الجزء السابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
ولم يره بعينه وقال ابن خزيمة حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا هشيم أنا منصور عن الحكم عن يزيد بن شريك عن أبي ذر قال رآه بقلبه ولم يره بعينه فجواب الإمام أحمد يقتضي أنه استحسن كلام من أطلق القول بأنه رآه ولم يقيده بعينه ولابقلبه ولكن لايقتضي أنه منع من التقييد بأحدهما بدليل أن الأثرم لما سأله إلى أي شيء تذهب في هذا ذكر الرواية المقيدة بالقلب ولكن من أصحاب أحمد من جعل هذا رواية عنه أنه يطلق الرؤية ولا يقيد بأحدهما لكن فرق بين السكوت والتقييد وبين المنع من التقييد فإن كان أحد يظن أن أحمد منع من التقييد فليس كذلك وإن قال إنه استحسن الإطلاق فهذا حسن وحينئذ فلا يكون روايتين بل رواية واحدة تضمنت جواز الإطلاق والتقييد
بالقلب لكن لم ير إطلاق نفي الرؤية لأن نفيها يشعر بنفي الأمرين جميعًا وإن كان من النفاة من لا ينفي إلا رؤية العين وهذا الذي أجاب به أحمد من حديث ابن عباس الذي رواه مسلم في صحيحه عن زياد بن الحصين عن أبي العالية البرَّاء عن ابن عباس مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 11, 13] قال رآه بفؤاده مرتين وروى مسلم في صحيحه أيضًا عن عبد الملك عن أبي سليمان عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال رآه
بقلبه يعني قوله وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] وأما حديث أبي ذر فقد رواه مسلم في صحيحه عن قتادة عن عبد الله بن شقيق العقيلي عن أبي ذر قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال نور أنَّى أراه وأما ما يرويه بعض العامة انابا بكر سأله فقال رأيته وأن عائشة سألته فقال لم أره فهو كذب باتفاق أهل العلم ولم يكن عند عائشة في هذا حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما
تكلمت في ذلك بالرأي والتأويل لا بحديث كان عندها وسيأتي أن أبا عبد الله رد قول عائشة بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال رأيت ربي وسنبين إن شاء الله اتفاق المرفوع في ذلك فإن كان أبو ذر عنى هذا ومع هذا فقد رووا عنه بذلك الإسناد الآخر الجيد عن يزيد بن شريك عن أبي ذر قال رأى محمد ربه بقلبه دل ذلك على أن ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينف رؤية القلب التي أثبتها بل إما أن يكون دل عليها أو لم يدل على عدمها وأبو ذر أحق من رجع إليه في هذه المسألة لأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عنها وهو من أجلّ الصحابة رضي الله عنهم فلهذا اعتمد الإمام أحمد على ما رواه عنه وعن ابن عباس والأثرم من أعلم أصحاب أبي عبد الله وأذكاهم وأعرفهم بالحديث والفقه وحديث أبي ذر المرفوع قد تنازعوا فيه هل مقتضاه إثبات الرؤية أو نفيها فلذلك لم يحتج به أحمد قال أبو بكر بن خزيمة وقد روي عن أبي ذر خبر قد اختلف علماؤنا في تأويله لأنه روي بلفظ يحتمل النفي
والإثبات جميعًا وذكر الحديث ثم قال وقوله نور أنَّى أراه يحتمل معنيين أحدهما أي كيف أراه وهو نور والمعنى الثاني رأيته وإني رأيته وهو نور فهو نور لا تدركه الأبصار إدراك ماتدرك الأبصار من المخلوقين كما قال عكرمة يعني عن ابن عباس إن الله إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء قال والدليل على صحة هذا التأويل الثاني أن إمام أهل زمانه في العلم والأخبار محمد بن بشار بندار حدثنا بهذا الخبر قال حدثنا معاذ بن هشام حدثني
أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته فقال عن أي شيء كنت تسأله فقال كنت أسأله هل رأيت ربك فقال أبو ذر قد سألته فقال رأيت نورًا وهذه الطريق التي ذكرناها هي من رواية هشام الدستوائي عن قتادة واللفظ الأول هو من طريق يزيد بن إبراهيم التستري عن قتادة وبعضهم يقول نور بالرفع
ورواه ابن خزيمة من غير وجه بالنصب قال ابن خزيمة ويجوز أن يكون معنى خبر أبي ذر رأيت نورًا فلو كان معنى قول أبي ذر من رواية يزيد بن إبراهيم التستري أنّي أراه على نفي معنى الرؤية فمعنى الخبر أنه نفى رؤية الرب لأن أبا ذر قد ثبت عنه أنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى ربه بقلبه حدثنا أحمد بن منيع غير مرة قال ثنا هشيم أنا منصور وهو ابن زاذان عن الحكم ين يزيد الرشك عن أبي ذر في قوله وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) [النجم 13] قال رآه بقلبه يعني النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا أبو هاشم
زيادة بن أيوب قال حدثنا هشيم فذكر بإسناده عن أبي ذر قال رآه بقلبه ولم يره بعينه وكذلك نقل حنبل عن الإمام أحمد كما رواه عنه الخلال قال قلت لأبي عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه قال رؤيا حلم رآه بقلبه وكان أبو عبد الله تارة يحكي تنازع السلف في رؤية محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا كما روى الخلال عن جعفر بن محمد حدثني أبو عبد الله قال قرأت على أبي قرة الزبيدي عن أبي جريج
أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه مرتين قلت يا أبا عبد الله عائشة تقول لم يره وأظن أني قلت له وأبو ذر قال قد اختلفوا في رؤية الدنيا ولم يختلف في رؤية الآخرة إلا هؤلاء الجهمية قلت تعيب على من يكفرهم قال لا قلت فيكفرون قال نعم وذكر الخلال هذه المسألة والجواب عنها في موضع آخر من السنة وقال فذكر مثل مسألة حبيش سواء وقد ذكر قبل ذلك مسألة حبيش
وهذه الرواية يحتمل أنه إنما حكى الاختلاف في رؤية العين لأنها هي التي تتظاهر الجهمية بإنكارها وهو ظاهر حديث عائشة وأبي ذر المرفوع ويحتمل أنه حكى الخلاف في رؤية القلب أيضًا لأن حديث ابن عباس الذي عارضه السائل بقول عائشة إنما فيه رؤية القلب ويحتمل أنه حكى الخلاف مطلقًا لتقابل الروايات بالإثبات والنفي يؤيد ذلك أن الخلال جعل الجواب هنا كالجواب في مسألة حبيش بن سندي فروى الخلال عن حبيش بن سندي أن أبا عبد الله سئل عن حديث ابن عباس أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقال بعضهم يقول بقلبه فقيل له أيما أثبت عندك فقال في رؤية الدنيا قد اختلفوا فيها وأما في رؤية الآخرة فلم يختلف فيها إلا هؤلاء الجهمية قيل له تعيب على من يكفرهم قال لا قيل فيكفرون قال نعم ففي هذا الجواب أنهم سألوه عما يروى عن ابن عباس من إطلاق الرؤية فقال بعض الرواة يقيدها بالقلب ولما سئل أيما أثبت عندك لم يجزم بأحد الطرفين لكن ذكر أن السلف تنازعوا في ذلك ولم يتنازعوا في رؤية الآخرة فيحتمل
أنهم تنازعوا هل رآه بقلبه أم لا ويحتمل أنهم تنازعوا في إثبات الرؤية مطلقًا ومقيدًا وفي إطلاق نفيها ولكن استقر أمره على إثبات ماورد في ذلك من الأحاديث الثابتة والرد على من نفى موجبها قال الخلال أنا أبو بكر المروذي قال قرأت على أبي عبد الله وأبنا عبد الله بن أحمد قال قرأت على أبي قرة الزبيدي عن ابن جريح قال أخبرني عطاء أنه سمع ابن عباس يقول رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه مرتين زاد عبد الله بن أحمد ثنا نصر بن علي قال حدثنا أشعث بن عبد الله حدثنا إسماعيل ابن أبي خالد عن الشعبي عن عبد الله بن
الحارث عن كعب قال إن الله تعالى قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى صلى الله عليهنا وسلم فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين أخبرنا المروذي عن أبي عبد الله عن وكي عثنا عباد الناجي سمعت عكرمة يقول نعم رأى محمد صلى الله عليه وسلم
ربه حتى انقطع نفسه وأخبرنا المروذي عن أبي عبد الله عن يزيد بن عباد قال سألت الحسن وعكرمة عن قول الله تعالى وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) [النجم 1] قالا إذا غاب فذكر الحديث ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) [النجم 8] قال الحسن هو ربي فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) [النجم 9] فقلت ياأبا سعيد هل شاهده قال نعم فقرأها حتى بلغ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 18] فتلكأ الحسن وقال رأى عظمة ربه ورأى أشياء فقال عكرمة ما تريد قال أريد أن تبين لي فقال قد رآه ثم رآه
قال القاضي أبو يعلى وقد اختلفت الروايات عن أحمد في إثبات رؤيته في ليلة المعراج قروى أبوبكر المروذي وذكر ما تقدم من قوله فبأي شيء يدفع قول عائشة إلى قوله ما اعتراضه في هذا الموضع يُسلَّم الخبر ثم قال وظاهر هذا من كلامه إثبات الرؤية في ليلة المعراج قال وهذه الرواية اختيار أبي بكر النجاد وذكر أنه حكى القاضي أبو علي عن أبي بكر بن سليمان النجاد أنه قال رأى محمد ربه إحدى عشرة مرة منها بالسنَّة تسع مرات ليلة المعراج حين كان يتردد بين موسى وبين ربه عز وجل يسأل أن يخفف عن
أمته الصلاة فنقض خمسًا وأربعين صلاة في تسع مقامات ومرتين بالكتاب قال القاضي ونقل حنبل قال قلت لأبي عبد الله رأى ربه قال رؤيا حلم رآه بقلبه قال القاضي وهذا يقتضي نفي الرؤية في تلك الليلة قال ونقل الأثرم عن أحمد أنه حكى له قول رجل يقول رآه ولا أقول بعينه ولا بقلبه فقال أبو عبد الله هذا حسن قال وظاهر هذا إطلاق الرؤية من غير تفسير بعين أو قلب قال القاضي والرواية الأولى أصح قلت ليس كلام أحمد مختلفاً فإن رواية الأثرم قد ذكرنا لفظها وأنه استحسن الإطلاق فإنه قد
ذهب إلى أنه رآه بقلبه وهذا موافق لنقل حنبل والمروذي نقل الرواية مطلقًا وفي الأحاديث التي رواها التقييد برؤية القلب ورؤية المنام ولم أجد في كلام أحمد تصريحًا برؤية عين ولا نفي الرؤية مطلقًا وأيضًا فاعتقاد أن نفي رؤية العين يقتضي إطلاق نفي الرؤية كما ذكر القاضي ليس هو مقتضى ما ذكره أحمد وغيره من العلماء وهذا الذي قالـ ـه الإمام أحمد من إثبات رؤية القلب هو الذي ثبت عن الصحابة كأبي ذر وابن عباس وقد روي ذلك بهذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً كما رواه أبوالقاسم الطبراني في كتاب السنة حدثنا الحسين بن إسحاق
التستري حدثنا الحماني حدثنا وكيع عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال سُئِل النبي صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك عز وجل قال رأيته بفؤادي ولم أره بعيني وهذا وإن كان مرسلاً فهو معضود لما ثبت عن الصحابة من الذين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن رؤيته ربه كأبي ذر ومن الذين نقلوا عنه أنه قال رأيت ربي كابن عباس
وهذا يدل على أن الصحابة فهموا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم هذا التفصيل وقد صرح أبوذر بمثل هذا فقال رآه بقلبه ولم يره بعينه بهذا يمكن الجمع بين قول ابن عباس وعائشة كما سنذكره إن شاء الله تعالى وقد قال أبوذر رآه بقلبه ولم يره بعينه قال الخلال أخبرنا أبوبكر المروذي قال قلت لأبي عبد الله إنهم يقولون إن عائشة قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية فبأي شيء يدفع قول عائشة قال بقول النبي صلى الله عليه وسلم رأيت ربي وقول النبي صلى الله عليه وسلم
أكبر من قولها وقال قلت لأبي عبد الله إن رجلاً قال أنا أقول إن الله يُرى في الآخرة ولا أقول إن محمدًا رأى ربه في الدنيا وقد أنكر عليه قوم واعتزلوا أن يصلوا خلفه وهو غمام فغضب وقال أهل أن يجفى ما اعتراضه في هذا الموضع يسلم الخبر كما جاء قال الخلال أخبرنا أبوبكر المروذي قال قرأت على أبي عبد الله إبراهيم بن الحكم حدثني أبي عن عكرمة قال سألت ابن عباس عل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه قال نعم رآه دون ستر من لؤلؤ قال المروذي قرأته عليه بطوله فصححه وقد روى أبوبكر بن أبي داود في كتاب السنة من
جملة كتاب السنن هذا الخبر عن عكرمة قال سئل ابن عباس هل رأى محمد ربه قال نعم قال كيف رآه قال في صورة فقلت أنا لابن عباس أليس هو يقول لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) [الأنعام 103] قال لا أم لك ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء وقد روى أبوبكر بن خزيمة الرؤية عن ابن عباس من هذا الوجه فقال حدثنا محمد بن يحيى حدثنا يزيد بن أبي حكيم العدني حدثنا الحكم بن أبان سمعت عكرمة يقول سمعت ابن عباس وسئل هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه قال نعم قال فقلت لابن عباس أليس الله يقول لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] قال لا أم لك ذاك نوره
إذا تجلى بنوره لم يدركه شيء قال محمد بن يحيى امتنع عليّ إبراهيم بن الحكم في هذا الحديث فخار الله لي أحلى منه يعني أن يزيد بن أبي حكيم أحلى من إبراهيم بن الحكم أي أنه أوثق منه قال محمد بن يحيى قال لي ابنه يعني ابن إبراهيم بن الحكم تعال حتى نحدثك قلم أذهب فحدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم قال ثنا موسى بن عبد العزيز القنباري حدثني الحكم يعني ابن أبان قال حدثني عكرمة قال سئل ابن عباس هل رأى محمد ربه قال نعم قلت أنا لابن عباس أليس يقول الرب عز وجل لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ
الْأَبْصَارَ [الأنعام 103] فقال لا أم لك وكانت كلمته لي ذاك نوره الذي هو نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء فهذا التفسير من ابن عباس يقتضي أنه رآه بالبصيرة فإنما يرى إذا ما لم يَتَجَلَّ بنوره الذي هو نوره هذا مشروح في غير هذا الموضع ولـ ـهذا فقد قال إنه تفسير لحديث أبي ذر وأن المنفي فيه قولان كالمنفي في قول ابن عباس هذا وأنه كما قيل في قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ أنك ترى السماء ولا تدركها فلذلك قيل وإذا حدقت فيها عشي بصرك وإنما أنكر أحمد على من نفى أحاديث رؤيته في الدنيا مطلقًا لأن من الجهمية طوائف يقولون إن الله لايجوز أن يرى بالأبصار ولا بالقلوب أصلاً وطوائف يقولون إنه لايجوز أن يرى في المنام أيضًا وهؤلاء يجحدون كل ما فيه إثبات أن
محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ره عز وجل سواء كان بفؤاده أو في منامه أو غير ذلك وهؤلاء الجهمية ضلال باتفاق أهل السنة ولهذا كان أحمد ينكر على هؤلاء ردهم ما في ذلك من الأخبار التي تلقاها العلماء بالقبول كما سنذكره إن شاء الله تعالى وإذا كانوا يمنعون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربه بفؤاده أو في منامه قهم لرؤية غيره أجحد وأجحد وقد ذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم ذلك عن طوائف من الجهمية حتى إن من المعتزلة من يقول يجوز أن يرى بالقلوب بمعنى العلم ومنهم من ينكر ذلك كما نقل ذلك الأشعري في المقالات فقال أجمعت المعتزلة على أن الله لايرى بالأبصار واختلفت هل يرى بالقلوب فقال أبوالهذيل وأكثر المعتزلة نرى الله بقلوبنا بمعنى أنَّا نعلمه بقلوبنا وأنكر هشام الفوطي وعماد بن سليمان
ذلك وهؤلاء النفاة يسمون مثبتة الرؤية مجسمة ويجمعون في نقل مقالات المثبتة بين الحق والباطل كما نقل الأشعري عنهم ما نقله من كتب المعتزلة فقال واختلفوا في رؤية الله بالأبصار فقال قائلون يجوز أن نرى الله بالأبصار في الدنيا ولسنا ننكر أن يكون بعض من نلقاه في الطرقات وأجاز عليه بعضهم الحلول في الأجسام وأصحاب الحلول وإذا رأوا إنسانًا يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه وأجاز كثير ممن أجاز رؤيته في الدنيا مصافحته وملامسته ومزاورته إياهم وقالوا إن المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك حكي ذلك عن بعض أصحاب معتمر وكهمس
وحكى عن أصحاب عبد الواحد بن زيد أنهم كانوا يقولون إن الله سبحانه يرى على قدر الأعمال فمن كان عمله أفضل رآه أحسن وقال قائلون إنا نرى الله في الدنيا في النوم فأما في اليقظة فلا وروي عن رَقَية بن مصقلة أنه قال رأيت رب العزة في النوم فقال لأكرمن مثواه يعني سليمان التيمي صلى الفجر بطهر العشاء الآخرة أربعين سنة وامتنع كثير من القول أنه يرى في الدنيا ومن سائر ما أطلقوه وقالوا إنه يرى في الآخرة فقد حكي هذا القول بإطلاق النفي في الدنيا معارضًا لتلك
الأقوال المشتملة على الباطل مثل كونه يرى بالأبصار في الطرقات وعلى الحق مثل كونه يرى في المنام ولهذا جمع طائفة بين قول عائشة وابن عباس كما ذكره رزين بن معاوية في تفسيره فقال وأما ما روي عن عائشة وابن عباس من الاختلاف في أمر الرؤية فإنما دخل الأمر في ذلك على بعض الروايتين من حيث إطلاقهما اللفظ فظنوا بهما الاختلاف ولم يكونا ليختلفا في مثل هذا الأصل الجليل من أصول الدين وقد روى غير أولئك الرواة عنهما لفظهما مقيدًا فزال الإشكال والمقيد يبين المجمل فروي عن ابن عباس في بعض الروايات رأى ربه بفؤاده وهو تفسير قوله رآه مطلقًا قال وقد روي عن عائشة أنها قالت يا أهل العراق إنكم تقولون أقوالاً يخالفها كتاب الله عز وجل وتزعمون أن محمدًا
رأى ربه ببصره وقد قال لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [الأنعام 103] وإنما رآه بفؤاده وذلك قوله مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) [النجم 11] وإنما رأى ببصره الحجاب واستدلت على ذلك بقوله تعالى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) [النجم 17-18] قال فاتفق عنهما الروايتان قول ابن عباس وقول عائشة وثبت من قوليهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به رأى ربه بفؤاده وقال وهذا مما لانكير فيه ولا شبهة قلت وأما الأخبار المطلقة عن ابن عباس وأنس وغيرهما من الصحابة والتابعين فكثيرة أيضًا كما رواه ابن خزيمة حدثنا عبد الوهاب بن الحكم الوراق الشيخ الصالح حدثنا هاشم بن القاسم عن قيس بن
الربيع عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال إن الله اصطفى إبراهيم بالخلة واصطفى موسى بالكلام ومحمدًا بالرؤية حدثنا محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن الصباح قال حدثنا إسماعيل يعني ابن زكريا عن عاصم عن الشعبي عن عكرمة عن ابن عباس قال رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه حدثنا إبراهيم بن عبد العزيز المقوم
قال حدثنا أبوبحر البكراوي عن شعبة عن قتادة عن أنس ابن مالك قال رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه حدثني عمي إسماعيل بن خزيمة حدثنا عبد الرزاق أنبأنا المعتمر بن سليمان عن
المبارك بن فضالة قال كان الحسن يحلف بالله لقد رأى محمد ربه وقال أبوبكر الخلال أنا محمد بن علي الوراق قال ثنا إبراهيم بن هانئ ثنا احمد بن عيسى وقال له أحمد بن حنبل حدثهم به في منزل عمه ثنا عبد الله بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي
هلال أن مروان بن عثمان حدثه عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في المنام في صورة شاب موفَّر رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب قال
الخلال أخبرنا محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا عبد الله بن وهب فذكره بإسناده عن أم الطفيل أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أنه رأى ربه في المنام في أحسن صورة شابًّا موفرًا رجلاه من خضر عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب ورواه أبوبكر عبد العزيز حدثنا محمد بن سليمان قال حدثنا
أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب حدثنا عمي عبد الله بن وهب فذكره بإسناده عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رأيت ربي في المنام في خضر من الفردوس إلى أنصاف ساقيه في رجليه نعلان من ذهب وهذا الحديث الذي أمر أحمد بتحديثه قد صرح فيه بأنه رأى ذلك في المنام وهذه الألفاظ نظير الألفاظ التي في حديث ابن عباس قال الخلال أبوبكر المروذي قال قرئ على أبي عبد الله شاذان حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن محمدًا رأى ربه فذكر الحديث قلت
إنهم يطعنون في شاذان يقولون ما رواه غير شاذان قال بلى قد كتبته عن عفان عن رجل عن حماد عن سلمة عن قتادة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ربي وقال المروذي في موضع آخر قلت لأبي عبد الله فشاذان كيف هو قال ثقة وجعل يثبته وقال في هذا يشنع به علينا قلت أفليس العلماء تلقته بالقبول قال بلى قلت إنهم يقولون إن قتادة لم يسمع من عكرمة قال هذا لايدري الذي قال وغضب وأخرج إليَّ كتابه فيه أحاديث بما سمع قتادة من عكرمة فإذا ستة أحاديث سمعت عكرمة حدثنا بهذا المروذي عن أبي عبد الله قال أبو عبد الله قد ذهب من يحسن هذا وعجب من قول من قال لم يسمع وقال سبحان الله هو قدم البصرة فاجتمع عليه الخلق وقال يزيد بن حازم رواه حماد بن
زيد أن عكرمة سأل عن شيء من التفسير فأجابه قتادة أبنا المروذي حدثني عبد الصمد بن يحيى الدهقان سمعت شاذان يقول أرسلت إلى أبي عبد الله أحمد بن حنبل أستأذنه في أن أحدث بحديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال رأيت ربي قال حدث به فقد حدث به العلماء قال الخلال أبنا الحسن بن ناصح قال حدثنا الأسود بن عامر شاذان ثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه جعدًا قططا أمرد في حلة حمراء والصواب حلة خضراء
ورواه أبو الحافظ أبوالحسن الدارقطني فقال حدثنا عبد الله بن جعفر بن خشيش حدثنا محمد بن منصور الطوسي ثنا أسود ابن عامر قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه عز وجل شابًّا أمرد جعدًا قططا في حلة خضراء ورواه القطيعي والطبراني قالا حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا الأسود بن عامر قال حدثنا حماد بن سلمة عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله
صلى اله عليه وسلم رأيت ربي في صورة شاب أمرد له وفرة جعد قطط في روضة خضراء وأما الحديث الذي فيه اختصام الملأ الأعلى فيما رواه الخلال وابن خزيمة وغيرهما من وجوه مشهورة عن الوليد بن مسلم حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن خالد بن اللجلاج عن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول رأيت ربي عز وجل في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت أنت أعلم يارب قال ثم قال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت
لا أدري يارب قال فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السماء والأرض قال وقرأ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) [الأنعام 75] قال ثم قال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت في الكفارات يارب قال قلت وما هن قلت المشي إلى الجماعات وإسباغ الوضوء على المكاره قال فقال لي من يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكن من خطيئته كيوم ولدته أمه ومن الدرجات طيب الكلام وأن تقوم بالليل والناس نيام وقال قل اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب عليَّ وتغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني إليك غير مفتون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموهن فوالذي نفسي بيده إنهن لحق
وقال أبوبكر بن خزيمة روى الوليد حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ثنا خالد بن اللجلاج حدثني عبد الرحمن بن عائش الحضرمي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول رأيت ربي في أحسن صورة فقال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت أي ربي مرتين فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما في السموات والأرض ثم تلا وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) [الأنعام 75] قال فيم يختصم الملأ الأعلى يامحمد قال قلت في الكفارات يارب قال وما هن قلت المشي إلى
الجماعات والجلوس في المساجد وانتظار الصلوات وإسباغ الوضوء على المكاره فقال من فعل ذلك يعش بخير ويمت بخير ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه ومن الدرجات إطعام الطعام وطيب الكلام وأن تقوم بالليل والناس نيام وقال اللهم إني أسألك الطيبات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تتوب علي وتغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلموهن فوالذي نفسي بيده إنهن لحق قال ابن خزيمة حدثنا أبو قدامة وعبد الله ابن محمد الزهري ومحمد بن ميمون المكي قالوا حدثنا الوليد بن مسلم قال الإمام أبو بكر بن خزيمة قوله في هذا الخبر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمٌ لأن عبد الرحمن بن