الجزء الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
لم يجب إذا كان في كل مكان أن يصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى خلفنا وأيماننا وشمائلنا فإن ذلك إنما يلزم إذا لزم أن يشار إليه حيث كان وذا الذي قاله أبلغ من جواز الإشارة إيه فإنه أوجب أن يصح الإشارة والرغبة إلى غير جهة الفوق لو كان فيها وهذه الحجة إنما تصح إذا كانت الإشارة بالأيدي إلى فوق إشارة إليه نفسه إذ لو لم يكن كذلك لقال له منازعه فعندك الإشارة بالدعاء ليست إليه وإذا كان كذلك لم تكن الإشارة إليه واجبة بحال وإنما هو لمعنى يختص بجهة فوق غير كون الله تعالى هناك وإن كنت موفقي على هذا يلزم إذا كان في كل مكان أن يشار في الدعاء إلى سائر الجهة كالسفل واليمين واليسار لأن عندك الإشارة بالأيدي ليست إليه وإنما هي لأمر يختص بالجهة العالية غير الله وهذا من احتجاج الأولين والآخرين قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب
مختلف الحديث له نحن نقول في قوله تعالى مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة 7] أنه معهم يعلم ما هم عليه كما تقول لرجل وجهته إلى بلد شاسع احذر التقصير فإني معك تريد أنه لا يخفى عليَّ تقصيرك وكيف يسوغ لأحد أن يقول إنه سبحانه وتعالى بكل مكان على الحلول فيه مع قوله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿5﴾ ومع قوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وكيف يصعد إليه شيء وهو معه وكيف تعرج الملائكة والروح إليه وهي معه ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق لعلموا أن الله هو العلي وهو الأعلى وأن الأيدي ترفع بالدعاء إليه والأمم كلها عربها وعجمها يقولون إن الله في السماء ما تركت على فطرها وفي الإنجيل أن المسيح قال للحواريين إن أنتم غفرتم للناس فإن أباكم الذي في السماء يغفر لكم ظلمكم انظروا
إلى طير السماء فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن وأبوكم الذي في السماء هو يرزقهن ومثل هذا في الشواهد كثير وقال الإمام أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتاب لتوحيد باب ذكر البيان أن الله عز وجل في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه وكما هو مفهوم في فطر المسلمين علمائهم وجهالهم وأحرارهم
ومماليكهم وذكرانهم وإناثهم بالغيهم وأطفالهم كل من دعا الله عز وجل فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله تعالى إلى الأعلى لا إلى الأسفل وقال أبو سليمان الخطابي في كتاب شعار الدين وهو في أصول الدين القول في أنه مستو على العرش هذه المسألة سبيلها التوقيف المحض ولا يصل إليه دليل من غير هذا الوجه وقد نطق الكتاب به في غير آية ووردت به الأخبار الصحيحة فقبوله من جهة التوقيف واجب والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز ود قال أبو عبد الله مالك بن أنس رحمه الله وسئل عن قول الله الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿5﴾ فقال الاستواء معلوم والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وذكر المواضع التي في القرآن من ذكر
العرش وقوله أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ وقال أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً [الملك 17] وقال تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴿4﴾ [المعارج 4] وقال بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء 158] وقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وقال حكاية عن فرعون أنه قال يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿36﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر 36-37] فوقع قصد الكافر إلى الجهة التي أخبره موسى عنها لذلك لم يطلبه في طول الأرض وعرضها ولم ينزل إلى طبقات الأرض سفلاً فدل ما تلوناه من هذه الآيات على أن الله في السماء ومستو على العرش ولو كان بكل مكان لم يكن لهذا الاختصاص معنى ولا فيه فائدة قال وقد جرت عادة المسلمين خاصتهم وعامتهم أن يدعوا ربهم عند الابتهال والرغبة إليه ويرفعوا أيديهم إلى السماء
وذلك لاستضافة العلم عندهم بأن المدعو في السماء سبحانه وتعالى قال واعترض من خالف هذا بقوله وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ [الأنعام 3] وبقوله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ﴿84﴾ [الزخرف 84] وبقوله مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ [المجادلة 7] ونحو هذا من آي القرآن وهذا لا يقدح في الآي التي تلوناها قبل ولا يخالفها والخبر عن حال الشيء وصفته من جهة غير الخبر عن نفس الشيء وذاته وإنما هذا كقول القائل فلان في السوق معروف وفي البلاد وجائز أن يكون فلان في بيته وقت هذا الكلام غائباً عن السوق وعن البلاد وإنما المعنى في هذه الآي إثبات علمه وقدرته في السماء والأرض وهو في الآي المتقدم إخبار عن الذات والاستواء على العرش حسب من غير قران لذلك بصلة أو تعليق له بشيء آخر فأحد الكلامين قائم بنفسه والكلام الآخر إنما سيق لغيره وتعدى إلى ما سواه وهو يجمع قضيتين اثنتين والكلام الأول قضية واحدة قال وزعم بعضهم أن معنى الاستواء هاهنا الاستيلاء ونزع فيه
ببيت مجهول لم يقله شاعر معروف يصح الاحتجاج بقوله ولو كان معنى الاستواء هاهنا الاستيلاء لكان الكلام عديم الفائدة لأن الله قد أحاط ملكه وقدرته بكل شيء من الأشياء وبكل قطر وبقعة من السموات والأرض وما تحت الثرى فما معنى تخصيصه العرش بالذكر ثم إن الاستيلاء يتحقق معناه عند المنع عن الشيء فإذا وقع الظفر قيل استولى عليه فأي منع كان هناك حتى يوصف بالاستيلاء بعده وكذلك لو كان بكل مكان كما زعموا لم يكن بتخصيصه العرش بالذكر فائدة فثبت أنه ليس المعنى إلا ما أشار إليه التوقيف فإن قيل إن إضافة العرش إليه كإضافة البيت إليه وهو ل يجعله ليسكنه فكذلك لم يجع العرش للكينونة والاستواء عليه قيل إن العرش لا يشبه البيت فيما ذكرتموه وذلك لأن البيوت تتخذ غرفاً وعادة لتكون وقاية من الحر أو البرد وما أشبههما من وجوه الأذى والله متعالٍ عن هذه الصفات والعرش والسرير إنما يتخذ ليتمجد ويستكبر بهما فقياسكم لجمع بين الاثنين قياس فساد
وقال القاضي أبو يعلى في كتاب إبطا التأويلات لأخبار الصفات لما تكلم على حديث العباس قال فإذا ثبت أنه على العرش فالعرش في جهة وهو على عرشه قال وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه والصواب جواز القول بذلك لأن أحمد قد أثبت هذه الصفة التي هي الاستواء على العرش وأثبت أنه في السماء وكل من أثبت هذا أثبت الجهة وهم أصحاب ابن كرام وابن
منده الأصبهاني المحدث والدلالة عليه أن العرش في جهة بلا خلاف فقد ثبت بنص القرآن أنه مستو عليه فاقتضى أنه في جهة ولأن كل عاقل من مسلم وكافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء وفي هذا كفاية ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقول ليس هو في جهة ولا خارجاً منها وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله طلبته فإذا هو معدوم قال وقد احتج ابن منده على إثبات الجهة بأنه لما نطق القرآن بأن الله على العرش وأنه في السماء وجاءت السنة بمثل ذلك وبأن لجنة مسكنه وبأنه في ذلك وهذه الأشياء أمكنة في
نفسها فدل على أنه في مكان الوجه الثاني أن الإشارة إلى فوق إلى الله في الدعاء وغير الدعاء باليد والأصبع أو العين أو الرأس أو غير ذلك من الإشارات الحسية قد تواترت به السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم واتفق عليه المسلمون وغير المسلمين قال تعالى قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة 144] وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم ما من حاكم يحكم بين الناس إلا حبس يوم القيامة وملك آخذ بقفاه حتى يوقفه على جهنم ثم يرفع رأسه إلى الله عز وجل فإن قال ألقه ألقاه في مهوى فيهوي أربعين خريفاً رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه بمعناه وعن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء عجمية فقال يا رسول الله علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله
فأشارت إلى السماء بأصبعها بالسبابة فقال لها من أنا فأشارت بأصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال أعتقها رواه أحمد في مسنده والبرقي في مسنده أيضاً ورواه ابن خزيمة في التوحيد وقد اشترط فيه ألا يحتج فيه إلا بحديث صحيح وإسناده عن يزيد بن هارون أخبرنا المسعودي عن عون بن عبد الله عن
أخيه عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة مثله وقال بجارية سوداء لا تفصح فقال إن علي رقبة مؤمنة وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربك فأشارت بيدها إلى السماء ثم قال من أنا فقالت بيدها ما بين السماء والأرض تعني رسول الله والباقي مثله ورواه أيضاً من حديث أبي داود الطيالسي عن المسعودي بهذا الإسناد كمثله وقال أيضاً بجارية عجماء لا تفصح وقال أعتقها وقال فقال المسعودي مرة أعتقها فإنها مؤمنة وقد روي نحو هذا المعنى عن عبيد الله بن عبد الله الزهري مسنداً عن أبي هريرة
ومرسلاً ورواه الإمام أحمد وابن خزيمة أيضاً من حديث معمر عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله عن رجل من الأنصار أنه جاء بأمة سوداء فقال يا رسول الله إن علي ربة مؤمنة فإن كنت ترى أن هذه مؤمنة فأعتقها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أتشهدين أن لا إله إلا الله فقالت نعم قال أتشهدين أني رسول الله قالت نعم قال أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت نعم قال أعتقها ورواه مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً قال خزيمة لست أنكر أن يكون خبر معمر ثابتاً صحيحاً لست بمنكر لمثل عبيد الله بن عبد الله أن يروي خبراً عن أبي هريرة عن رجل من الأنصار لو كان متن الخبر متناً
واحداً فكيف وهو متنان وهما في علمي حديثان لا حديث واحد حديث عون بن عبد الله في الامتحان إنما أجابت السوداء بالإشارة لا بالنطق وفي خبر الزهري أجابت السوداء بنطق نعم بعد الاستفهام لما قال لها أتشهدين أن لا إله إلا الله في الخبر أنها قالت نعم وكذلك عند الاستفهام قال لها أتشهدين أني رسول الله قالت نعم نطقاً بالكلام ولإشارة باليد ليست النطق بالكلام وفي خبر الزهري زيادة الامتحان بالبعث بعد الموت لما استفهمها أتؤمنين بالبعث بعد الموت وهذا الذي قاله ابن خزيمة يحققه أن هذا الحديث رواه القاضي أبو أحمد العسال في كتاب المعرفة له من
حديث محمد بن عمرو وعن أبي سلمة عن أبي هريرة ولهذا يقال إنه حديث حسن صحيح ومثله ما روى أبو عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب قال ورواه بعضهم ولم يرفعه وهذا لا يضر
لأنه إذا كان موقوفاً على سلمان فمثل هذا الكلام لا يقال إلا توقيفًا وقد أخبر في هذا الحديث أن العبد يشير بيديه ويرفعهما إلى الله سبحانه وكذلك الحديث الذي في المسند والترمذي عن الفضل بن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة مثنى مثنى تشهد في كل ركعتين وتخشع وتضرع وتمسكن ثم تقنع يديك يقول ترفعهما إلى ربك مستقبلاً ببطونهما وجهك وتقول يا رب يا رب ومن لم يفعل ذلك فهو خداج فأخبر فيه أنه يقنع يديه أي يرفعهما وأنه
يرفعهما إلى ربه وفي الحديث المشهور الذي في صحيح مسلم عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن جابر في صفة حجة الوداع وهو الحديث الطويل المشهور أكثر حديث روي في حجة الوداع قال فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس وأمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس وقال إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في
بلدكم هذا ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصتم به كتاب الله وأنتم وتُسألون عني فما أنتم قائلون قالوا نشهد بأنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاَ ثم ركب حتى أتى الموقف وذكر تمام الحديث فأشار بأصبعه السبابة وحدها إلى فوق بإبلاغ الإشارة اللهم اشهد ثلاث مرات يجمع بين الإشارة
الحسية المرئية والعبارة الحسية المسموعة وفي صحيح البخاري عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر وقال يا أيها الناس أي يوم هذا قالوا هذا يوم حرام قال فأي بلد هذا قالوا بلد حرام قال فأي شهر هذا قالوا شهر حرام قال فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا فأعادها مراراً ثم رفع رأسه فقال اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت قال ابن عباس والذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض وقد أخبرنا هنا أنه رفع رأسه وقال اللهم اشهد وعن سعد بن أبي وقاص قال مر علي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أدعو بأصبعي فقال أحِّد أحِّد وأشار بالسبابة رواه الإمام أحمد
وأبو داود والنسائي وأخرج الترمذي والنسائي من حديث أبي صالح عن أبي هريرة نحوه وقال حديث حسن غريب قالوا ومعناه أشِّر بواحدة فإن الذي تدعوه
واحد وهذا نص بَيِّن في أن الإشارة إلى الله حيث قال له أحد أحد أي أحد الإشارة فاجعلها بأصبع واحدة فلو كانت الإشارة إلى غير الله لم يختلف الأمر بين أن يكون بواحدة أو أكثر فعلم أن الإشارة لما كانت إلى الله وهو إله واحد أمره أن يشير إ بأصبع واحدة لا باثنين وكذلك استفاضت السنن بأنه يشار بالأصبع الواحدة في الدعاء في الصلاة وعلى المنابر يوم الجمعة وفي غير ذلك فعن ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفه أصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها وفي رواية كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى
رواهما أحمد ومسلم والنسائي وروى الثاني أبو داود أيضاً وعن عبد الله بن الزبير قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى وساقه وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبة فخذه اليسرى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى وأشار بأصبعه وأشار بعض الرواة بالسبابة رواه أحمد ومسلم وأبو داود
وعن ابن الزبير أيضاً قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته رواه أحمد وأبوداود والنسائي وعن وائل بن حجر أنه قال في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع أصبعه فرأيته يحركها يدعو بها وفي رواية يقول هكذا وحلق الإبهام والوسطى وأشار بالسبابة رواه أحمد وأبو داود والنسائي
وابن ماجة وعن مالك بن نمير الخزاعي عن أبيه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم واضعاً ذراعه اليمنى على فخذه اليمنى رافعاً أصبعه السبابة قد حناها شيئاً رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة
وعن حصين بن عبد الرحمن قال رأى عمارة بن رويبة بشر بن مروان وهو يدعو في يوم الجمعة فقال عمارة قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ما يزيد على هذه يعني السبابة وفي رواية رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يخطب إذا دعا يقول هكذا فرفع السبابة وحدها وهذا الحديث رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وفي سنن [ي داود عن ابن عباس
قال المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما والاستغفار أن تشير بأصبع واحدة والابتهال أن تمد يديك جميعاً وفي رواية والابتهال هكذا ورفع يديه وجعل ظهورهما مما يلي وجهه رواه أيضاً مرفوعاً عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فذكر نحوه وأما رفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في الدعاء فهو في الحديث أكثر من أن يبلغه الإحصاء وأما حديث أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى
بياض إبطيه رواه الجماعة أهل الصحاح والسنن والمسانيد مثل البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد في مسنده وغيرهم وفي رواية لمسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء رواه أبو داود ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
يستسقي هكذا يعني ومد يديه وجعل بطونها مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه فهذا هو رفعهما إلى فوق رأسه وهو الابتهال المذكور في حديث ابن عباس ومن صوره هذا الرفع إلى فوق الرأس أن تصير كفاه من جهة السماء إذ لا يمكن مع استيفاء الرفع أن تكون بطونهما من نحو السماء الوجه الثالث أنه قد نهى عن رفع البصر في الصلاة إلى فوق أمراً بالخشوع الذي أثنى الله على أهله حيث قال قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴿1﴾ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴿2﴾ [المؤمنون 1-2] وقال وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿45﴾ [البقرة 45] والخشوع يكون مع تخفيض البصر كما قال تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿42﴾ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴿43﴾ [القلم 42-43] وقال تعالى يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُون َ ﴿43﴾ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴿44﴾ [المعارج 43-44] وقال فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ ﴿6﴾ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴿7﴾ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴿8﴾ [القمر 6-8] كما
وصف الأصوات بالخشوع في قوله يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً [طه 108] وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال لينتهُنَّ عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم رواه البخاري وأكثر أهل السنن وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم رواه مسلم وغيره
ولو كان الله ليس فوق بل هو في السفل كما هو في الفوق لا لاختصاص أحد الجهتين به لم يكن رفع البصر إلى السماء ينافي الخشوع بل كان يكون بمنزلة خفضها الوجه الرابع إن الذين يرفعون أيديهم وأبصارهم وغير ذلك إلى السماء وقت الدعاء تقصد قلوبهم الرب الذي هو فوق وتكون حركة جوارحهم بالإشارة إلى فوق تبعاً لحركة قلوبهم إلى فوق وهذا أمر يجدونه كلهم في قلوبهم وجداً ضرورياً إلا من غيرت فطرته باعتقاد يصرفه عن ذلك وقد حكى محمد بن طاهر المقدسي عن الشيخ أبي جعفر الهمذاني أنه حضر مجلس
أبي المعالي فذكر العرش وقال كان الله ولا عرش ونحو ذلك وقام إليه الشيخ أبو جعفر فقال يا شيخ دعنا من ذكر العرش وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد في قلبه ضرورة لطلب العلو لا يلتفت يمنة ولا يسرة قال فضرب أبو المعالي على رأسه وقال حيرني الهمذاني فأخبر هذا الشيخ عن كل من عرف الله أنه يجد في قلبه حركة ضرورية إلى العلو إذا قال يا الله وهذا يقتضي أنه في فطرتهم وخلقتهم العلم بأن الله فوق وقصده والتوجه إليه إلى فوق الوجه الخامس أن الناس مع اختلاف عقائدهم وأديانهم
يشيرون إلى السماء عند الدعاء لله تعالى والرغبة إليه وكلما عظمت رغبتهم واشتد إلحاحهم قوي رفعهم إشارتهم وهذا لما كان دعاء الاستسقاء فيه الرغبة والإلحاح ما ليس في غيره كان رفع النبي صلى الله عليه وسلم وإشارته فيه أعظم منه في غيره وهذا يفعلونه إذا دعوا الله مخلصين له الدين عندما يكونون مضطرين إلى الله عند الرغبة والرهبة مثل ركوب البحر وغيره وفي تلك الحال يكونون قاصدين الله قصداً قوياً بل لا يقصدون غيره ويقرنون بقصد قلوبهم وتوجهها إشارتهم بعيونهم ووجوههم وأيديهم إلى فوق ومعلوم أن الإشارة تتبع قصد المشير وإرادته فإذا لم يكونوا قاصدين إلا الله ولا مريدين إلا إياه لم تكن الإشارة إلا إلى ما قصدوه وسألوه فإنه في تلك الحال لا يكون في قلوبهم إلا شيئان لمسئول والمسئول منه ومعلوم أن الإشارة باليد وغيرها ليست إلى الشيء المسئول المطلوب من الله ولا يخطر بقلوبهم أن هذه الإشارة إلى ذلك ولا ادعاه المنازع في ذلك في أكثر الأوقات ولا يكون فوق فلم يبق ما تكون الإشارة إليه إلا المدعو المقصود وإلا كانت الإشارة إلى ما لم يقصده الداعي ولم يشعر به وهذا ممتنع وهذا واضح لمن تدبره الوجه السادس أنهم يقولون بألسنتهم ارفعوا أيديكم إلى الله ونحو ذلك من العبارات وهذا إخبار عن أنفسهم أنهم
يقصدون الإشارة إل الله ورفع الأيدي إليه وإذا كان هذا الخبر لم يتواطؤوا عليه ولم يجمعهم عليه أحد كان اتفاقهم في الخبر عما في نفوسهم كاتفاقهم في سائر الأخبار التي تجري مجرى هذا من الأمور الحسية الضرورية وغير ذلك الوجه السابع أن هذا الرفع يستدل به من وجوه أحدها أن العبد الباقي على فطرته يجد في قلبه أمراً ضرورياً إذا دعا الله دعاء المضطر أنه يقصد بقلبه الله الذي هو عالٍ وهو فوق الثاني أنه يجد حركة عينيه ويديه بالإشارة إلى فوق تتبع إشارة قلبه إلى فوق وهو يجد ذلك أيضاً ضرورة الثالث أن الأمم المختلفة متفقة على ذلك من غير مواطأة الرابع أنهم يقولون بألسنتهم إنا نرفع أيدينا إلى الله ويخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون في قلوبهم اضطرارً إلى قصد العلو فالحجة تارة بما يجده الإنسان من العلم الضروري في نفسه وتارة بما يخبر به الناس عن أنفسهم من العلم الضروري وتارة بما يدل على العلم الضروري في حق الناس وتارة بأن الناس لا يتفقون على ضلالة فإنه إذا كان إجماع المسلمين وحدهم لا يكون إلا حقاً فإجماع جميع الخلق الذين منهم المسلمون أولى أن لا يكون إلا حقاً وبهذه المجامع يظهر
الجواب عما تذكر الجهمية وجماعه شيئان أحدهما أن يكون الناس مخطئين في هذا الرفع لاعتقادهم أن الله فوق وليس هو فوق وهذا جوابه في نهايته الثاني أن يكون الرفع إلى بعض المخلوقات إما الملائكة أو الجهة الشريفة أو العرش الذي هو القبلة ومن تدبر ما بيناه علم امتناع هذين الوجهين ونحن نفصل ذلك الوجه الثامن قوله إن الرفع إلى فوق لأن الجهة العالية أشرف من السافلة بظهور الأنوار منها وأن الهواءالذي هو مادة النفس منها وأن النظر إليها مضمونه أن ما يحتاج إليه الآدميون من الرزق الذي هو الماء والهواء ومن النور يأتي من الجهة العالية فكانت أشرف فيقال له أولاً لا ريب أن حاجتهم إلى الأرض وما فيها أكثر فإن عليها قرارهم ومنها تخرج أرزاقهم التي هي النبات وفيها الحيوان وهي كما قال الله تعالى فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴿25﴾ [الأعراف 25] ولهذا كان نظر أبصارهم إلى الأرض وما فيها أكثر من نظرهم إلى السماء وما
فيها فعلم أن النظر الذي يكون لأجل الحاجة إلى المنظور إليه لتعلق القلب به هو إلى الأرض أكثر منه إلى السماء ويقال له ثانياً الاحتجاج إنما هو برفع أيديهم وأبصارهم حين الدعاء لله وحده شريك له فأما دعوى غير الله فإنما يرفعون أيديهم إن رفعوها إلى جهة ذلك المدعو وأما في غير قصد الله ودعائه وذكره فإنهم يلتزمون الإشارة إلى السماء بل إنما يشير أحدهم إن أشار إلى شيء معين مثل الشمس والقمر وغير ذلك وإذا كان الأمر كذلك كان ما ذكره من الإشارة إلى الجهة لشرفها من أبطل الباطل فإن ذلك إنما يتوجه لو كان المذكور هو إشارتهم إلى فوق مطلقاً وهذا خلاف الواقع بل إنما يشيرون الإشارة المذكورة إذا دعوا الله مخلصين له الدين وأين هذا من هذا ويقال له ثالثاً قد تقدم أنهم يعلمون ويخبرون أنهم إنما يشيرون إلى الله إلى محض الجهة الوجه التاسع قوله إن الإشارة قد تكون إلى الملائكة التي هي مدبرة أمر العباد يقال له أولاً إشارة الإنسان إلى الشيء مشروطة بشعوره به وقصد الإشارة إليه فإن لم يشعر به ولم يقصد الإشارة إليه محال أن يشير إليه والداعون لله مخلصين له الدين لا تخطر لهم
الملائكة في تلك الحال فضلاً عن أن يقصدوا الإشارة إليها وكل منهم يعلم من نفسه ويسمع من غيره بل ويعلم منه بغير سمع أنه لم يقصد الإشارة إلى الملائكة وإذا كانوا يعلمون من أنفسهم أنهم لم يشيروا إلى الملائكة ولا إلى محض الجهة كان حمل إشارتهم على هذا مع علمهم أنهم لم يقصدوا ذلك مثل من يحمل سجود المسلمين في أوقات صلواتهم على أنهم يسجدون للكواكب والملائكة بل الإشارة في الدعاء إلى الله أبلغ وذلك أن السجود في الظاهر مشترك بين من يسجد لله ويسجد لغيره وأما الذي يقول بلسانه إنه يدعو الله وهو مع ذلك يشير مع دعائه فالظن به أنه أشار إلى غير الله أقبح من الظن بالمسلمين أنهم يسجدون لغير الله وقال له ثانياً الإشارة إلى الملائكة حين دعاء الله وحده لا شريك له إشراك بالله بل دعاء الملائكة ومسألتهم إشراك بالله فكيف بالإشارة إليهم حين دعاء الله وحده لا شريك له وقيل له ثالثاً الاحتجاج ليس بمطلق الإشارة إلى فوق بل الإشارة عند دعاء الله وحده لا شريك له ومن المعلوم أنه لا يجوز في تلك الحال رفع الأيدي إلى الملائكة فكيف يحمل حال الأنبياء والمرسلين وسائر عباد الله المخلصين على أنهم رفعوا أيديهم إلى غير الله حين مسألتهم لله وحده وقيل له رابعاً لا يجوز لأحد أن يرفع يديه داعياً لا إلى الملائكة ولا إلى غير الملائكة بل هذا من خصائص الربوبية
ومن جوز رفع الأيدي عند الدعاء إلى غير الله فهو من المشركين الذين يدعون غير الله قال تعالى وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ﴿18﴾ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً ﴿19﴾ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴿20﴾ [الجن 18-20] وقال تعالى قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللهُ [الأنعام 71] الآية وقال تعالى وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّواْ اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ [الأنعام 108] وقال وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الفرقان 68] الآية وقال وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴿11﴾ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴿12﴾ [الحج 11-12] وقال تعالى فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿213﴾ [الشعراء 213] وقال تعالى وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ [المؤمنون 117] وقال تعالى وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَاباً [آل عمران 80] ولهذا كانت الإشارة إليه من تمام دعائه وذلك من تحقيق كونه الصمد الذي يصمد العباد إليه فإنه قصده بالباطن والظاهر والقلب وسائر الجسد أكمل من قصده بالقلب فقط فيكون الإشارة إليه من تمام كونه صمداً ويكون اسم الصمد مستلزماً لذلك فكونه موجوداً يوجب المباينة التي تقتضي
الإشارة إليه وكونه صمداً مقصوداً يقتضي الدعاء المتضمن الإشارة إليه والإشارة إلى غيره بالدعاء إشراك به وإخراج له عن أن يكون أحداً فظهر أن هؤلاء الجهمية منكرون لحقيقة كونه أحداً صمداً وأنهم جاحدون لحقيقة دعائه مسوغين للإشراك به فإن أهل السنة هم الموحدون له والمكملون لحقيقة الإقرار بأنه الأحد الصمد وهذا ظاهر ولله الحمد وبين هذا أن هؤلاء الجهمية ومن دخل فيهم من الملاحدة والفلاسفة والصابئين وغيرهم لا يعتقدون حقيقة الدعاء لله ولا يؤمنون أن الله على كل شيء قدير لاسيما من يقول منهم إنه موجب بالذات لا يمكنه أن يغير شيئاً ولا يحدثه فالدعاء عندهم إنما يؤثر تأثير النفوس البشرية وتصرفها في هيولي العالم وإذا كان كذلك فهم في الحقيقة لا يقصدون الله أن يفعل شيئاً ولا يحدث شيئاً ولا يطلبون منه شيئاً ولكن يقوون نفوسهم قوة يفعلون بها والعلم الضروري حاصل
بالفرق بين ما يفعله الحيوان بنفسه وبين ما يطلبه من غيره فإذا كان دعاء العباد عندهم لا معنى له إلا أنهم يفعلون بأنفسهم لم يكونوا دعين لله قط ومن لم يكن داعياً لله فإنه لا يشير إليه عند الدعاء بل ذلك عبث بل قوله يا الله افعل كذا عبث وهذا حقيقة مذهب القوم إبطال ما بعثت به الرسل من أنواع الأدعية وإبطال ما فطر الله عليه عباده من ذلك وهؤلاء هم أصل التجهم والتعطيل فمن وافقهم في شيء من ذلك كان من الجاحدين لأن يكون الله هو الموجود المقصود المدعو المعبود ولهذا تجد غالب هؤلاء النفاة لأن يكون الله فوق العرش فيهم من الانحلال عن دعاء الله ومسألته وعبادته بقدر ذلك إلا من يكون منهم جاهلاً بحقيقة مذهبهم يوافقهم بلسانه على قول لا يفهم حقيقته وفطرته على الصحة والسلامة فإنه يكون فيه إيمان ونفاق فأما إذا استحوذ على قلبه تغيرت فطرته وهؤلاء يعرضون عن دعاء الله وعبادته مخلصين له الدين عند الاختيار ويجادلون في ذلك لكن عند الاضطرار هم كما قال الله تعالى وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ ﴿32﴾ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿33﴾ أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ ﴿34﴾ وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ﴿35﴾ [الشورى 32-35] لاسيما على أشهر القراءتين وهي قراءة
النصب في قوله وَيَعْلَمَ فإن ذلك من باب قولهم لا تأكل السمك وتشرب اللبن ومثل هذا في الإعراب قوله أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا