الجزء الثاني
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
الحاكم على الإنكار على الكلام وأهله قال وسمعت عبد الواحد بن ياسين المؤذن أنا جعفر يقول رأيت بابين قلعًا من مدرسة أبي الطيب بأمره من بيتي شابين حضرا أبا بكر ابن فورك
فصل وأصل هؤلاء المتكلمين من الجهمية المعتزلة ومن وافقهم الذي بنوا عليه هذا هو مسألة الجوهر الفرد فإنهم ظنوا أن القول بإثبات الصانع وبأنه خلق السموات والأرض وبأنه يقيم القيامة ويبعث الناس من القبور لايتم إلا بإثبات الجوهر الفرد فجعلوه أصلا للإيمان بالله واليوم الآخر أما جمهور المعتزلة ومن وافقهم كأبي المعالي وذويه فيجعلون الإيمان بالله تعالى لايحصل إلا بذلك وكذلك الإيمان باليوم الآخر إذ كانوا يقولون لايعرف ذلك إلا بمعرفة حدوث العالم ولايعرف حدوثه إلا بطريقة الأعراض وطريقة الأعراض مبنية على أن الأجسام لاتخلو منها وهذا لم يمكنهم أن يثبتوه إلا بالأكوان التي هي الاجتماع والافتراق والحركة
والسكون فعلى هذه الطريقة اعتمد أولوهم وآخروهم حتى القائلين بان الجواهر لا تخلو عن كل جنس من أجناس الأعراض وعن جميع أضداده إن كان له أضداد وإن كان له ضد واحد لم يخل الجوهر عن احد الضدين وإن قدر عرض لاجنس له لم يخل الجوهر عن قبول واحد من جنسه إذا لم يمنع مانع من قبوله فإن هذا أبلغ الأقوال وهو قول أصحاب الأشعري ومن وافقهم كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي الجويني وأبي الحسن
الزاغوني وغيرهم فإنه لم يمكنهم أن يثبتوا أن الجسم لايخلو من الأعراض إلا بالأكوان ثم عند التحقيق لم يمكنهم أن يثبتوا ذلك إلا بالاجتماع والافتراق فإن منهم من يقول الكون أمر عدمي ومنهم من يقول الكون الذي هو الحركة والسكون إنما يلزم إذا كان الجسم في مكان فأما إذا لم يكن في مكان فيجوز خلوه عن الحركة والسكون كما يقوله طوائف كالذين قالوا ذلك من الكرامية فآل الأمر بهذه الطريقة إلى الاجتماع والافتراق وعلى ذلك اعتمد أبو المعالي وغيره من الأشعرية وعلى ذلك اعتم محمد بن الهيصم وغيره من الكرامية ومعلوم أن قبول الاجتماع والافتراق لم يمكنهم حتى يثبتوا أن الجسم يقبل الاجتماع والافتراق وذلك مبني على انه مركب من الأجزاء التي هي الجواهر المنفردة فصار الإقرار بالصانع مبنيًّا عند هؤلاء المتكلمين على إثبات الجوهر الفرد
ثم الذين ذكروا أن لهم طريقًا إلى إثبات الصانع غير هذه كأبي عبد الله الرازي وغيره وهو الذي عليه أبو الحسن الأشعري وغيره من الحذاق قال من قال من هؤلاء إن إثبات المعاد موقوف على ثبوت الجوهر الفرد وهذا قول أبي عبد الله الرازي وغيره وهو مخلص ممن جعله الأصل في الإيمان بالله فجعله هو الأصل في الإيمان بالمعاد مع كونه يجعله أصلا في نفي الصفات التي ينكرها كما سيأتي بيانه قال في بعض أكبر كتبه الكلامية الذي سماه نهاية العقول في الأصل السابع عشر اعلم أن معظم الكلام في المعاد إنما يكون مع الفلاسفة ولهم أصول يفرعون شبههم عليها فيجب علينا إيراد تلك الأصول أولاً ثم الخوض بعدها في المقصود فلا جرم رتبنا الكلام في هذا الأصل على أقسام ثلاثة القسم الأول في المقدمات وفيه ثمان مسائل المسألة الأولى في الجزء الذي لايتجزأ ولا شك أن الأجسام التي نشاهدها قابلة
للانقسامات فالانقسامات التي يمكن حصولها فيها إما أن تكون متناهية أو لاتكون فيخرج من هذا التقسيم أقسام أربعة أولها أن تكون الانقسامات حاصلة وتكون متناهية وثانيها أن تكون حاصلة وتكون غير متناهية وثالثها ألا تكون حاصلة ولكن مايمكن حصوله منها يكون متناهيًا ورابعها أن لاتكون حاصلة ولكن ما يمكن حصوله منها يكون غير متناه فالأول مذهب جمهور المتكلمين والثاني مذهب النظام والثالث
مذهب بعض المتأخرين والرابع مذهب الفلاسفة فنخلص من هذا أن الخلاف بيننا وبين الفلاسفة في هذه المسألة يقع في مقامين أحدهما أن الجسم مع كونه قابلاً للانقسامات هل يعقل أن يكون واحدًا هل يعقل أن يكون قابلاً للانقسامات الغير متناهية وأعجب من هذا أنهم يجعلون إثبات الجوهر الفرد دين المسلمين حتى يعد منكره خارجًا عن الدين كما قال أبو المعالي وذووه اتفق المسلمون على أن الأجسام تتناهى في تجزئها وانقسامها حتى تصير أفرادًا وكل جزء لايتجزأ ولاينقسم وليس له طرف وحد وجزء شائع ولايتميز
وإلى هذا صار المتعمقون في الهندسة وعبروا عن الجزء بالنقطة فقالوا النقطة شيء لاينقسم وصار الأكثرون من الفلاسفة إلى أن الأجسام لاتتناهى في تجزئها وانقسامها وإلى هذا صار النظام من أهل الملة ثم اعترف بأنه تنتهي قسمتها بالفعل ولاتنتهي قسمتها بالقوة ويعنون بالقوة صلاحية الجزء للانقسام والعجب أنهم اتفقوا على أن الأجرام متناهية الحدود والقطار منقطعة الأطراف والأكثاف وكذلك على كل
جملة ذات مساحة فغن لها غايات ومنقطعات بالجهات ثم قضوا بأنها تنقسم أجزاءً بلا نهاية والجملة المحدودة كيف تنقسم أجزاءًا لاتتناهى ولا يحاط بها قلت والكلام في ذلك من وجهين أحدهما أنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن الرسول والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين لم يبنوا شيئًا من أمر الدين على ثبوت الجوهر الفرد ولاانتفائه وليس المراد بذلك أنهم لم ينطقوا بهذا اللفظ فإنه قد تجدد بعدهم ألفاظ اصطلاحية يعبر بها عما دل عليه كلامهم في الجملة وذلك بمنزلة تنوع اللغات وتركيب الألفاظ المفردات وإنما المقصود أن المعنى الذي يقصده المثبتة والنفاة بلفظ الجوهر الفرد لم يبن عليها احد من سلف الأمة وأئمتها مسألة واحدة من مسائل الدين ولا ربطوا بذلك حكمًا علميًّا ولا علميًّا فدعوى المدعي انبناء أصل الإيمان بالله واليوم الآخر على ذلك يضاهي دعوى المدعي أن ما بينوه من الإيمان بالله واليوم الآخر ليس هو على مابينوه بل إما أنهم ماكانوا يعلمون الحق أو يجوز الكذب في هذا الباب لمصلحة الجمهور كما يقول نحو ذلك من يقوله من
المنافقين من المتفلسفة والقرامطة ونحوهم من الباطنية فإنهم إذا أثبتوا من أصول الدين مايعلم بالاضطرار انه ليس من أصول الدين لزم قطعًا تغيير الدين وتبديله ولهذا زاد أهل هذا الفن في الدين ونقصوا منه علمًا وعملاً وإذا كان كذلك لم يكن الخوض في هذه المسألة مما يبنى عليه الدين بل مسألة من مسائل الأمور الطبيعية كالقول في غيرها من أحكام الأجسام الكلية وأيضًا فإنه أطبق أئمة الإسلام على ذم من بنى دينه على الكلام في الجواهر والأعراض ثم هؤلاء الذين ادعوا توقف الإيمان بالله واليوم الآخر على ثبوته قد شكوا فيه وقد توقفوا في آخر عمرهم كإمام المتأخرين من المعتزلة أبي الحسين البصري وإمام المتأخرين من
الأشعرية أبي المعالي الجويني وإمام المتأخرين من الفلاسفة والمتكلمين أبي عبد الله الرازي فإنه في كتابه بعد أن بين توقف المعاد على ثبوته وذكر ذلك غير مرة في أثناء مناظرته للفلاسفة قال في المسألة بعينها لما أورد حجج نفاة الجوهر الفرد فقال وأما المعارضات التي ذكروها فاعلم أن من العلماء من مال إلى التوقف في هذه المسألة بسبب تعارض الأدلة فإن إمام الحرمين صرح في كتاب التلخيص في أصول الفقه أن هذه المسألة من محارات
العقول وأبو الحسين البصري هو احذق المعتزلة توقف فيها ونحن أيضًا نختار هذا التوقف فأي ضلال في الدين وخذلان له أعظم من هذا