بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 467-507
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المراد بالنفس هو الذات

صفحات 467-507
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

ونحو ذلك وإن كان المضاف هو خز أو هو فضَّة لكان مسمّى كل منهما أعمّ من مسمّى الآخر وإنّما اختصا بالإضافة فكذلك قول القائل نفسي فيه اسمان مظهر وهو هذه النفس ومضمر وهو الياء ومن المعلوم أنّ الأسماء المضمرة لا تدلُّ على شيء من صفات المسمّى إلاّ كونه متكلمًا أو مخاطبًا أو غائبًا ونحو ذلك فالياء تدلُّ على أنه هو المتكلم كما أنَّ الهاء في قوله بعته تدل على أنَّه الغائب وهذا المعنى مغاير لمسمى النّفس وأمَّا لفظ النفس فهو يقتضي من الصِّفات كالحياة والفعل ونحو ذلك ما ليس في الأسماء المضمرة لكن لا يختص بذلك مضاف إليه دون آخر وإذا أُضيف ذلك إلى مضمر كان في لفظه من عموم المعاني ما ليس في المظهر والمضمر إذ المُضمر يدل على ذلك باللزوم وفي المضمر من خصوص كونه متكلمًا وغائبًا ما ليس في المظهر وبالإضافة اختص المضاف بالمضاف إليه فامتنع أن يكون المسمّى نفسًا غير نفسه وأيضًا فذكر لفظ النَّفس يدلُّ على ثبوت الحكم للمسمى نفسه لا لأحد منسوب إليه فإذا قيل كلمه الآمر نفسه منع أن يكون الكلام بواسطة ترجمان أو رسول وإذا قيل أنا

بنفسي جئت إليك منع أن يكون أرسل إليه رسولاً فقوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] فيه ما ليس في قوله اصطنعتك إليّ إذ الأشياء تضاف إلى الله تعالى على وجوه متنوعة فقوله لنفسي يوجب أنَّه جعله خاصًّا له ومن المواضع ما لا يصلح فيها إلاّ هذا اللفظ كما في قوله ذكرته في نفسي فإنَّه لو قال ذكرته فيّ لم يكن من الكلام المعروف بخلاف ذكرته في نفسي وأيضًا ففي هذا من الدلالة على عدم الجهر ما ليس في غيره وأمّا من نفى خاصيّتها ولم يثبت إلاّ عموم مسمّى الذات فقد تقدّم أنَّ لفظ النَّفس لا يقال إلاَّ لحيّ ذي مقال وفعال لا يقال لمن ليس كذلك فكان في هذا اللفظ من المعاني ما ليس في غيره فلا يجوز نفي ذلك وهذه المادة ن ف س في لغة العرب تعطي الفعل والحياة وَسَمَّوا الدم نفسًا لأنّه مادة حياة الأجسام الحيوانيَّة وهو حامل البخار الذي هو الروح الحيواني ففيه الحياة والحركة ولهذا أمر بسفحه من الحيوان وحرم

أكله لأنّه يولّد على آكله البغي والاعتداء في القوة النفسانية وكذلك الهواء الداخل والخارج سمّوه نفسًا لما فيه من الحياة والحركة وكذلك المتفلسفة يفرّقون بين العقل والنفس بأنَّ العقل مجرّد عن المادة وعلائقها والنَّفس تتعلّق بالجسم تَعَلُّق التدبير والتصريف وأما قول المؤسس إن النَّفس في اللغة يراد بها مجرّد البدن فهذا لا أصل له وقوله كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] لم يُرد به كل بدن فإن البدن الخالي عن الروح لا يذوق الموت بل النفس هنا يراد بها الروح كقوله تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا [الزمر 42] وأما قوله يراد بها العقل كقوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام 60] وأحوال النائم باقية إلا العقل فهذا سهو منه فإنَّ قوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الأنعام 60] ليس فيه

لفظ النّفس وإنَّما لفظ النفس في الآية الأولى وهي قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر 42] فالآية التي احتج بها على أنَّ مسمّى النّفس هي مُسمّى الروح هي الآية التي ذكر فيها توفّي الأنفس وذلك يقتضي أنَّ المتوفّى بالموت والنوم هو النّفس التي هي الروح وأنَّ النّائم تُتوفى روحه لكن توفِّيًا دون الموت بحيث تمسك وترسل وأمَّا التعبير بلفظ النّفس عن العقل فهذا ليس من لغة العرب أصلاّ وأما قوله يراد بها ذات الشيء وعينه كقوله تعالى وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [البقرة 9] وقوله فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة 54] وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [هود 101] فلا يراد بها ذات كل شيء وعين كل شيء اللَّهم إلاّ أن يكون في التوكيد فإذا قالوا الأنفس والنفوس لم يفهم منه ما لا حياة له ولا فعل كالجمادات ولهذا قال النّبي صلى الله عليه وسلم ما من نفس منفوسة إلاّ وقد كتب الله مكانها من الجنّة والنّار

وأما قوله تعالى فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فهو نظير قوله لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور 12] وقوله ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [البقرة 85] وقوله وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات 11] أي يقتل بعضكم يعضًا وسمّى الجميع نفسًا أي لا يقتل إلاّ من هو منكم لا يكون من غيركم لأن المتفقين في مقصود الحياة والفعل يكونـ ـون كالشيء الواحد قوله لفظ النّفس في حق الله تعالى ليس إلاّ الذات والحقيقة

يقال له أتريد أنّ معنى اللفظ مطلق ذات ما وحقيقة ما أم ذات وحقيقة قائمة بنفسها مستلزمة للحياة والفعل ونحو ذلك أمَّا الأول فممنوع والثاني فمسلَّم وبهذا يتبيّن أنَّ أهل الوسط يثبتون ما أثبته الطائفتان من الحق ويجمعون بين قوليهما فإنَّ هؤلاء أثبتوا من مُسمّى اللفظ مطلق الذات وأولئك أثبتوا الصّفة الخاصة وأهل الوسط أثبتوا الأمرين فإنَّ اللفظ دالّ على الذات وعلى خصوص الصفة قوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] كالتأكيد الدال على مزيد المبالغة فإن الإنسان إذا قال جعلت هذه الدار لنفسي فُهم منه المبالغة يقال له التأكيد يقتضي ثبوت المعنى المؤكّد فما المعنى المؤكّد الذي أكّد بهذا الكلام هذا لم يثبته ولم يبين هل التوكيد بذكر لفظ النّفس أم بالإضافة إلى الله تعالى وقد قال غيره

كابن فورك اصطنعتك لنفسي لذاتي أو لرسالتي والآية تقتضي أنّه اصطنع موسى لنفسه واصطنع افتعل من صنع أي صنعه لنفسه فيكون خالصًا له مخلصًا له الدين كما قال تعالى وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) [مريم 51] ويشبهه قول أم مريم إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا [آل عمران 35] لكن هناك الله هو الذي اصطنعه لنفسه فإنَّ من كان في عمله وسعيه شيء لغير الله يكون كالذي فيه شركاء متشاكسون بخلاف الذي يكون كله لله وقد تضمّن ذلك أنَّه يحبّه كما قال قبل هذه الكلمة وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه 39-40] إلى قوله ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 40-41] وجاء في حديث أبي هريرة الذي فيه تحاج آدم وموسى قال آدم لموسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته واصطنعك لنفسه وأنزل عليك التّوراة قال نعم ومعلوم أنَّ الأنبياء وسائر عباد الله هم درجات

عند الله في عبوديتهم لله وإخلاصهم له ومحلته لهم وقربهم منه فاصطناع الله موسى لنفسه له من الخصوص ما لا يشركه فيه من موسى أفضل منه وإن كان الجميع عباد الله المخلصين له الدين وقد قال القاضي تأويل قوله تعالى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] معناه لذاتي ورسالتي لا يصحّ لأنّه لا فائدة للتخصيص بموسى لأن غيره من الأنبياء اصطنعه لذاته ورسالته فوجب أن يكون لتخصيص النفس هنا فائدة فيقول له منازعوه وكذلك لو كانت النفس صفة لم يكن

موسى مخصوصًا بالاصطناع لها فإن الاصطناع لله أعظم من الاصطناع لصفة من صفاته وأيضًا فالعباد لا يصطنعهم الله لصفة من الصفات وإنَّما يصطنعهم الله له نفسه وأما قول المؤسس تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك فلا ريب أنَّ هذا المعنى داخل في الآية لكن تفسيرها بمجرد هذه العبارة ليس بسديد فإنَّ معلوم الله ومعلوم عيسى ليس واحدًا منهما في النفس وإنَّما الذي في النفس العلم المطابق للمعلوم وأيضًا فسواء كان الذي في النّفس العلم أو المعلوم فـ ـكون المراد تعلم ما أعلم أو علمي ولا أعلم ما تعلم أو علمك لا ينافي أن يكون لله نفسًا كما نطقت به الآية كما أنَّ لعيسى عليه السلام نفسًا فإنَّ الآية صريحة في ذلك وهي دالة على ذلك المعنى ودلالة اللفظ على بعض المعاني لا يمنع دلالته على غيره

وكذلك ما ذكره آخرون كابن فورك أنَّ المعنى تعلم ما في نفسي أي في غيبي ولا أعلم ما في نفسك أي في غيبك يقال لهم إن جُعل لفظ النفس بمعنى الغيب فهذا من تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في آيات الله وأسمائه وأن أُريد أنّك تعلم ما أغيبه في نفسي ولا اعلم ما تُغيبه

في نفسك فهذا صحيح لكنّه تطويل بلا فائدة والآية أوضح من هذا وأيضًا فـ ـقول القائل تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك لفظ مجمل فإنَّ غيب الشخص ما غاب عن غيره وإن كان بعض الناس قد شهده فإنّا نؤمن بالغيب الذي هو غيب عنَّا وإن كان من ذلك ما هو مشهود لغيرنا وأمَّا ما في نفسي فلا يعلمه غيره وأيضًا لفظ الغيب هو في الأصل مصدر ولكن يُراد به الغائب فالغيب الغائب فإذا قيل غيبي وغيبك أي غائبي وغائبك فينبغي أن يقال تعلم غائبي ولا أعلم غائبك أي حاجة إلى أن يقال تعلم ما في غائبي ولا اعلم ما في غائبك كيف يصح أن يقول عيسى لربّه تعلم ما في غيبي أو غائبي وأيُّ شيء يغيّبه عيسى عن الله وهو على كل شيء شهيد ولفظ الغيب إذا خوطب به مخاطب لابد أن يكون غائبًا عنه وأيضًا فغيب الله الذي غيّبه عن عباده الذي لا يعلمه العباد

هو المعلوم نفسه فأيّ شيء هو الذي في الغائب غيره وهذا من قديم تأويل الجهمية ذكره عبد العزيز الكناني في الرد على الزنادقة والجهمية قال في باب ما يسأل عنه الجهمية يقال له تقول إنَّ لله وجهًا وله نفس وله يد فيقول نعم ولكن معنى قولي وجه الله أي هو الله ومعنى قولي نفس الله أريد به غيب الله ومعنى يد الله

نعمة الله وتكلّم على ما ذكروه في الوجه قال وأمّا قوله في نفس الله هي غيبه فكأنّه لم يقرأ القرآن ولم يسمع الله عز وجل يقول وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 30] وقوله كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقوله تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] يليق أن يكون هذا ويحذّركم الله غيبه أو كتب ربّكم على غيبه الرحمة وقوله لموسى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] أي لغيبي وأما قول المؤسس وكذلك القول في بقيَّة الآيات فلم يفصله لكن قال من تأوّل ذلك كابن فورك في قوله تعالى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 30]

وقالوا تأويل عقوبته فيقال لهم تحذير العباد نفسه كأمره لهم بخوفه فإن قال القائل إنّ تحذير الله نفسه يتضمّن تحذير عقوبته فهذا حقٌّ وإن قال لا معنى لذلك إلاّ تحذير عقوبته من غير أن يحذر نفسه فهذا تحريف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك

فلمّا استعاذ بصفاته ذكر الرضا والسخط والمعافاة والعقوبة ثم ذكر النفس فقال وأعوذ بك منك فالاستعاذة من عقوبته هي معنى من ثلاث معان فكيف يقال لا محذور ولا مستعاذ منه إلاّ العقوبة وقد قال تعالى لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) [آل عمران 28] وفي الجملة فتحذير الله نفسه بمنزلة الأمر بالخوف منه والأمر بتقواه ومن المعلوم أنَّ الله تعالى نفسه هو الذي يُخاف وعقوبته مما يخاف منه وهو الذي يُتقى وعقابه يُتّقى بتقواه وهو الذي يحذر عقابه فنفي تعلق التحذير

بها باطل يُذكر إن شاء الله تعالى بطرق في موضعه وأما قول المؤسس وحكايته عن ربّ العزّة قوله فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي فالمراد به إن ذكرني بحيث لا يطّلع عليه غيره ذكرته بإنعامي وإحساني من غير أن يطّلع عليه أحدٌ من عبيدي لأنّ الذّكر في النفس عبارة عن الكلام الخفيّ والذكر الكامن وذلك على الله تعالى محال يقال له لا نُسلّم أنّ هذا على الله تعالى محال ولم تذكر على ذلك حجة وهذا والله أعلم هو معنى ما ذكره الأئمة عن الجهم أنه قال لا يوصف الله بالضمير والضمير عن الله منفيّ فإنَّ الضمير ما يُضمر فيه الشيء أي يخفى أي لا يُوصف بما فيه شيء خفيّ لكن الجهم أوسع إنكارًا من هذا المؤسس وذويه وإنّما أنكر الجهمية هذا لأن الله عندهم لا يتكلم ولا يَذكر ولا يقوم به ذكر وإنما الكلام المضاف إليه عندهم ما يخلقه في الهواء وهذا إنّما يصلح إذا خلقه

لمن سمعه من الملائكة والبشر فإذا كان الذكر في نفسه لم يسمعه وهذا الحديث نصٌ صريح في إبطال مذهبهم وأمَّا الكلابية والأشعرية فإنّهم لا ينكرون أن يقوم بذاته ذكر هو الكلام النفساني لكن لا يجوز عندهم التفريق بين الإعلان والإسرار فإنَّ المعنى القائم بالذات لا ينقسم إلى سر وعلانية ولا يكون منه شيء في نفس الربّ وشيء من الملائكة عندهم أكثر ما يقوله بعضهم أنَّه قد يسمع الملائكة ما يسمعهم إيّاه فيكون التخصيص في خلق الإدراك للملائكة والحديث نصٌ في الفرق بين ذكره في نفسه وبين ذكره في الملأ بفرق يرجع إلى نفسه لا إلى خلق إدراك الملائكة فالحديث نص في إبطال قول هؤلاء أيضًا والحديث مستفيض في الصحيح وله طرق منها في الصحيح حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول

الله صلى الله عليه وسلم يقول الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإٍ ذكرته في ملإٍ خير منهم وإن تقرّب إليّ شبرًا تقرّبت إليه ذراعًا وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبت إليه باعًا وإن أتاني يمشي أتيته هرولةً وذكر العبد ربه في نفسه نوعان أحدهما في نفسه من غير حروف يسمعها هو الثاني ذكر بلفظ خفي يسمعه هو دون غيره قال تعالى وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ [الأعراف 205] وذكر العبد في نفسه يتناول القسمين جميعًا ولهذا قال المؤسس إن الذكر في نفسه عبارة عن الكلام الخفيّ والذكر الكامن في النفس وذلك على الله محال

فصل قال المؤسس الفصل الرابع في لفظ الصمد قال الله تعالى اللَّهُ الصَّمَدُ [سورة الإخلاص آية 2] وذكر بعضهم في تفسير الصمد أنه الجسم الذي لا جوف له ومنه قول من يقول لسدادة القارورة الصِّماد وشيء مصمد أي صلب ليس فيه رخاوة قال ابن قتيبة وعلى هذا التفسير الدال مبدلة من التاء وقال بعضهم الصمد هو الأملس من الحجر الذي

لا يقبل الغبار ولا يدخل فيه شيء ور يخرج منه شيء قال واحتج قوم من جهال المشبهة بهذه الآية في إثبات أنه تعالى جسم وهذا باطل لأنا بينا أن كونه أحدًا ينافي كونه جسمًا فمقدمة هذه الآية دالة على أنه لا يمكن أن يكون المراد من الصمد هذا المعنى ولأن الصمد بهذا التفسير صفة الأجسام الغليظة وتعالى الله عن ذلك قال والجواب عنه من وجهين الأول أن الصمد فعل بمعنى مفعول من صمد إليه أي قصد والمعنى أنه المصمود إليه في الحوائج قال الشاعر ألا بكر الناعي بخيري بني أسد بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد

والذي يدل على صحة هذا الوجه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت هذه الآية قالوا ما الصمد فـ ـفال النبي صلى الله عليه وسلم السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج قال أبو الليث يقال صمدت صمد هذا الأمر أي قصدت قصده الوجه الثاني من الجواب أنا سلمنا أن الصمد في

أصل اللغة المصمت الذي لا يدخل فيه شيء ولا ينفصل عنه شيء إلاّ أنا نقول قد دللنا على أنه لا يمكن ثبوت هذا المعنى في حق الله تعالى فوجب حمل هذا اللفظ على مجازه وذلك لأن الجسم الذي يكون هذا شانه مبرأ عن الانفصال والتباين والتأثر عن الغير وهو سبحانه وتعالى واجب الوجود لذاته وذلك يقتضي أن يكون تعالى غير قابل للزيادة والنقصان فكان المراد من الصمد في حقه تعالى هو هذا المعنى وبالله التوفيق والكلام على هذا من وجوه الأول أنه قد ذكر في القسم الأول من هذا الكتاب وهو الأدلة الدالة على نفي الجسم والحيز لما ادعى أن هذه السورة حجة له على نفي الجسمية والجهة أن هذه السورة يجب أن تكون من المحكمات لا من المتشابهات لأنه تعالى

جعلها جوابًا عن سؤال السائل وأنزلها عند الحاجة يعني لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ماهية ربه ونعته وصفته فانتظر الجواب من الله تعالى فانزل الله تعالى هذه السورة قال وذلك يقتضي كونها من المحكمات لا من المتشابهات وإذا ثبت هذا وجب الجزم بأن كل مذهب يخالف هذه السورة كان باطلاً ثم إنه في القسم الثاني الذي جعله في تأويل المتشابهات من الآي والأخبار ذكرها من المتشابه الذي قد تأوله وذلك يقتضي أنه لا يجوز الاستدلال بها في باب صفات الله تعالى لن الاستدلال لا يجوز بالمتشابه بل يجب عنده إما تأويله وإما

تفويضه وهذا تناقض بين فيقال له لا يخلو إما أن تكون السورة محكمة أو متشابهة فإن كان الأول بطل ما ذكرته من التأويل هنا وبطل دعواك أنها من المتشابه وإن كان الثاني بطل ما ذكرته هناك من الاستدلال بها على مذهبك والتحقيق أن ما ذكره لنفسه في الموضعين باطل وما ذكره عليه حق فإن السورة محكمة لا ريب فيها كما ذكره أولاً وهي دالة على نقيض مذهبه ولا ريب في ذلك كما ذكروه ولكن يعلم أن هؤلاء القوم كما قال الله تعالى لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) [الذاريات 8-9] مختلفون في الكتاب ويحتجون به إذا ظنوا أنه لهم ويردونه إذا كان عليهم قد جعلوا

القرآن عضين يقول بعضهم لبعض اذهبوا إلى القرآن والحديث إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا , يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) [النساء 60-61] وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) [النور 47] وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) [النور 48] وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) [النور 49] يستمسكون بالمتشابه من القول ويدعون المحكم يتركون النصوص المحكمة من الكتاب والسنة التي لا ريب في معناها ويدعون اتباع القرآن والحديث بما يدعونه من الافتراء على معانيه وهذا من أعظم اتباع المتشابه فإن قيل إنما ذكرها في المتشابه لأجل أحد القولين وهو تفسير الصمد بأنه الذي لا جوف له وهو لا يختار إلاَّ التفسير الأخير وهو أنه السيد المصمود إليه في الحوائج فيقال إن كان القولان متعارضين وأحدهما هو الصحيح

فكان الواجب ذكر القول الآخر من باب المعارضة ثم الجواب عنه لا تكون السورة بذلك محكمة ومتشابهة جميعًا حتى تذكر في القسمين الوجه الثاني أن هذا التفسير ثابت عن الصحابة والتابعين وروي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أثبت مما ذكره قال الإمام أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة باب نسبة الرب تبارك اسمه حدثنا أبو كامل الفضيل بن حسين حدثنا أبو سعد الخراساني حدثنا أبو جعفر الرازي عن

الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن أبي كعب أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص 1-4] قال فالصمد الذي لم يلد ولم يولد ولا يولد له لأنه ليس شيء يلد إلاَّ يولد ولا يولد إلاَّ سيموت وليس شيء يموت إلاَّ يورث وإن الله لا يموت ولا يورث ولم يكن له كفوًا أحد قال ليس له شبيه ولا مثل ولا عديل

حدثنا محمد بن مُصفى حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه أن عبد الله بن سلام قال لأحبار يهود إني أريد أن

أحدث بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عهدًا قال فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أنت عبد الله بن سلام قال قلت نعم قال قلت فانعت لنا ربك قال قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص 1-4] قال وقرأ بها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت ابن سلام لم ير النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يره إلاَّ بالمدينة وقال لما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب

قال ابن أبي عاصم حدثنا أبو الربيع حدثنا هشيم حدثنا أبو إسحاق الكوفي عن مجاهد عن ابن عباس قال الصمد الذي لا جوف له

حدثنا ابن حساب حدثنا ابن ثور عن معمر عن عكرمة قال الذي لا جوف له حدثنا نصر بن علي حدثنا أبي عن شعبة عن أبي رجاء عن عكرمة مثله

حدثنا نصر بن علي حدثنا يزيد بن زريع عن أبي رجاء عن عكرمة مثله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا غُندر عن شعبة عن أبي رجاء عن عكرمة قال الذي لا يخرج منه شيء حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ابن عُلية عن أبي رجاء عن عكرمة قال الذي لا يخرج منه شيء

حدثنا أبو بكر حدثنا وكيع عن سفيان وحدثنا أبو موسى حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال الصمد الذي لا جوف له وبالإسناد عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد

قال الصمد الذي لا جوف له وحدثنا أبو بكر حدثنا ابن أخي إدريس عن أبيه عن عطية وعن ليث عن مجاهد قالا الصمد الذي ليس له جوف وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أحمد وحدثنا المقدمي حدثنا ابن أبي الوزير عن محمد بن

مسلم عن إبراهيم بن ميسرة عن سعيد بن جبير قال الصمد الذي لا جوف له وحدثنا نصر بن علي حدثنا أبي حدثنا محمد بن مسلم عن سعيد بن جبير مثله حدثنا ابن أبي عمر حدثنا مروان هو ابن معاوية

عن صالح بن مسعود عن الضحاك بن مزاحم في قوله الصمد الذي لا جوف له حدثنا أبو موسى حدثنا عبد الله بن داود عن مستقيم بن عبد الملك عن سعيد بن المسيب قال الصمد الذي ليس له حشو ة حدثنا أبو موسى حدثنا إسحاق بن منصور عن

عبد السلام عن عطاء عن ميسرة قال الصمد المصمت حدثنا أبو موسى حدثنا يحيى بن سعيد وابن مهدي حدثنا المقدمي حدثنا بشر بن المفضل وابن مهدي عن الربيع بن مسلم عن الحسن قال الصمد الذي ليس له

بأجوف وحدثنا نصر بن علي حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة عن الحسن قال الصمد الباقي بعد فناء خلقه وهو قول قتادة وحدثنا ابن حساب حدثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن قال الصمد الدائم وقال عبد الرزاق في تفسيره أخبرنا معمر عن قتادة

أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم صف لنا ربك فلم يدر ما يرد عليهم فنزلت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) أخبرنا معمر عن الحسن في قوله الصمد قال الدائم قال معمر وقال عكرمة هو الذي لا جوف له قال عبد الرزاق أخبرنا قيس بن ربيع عن مجاهد عن عاصم

عن شقيق بن سلمة وقال ابن أبي عاصم حدثنا أبو بكر أخبرنا يحيى بن سعيد وعيسى بن يونس عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال الصمد الذي لا يأكل الطعام حدثنا أبو موسى حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل عن الشعبي مثله أخبرنا أبو الربيع حدثنا هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال أخبرت أن الصمد الذي لا يأكل الطعام

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل