بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 569-608
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الرابع

صفحات 569-608
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

الأذهان والذهن إنما يجردها إذا أحس بها معينة موجودة مشخصة في الخارج لكن يقال إنه قد ينتزعها من بعض الأعيان مثل أن يتصور الحيوان من جهة معرفته بالفرس ولا يتصور كون الإنسان هو أيضاً كذلك فيقال له ذلك المعنى الذي يوصف به الفرس بكون نظيره للأمر الذي يحد لك وهو الإنسان لكن هذا أيضاً يلزم الدور فإنه ليس علم الإنسان بانطباق بعض الأنواع بأنه حيوان أولى من العلم باتصاف النوع الآخر به وأهل هذه الحدود لا يقولون المحدود هو نوع الإنسان دون الفرس ولا بالعكس بل الحدود لهذه الأنواع كلها سواء بل علم الإنسان عندهم بنفسه وبنوعه وبصفاته هي عنده أسبق وأظهر من علمه بصفات غيره من الأنواع وبالجملة فليس هذا موضع هذا وإنما المقصود هنا أنا لا نجيب بذلك الجواب بل نقول هب أن العلم بأنه فوق إذا كان فطرياً ضرورياً كان العلم بوجود نفسه أن يكون فطرياً ضرورياً أولى فأي محذور في ذلك قوله المشهور عند النظار أن العلم بالصانع إنما يحصل

بالنظر والاستدلال وهو ترتيب الأقيسة العقلية يقال له ليس هذا قول أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا قاله أحد من الأنبياء والمرسلين ولا هو قول كل المتكلمين ولا غالبهم بل هذا قول محدث في الإسلام ابتدعه متكلمو المعتزلة ونحوهم من المتكلمين الذين اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمهم وقد نازعهم في ذلك طوائف من المتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم وقالوا بل الإقرار بالصانع فطري ضروري بديهي لا يجب أن يتوقف على النظر والاستدلال بل قد يقولون يمتنع أن يحصل بالقياس والنظر وهذا قول جماهير الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والعامة وغيرهم

بل قد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن معرفة الله والإقرار به لا تقف على هذه الطرق التي يذكرها أهل طريقة النظر بل بعض هذه الطرق لا تفيد عندهم المعرفة فضلاً عن أن يكون الله لا يقر به مقر ولا يعرفه عارف إلا بالطريقة المشهورة له من إثبات حدوث العالم بحدوث صفاته مع دعواهم أن الله لا يعرف إلا بهذه الطريقة وهذه مسألة عظيمة ليس هذا موضع بسطها وقد بسطناها في غير هذا الموضع وبينا أن أصل المعرفة والإقرار بالصانع لا يقف على النظر والاستدلال بل يحصل بديهة وضرورة ولهذا يقر بالصانع جميع الأمم مع عظيم شركهم وكفرهم وأنهم يسلكون من هذه الطرق المشهورة عند النظار مثل الاستدلال بالحدوث على المحدث وبالإمكان على الواجب ولهذا يوجد

له عند كل أمة اسم يسمونه والتسمية مسبوقة بالتصور فلا يسمي أحد إلا ما عرفه ثم المستمع لذلك الاسم يقبل بفطرته ثبوت المسمى به من غير طلب حجة على وجوده ويكون قبوله لذلك كقبوله لأسماء سائر ما أدركه بحسه وعقله مثل الشمس والقمر والواحد والاثنين بل هذا أكمل وأشرف ودلائل هذا كثيرة ليس هذا موضعها ومع هذا فالطرق النظرية تفيد العلم والمعرفة ولا منافاة بين كون الشيء يعلم بالبديهة والضرورة ويكون عليه أدلة وهي نوعان أحدهما الآيات كما يذكر الله ذلك في القرآن والآية هي دليل عليه بعينه لا تدل على قدر مشترك بينه وبين غيره فنفس الكائنات وما فيها وهو عين وجودها في الخارج مستلزم لوجود الرب وهو آية له ودليل عليه وشاهد بوجوده بعينه لا على قدر مشترك بينه وبين غيره الثاني ضرب الأمثال والقياس وهو نوعان أحدهما

قياس الأولى والأحرى فهذا أيضاً مما يذكره الله في القرآن لكن عامة ما يستعمل هذا في صفاته كإثبات وحدانيته في إلهيته وقدرته ونحو ذلك والثاني الأقيسة المطلقة أقيسة الشمول المنطقية وأقيسة التمثيل وهذه التي يسلكها هؤلاء النظار المتكلمون من

المتفلسفة ومتكلمي أهل الملل وهي أضعف الطرق وأقلها فائدة وطريقة المتكلمين أجود فإنهم يثبتون بها أن للعالم محدثاً وأما المتفلسفة فما يثبتون إلا وجوداً واجباً ليس فيه أنه صانع للعالم ولا باريه ثم إن كلاً من الصنفين لا بد أن يستعمل طريقته قضية كلية مثل قول أولئك العالم محدث أو العالم فيه حوادث من جواهر وصفات وغير ذلك

وكل محدث فلابد له من محدث فإن هذه قضية كلية وهي مع كونها معلومة بالبديهة والضرورة فقد يثبتها كثير من المعتزلة بقياس التمثيل وهو القياس على محدثات الآدمي من الدور والبنيان ومن المعلوم أن علم الإنسان بأن كل محدَث لابد له من محدِث هو علم يندرج فيه أن هذا المحدث لابد له من محدث وهذا المحدث لابد له من محدث ومن المعلوم أن علمه بهذه الأفراد المعينة أسبق إلى حسه وعقله من علمه بهذه القضية الكلية العامة كما في نظائر ذلك كما أن علمه هذا الإنسان يحس ويلتذ ويتألم قبل علمه بأن كل إنسان يحس ويلتذ ويتألم إذ الأمور الموجودة الحسية يكون العلم بها قبل أن يعقل قضية عامة كلية وإذا كان كذلك فعلم الإنسان بأن هذا المحدث الذي علم حدوثه كما يشهده من الحوادث أو يعلم حدوثه بدليل أو قياس علمه بأن هذا المحدث لابد له من محدث لا يحتاج إلى أن يعلم قبل ذلك أن كل محدث فلابد له من محدث فلا يحتاج من العلم بالمحدث إلى هذه القضية الكلية

والقياس المشتمل عليها وإن كان ذلك أيضاً من جملة الأقيسة والأمثال المضروبة التي يثبت بها ذلك لكن ينبغي أن يكون على وجه الأولى بأن يقال إذا كان هذا المحدث الصغير لابد له من محدث فهذا المحدث الكبير أولى وأيضاً فنحن لم نشهد محدثاً تاماً مطلقاً إذ لا محدث تام على الحقيقة إلا الله سبحانه فظنوا من ظن من المعتزلة أنه إنما يعرف أن المحدث لا يفتقر إلى محدث إلا بالقياس على إحداث الآدميين غلط وذلك أن حكم الأصل أضعف من حكم الفرع فإن الإنسان وإن زعموا أنه يحدث تصرفاته فلا ريب أنه يفتقر فيما يبنيه وينسجه على آلة خارجة عن قدرته فليس هو نظير حكم الفرع أقوى وأحق وكذلك قول القائل إن الممكن لا يترجح أحدج طرفيه على الآخر إلا بمرجح قضية كلية مضمونها أن جميع الممكنات

وهي التي لا تستحق بنفسها الوجود ولا يمتنع عليها العدم فلا تكون موجودة إلا بمرجح لكن العلم بها ليس بأسبق ولا بأظهر من العلم بأفرادها فإن الإنسان متى تصور أن الشيء الفلاني لا يستحق الوجود في نفسه ولا يمتنع عدمه علم أن ذلك الشيء الفلاني لا يوجد بنفسه بل نفس تصور الممكن يوجب هذا العلم فإنه إذا قيل الشيء يجوز وجوده ولا يكون وجوده بنفسه أو لا يجب وجوده بنفسه كان نفس هذا التصور يقتضي أن وجوده من غيره والشأن إنما هو في تعيين الأمور التي هي ممكنة وهذا قد يعلم بالحدوث المشهود أو المستدل عليه فتكون طريقتهم تابعة لطريقة الأولين وأما علم ذلك بغير هذه الطريق ففيها من الخفاء والنزاع ما ليس هذا موضعه

ولهذا كثر في هؤلاء من يجحد الصانع مع إقراره بوجود واجب ثم مع ذلك فأولئك إنما يستفيدون بطريقهم العلم بالقدر المشترك بينه وبين سائر المحدثين إذ القضية الكلية لا تدل إلا على القدر المشترك فيكونون قد علموا من إحداثه ما علموه من إحداث سائر الحيوانات حتى البعوضة ومعلوم أن هذا علم قليل نزر بما يستحقه الرب ولم يعلموا من إحداث ربهم إلا ما أشركوا به فيه جميع الحيوانات فيكونون أبعد عن معرفة الله تعالى من المشركين الذين قال الله فيهم وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ ﴿106﴾ [يوسف 106] ونحن نعلم أن المحدث تعظم قدرته وفعله بـ الأمر المحدث كما يعلم أن باني الدار وناسج الثوب العظيم أعظم من باني الدار الصغيرة وناسج الثوب الصغير لكن القضية الكلية التي ذكروها تفيد أنه أعظم من سائر المحدثين بقدر عظمة العالم على جميع مصنوعات أولئك وهذا بعض ما يستحقه الرب من التعظيم وعدم المماثلة لكن نفس الإحداث أيضاً فيه من التفاوت أعظم من هذا التفاوت فما أحدثه الرب وإن كان أعظم فنفس إحداثه أيضاً وهو ليس من

جنس إحداث المخلوقين وما ذكروه من القياس لا يفيد هذا إلا بدليل آخر إذ القضية الكلية لا تدل إلا على القدر المشترك ثم قياسهم يدل على ذاتٍ ما موصوفة بهذا الإحداث ففي الجملة ليس في هذا القياس علم بخصوص الربوبية ولهذا كان ما ورد به القرآن من كونه رب العالمين وخالق كل شيء ونحو ذلك له من الربوبية على هذا ما لم يتسع هذا الموضع لذكره إذ غيره ليس رباً مطلقاً ولا خالقاً أيضاً فكان ما أثبته له من فعل العالم أثبته على الوجه المختص به لم يثبته باسم لا يفيد إلا القدر المشترك كما فعله هؤلاء الذين قاسوا إحداثه على إحداثهم وأما الآخرون فإنما يستفيدون الإقرار بوجود واجب الوجود بـ قدر مشترك بينه وبين سائر الموجودات فكان معلوم هؤلاء أبعد عن معرفة الله وما يخصه من معلوم أولئك إذ كونه محدثاً فيه تعرض لربوبيته وفعله وإن كانوا قدأشركوا بينه وبين الحيوانات وأما هؤلاء فإنهم أشركوا بينه وبين سائر الموجودات بإثبات وجوده ثم تمييزه بكون وجوده واجباً كتمييز أولئك بأنه محدث العالم

ولا ريب أن تمييز هؤلاء أجود فإن كونه محدث العالم مستلزم غناه ووجوده بنفسه وأما العلم بمجرد كونه موجوداً بنفسه فلا يفيد العلم بأنه صانع العالم ولا بأنه رب السموات والأرض ولا يفيد أيضاً العلم بمغايرته لشيء من الموجودات التي لم يعلم حدوثها إذ كون وجوده واجباً لا ينفي بنفسه أن تكون بعض الذوات ليست محدثة ثم إذا قرروا أن الأجسام كلها ممكنة أو أن السموات والأرض كلها ممكنة وواجب الوجود غيرها أو قرروا أن واجب الوجود لا يكون اثنين لم يستفيدوا بذلك إلا مجرد أن الوجود المشترك بينه وبين غيره وجد بنفسه ولم يحتج إلى فاعل فيكونون قد مثلوه بسائر الموجودات ولكن فرقوا بينه وبينها بالغنى عن الغير فقط وهذا الوصف قد يزعمون أنه عدمي وقد يزعمون أنه إضافي وعلى هذين التقديرين فلا يكونون أثبتوا لرب العالمين إلا ما أثبتوه لسائر الموجودات وهذا يجمع كل شرك في العالمين وإن زعموا أنه ثبوتي نقضوا ما أثبتوه لوحدة واجب الوجود

بحيث أثبتوا لواجب الوجود أمرين ثبوتيين وهذا باب واسع يطول الكلام فيه فظهر أن أقيستهم قد يستغني عنها كما قد يتفطن بها بعض الناس لما كان ذاهلاً عنه لكن مع إمكان أن يتفطن بدونها ومع ذلك فلا تفيد المعرفة الضرورية التي تحصل بالفطرة أو بالآيات أو بقياس الأولى فضلاً عن أن تفيد المعرفة التي تحصل بعد ذلك بالشرعة لكن تفيد نوعاً من المعرفة القاصرة وتبطل ما يقابل ذلك من النكرة والجهل والكفر فتثبت شيئاً من الإقرار بالصانع وتمنع شيئاً من الإنكار له وأما أن ما تفيده الآيات المشهودة والمسموعة وما في ضمن ذلك من الأمثال المضروبة التي مبناها على الأولوية فلا وقد نقلوا عن أساطين الفلاسفة القدماء أنهم قالوا العلم الإلهي لا سبيل فيه إلى اليقين وإنما نتكلم بالأولى والأخلق والأحرى وحملوا ذلك على أنهم أرادوا أنه ليس فيه إلا الظن

الغالب فإن كانوا أرادوا هذا فناهيك بهذا الإفلاس من معرفة الله تعالى ولكن يحتمل أنهم أرادوا أن اليقين الذي يستفاد بالمقاييس الشمولية والتمثيلية المستعملة في الموجودات لا توجد في حق الله تعالى ولكن هؤلاء أحق وأولى وأحرى بما يثبت من صفات الكمال وبما ينفي من صفات النقص ومعلوم أن ذلك الرجحان والفضل غير معلوم قدره ووصفه بالقياس فحيئنذ لا لنا سبيل إلى اليقين بالحقيقة التي دل عليها القياس العقلي فهذا إن أرادوه فهو جيد لهم ومن قال ذلك فقد قال الحق وأعطى النظر القياسي حقه إذ لا يمكن به معرفة الربوبية غير هذا وهو معرفة مجملة وغير مفصلة وبكل حال فقد لا يحتاج إلى هذه المقاييس وهذه الطرق النظرية بل استغنى عنها بالفطرة البديهية الضرورية عاماً وخاصاً وبالآيات المشهودة والمسموعة وعلم جماهير الخلق من هذا الباب وهو أثبت وأرسخ من علم أولئك فإن أولئك عندهم من الشك والارتياب وأنواع التلون والاضطراب ما لا يوجد عند عامة هؤلاء فضلاً عمن كان من ذوي الألباب

والآيات لا يحتاج فيها إلى القياس كما أن الشعاع آية على الشمس وليس ذلك بقياس الشمس عل غيرها من المؤثرات وبقياس الشعاع على غيره من الآثار بل عند الناس علم فطري بالحس والعقل أن نفس الشعاع مستلزم للشمس على وجه لا يشرك الشمس في ذلك غيرها وما من مخلوق إلا وهو نفسه آية على خالقه على وجه لا يشركه فيه غيره كما قيل وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد لكن الكلام في هذا يحتاج إلى بسط طويل ليس هذا موضعه وإنما الغرض التنبيه على أن ما ذكره أهل الإثبات من إقرار العباد بفطرهم أن ربهم فوقهم إذا كان مستلزماً لإقرارهم بربهم بفطرهم وأن الإقرار به فطري فليس في لزوم ذلك شيء من الاستبعاد إذ على القول بذلك جماهير أصناف العباد وإنما يستبعد ذلك من غيَّر مبتدعةُ المتكلمين فطرته وسلكوا به في مسالكهم الحرجة الضيقة وأوهموا أنهم هم العارفون بالحجة والدليل دون الأولين والآخرين من كل صنف وجيل وهذا كما تزعمه القرامطة الباطنية أنهم خلاصة أهل المعرفة

والتحقيق دون من لم يسلك هذا الطريق ويزعم الاتحادية أنهم خلاصة الخاصة من أهل الله دون سائر عباد الله ويزعم الرافضة أنهم هم أولياء الله المتقون فدعاوى هؤلاء المتكلمين والجهمية ودعاوى الرافضة والاتحادية والقرامطة والباطنية هي من دعاوى شر البرية فالحمد لله الذي هدانا بالإسلام ومَنّ علينا

بالقرآن وأرسل إلينا رسولاً من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين والله سبحانه فطر عباده على شيئين إقرار قلوبهم به علماً وعلى محبته والخضوع له عملاً وعبادة واستعانة فهم مفطورون على العلم به والعمل له وهو الإسلام الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وفي رواية على هذه الفطرة وفي الصحيحين عن الزهري وعن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ [الروم 30] وأخرجاه من حديث

همام عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من يولد يولد على هذه الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه كما تنتجون الإبل هل تجدون فيها من جدعاء حتى تكونوا أنتم تجدعونها قالوا يا رسول الله أرأيت من يموت صغيراً قال الله أعلم بما كانوا عاملين وروى البخاري من حديث شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال نصلي على كل مولود يتوفى وإن كان لغية من

أجل أنه ولد على فطرة الإسلام يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة وإن كانت أمه على غير الإسلام إذا استهل صارخاً ولا نصلي على من لم يستهل من أجل أنه سقط فإن أبا هريرة كان يحدث النبي صلى الله عليه وسلم قال ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة فطرة الله التي فطر الناس عليها أخرجه البخاري من هذا الوجه وإن

كان منقطعاً لما فيه من كلام الزهري الذي فيه تفسير الحديث بأنه على فطرة الإسلام والبخاري قد أخرجه متصلاً من حديث يونس عن الزهري عن ابي هريرة كما تقدم وأخرجه مسلم من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بنحوه وفي آخره ثم يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا وأخرجه مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه فقال رجل يا رسول الله أرأيت لو مات قبل ذلك قال الله أعلم بما كانوا عاملين وفي رواية ابن نمير عن

الأعمش ما من مولود بولد إلا وهو على الملة وفي رواية أبي معاوية عن الأعمش إلا على هذه الملة حتى يبين عنه لسانه لفظ ابن أبي شيبة عنه ولفظ أبي كريب عن أبي معاوية ليس من مولود ولد إلا على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه ورواه مسلم من حديث الدراوردي عن العلاء بن

عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال كل إنسان تلده أمه على الفطرة وأبواه بعد يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم كل إنسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها واعلم أن المتكلمين يحكون هذا القول عمن يذكرونه من أهل الحديث وأهل الكلام لكن يزعمون أن الأكثرين على

قولهم بأن الإقرار بالصانع نظري ونقلهم ذلك بحسب ما يحكونه كما نقل هذا الرازي عن أكثر أهل التوحيد إنكار أن يكون الله فوق العرش ونقل عن أكثر المسلمين إنكار النفس وأنه لا يعاد إلا البدن بل ذكر من نقل إجماع الصحابة على

أن الله ينفي جميع الأجسام ولم يجزم بنفي ذلك وأمثال هذه النقول التي ينقلونها بحسب ما عندهم وأعجب من ذلك أن كثيراً منهم يظن أن هذا مما لا اختلاف فيه بل القول بأن معرفة الله التي هي الإقرار بالصانع لا تحصل إلا بالنظر أمر متفق عليه بين النظار فإذا ذكر له أن في ذلك خلافاً بين أهل الكلام بعضهم مع بعض تعجب من ذلك وذلك لأن من سلك طريقة من هذه الطرائق لا يكاد يعرق غيرها فلهذا تجد في كتب أهل الكلام مما يدل على غاية الجهل بما قاله الرسول والصحابة والتابعون وأئمة الإسلام مما يوجب أن يقال كأن هؤلاء نشأوا في غير ديار الإسلام ولا ريب أنهم نشأوا بين من لم يعرف العلوم الإسلامية حتى صار المعروف عندهم منكراً والمنكر معروف ولبستهم فتن رُبِّيَ فيها الصغير وهرم فيها الكبير وبدلت السنة بالبدعة والحق بالباطل ولهذا أنا أنقل من مقالات كبارهم حكاية الخلاف في ذلك ليستأنس بذلك من يعتمد على نقلهم وإن كان في ذلك النقل من

التحريف ما فيه كما ذكره الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني في بيان ما يدرك عقلاً وما لا يدرك عقلاً قال قال أهل الحق العلم والعقل واحد واختلاف الناس في العقول لكثرة العلوم وقلتها إذا كمل عقل الإنسان وسلم من الآفة أمكنه الاستدلال بما وجد من الأفعال على حدوث العالم إذ في مجرد العقول أدلة عليه وعلى افتقاره إلى محدث أحدثه وفيها أدلة على قدم محدثه وأوصافه التي تدل عليها أفعاله وما يجوز منه

ويستحيل عليه ونفي ما يدل على حدوثه عنه وجواز وصفه بالقدرة عليه وغير ذلك من المسائل التي لا تتعلق بحقيقة يسوغ الرد فيه فإن لصانع العالم أن يبعث الرسل ويأمر الخلق بالشرائع تعبداً وله أن لا يبعثهم ولا يكلفهم استغناءً وليس في العقول بمجردها أدلة على تغيير الشرائع وإيجاد العبادات وكيفية العقود قال وعلى ذلك أهل القبلة إلا في قولهم إن له سبحانه أن لا يبعث الرسل فإنه تحيله القدرية أو بعضهم على تفصيل له رمزنا إليه كما تقدم قال فزعمت طائفة من مقلدي أصحاب الحديث وفرقة من نظارهم وجماعة من المعتزلة أن المعرفة بالمحدث وحاجته إلى المحدث من طريق الضرورة وورود الرسول بإيجاب الإقرار وبيان الشرائع وقال جمهور أهل الحق إن المعرفة من طريق الدلالة قالوا وفي العقل دليل على أنه لا يجب على العاقل الاستدلال عليه ولا يجب شكر الخالق قبل

الشرع ولا يجب ترك الظلم من جهة الصانع على معنى أنه يستحق منه العقوبة أو اللوم قال وزعمت القدرية أن الاستدلال على حدوث العالم وقدم صانعه وأوصافه والشكر لهم بعد معرفته وترك الظلم من جهته واجب عليه بمجرد عقله ووردت الرسل بتأكيد ما فيه أي ما في عقله إيجابه وربما يكون ورود الشرع لطفاً لبعضهم لكون الإيمان عنده اهـ وذكر تمام كلامه قلت وقد ظهر بذلك أن مراده بأهل الحق هم أصحابه

وكذلك عادة أبي المعالي إذا قال قال أهل الحث فهم أصحابه وهذا مما يقوله كثير من الناس في خطابه وهو من باب إخبار الرجل عن اعتقاده إذ كل أحد يمكنه أن يقول عن طائفته ذلك يعرفهم بهذا التعريف والغرض أن ما ذكره من أن المعرفة من طريق الدلالة ذكره عن جمهورهم لا عن جمهور المسلمين وأما قوله ابتداءً على هذا أكثر أهل القبلة فإنه يعني به عن المتكلمين الذين هم عنده علماء أهل القبلة كأصحابه والمعتزلة ونحوهم وإن لم يحمل على ذلك وإلا كان كذباً صريحاً فإن هذا الكلام الذي ذكره لا يقدر هو ولا غيره أن ينقله لا بلفظه ولا بمعناه عن إمام من أئمة المسلمين لا أئمة العلم ولا أئمة العبادة ولا عن أحد من سلف الأمة ولا عن أحد له في الأمة لسان صدق عام بل كلام هؤلاء كله صريح في

إنكار ما أوجبه هؤلاء وجعلوه طريقة المعرفة حتى الأشعري نفسه قد ذكر إجماع السلف على ذلك كما في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب كما قد حكينا لفظه عند احتجاج

المنازع بالحركة ونحوها كما تقدم نقول الوجه الثاني في تقرير المقدمة المذكورة أن يقال إجماع المسلمين حجة فكيف بإجماع جميع الأمم من المسلمين واليهود والنصارى والمشركين وغيرهم فمن اعتقد أن الأمم المختلفة الملل والأجناس إذا اجتمعت على مثل هذا الأمر من غير أن يجمعها عليه جامع خاص تكون مخطئة فلا ريب أنه مع أنه قد قدح في إجماع المسلمين مصاب في عقله كما هو مصاب في دينه حيث جوز أن يكون الأولون والآخرون مخطئين وهو المصيب وصار هذا بمنزلة أن يخبر جميع الناس بأنهم رأوا الهلال ويقول بعض الناس إن حسهم غلط ولا هلال هناك أو يخبر جميع الناس برؤية شيء من الكواكب أو سماع شيء من الأصوات أو ذوق شيء من المطعومات ويطعن طاعن فيما يخبر به أصناف الأمم من ذلك فإن هذا من

أعظم السفسطة وفساد العقل الوجه الثالث أن من المجمعين على ذلك الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين فإنه قد تواتر عنهم رفع الأيدي في الدعاء فإن كان مستند ذلك عادة فاسدة أصلها اعتقاد فاسد كان الأنبياء قد وافقوا الناس على الدين الفاسد والاعتقاد الفاسد في الله تعالى وهذا من أعظم الكفر الوجه الرابع أن القدح في هذا يستلزم القدح في جميع العلوم والمعارف فإنه إذا جوز أن يكون الناس كلهم مخطئين فيما يجدونه في قلوبهم من هذه المعرفة والقصد الضروريين كان القدح في سائر العلوم الضرورية أولى وحينئذ فيبطل جميع ما يقوله المتكلمون من القدح في هذا والانتصار لضده إذ غايتهم أن يبنوا ذلك على مقدمات ضرورية الوجه الثاني والعشرون أن يقال لا نسلم أن سبب إشارة الناس إلى فوق هو ما ذكره ولم يذكر على ذلك حجة بل ادعاه دعوى مجردة فقال سبب ذلك الإلف والعادة فإنهم ما شاهدوا عالماً قادراً حياً إلا جسماً فيسبق إلى الوهم أن من يدعو عالماً قادراً حياً على ما يشاهد عليه الأحياء

القادرين ويتبع ذلك أنه في مكان ولأن العلو أشرف فيسبق إلى وهم الداعي أن من يعتقد عظمته إذا كان في جهة وجب أن يكون في جهة العلو فبسبب هذه الأمور وأمثالها وقعت الإشارة إلى السماء ثم إن الأخلاف أخذوا ذلك عن الأسلاف مع مشاركتهم لهم في هذا التخيل فظهر أن سبب ذلك الإلف ولا يكون صواباً اهـ فيقال له هذا الذي قلته مجرد دعوى لم تذكر عليه حجة وما ذكرته من التمثيل بالأسود والعربية إنما غايته تجويز أن يكون للإنسان اعتقاد غير مطابق سببه ذلك فِلمَ قلت إن هذا من ذاك وهذا بمنزلة أن يقال هؤلاء غلطوا في وجدهم طعم هذه الفاكهة مراً لأن الممرور يجد طعم الحلو مراً أو غلطوا في رؤيتهم لهذين الشخصين لأن الأحول يرى الواحد اثنين فيقال له هب أن الحس يغلط لفساد يعرض له فلِمَ قلت إن حس هؤلاء مع كثرتهم قد غلط لفساد عرض له وأعجب من ذلك قوله فظهر أن سبب ذلك الإلف ولم يظهر شيئاً من ذلك إلا أنه ظهر أنه ادعى ذلك وظهور كونه ادعاه غير ظهور صحة دعواه

الوجه الثالث والعشرون أن يقال هب أن سبب ذلك الإلف والعادة التي تلقاها الأخلاف عن الأسلاف لكن العادة التي تعم بني آدم مع تباين حالهم وأديانهم واختلاف علومهم وإراداتهم لا تكون إلا عادة صحيحة كما اعتادوه من الأمور الطبيعية والخلقية فإنهم جميعهم يعتادون الأكل والشرب والنكاح واللباس وكل هذه العادات صحيحة مبنية على علوم صحيحة ولها منافع صحيحة كذلك اعتيادهم مدح الصدق والعدل والعلم ومحبته وتحسينه وذم الكذب والظلم والجهل وبغضه وتقبيحه هذه عادة صحيحة حسنة باتفاق الخلائق لا ينازع في ذلك من يقول بتحسين العقل وتقبيحه ولا من ينفيه إذ هم جميعاً متفقون على أن اعتقاد محبة هذا وحمده وبغض هذا وذمه عادة صحيحة ليست فاسدة ولا مبنية على اعتقاد فاسد سواء كان ذلك لانتفاعهم بذلك في الدنيا أو لغير ذلك

فظهر أن ما أضعف به الحجة أفادها به قوة إذ العادات العامة لجميع الأمم من أعظم العادات وأصحها وبنو آدم لا يأتون من جهة ما اتفقوا عليه فإنهم لا يتفقون إلا على حق وإنما يأتون من جهة تفرقهم واختلافهم كما قال تعالى وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴿118﴾ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ [هود 118-119] ولهذا كانوا مفطورين على الإقرار بالصانع والدين له فهذا الذي اجتمعوا عليه حق ولكن تفرقوا في الشرك فكل قوم لهم رأي وهوى يخالفون به الآخرين قال تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿30﴾ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿31﴾ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿32﴾ [الروم 30-32] ولهذا وصف الله نبيه وأمته بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر والمعروف الذي تطلبه القلوب وتريده بقطرتها إذا علمته والمنكر الذي تبغضه وتكرهه إذا علمته فإذا كان بنو آدم متفقين على هذه العادة التي مضمونها الرفع إلى الله حين الدعاء وكان ذلك يتضمن قصدهم للإله الذي هناك كان هذا من أعرف المعروف عند جميع بني آدم

الوجه الرابع والعشرون أن يقال هذا العمل يتضمن ثلاثة أشياء الرفع الذي في الإشارة الحسية الظاهرة والقصد والإرادة التي في القلب التي يقصد بها الصمد العلى والاعتقاد الذي هو أصل القصد الذي هو أصل العمل فإن كل عمل اختياري لابد فيه من إرادة وشعور وأنت تزعم أن الثلاثة فاسدة وأن هذا العمل التابع للإرادة سبب الإرادة فيه هو تخييل غير مطابق فيقال لك لو كان الأمر كذلك لكان النهي عن ذلك من أعظم الواجبات في الدين إذ ذاك من أعظم المنكرات لتضمنه اعتقاداً فاسداً في حق الله تعالى ودعاءً فاسداً متعلقاً به وعبادة غير صالحة له ومن المعلوم أن الله قد بعث الأولين والآخرين من النبيين مبشرين ومنذرين ولم ينه أحد من الأنبياء والمرسلين لبني آدم عن شيء من ذلك لا عن هذا الرفع ولا عن هذا القصد ولا عن هذا الاعتقاد بل كان الأنبياء موافقين لهم على هذا العمل وذلك يوجب العلم الضروري من دين النبيين أن ذلك عندهم ليس من المنكر بل من المعروف وذلك يبطل كونه مبنياً على اعتقاد فاسد في حق الله تعالى مستلزماً له ودالاً عليه فإن

كل ما كان متفرعاً من الاعتقاد الفاسد أو كان مستلزماً له مثل أن يكون دليلاً عليه فإنه يجب النهي عنه فإن العقائد الفاسدة والمقاصد الفاسدة في حق الله تعالى تجب إزالتها وإزالة فروعها وأصولها التي توجبها وإذا كان كذلك فالجهمية تنهي عن هذا الاعتقاد وهذه الإرادة فهم ناهون عن معرفة الله تعالى وعبادته وليس هذا مختصاً بهذا الموضع بل هم كذلك إذ أصل قولهم هو قول المشركين المنكرين لملة إبراهيم ولهذا كان أولهم الجعد بن درهم الذي ضحى به أمير المشرق يوم النحر وقال ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً ثم

نزل فذبحه وشكره العلماء على ذلك وكان هذا في زمن التابعين وذلك أن الله بعث الرسل تدعو الخلق إلى عبادته الجامعة لمعرفته بأسمائه وصفاته وآياته ولمحبته والإنابة إليه وإخلاص الدين له حتى يكون الدين كله لله والجهمية تصد القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته بحسب تجهمهم إذ هم بين المستقل والمستكثر ولا تجد أحداً فيه شعبة من التجهم إلا وفيه من نقص التوحيد والإيمان بحسب ذلك ولهذا كانت المعتزلة من أبعد الناس عن طريقة أولياء الله المتقين العارفين بطريق الله علماً السالكين فيه عملاً وحالاً وقصداً الوجه الخامس والعشرون أن يقال هب أن سببه هذه

العادة هل سببها علم صحيح واعتقاد مطابق أو سببها تخيل فاسد أما الأول فهو حجة في المسألة وأما الثاني فممنوع وهو لم يذكر على ذلك حجة إلا قوله إنهم ما شاهدوا عالماً قادراً حياً إلا جسما إلا أنهم قاسوا العالم القادر الحي الغائب على ما شاهدوه من العلماء والأحياء القادرين فصاروا بمنزلة من لم ير من الناس إلا الأسود ولم يسمع إلا العربية فإذا مثل في نفسه إنساناً أو لغة لم يسبق إلى نفسه إلا الأسود والعربية ومعلوم أن هذا قياس فاسد وذلك أن من لم ير إنساناً إلا أسود ولم يسمع لغة إلا العربية إنما يسبق إلى نفسه الأسود إذا مثل إنساناً يخاطبه وإنما يسبق إلى نفسه العربية إذا مثل في نفسه التعبير لأن الذي مثله في نفسه من جنس الذي شاهده والتخيل يتبع الإحساس وكان الذي تخيله من جنس الذي أحسه لمل علم أن جنسهما واحد والباري سبحانه وتعالى ليس هو عندهم ولا عند غيرهم من جنس الآدميين حتى تكون نسبته إلى ما شاهدوه من الحياء العالمين القادرين نسبة ما لم ير من الآدميين إلى من رئي بل هؤلاء الذين يدعون الله برفع الأيدي إلى فوق عامتهم لم يخطر بقلبهم أن الله من جنس الآدميين مشارك لهم في الحقيقة حتى يكون لحماً ودماً ونحو ذلك بل هؤلاء كلهم ينزهون الله تعالى عن ذلك ولا يعرف في عامة المقرين بالصانع من قال بشيء من ذلك إلا ما ذكره الأرباب

المقالات عن شرذمة من المشبهة ومع هذا فلابد أن يجعل هؤلاء له من المقدار والصفات ما يفرقون بينه وبين الآدميين فعلم أن هذا الذي احتج به باطل الوجه السادس والعشرون أن يقال هذا قد أخبر عن بني آدم الأولين والآخرين الذين يدعون الله برفع أيديهم إليه وتوجه قلوبهم إلى جهته العالية أنهم مثلوه بما شاهدوه من الحياء العالمين القادرين كما يمثل أحدهم ما لم يره من هذا الجنس بما رآه ومن المعلوم أن هذا الضلال الذي ذكره عن بني آدم هو الضال فيه في الأصل المشبه به والفرع الذي قاسه عليه وذلك أن قوله كما أن من لم يشاهد إنساناً إلا أسود فحين يمثل في نفسه إنساناً يخاطبه إنما يسبق إلى نفسه أنه أسود لا غير يقال له هذا على القسمين أحدهما أن لا يعلم وجود إنسان إلا أسود والثاني أن يكون وإن لم يشاهد الأسود قد علم الخبر

أو غيره أن في الأناسي من هو ابيض وكذلك إذ مثل إنساناً يخاطبه قد مثل إنساناً مطلقاً لا يقدره من أحد الصنفين وقد يمثل مخاطبة إنسان من الصنف الأبيض أو يخاطبه إنسان من الصنف السود فيقال له هذا المثل الذي ضربته إنما يسلم لك فيمن لا يعلم وجود إنسان غير أبيض فإنه إذا مثل مخاطبه إنسان إنما يكون مثله بمبلغ علمه فإذا لم يكن عالماً بوجود أبيض لم يتمثل مخاطبه أبيض بل قد يتمثل مخاطبه إنسان مطلق ولا يخطر بقلبه لونه وقد يخطر بقلبه لونه فلا يكون إلا ما علمه من ألوان الناس وهو السواد إما إذا علم وجود البيض من الناس ومثل في نفسه أنه يخاطبهم وإن كان لم يرهم بعد كما لو قيل لملك السودان قد قدم عليك رسل البيض وهم بيض فهنا إذا زور في نفسه ما يخاطبه به لم يمثل أنه يخاطب أسود وكذلك لو علم وجود الصنفين وقدر مخاطبة إنسان مطلق لم يتمثل لونه بل قد يصنف الكتب ويقف الوقوف وقد يكتب ذلك بالعربية وقد لا يكون رأى غير البيض ومع هذه فلا يتمثل حين المخاطبة المطلقة لون المخاطبين ولهذا يندرج في خطابه البيض والسود واللفظ يطابق المعنى وهو ما عناه وقصده فكلامه ولو لم يقصد إلا البيض مثلاً لم يتناول لفظه

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل