حدثنا
أحمد بن محمد المروذي حدثنا أسود بن عامر قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي عز وجل قال ثمَّ ذكر كلامًا وقد تقدم ذكر هذا الكلام من رواية غيره وروى هذا الحديث من الوجه الآخر الذي ذكره أحمد فقال حدثنا فضل بن سهل حدثنا عفان قال حدثنا عبد الصمد بن كيسان عن
حماد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي عز وجل لم يزد ابن أبي عاصم على هذا والحديث معروف بطوله والمقصود هنا أن قول ابن عباس رآه مرتين أجاب فيه بقوله ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لم يدركه شيء لما سئل عن قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] وهذا يقتضي أنَّ المرتين رؤية عين مع أنه قد ثبت في الصحيح عنه أنه رآه بفؤاده مرتين ذكره أيضًا في تفسير الآية وهذا يقوي أن تكون رؤية الفؤاد عنده رؤية العين للأنبياء خصوصًا لا لغيرهم وحين عورض بهذه الآية أجاب عنها وعلى هذا فتتفق أقوال ابن عباس وهو أشبه ثم روى الترمذي حديث محمد بن عمرو عن أبي
سلمة عن ابن عباس في قوله تعالى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) [النجم 13-15] فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) [النجم 9-10] قال ابن عباس قد رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال أبوعيسى هذا حديث حسن ثم روى حديث يزيد بن إبراهيم التستري عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذرّ لو أدركت النبي صلى الله عليه وسلم سألته فقال عما كنت تسأله قال كنت أسأله هل رأى محمد ربه فقال قد سألته فقال نُورٌ أنَّى أرَاهُ قال أبو عيسى هذا حديث حسن ثُمَّ روى من حديث
إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله في قوله مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في حلة من رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض قال أبوعيسى هذا حديث حسن صحيح قلت فأمَّا إثباته الرؤية بسورة والنجم فقد نوزع فيه
أيضًا وأما أبوذر فقد تقدم قوله رآه بفؤاده ولم يره بعينه وأمَّا أنس بن مالك فقد روى من حديث شعبة عن قتادة عن أنس قال رأى محمد ربه ورواه ابن خزيمة فقال حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز المقوم حدثنا أبو بحر البكراوي عبد الرحمن بن عثمان عن شعبة وكذلك رواه ابن أبي عاصم حدثنا عمرو بن عيسى الضبعي حدثنا أبوبحر البكراوي حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن محمدًا قد رأى ربه تبارك وتعالى وكذلك رواه الطبراني فقال حدثنا زكريا السَّاجي حدثنا عمرو بن عيسى
الضبعي حدثنا أبوبحر البكراوي حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس قال رأى محمد ربه فمداره على أبي بحر عن شعبة وفي مفرده نظر يحتمل أن يكون اشتبه عليه ذلك ببعض أحاديث قتادة في هذا الباب فإنه روى عن عكرمة وغيره ذكر الرؤية وإلاَّ فانفراده من بين أصحاب شعبة ريبة تُوجبُ نظرًا وقد روى الطبراني في السنة في باب رؤية محمد ربه في قوله تعالى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) [النجم 10] حدثنا محمد بن علي الصائغ حدثنا سعيد بن منصور حدثنا
الحارث بن عبيد أبوقدامة الإيادي عن أبي عمران الجَوني عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت النور الأعظم ولط دوني الحجاب رفرفة الدُّر والياقوت فأوحى الله إليَّ ما شاء أن يوحي قال حدثنا يوسف القاضي حدثنا المقدمي حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي حدثنا قتادة عن عكرمة عن ابن عباس وأبي ذر في
قوله فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) [النجم 10] قالا عبده محمد صلى الله عليه وسلم فإن قيل فقد روى الخلال حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا أبو داود المباركي حدثنا حماد بن دليل عن سفيان بن سعيد عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب
أو عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة الخشني عن أبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما كنت ليلة أسري بي رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت لا أدري قال فوضع يده حتى وجدت فذكر كلمة ذهبت عني قال ثم قال فيم يختصم الملأ الأعلى قال قلت في الكفارات والدرجات قال وما الكفارات قلت إسباغ الوضوء في المسرات ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال وما الدرجات قلت إطعام الطعام وإفشاء السلام وصلاة بالليل والناس نيام قال
قل قلت وما أقول قال قل اللهم إني أسألك عملاً بالحسنات وترك المنكرات وإذا أردت في قوم فتنة وأنا فيهم فاقبضني إليك غير مفتون وقد ذكر القاضي أبو يعلى هذا الحديث في كتاب إبطال التأويل أو ل ما ذكر من أحاديث هذا الجنس الذي فيه رؤيته في أحسن صورة وأثبت ذلك يقظة وتكلم عليه كما تكلم على غيره من الأخبار فأبطل التأويل إذ المتأولون كالمريسي وذويه وابن فورك ونحوه يجعلون هذا في اليقظة ويتأولونه كما
فعله المؤسس قيل هذا الحديث كذب موضوع على هذا الوجه بلا نزاع بين أهل العلم بالحديث ولهذا لم يذكره الإمام أحمد فيما ذكره من أخبار هذا الباب ولا أحد من أصحابه الذين أخذوا عنه لا فيما يصححون ولا فيما عللوه وكذلك ابن خزيمة لم يذكره لا فيما صححه ولا فيما علله ولا رووه الأئمة الذين جمعوا في كتب السنة أحاديث الباب كابن أبي عاصم والطبراني وابن منده وغيرهم لأنه من الموضوعات التي لا يجوز ذكرها لمن علم بها إلاّ أن يبين أنها موضوعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين وهذا الحديث من أبطل الباطل عن سفيان الثوري
والحسن بن صالح بن حي لم يأت به عنهما أحد من أصحابهما مع كثرتهم واشتهارهم وأيضًا فأحاديث المعراج قد رواها أهل الصحيح من حديث مالك بن صعصعة وأبي ذر وأنس وابن عباس وأبي حبة الأنصاري ورواه أهل السنن والمسانيد من وجوه
أخرى وليس في شيء منها هذا مع توفر الهمم والدواعي على ضبط ذلك لو كان له أصل وهذا التأويل يوجب العلم ببطلان هذا وأيضًا فقوله فيه نقل الأقدام إلى الجمعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة والمعراج كان بمكة وتلك الليلة فرضت الصلوات الخمس ولم تكن جمعة فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أن أول جمعة كانت في الإسلام بعد جمعة بالمدينة جمعت بالبحرين بجواثاء قرية من قرى البحرين وهذا من العلم المتواتر الذي لا يتنازع فيه أهل العلم وأما ما يوجد في كتب
أخرى ويوجد عند كثير من الشيوخ والعامة من أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في بعض سكك المدينة أو خارج مكة أو أنه ينزل عشية عرفة فيعانق المشاة ويصافح الركبان ونحو هذه الأحاديث التي فيها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربع في اليقظة في الأرض فكلها من أكذب الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم فليعلم ذلك والخلال روى هذا الحديث من هذا الوجه ورواه من وجه آخر هو الصواب لأنه جمع الطرق فقال حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري حدثنا مؤمل قال حدثنا عبيد الله
ابن أبي حميد عن أبي المليح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي في منامي في أحسن صورة فقال يامحمد قلت لبيك ربي وسعديك فقال فيم يختصم الملأ الأعلى وذكر الحديث قال الخلال حدثنا أحمد بن محمد الأنصاري حدثنا مؤمل قال حدثنا حماد بن دليل حدثنا سفيان الثوري عن قيس عن طارق عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ففي هذه الرواية من رواية مؤمل عن حماد بن دليل عن الثوري عن قيس عن طارق عن النبي صلى الله عليه وسلم جعله مرسلاً وجعله مثل
حديث أبي هريرة وحديث أبي هريرة يوافق سائر الأحاديث أن ذلك كان في المنام كما ذكره في هذه الراوية ولكن إنما اعتقد صحة هذا من لم يكن له بالحديث وألفاظه وروايته خيرة تامة من جنس الفقهاء وأهل الكلام والصوفية ونحوهم فلهذا ذكروه من بين متأول ومن بين راد للتأويل ثم المثبتة تزيد في الأحاديث لفظًا ومعنى فيثبتون بعض الأحاديث الموضوعة صفات ويجعلون بعض الظواهر صفات ولا يكون كذلك والنافية تنقض الأحاديث لفظًا ومعنًى فيكذبون بالحق ويحرفون الكلم عن مواضعه ومن هذا ما رواه الخلال حدثنا عمرو بن إسحق حدثنا أبو مسلم الحضرمي حدثنا أبو معاوية وهب بن عمرو الأحموسي عن أبي عبد الرحمن عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس أنه حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما أسري بي إلى السماء فرأيت الرحمن