الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
تلت قوله تعالى فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [الروم 52] ولما أنكرت رؤيته لربه تعالى تلت قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] وقوله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشورى 51] ولما ظنت أن القرآن يخالف ذلك نسبت الراوي إلى الغلط وإن كان أئمة الصحابة وجمهور علماء المسلمين على التصديق بالحديث وأنه لا منافاة بينه وبين القرآن فالمقصود أنه ليس من الصحابة من قال إن القرآن أو الخبر يخالف العقل والأدلة العقلية فالواجب أن يقول بموجب العقل والأدلة العقلية والقرآن إما أن يعرض عنه فيصير مهجوراً أو يتصور له التأويلات التي تتضمن تحريف الكلم عن مواضعه بل كلهم متفقون على تعظيم القرآن وأنه ما أول
إلا على حق وأنه هدى وبيان وشفاء وإن قصر فهم بعضهم عن بعض عرف أن ذلك من نقص فهمه وعلمه لا من نقص ما دل عليه القرآن ولا يجعلون إيمانهم بما دل عليه القرآن موقوفا على نفي المعارض بل قد تيقنوا على أنه لا يعارضه حق بل كل ما عارضه فهو باطل كشبه السوفسطائية والقرامطة التي يعارضون بها الأدلة العقلية والسمعية والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهاهم عن ضرب القرآن بعضه ببعض فلا يجوز معارضة آية بآية للتصديق بمعنى إحداهما دون الأخرى بل يجب الإيمان به كله فكيف بمن عارضه بكتاب آخر فكيف بمن عارض جنس الأنبياء والكتب المنزلة من السماء بنا لم يأت به كتاب ألبتة بل كان مضاهياً الذين يجادلون في آيات الله لغير سلطان والذين جادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فهؤلاء من جنس المكذبين للرسل المشركين الذين هم أكفر من اليهود والنصارى من هذا الوجه
وأين هذا من قوله تعالى المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) [الأعراف 1-3] وإذا قال القائل الرسول صلى الله عليه وسلم إنما عرف صدقه بأدلة عقلية وأنه لابد له من الأدلة العقلية فهذا صحيح لكن تلك الأدلة العقلية التي بها يعرف صدق الرسل هي مما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم وأرشد إليها القرآن على أحسن الوجوه وأكملها فالأدلة العقلية التي تستحق أن تسمى أدلة عقلية على المطالب العالية الإلهية وهي الإيمان بالرب تعالى والإيمان بكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح الذي به يسعد الناس وينجون من العذاب في الدنيا والآخرة قد دل عليه القرآن أحسن دلالة وبينه أحسن بيان بل ضرب الله في القرآن من كل مثل وجميع ما يذكره الناس في هذا الباب متكلمهم ومتفلسفهم ما كان فيه حقّا فقد جاء القرآن به وبأحسن منه على أكمل الوجوه بل ما جاءت به النبوات في التوراة والإنجيل من المطالب الإلهية جاء القرآن بها وما حرفها فكيف بالأمور التي تعرف بمجرد العقل من غير وحي من السماء في هذا الباب فإن معرفة هذه أيسر
فإذا كان القرآن قد اشتمل على معاني الكتب فكيف لا يشتمل على هذه وهذه الجملة لها تفصيل مبسوط في مواضع بل بين في مواضع أن ما سلكه أهل البدع من أهل الفلسفة والكلام لا يصلون إلى علم ويقين بل إنما غاية صاحبه الشك والضلال وهذا مما اعترفت به حذاقهم وممن اعترف به أبو عبد الله الرازي رحمه الله في غير موضع من كتبه ولفظه في بعضها لقد تأملت الكتب الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن أقرأ في الإثبات الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) [طه 5] وإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وأقرأ في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) [طه 110] ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي وهذا قاله في آخر عمره في آخر ما صنفه وهو كثير التناقض يقول القول ثم يرجع عنه ويقول في الآخر
ما يناقضه كما يوجد هذا في عامة كتبه تغمده الله برحمته وعفا عنه وسائر المؤمنين رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) [الحشر 10] وتوبته معروفة مشهورة وقد بسط هذا في مواضع وبيّن أنه يمتنع تعارض الأدلة اليقينية سواء كانت كلها عقلية أو كلها سمعية أو بعضها سمعي وبعضها عقلي فلا يجوز أن يكون أحد من الأنبياء أخبر بخلاف ما أخبر به محمد صلى الله عليه وسلم فإن أخبار الأنبياء كلها صدق يجب الإيمان بها فكما لا يجوز أن تتناقض أخباره فلا يتناقض خبر نبي وخبر آخر وأما الأعمال والأصول الكلية فلا يختلفون بشيء منها كالأمر بتوحيد الله عز وجل وعبادته وحده لا شريك له والأمر بإخلاص الدين له والأمر بالعدل وغير ذلك وكذلك النهي عن الفواحش وعن الظلم وعن الشرك
والقول على الله عز وجل بلا علم كما ذكر الله تعالى ذلك في قوله تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) [الأعراف 33] كما ذكر المأمور به في قوله تعالى قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [الأعراف 29] وكما قد ذكر أصول الشرائع في آخر الأنعام وفي بني إسرائيل وغير ذلك وهذه الأمور مما اتفقت
عليها شرائع الأنبياء وأكثر المسلمين على أنها لا تقبل النسخ ولا يجوز أن يبعث نبي بخلافها ولا ينسخ منها شيء وأما الذين يجوزون على الله تعالى أن يأمر بكل شيء وينهى عن كل شيء فيجوزون النسخ في هذه وغيرها وبكل حال فلم يقع في شيء منها نسخ وإنما جاء النسخ في أمر يسير من فروع الشرائع كما قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة 48] كما شرع السبت لأهل التوراة وشرع لأهل القرآن
الجمعة وكما حرم عليهم كل ذي ظفر وشحم الثرب والكليتين وأحل لأهل القرآن جمع الطيبات وإنما حرم عليهم الخبائث ورفع الله تعالى عمن اتبعه من أهل الكتاب آصارهم والأغلال التي كانت عليهم فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) [الأعراف 157] وكذلك الأدلة العقلية الخبرية والأدلة العقلية على حسن بعض الأشياء وقبح بعضها عند من يقول بذلك إذا كانت حقّا فإنها لا تناقض شيئاً مما جاءت به الرسل لا محمداً صلى الله عليه وسلم ولا غيره ولا يجوز أن يخبر الرسل بشيء يعلم بالعقل الصريح امتناعه بل لا يجوز أن يخبروا بما لا يعلم بالعقل ثبوته فيخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول ويجوز أن يكون في بعض ما يخبرون به ما يعجز عقل بعض الناس
عن فهمه وتصوره فإن العقول متفاوتة وفي عظمة الرب تعالى وملكوته وآياته ومخلوقاته ما لا يستطيع الناس أو كثير منهم أن يروه في الدنيا أو يسمعوا صوته أو يتصوروه ويكفيك أن موسى عليه السلام مع عظم قدره لما تجلى ربه للجبل جعله دكّا وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) [الأعراف 143] ولكن كثير من الناس يظن بعقله أشياء ممتنعة ولا تكون ممتنعة كما يظن أشياء جائزة أو واجبة ولا تكون كذلك ولهذا عامة الطوائف بالعقليات توجب هذا أو تجوز ما يقول الآخر إنه ممتنع وكلاهما يزعم أن العقل دل على ذلك فلهذا كان من الناس من يظن أن المعقولات الصريحة تخالف ما جاء به القرآن والحديث الصحيح من إثبات معاني أسماء الله وصفاته كما يقول ذلك المعطلة الجهمية ومن يشاركهم في بعض ذلك فالذين نفوا علو الله على خلقه ونحو ذلك هم من هؤلاء والرازي في هذا الكتاب قد
يستوعب ما يحتج به طوائف النفاة من الحجج العقلية وقد تقدم بيان فساد ذلك جميعه من وجوه متعددة تبين أن جميع ما يعتمدون عليه من الحجج التي يسمونها براهين عقلية التي عارضوا بها ما جاء به القرآن والحديث باطلة وأن العقل الصريح موافق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يناقضه فالعقل الصريح لا يخالف النقل بل هو يوافقه ويعاضده ويؤيده ويكفينا أن نبين فساد ما يعارضه أما ذكر ما يوافقه من العقليات النظرية فهذا أبلغ وأحسن وقد تبين أن الفطرة العقلية الضرورية متوافقة والعقليات النظرية موافقة فالذين عارضوه هم خالفوا السمع والعقل فكانوا من جنس الذين قالوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) [الملك 10]
فصل قال الرازي الفصل الرابع في تقرير مذهب السلف حاصل هذا المذهب أن هذه المتشابهات يجب القطع فيها بأن مراد الله تعالى منها شيء غير ظاهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الله تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها وقال المتكلمون بل يجب الخوض في تأويل تلك المتشابهات والكلام على هذا من وجوه أحدها أنه لم يحك إلا قولين تحريم التأويل أو وجوبه وبقي القول بجوازه دون وجوبه وهو قول كثير من الناس ومنهم من يوجبه في حال دون حال ومنهم من يجوزه في حال دون حال ولبعض الناس دون بعض وأكثر القائلين بالتأويل هذا
مذهبهم لم يقولوا إنه واجب على الأعيان لكن قد يقولون إنه واجب على الكفاية الوجه الثاني أن مذهب السلف يعرف بنقل أقوالهم أو نقل من هو خبير بأقوالهم وما ذكره من العبارة لم ينقل عن أحد من السلف ولا نقله من يحكي إجماع السلف ونحن ذكرنا قطعة من أقوال السلف في هذا الباب وأقوال من يحكي مذاهبهم من جميع الطوائف في جواب الفتيا الحموية في الرد على الجهمية وغير ذلك ولكن ما ذكره هذا من مذهب السلف والتفويض إنما يعرض في كلام أبي حامد ونحوه ممن ليس لهم خبرة بكلام السلف رحمهم الله بل ولا بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يميزون بين صحيح هذا وبين
ضعيفه ولكن ينقلون مذهب السلف بحسب اعتقادهم لا بأقوال السلف وما بينوه وقالوه في هذا الباب وأقوال السلف كثيرة مشهورة في كتب أهل الحديث والآثار الذين يرونها عنهم بالأسانيد المعروفة وكذلك في كتب التفسير وقد صنفوا في هذا الباب مصنفات كثيرة منها من يسمي مصنفه كتاب السنة ومنهم من يسميه الرد على الجهمية ومنهم من يسميه الشريعة ومنهم من يسميه الإبانة عن شريعة
الفرقة الناجية وفيها من الآثار الثابتة عن السلف التي بها تعرف مذاهبهم ما لا يحصى فمن لم تكن له معرفة بذلك مثل كثير من أهل الكلام هذا وأمثاله إذا نقلوا مذهب السلف مذهباً لا يعرفونه وعن قوم لا يعرفون ما قالوا ويضيفون إلى السلف ما هم بريئون منه ويكذب عليهم فيما ينقل عنهم كما يكذب على الرسول بتقويله ما لم يقله أو القول بلا علم وعلى القرآن بتحريف الكلم عن مواضعه وهذه حقيقة قول الملحدة وهو الافتراء على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين وقد قال تعالى قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) [الأعراف 33] وقال تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) [الأعراف 152]
الوجه الثالث قوله عن مذهبهم إنه يجب القطع أن مراد الله تعالى منها غير ظاهرها ويجب تفويض معناها إلى الله تعالى فيقال هذا الذي لا يعرف عن أحد من السلف رحمهم الله تعالى لا يعرف عن أحد منهم أنه قال يجب القطع بأن مراد الله منها غير ظاهرها ثم يجب تفويض معناها إلى الرب تعالى بل المعروف عن السلف نفي تشبيهها ومماثلتها بصفات المخلوقين وإنكارهم على الذين يقولون يد كيدي وقدم كقدمي ونزول كنزولي واستواء كاستوائي ونحو ذلك فهذا ثابت صريح عن غير واحد من السلف وأئمة السنة ولا يعرف عن أحد من السلف وأئمة الإسلام المعروفين أنه قال إن الله تعالى جسم أو جوهر أو متحيز ولا قال إنه ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا قال هو في جهة ولا ليس في جهة فهذه الألفاظ نفياً وإثباتا لا توجد في القرآن والحديث ولا يوجد نفيها
ولا إثباتها في كلام أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أحد من أئمة المسلمين المعروفين بالإمامة في الدين كالأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وكسفيان الثوري والليث بن سعد والأوزاعي وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم
ولا يعرف أيضاً عن أحد من السلف أنه قال إن مراد الله تعالى منها غير ظاهرها فضلا عن أن يقول يجب القطع بشيء بل لفظ الظاهر مجمل فقد يراد بالظاهر ما يماثل صفات المخلوقين فهذا هو الذي نفاه السلف كما ذل الكتاب على معنى ذلك وكذلك العقل قال تعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] وقال تعالى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص 4] وقال تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) [مريم 65] فمن قال إذا استوى على العرش ك استواء الملك بحيث يكون محتاجاً إلى العرش فهذا تمثيل منكر فإن الله تعالى غني عن كل ما سواه والعرش وكل مخلوق مفتقر إلى الله تعالى من كل وجه وهو بقدرته يحمل العرش وحملته وكذلك من قال ينزل كنزول المخلوق بحيث يبقى تحت
العرش ويخلو منه العرش فهذا يقوله طائفة والسلف أنكروا ذلك كما أنكره حماد بن زيد وإسحاق بن راهويه وغيرهما وقالوا إنه ينزل ولا يخلو منه العرش وهو فوق العرش وهو يقرب من خلقه كيف يشاء وكذلك من قال إنه في السماء بمعنى أن الأفلاك تحويه فمن قال إنها تحمل على الظاهر بهذا المعنى فهذا قوله قول باطل منكر عند السلف كما دل الكتاب والسنة على بطلانه وأما إذا قيل تحمل على الظاهر اللائق بجلال الله تعالى كما تحمل سائر الصفات مثل لفظ المشيئة والسمع والبصر والقدرة والعلم فإن مثبتة الصفات يحملون هذه على ظاهرها عند عامة المسلمين إلا الغلاة المنكرون للأسماء ومع هذا فليس مفهومها في حق الله تعالى مثل مفهومها في حق المخلوق بل هنا ثلاث اعتبارات أن تذكر مطلقة وأن تذكر مضافة إلى الرب وأن تذكر مضافة إلى العبد فإذا ذكرت مضافة إلى الرب مثل قوله تعالى وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ [البقرة 255]
وقوله إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) [الذاريات 58] وقوله رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا [غافر 7] وقوله وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف 156] ونحو ذلك فهنا يمتنع أن يدل على شيء من خصائص صفات المخلوقين وإذا ذكرت مضافة للعبد كقوله تعالى عن يعقوب وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ [يوسف 68] وقوله ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم 54] وقوله وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت 15] فهنا يمتنع أن يدخل فيها شيء من خصائص الرب تعالى وإذا ذكرت عامة مطلقة فقيل العلم ينقسم إلى علم الرب وعلم العبد والموجود ينقسم إلى القديم والحديث فاللفظ العام المطلق الذي هو مورد المعتبر به يدل على شيء من خصائص الرب تعالى ولا على خصائص العبد الوجه الرابع أن مذهب ـهم صريح في نقيض
ما ذكره وأنهم كانوا يقولون إن الله تعالى مستوٍ على العرش ويثبتون له الصفات الخبرية كما تواترت النقول عنهم بذلك بضد ما حكاه هذا وأمثاله عنهم والوجه الخامس فوله ثم يجب تفويض معناها إلى الرب تعالى لا يجوز تأويلها فيقال السلف فوضوا إلى الرب علم كيفيتها كما قال مالك وربيعة الاستواء معلوم والكيف مجهول وكذلك قال ابن الماجشون والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم وأما فهم معناها وتفسيرها فلم يكن السلف ينكرونه ولا كانوا ينكرون التأويل بهذا المعنى وإنما أنكروا تأويلات أهل التعطيل التي هي تحريف الكلم عن مواضعه فكانوا ينكرون على من يتأول القرآن على غير تأويله كما صنف الإمام أحمد كتابه في الرد على من تأول القرآن كقوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] بمعنى أنه لا يرى
في الدنيا ولا في الآخرة وأنكروا على من تأول قوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] بمعنى أنه كان فيهما وأنكروا على من تأول قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] على نفي الصفات فأنكروا التأويلات الباطلة مثل التأويلات التي ذكرها هذا وغيره فلم يكن التأويل في عرفهم هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح بل كانوا يسمون التفسير تأويلاً وما يؤول إليه اللفظ تأويلاً وإن وافق ظاهره وينكرون تفسير القرآن والأحاديث بالتفسيرات الباطلة وهو التأويلات الباطلة
فصل قال الرازي واحتج السلف على صحة مذهبهم بوجوه الأول بقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] والذي يدل على أن الوقف واجب وجوه فيقال لا ريب أن كثيراً من السلف كانوا يرون الوقف عند قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] ويقول بعضهم انتهى علم الراسخين إلى أن يقولوا آمنا به همن هؤلاء
من يقول هذا ومنهم من يقول أيضاً إن الراسخين يعلمون التأويل والتأويل الذي نفي عن الراسخين غير الذي أثبت لكن ما عرف عن أحد من السلف أنه جعل هذا التأويل الذي لا يعلمه إلا الله أن تنفي دلالة الآيات والأحاديث عما دلت عليه من الصفات وإثبات تأويلات تخالف ما دلت عليه والقول بأن تلك التأويلات لا يعلمها إلا الله بل لم يعرف عن أحد من السلف أنه كان لفظ التأويل عنده صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى المرجوح وإذا لم يكن هذا المعنى هو معنى لفظ التأويل عندهم فإذا قالوا لا يعلم تأويله إلا الله لم يكن هذا مرادهم كما حكاه هذا عنهم بل قد تقدم بعض أقوال السلف الذين قالوا ما يعلم تأويله إلا الله أن التأويل عندهم هو التأويل في قوله تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ [الأعراف 53] وقوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس 39] ومنه كيفية صفات الرب تعالى وكما قالوا الاستواء معلوم والكيف مجهول أو غير ذلك مما قالوه
وما علم أن أحداً منهم قال إن فسرت النصوص عما تدل عليه إلى معنى مرجوح من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله بل هذه التأويلات عندهم باطلة مردودة يعلم الله بطلانها لا يقال إنها حق لا يعلمه إلا الله بل نقول فيها ما قاله الله تعالى في الآلهة والأوثان وشفاعتها قال عز وجل وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18) [يونس 18] وهذه التأويلات من جنس تأويلات القرامطة والملاحدة لا يقال فيها لا يعلمها إلا الله بل هي تأويلات باطلة يعلم الله أنها باطلة وقد بَيّن لعباده أنها باطلة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود أن قول من قال إنه لا يعلم تأويله إلا الله يريد له السلف أن نصوص الصفات لا يفهم منها شيء بل يقطع أن مدلولها غير مراد والمراد لا يعلمه إلا الله فهذا القول لم يعرف عن أحد من السلف بل أقوالهم صريحة بخلافه والله تعالى أعلم