الجزء السادس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
التأويل - المعية - القرب - النفس - الأصابع الجسم والجهة - الصورة
حققه د. عبد الرحمن بن عبد الكريم اليحيى
فصل قال الرازي الوجه الثالث قال الله تعالى وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد 25]
ومعلومٌ أن الحديد ما نزل جرمه من السماء إلى الأرض وقال تعالى وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر 6] ومعلوم أن الأنعام ما نزلت من السماء إلى الأرض والكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال قوله معلوم أن الحديد ما نزل وأن الأنعام ما نزلت لم يذكر ما به يعلم ذلك أبضرورة أم بدليل فلو نازعه منازع وقال هذا غير معلوم لنا إذ من الممكن نزول أصل هذا الحيوان كنزول أصل الإنسان والجن والحية وكما روي في نزول كبش الفداء ونزول حديد من السماء احتاج إلى ما يدفع به هذا
الثاني أن من الناس من قد روى أنه قد ينزل من السماء حديد الوجه الثالث وهو الجواب أن يقال له إن الله تعالى لم يقل أنزلنا الحديد من السماء ولا قال أنزلنا لكم ثمانية أزواج من السماء فقول القائل معلوم أن الحديد ما نزل جرمه من السماء إلى الأرض وأن الأنعام ما نزلت من السماء إلى الأرض لا يعارض ظاهر القرآن حتى يقال إن ظاهر القرآن ليس بحق وأنه مؤول بل قال وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد 25] والإنزال يقتضي أن يكون من محلٍّ عالٍ ولا ريب أن الحديد إنما يكون من المعادن التي في الجبال وهي عالية على الأرض وقد قيل إنه كلما كان المعدن أعلى كان حديده أجود والمستخرجون للحديد من المعادن يقولون نزل لنا من المعدن
كذا وكذا يبين ذلك أن الله ذكر الإنزال على ثلاث درجات قال في الحديد وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد 25] فأطلق الإنزال ولم يذكر من أين نزل وقال في الغيث وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [البقرة 22] وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ فذكر أنه أنزل المطر من السماء فإنه نزل مما يسمو على رؤوس بني آدم ويعلو عليهم بخلاف الجبال فإنها نفسها لا تسامت رؤوس بني آدم وقال في القرآن تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) وقال حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) [غافر 1-2] وقال حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) [فصلت 1 -2] وقال وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [الأنعام 114] وقال وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) [النمل 6] وقال الر كِتَابٌ
أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) [هود 1] فأخبر أن القرآن منزل منه وأن المطر نزل من السماء وأخبر أنه أنزل الحديد ولم يذكر من أين نزل وبهذا يظهر ما لبَّسته الجهمية من المعتزلة وغيرهم
في دعواهم أن الإخبار بان القرآن مُنزَّل لا يمنع أن يكون مخلوقًا فإن المخلوق يوصف بالإنزال كالماء والحديد وزعم بعضهم أن الإنزال يكون بمعنى الخلق فإن الله أخبر أن القرآن منزل والإنزال هو من العلو حيث كان وهذا من المعلوم بالضرورة من اللغة وهو من اللغة العامة الشائعة يوضح ذلك أن الله تعالى قال لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد 25] ثم قال وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد 25] ففرق بين إنزال الكتاب والميزان وذكر أنه أنزل ذلك مع الرسل وبين إنزال الحديد فوصفه بإنزال مطلق لم يجعله مع الكتاب والميزان ولم يصفه بالإنزال الذي وصف به الكتاب والميزان وقد قال تعالى وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ [الأحزاب 26] فإذا كان قد يسمى هذا نزولاً فما أنزله من الجبال أولى أن يكون منزلاً فإن الجبال أعلى من الصياصي التي هي
الحصون التي كانت بالحجاز وكذلك قال لنوح عليه السلام فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) [المؤمنون 28-29] وإنما هو نزوله من السفينة إلى الأرض يقرر ذلك أن الله تعالى قال لنوح يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ الآية [هود 48] بعد قوله وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ [هود 44] فهذا هبوط من السفينة وقال لآدم ومن معه وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ [البقرة 36] فهذا هبوط من السماء وكذلك قال لإبليس فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) [الأعراف 13] فلفظ الهبوط من جنس لفظ النزول فبعضه من السماء أو الجنة وبعضه من الأرض مكان عال في الأرض كالسفينة كما أن العلو والظهور الذي في مقابلته
كذلك وأما قوله وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر 6] فإنه ينزل الماء من أصلاب الذكور إلى بطون الإناث ثم ينزل الأجنة من بطون الإناث إلى الأرض فأنزل منها ثمانية أزواج ومن المشهور في اللغة أنه يقال عن ابن آدم أنزل الماء أو المني ولم ينزل كما في الحديث وذلك أنه سبحانه قال خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الزمر 6] فحواء خلقت من نفس آدم من ضلعه
القصراء لم تخلق من مني ولا في رحم كما قال يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء 1] وقال هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا [الأعراف 189] فلم تكن زوج آدم منزلاً منه بل مخلوقاً مجعولاً منه وزوجها هي حواء وأما الأنعام فإنه يعلو بعضها بعضًا وهي قائمة أو قاعدة وتلد وهي كذلك قائمة فينزل الله تعالى منها أولادها وتسمية ذلك إنزالاً ليس بدون تسمية إخراج المني إنزالاً بل أبلغ وفي الصحيحين عن أسامة أنه قال قلت للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أين ننزل غدًا قال بخيف بني
كنانة حيث تقاسموا على الكفر واستعمال لفظ النزول في النزول من ظهر الدابة أكثر وأشهر وأظهر مما يذكر وعلى هذا فـ من في قوله وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ
[الزمر 6] يحتمل وجهين أحدهما أن يكون لبيان الجنس كما هو الظاهر لكثير من الناس والمعنى أنزل ثمانية أزواج كما قال وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ [الحديد 25] وإنزالها كإنزال المني ومن هنا مثل من في قوله وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ [الأنعام 141] إلى قوله وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا [الأنعام 142] إلى قوله ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الأنعام 143] أي أنشأ من الأنعام حمولة وفرشًا ثمانية أزواج ويحتمل أن تكون من لابتداء الغاية كقوله تعالى أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الرعد 17] وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء 1] والمعنى أنه أنزل ثمانية أزواج أنزلها من الأنعام فيكون قد ذكر المحل الذي أنزلت منه وهذان الوجهان يجيئان في قوله تعالى في السورة الأخرى جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) [الشورى 11] فقوله جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا هل المراد جعل لكم
من جنسكم أزواجًا يذرؤكم في ذلك أو المراد جعل أزواجكم من أنفسكم لكون حواء جعلت من نفس آدم وكذلك من الأنعام أزواجًا وقد يقال بيان الجنس أظهر لأنه لم يخلق من آدم إلا زوجه فقط كما قال خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا [النساء 1] وأما أزواج ولده فلم تخلق من ذواتهم فيكون المعنى جنسكم أزواجًا كما قال لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور 12] وقال ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة 85] وقال وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات 11] وله نظائر في القرآن
فصل قال الرازي الرابع قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد 4] وقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وقال تعالى مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة 7] وكل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية قلت قد ذكر في هذا الوجه لفظ المعية ولفظ القرب ولم يذكر إلا تأويل لفظ القرب وذكر في الوجه السادس قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] مع قوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] وتلك الآية هي نظير هذه لا نظير تلك ثم ذكر الوجه التاسع وهو آخر وجوه القرآن قال
تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) [طه 46] وهذه المعية ليست إلا بالعلم والحفظ والرحمة فيكون ذكره لتلك المعية في تلك الآية لأنه جعل معناها معنى قربه فلابد من الكلام في لفظ المعية ولفظ القرب أما المعية فالكلام عليها من وجوه أحدها أن يقال لا يخلو إما أن يكون ظاهر قوله وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد 4] أن ذاته نفسها مختلطة في المخلوقات أو لا يكون هذا ظاهر الخطاب فإن كان الأول فهذا قول طوائف من إخوانه الجهمية الذين ينكرون أنه فوق العرش ويقولون إنه في كل مكان أو إنه نفس وجود الأمكنة ولهم في ذلك مقالات تقدم حكايتها وبينَّا أنه عاجز عن مناظرتهم والرد عليهم إلا إذا وافق أهل
الإثبات فهؤلاء إذا قالوا له نحن نتمسك بظاهر القرآن لم يمكنه الرد عليهم وقوله كل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية هؤلاء إخوانه الجهمية ينازعونه في هذا ونحن وإن كنا نعلم بطلان قولهم لكن المقصود هنا أن ما ادعاه من الاتفاق على أن من ظواهر القرآن ما ليس بحق ليس كما ادعاه فليس في شيء مما ذكره وفاق ولا في صورة واحدة وإن لم يكن ظاهر الخطاب يدل على أن ذاته في المخلوقات لم تكن الآية مصروفة عن ظاهرها فعلى التقديرين لم يسلم ما ادعاه من الاتفاق على إحالة ظاهر القرآن الوجه الثاني أن أهل السنة والإيمان والإثبات لا ينازعونه في أن الله ليس في المخلوقات لكن ينازعونه في أن ظاهر هذه الآية يدل على ذلك فيقال لا يخلو إما أن يكون ظاهر الآية يدل على أن ذاته في نفس المخلوقات أم لا فإن كان الثاني بطل قوله وإن كان الأول فلا ريب أن الله قد فسر هذه الآيات وأزال
الشبهة التي تعترض بما بينه في غير موضع من كتابه من أنه استوى على العرش وأنه إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح وانه رفع عيسى إليه وأنه تعرج الملائكة والروح إليه إلى غير ذلك من النصوص المفسرة المحكمة التي تبين أن الله فوق الخلق فكان ذلك بيانًا من الله بليغًا لعباده أن ذاته ليست في نفس المخلوقات وكان ذلك البيان مانعًا عن فهم هذا المعنى الباطل من القرآن وهم لاينازعون أن القرآن يفسر يعضه يعضًا ويكون بعضه مانعًا من حمل بعضه على معنى فاسد كما تقدم وإنما الممتنع أن يكون ظاهره ضلالاً ولم يبين الله ذلك الوجه الثالث أن هؤلاء يقولون إن الله تعالى قد بين في غير موضع أنه خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وبين أن له ملك السموات والأرض وما بينهما
وبين أن الأرض قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه وأن كرسيه وسع السموات والأرض وأنه يمسك السموات والأرض أن تزولا إلى غير ذلك من الآيات التي فيها بيان أن جميع هذه المشهودات هي مخلوقة لله مملوكة لله مدبرة لله وهذه نصوص صريحة في أن الله تعالى ليس فيها لأن الخالق ليس هو المخلوق ولا بعض المخلوق ولا صفة للمخلوق وإذا كان كذلك فمثل هذه النصوص تهدي القلوب وتشفيها وتعصمها عن أن يفهم من قوله وَهُوَ مَعَكُمْ [الحديد 4] أنه في المخلوق كما يزعم ذلك من يزعمه من الزنادقة
والجهمية من الاتحادية والحلولية عمومًا وخصوصًا ومثل هذا لا يمتنع كما تقدم الوجه الرابع أن يقال إنه ليس ظاهر قوله وَهُوَ
مَعَكُمْ [الحديد 4] أنه في المخلوقات ولا أنه مختلط ممتزج بها ونحو ذلك من المعاني الفاسدة ولا يدل لفظ على هذا بوجه من الوجوه فضلا عن أن يكون ذلك هو ظاهر ذلك اللفظ وذلك أن لفظ مع قد استعمل في القرآن في مواضع كثيرة وفي سائر الكلام ولا يوجب في عامة موارده أن يكون الأول في الثاني ولا مختلطًا به ومعنى اللفظ وظاهره وإنما يؤخذ من موارد استعمالاته قال تعالى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا الآية [الفتح 29] وقال فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) [الأعراف 157] وقال عن المنافقين يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد 14] وقال تعالى فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) [التوبة 83] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) [التوبة 119] وقال وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) [البقرة 43] وقال يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) [آل عمران 43] وقال رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى
قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) [التوبة 87] وقال عن نوح وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) [هود 40] وقال فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) [الشعراء 119] وقال قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ [هود 48] وقال هارون فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) [الأعراف 150] وقال لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا [الأعراف 88] وقال قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ [النمل 47] وقال فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ [البقرة 249] وقال إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146) [النساء 146] وقال عن فرعون فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) [الإسراء 103] وقال وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) [البقرة 14] وقال وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ [البقرة 41] وقال وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [البقرة 213] وقال رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) [آل عمران 53] وقال وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آل عمران 146]
وقال وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) [آل عمران 193] وقال فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ إلى قوله وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ [النساء 102] وقال فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ [النساء 140] وقال وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) [المائدة 84] فهذه المواضع الكثيرة التي وصف الله بأن المخلوق مع المخلوق لم يوجب ذلك أن يكون الأول في الثاني ولا ذاته مختلطة ممتزجة بذاته أصلاً ولا أن يكون محايثًا له فكيف إذا وصف الرب نفسه بأنه مع عباده عمومًا وخصوصًا يقال إن ظاهر ذلك أن ذاته فيهم أو ممتزجة مختلطة بهم وذلك لأن مع ظرف مكان معناها المصاحبة والمقارنة والموافقة فإذا قيل هذا مع هذا كان التقدير أنه في مكان أو في مكانة لها اتصال بالثاني بحيث يكونان مقترنين
مصطحبين متفقين وهذا معنى قول من يقول من النحاة إن مع للمصاحبة ثم ذلك الاقتران يدل على أمور أخرى تكون من لوازم الاقتران فالله سبحانه إذا قيل إنه مع خلقه فمن لوازم ذلك علمه بهم وتدبيره لهم وقدرته عليهم وإذا كان مع بعضهم خصوصًا كان في السياق ما يبين أنه ناصر لهم معين لهم ولهذا جاءت المعية في كتاب الله عامة وخاصة لكن ذلك من خصوص التركيب والسياق وإلا فالقدر المشترك يبين مواردها هو ما تقدم قال تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) [التوبة 36] وقال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) [آل عمران 81] وقال وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ [المائدة 12] وقال إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة 140] وقال إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128) [النحل 128] وقال وَاصْبِرُوا إِنَّ
اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) [الأنفال 46] وقال خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) [الحديد 4] فأخبر أنه مستوٍ على عرشه وهو مع ذلك مع عباده وكلاهما حق فمن تدبر القرآن علم بالاضطرار أن كونه معهم ليس ذاته فيهم ولا أنه مختلط بهم كسائر موارد مع ومن ادعى ذلك أن هذا ظاهر القرآن فقد افترى على اللغة عمومًا وعلى القرآن خصوصًا وأما قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وقوله كل عاقل يعلم أن المراد منه القرب بالعلم والقدرة الإلهية فليس الأمر كما ادعاه من هذا العموم والإجماع وذلك أنه سبحانه قال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وهل المراد بذلك
الملائكة أو العلم أو كلاهما قال أبو عمر الطَّّلَمَنْكي ومن سأل عن قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ
إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] فاعلم أن ذلك كله على معنى العلم والقدرة عليه قال والدليل على ذلك صدر الآية قال الله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] لأن الله لما كان عالمًا بوسوسته كان أقرب إليه من حبل الوريد وحبل الوريد ما يَعْلَم ما توسوس به النفس ويلزم الملحد على اعتقاده أن يكون معبوده مخالطًا لدم الإنسان ولحمه وأن لا يُجَرد الإنسانُ تسميته المخلوق حتى يقول خالق ومخلوق لأن معبوده بزعمه داخلُ حبلِ الوريد من الإنسان وخارجه فهو على قوله ممتزج به غير مباين له قال وقد أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله على عرشه بائن من خلقه تعالى الله عن قول أهل الزيغ علوًّا
كبيرًا قال وكذلك الجواب في قوله فيمن يحضره الموت وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) [الواقعة 85] أي بالعلم به والقدرة عليه إذ لا يقدرون له على حيلة ولا يدفعون عنه وقد قال الله تعالى تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) [الأنعام 61] وقال قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ [السجدة 11] انتهى كلامه وهكذا ذكر غير واحد من المفسرين مثل الثعلبي
وأبي الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وفي قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة 85] فذكر أبو الفرج القولين إنهم الملائكة وذكره عن أبي صالح عن ابن عباس
وأنه القرب بالعلم وهؤلاء كلهم مقصودهم أنه ليس المراد أن ذات الباري جل وعلا قريبة من وريد العبد ومن الميت ولما ظنوا أن المراد قربه وحده دون الملائكة فسروا ذلك بالعلم والقدرة كما في لفظ المعية ولا حاجة إلى هذا فإن المراد بقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة 85] أي بملائكتنا في الآيتين وهذا بخلاف لفظ المعية فإنه لم يقل ونحن معه بل جعل نفسه هو الذي مع العباد وأخبر أنه ينبئهم بما عملوا يوم القيامة وهو نفسه الذي خلق السموات والأرض وهو نفسه الذي استوى على العرش وتفسير قربه سبحانه
بالعلم قاله جماعة من العلماء لظنهم أن القرب في الآية هو قربه وحده ففسروها بالعلم ولما رأوا ذلك عامًا قالوا هو قريب من كل موجود بمعنى العلم وهذا لا يحتاج إليه كما تقدم وقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] لا يجوز أن يراد به مجرد العلم فإن من كان بالشيء أعلم من غيره لا يقال إنه أقرب إليه من
غيره لمجرد علمه به ولا لمجرد قدرته عليه ثم إنه سبحانه وتعالى عالم بما يسره من القول وبما يجهر به وعالم بأعماله فلا معنى لتخصيصه حبلَ الوريدِ بمعنى أنه اقرب إلى العبد منه فإن حبل الوريد قريب إلى القلب ليس قريبًا إلى قوله الظاهر وهو يعلم ظاهر الإنسان وباطنه قال تعالى وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) [الملك 13 - 14] وقال تعالى أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) [الزخرف 80]
وسياق الآيتين يدل على أن المراد الملائكة فإنه قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) [ق 16-18] فَقَيّدَ القرب بهذا الزمان وهو زمان تلقي المتلقيين قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال وهما الملكان الحافظان اللذان يكتبان كما قال مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) [ق 18] ومعلوم أنه لو كان المراد قرب ذاته لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن لذكر العتيد والرقيب معنى مناسب وكذلك قوله في الآية الأخرى فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85)
[الواقعة 83-85] لو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال ولا قال وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) [الواقعة 85] فإن هذا إنما يقال إذا كان هناك من يجوز أن يبصر في بعض الأحوال لكن لا نبصره والرب تبارك وتعالى لا يراه في هذه الحال أحد لا الملائكة ولا البشر وأيضًا فإنه قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ [الواقعة 85] فأخبر عمن هو أقرب إلى المختصر من الناس الذين عنده في هذه الحال وذات الرب سبحانه وتعالى إذا قيل هي في كل مكان أو قيل فريبة من كل موجودٍ لا تختص بهذا الزمان والمكان والأحوال فلا يكون أقرب من شيء إلى شيء ولا يجوز أن يراد به قرب الرب الخاص كما في قوله وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ [البقرة 186] فإنما ذلك
إنما هو قربه إلى من دعاه أو عبده وهذا المحتضر قد يكون كافرًا أو فاجراً أو مؤمنًا ومقربًا ولهذا قال تعالى فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) [الواقعة 88-94] ومعلوم أن مثل هذا المكذب لا يخصه الرب بقربه منه دون من حوله وقد يكون حوله قوم مؤمنون وإنما هم الملائكة الذين يحضرون عند المؤمن والكافر كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [النساء 97] وقال تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ [الأنفال 50] وقال وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) [الأنعام 93] وقال تعالى حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) [الأنعام 61] وقال تعالى قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) [السجدة 11] ومما يدل على ذلك أنه ذكره بصيغة الجمع فقال وَنَحْنُ
أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وهذا كقوله سبحانه نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) [القصص 3] وقال نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف 3] وقال إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) [القيامة 17-19] فإن مثل هذا اللفظ ذكره الله تعالى في كتابه دلَّ على أنه المراد أنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة فإن صيغة نحن يقولها المتبوع المطاع المعظم الذي له جنود يتبعون أمره وليس لأحد جنود يطيعونه كطاعة الملائكة لربهم وهو خالقهم وربّهم فهو سبحانه العالم بما توسوس به نفسه وملائكته تعلم فكان لفظ نحن هنا هو المناسب وكذلك قوله وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ [ق 16] فإنه سبحانه يعلم ذلك وملائكته يعلمون ذلك كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا هم العبد بحسنة كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشر حسنات وإذا
هم بسيئة لم تكتب عليه فإن عملها كتبت سيئة واحدة وإن تركها لله كتبت له حسنة فالمَلَكُ يعلم ما يهم به العبد من حسنة وسيئة وليس ذلك من علمهم بالغيب الذي اختص الله به وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث صفية
رضي الله عنها إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم
وقرب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار سواء كان العبد مؤمنًا أو كافرًا وبما ذكرنا تبين أن قول المؤسس لا وجه له وبالله
التوفيق
فصل قال الرازي الخامس قوله تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) [العلق 19] فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود والكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال له أنت مقصودك أنه لابد من مخالفة ظاهر القرآن وليس في ظاهر الآية ذكر القرب إلى مَن بل قال وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) [العلق 19] فلم يقل واقترب إلى كذا فيحتاج أن يقول ظاهر القرآن فيه واقترب إلى الله والاقتراب إلى الله محال وليس في ظاهر القرآن ذكر ذلك بل هو من باب المحذوف المضمر الوجه الثاني أن المقترَب إليه محذوف فلابد من إضماره فلا يخلو إما أن يكون الاقتراب من الله تعالى ممكنًا أو ممتنعًا فإن كان ممكنًا كان المعنى واقترب إلى الله كما أن