بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 282-321
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الأول

صفحات 282-321
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

كما تتجزأ وتتبعض الثياب واللحم، وغيرها، كأبدان الحيوان، وكما يتجزأ ويتبعض الحيوان والثمار والخشب والورق ونحو ذلك، وكما يتجزأ ويتبعض الحيوان بخروج المني وغيره من الفضلات منه، ومن ذلك يولد شَبَهُه منه بانفصال جزء منه، كمني الرجل ومني المرأة ودمها، فهذا يمتنع باتفاق المسلمين؛ ولم يقل أحد من الحنابلة، بل ولا أحد من المسلمين، فيما علمناه، أنه يتجزأ ويتبعض بهذا المعنى.
وكذلك لم يقولوا: أنه يمكن تجزئته وتبعيضه، كما يمكن تبعيض الجبال ونسفها، وكما يمكن انشقاق السماء وانفطارها عند المسلمين وغيرهم، ممن يؤمن بالقيامة الكبرى -وإن كان ذلك غير ممكن عند من أنكر ذلك من المشركين والصابئين من الفلاسفة وغيرهم- فالأجسام المخلوقة يَقْدِرُ الله على أن يجزئها ويبعضها فيفرقها ويمزقها، وهي في العادة ثلاثة أقسام: أحدها: الأجسام اللينة الرطبة، التي تقبل التجزئة بسهولة.
والثاني: الأجسام اليابسة الصلبة، التي تقبل التجزؤ بقوة.

والثالث: ما لم تجري العادة بتجزئته، ولكن يعلم قبوله للتجزئ.
ولم يقل أحد من المسلمين أن الخالق سبحانه يمكن أن يتفرق وينفصل بعضه من بعض، بل هو أحد صمد.
والذين قالوا إنه جسم نوعان: أحدهما: -وهو قول علمائهم- إنه جسم لا كالأجسام، كما يقال ذات لا كالذوات، وموصوف لا كالموصوفات، وقائم بنفسه لا كالقائمات، وشيء لا كالأشياء، فهؤلاء يقولون هو في حقيقته ليس مماثلًا لغيره بوجه من الوجوه، لكن هذا إثبات أن له قدرًا يتميز به، كما إذا قلنا موصوف، فهو إثبات حقيقة يتميز بها، وهذا من لوازم كل موجود، ولهذا يقولون: نعني بأنه جسم، أنه قائم بنفسه، ونحو ذلك مع قولهم: إنه ذو الأبعاد الثلاثة، لأنهم يقولون: لا يعقل موجود قائم بنفسه إلا هكذا، ويقولون: إن المشركين وأهل الكتاب لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ربك الذي تعبد هو من ذهب؟ هو من فضة؟ هو من كذا؟ فأنزل الله هذه السورة تنزيهًا أنه ليس من جنس شيء من

الأجسام، ولا من جنس شيء من الذوات، ولا من جنس شيء من الموصوفات، والأجسام هي الذوات، وهي الموصوفات، وهؤلاء يقولون: إن حقيقته مخالفة سائر الحقائق، فيمتنع عليه أن يجوز عليه ما يجوز عليها، من عدم أو فناء أو تفرق، أو تبعيض ونحو ذلك.
أما النوع الثاني: وهم الغالبية الذين يحكى عنهم أنهم قالوا: هو لحم وعظم ونحو ذلك.
فهؤلاء وإن كان قولهم فاسدًا ظاهر الفساد: إذ لو كان لحمًا وعظمًا، كمل يعقل لجاز عليه ما يجوز على اللحوم والعظام، وهذا من تحصيل التمثيل الذي نفاه الله عن نفسه؛ فإنه سبحانه وتعالى إذ قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ﴾ [الإخلاص: 4] وقال: إنه (أحد) وقال إنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] فإنه قد دخل في ذلك ما هو أيضًا معلوم بالعقل، وهو أنه لا يكون من جنس شيء، أو بما يقتضي أنه يجوز [عليه] الإشارة إلى شيء دون شيء من الأشياء، وإن كان هو أكبر مقدارًا من ذلك الشيء، فإن القدر

الصغير من ذهب أو فضة أو نحاس، هو من جنس المقدار الكبير، وهذا بعينه هو الذي نزه الله نفسه عنه في هذه السورة، وهو الذي سأل عنه من سأل من المشركين لما قالوا: هو من ذهب؟ هو من فضة؟ ونحو ذلك.
فمن قال بالتشبيه المتضمن هذا التجسيم فإنه يجعله من جنس غيره من الأجسام، لكنه أكبر مقدارًا، وهذا باطل ظاهر البطلان شرعًا وعقلًا.
وهؤلاء هم «المشبهة» الذين ذمهم السلف، وقالوا: المشبه الذي يقول: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فإن هذا التشبيه هو في الجنس، وإن كان المشبه أكبر مقدارًا من المشبه به، إذ لا يقول أحد إلا أنه أكبر.
ومع ظهور بطلان قول هؤلاء، لم ينقل عنهم أنهم جوزوا عليه التبعيض والتفرق، لكن هذا لازم قولهم: فإنهم متى جعلوه من جنس غيره، جاز عليه ما يجوز على ذلك الغير، إذ هذا حكم المتجانسين المتماسكين.
فهم إن أجازوا عليه من التبعيض والتفرق ما يجوز على مثله، لزمهم القول بجواز تبعيضه وتفرقه، بل بجواز فنائه وعدمه.
وإن لم يجوزوا ذلك كانوا متناقضين، وقائلين ما لا حقيقة له، فإنهم يقولون: هو من جنسه وما هو من جنسه.

وأما إن أراد بلفظ «الأجزاء والأبعاض» ما يريده المتكلمون بلفظ الجسم والتركيب -وهو الذي أراده- فإن الجسم كل جسم عندهم له أبعاض وأجزاء: إما بالفعل على قول من يثبت الجوهر الفرد، وإما بالإمكان على قول من ينفيه - فيقال له: هذا المعنى هو كما يريد الفلاسفة، والمعتزلة، بلفظ الأجزاء الصفات القائمة به، ويقولون: ليس فيه أجزاء حد، ولا أجزاء كم.
وعندهم أن الأنواع مركبة من الجنس -وهو جزؤها العام- والفصل -وهو جزؤها الخاص- فإن أردت هذا المعنى فلا ريب أن الحنابلة هم من مثبتة الصفات، وهم متفقون على أن له علمًا وقدرة وحياة، فهذا النزاع الموجود فيهم هو الموجود في سائر الصفاتية.

وأما وصفه بالحد والنهاية، الذي تقول أنت أنه معنى الجسم، فهم فيه كسائر أهل الإثبات على ثلاثة أقوال: منهم من يثبت ذلك، كما هو المنقول عن السلف والأئمة.
ومنهم من نفى ذلك.
ومنهم من لا يتعرض له بنفي ولا إثبات.
ونفاة ذلك منهم يثبتون له مع ذلك الصفات الخبرية: لكن لا اختصاص للحنابلة بذلك كما تقدم بعضه، وكما سيأتي حكاية مذاهب الأئمة والأمة في ذلك.
ومنهم طائفة لا تثبت الصفات الخبرية.
الوجه الخامس عشر: أن هذا القول الذي حكيته عن الحنابلة -مع أنك لم تؤد الأمانة في نقله، بل نقلته بلفظ لا يطلقونه، بحيث يفهم المستمع معان لم يقصدوها، ويوجب أن يعتقد في مذهب القوم ما لا يعتقدونه- لم تذكر عنهم تناقضًا فيه، كما ذكرته عن الكرامية، ولا ذكرت أنهم خالفوا لا المحسوس ولا المعقول، كما ذكرته عن الكرامية، ولا ذكرت أنهم أثبتوا شيئًا يعلم بالحس أو بالعقل بطلانه، كما ذكرته عن الكرامية، ولا وصفت به قولهم من مخالفة البديهة العقلية.
وهذا الذي

ذكرته هو الواقع، فإن أحدًا من العقلاء لم نعلمه ادعى أن فساد هذا القول معلوم بالضرورة العقلية -كما يقولونه في قولك، والقول الذي ذكرته عن الكرامية- بل غايتهم أن يدعوا أنه معلوم الفساد بدقيق النظر.
ثم كل طائفة يثبتون فساد الطريق التي نفت بها الأخرى ذلك، وهذا يبين أنه ليس عند العقلاء في ذلك دليل يبقى عليه، بل ذكرت أنهم مع هذا الإثبات يقولون: «بأن ذات البارئ لا تماثل الذوات» وهذا حق لا ريب فيه.
فما ذكرته هو تقرير لهذا القول ومدح له، وليس فيه ما يكون إلزامًا لك عليهم، ولا ما يقتضي تناقضًا فيه، فإن إثبات موجود ليس مماثلًا لغيره من الموجودات، لا يخالف حسًا ولا عقلًا، وهذا هو الذي تقدم ذكرنا له أن قوله: «لا بد من الاعتراف بوجود موجود على خلاف الحس والخيال» أنه إذا أراد بذلك أنه لا يماثل المحسوسات، فلا فرق في ذلك بين المحسوسات والمعقولات وغيرها؛ فإنه لا يماثل شيئًا من الأشياء المخلوقة بوجه من الوجوه، سواء سميت حسيات أو متخيلات أو عقليات، أو سميت جسمانيات أو روحانيات.
فإذن ما تثبته من نفي المماثلة، لا يدل على ما قصدته من إثبات شيء على خلاف حكم الحس والخيال، دون حكم العقل، أو نفي التماثل، لا فرق بين جميع المدركات بجميع أنواع الإدراكات.

وقد ذكرنا فيما تقدم، أن نفي المماثلة بين الخالق والمخلوق، مما علم بالشرع والعقل، وذلك لا يقتضي إثبات ما يعلم بالبديهة انتفاؤه، أو إثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه، فهو أيضًا يقتضي انتفاء مماثلة الخالق للمخلوق، كما بيناه فيما تقدم؛ إذ التماثل يقتضي أن يجوز ويجب ويمتنع لكل منهما، ما يجوز ويجب ويمتنع للآخر، فيلزم أن يكون الشيء الواحد خالقًا مخلوقًا، قديمًا محدثًا، موجودًا معدومًا، واجبًا ممكنًا، قادرًا عاجزًا، عالمًا جاهلًا، غنيًّا فقيرًا، حيًّا ميتًا؛ ولهذا كان هذا مذهب السلف قاطبة، يثبتون هذه الصفات الخبرية، وينفون التمثيل، وكانوا ينكرون على المشبهة، الذين يمثلون الله بخلقه، وهم على الجهمية، الذين ينكرونـ[ـه] أعظم نكيرًا، وأشد تضليلًا وتكفيرًا، وكلامهم في ذلك أكثر وأكبر.
وأما لفظ «الجسم» و «الجوهر» و «المتحيز» و «المركب» و «المنقسم» فلا يوجد له ذكر في كلام أحد من السلف، كما لا يوجد له ذكر في الكتاب والسنة لا بنفي ولا إثبات، إلا بالإنكار على الخائضين في ذلك من النفاة، الذين نفوا ما جاءت به

النصوص، والمشبهة الذين ردوا ما نفته النصوص.
كما ذكرنا أن أول من تكلم بالجسم نفيًا وإثباتًا هم طوائف من الشيعة والمعتزلة، وهم من أهل الكلام، الذي كان السلف يطعنون عليهم، وهم في مثل هذا على المعتزلة أعظم إنكارًا، إذ المتشيعة لم يشتهر عن السلف الإنكار عليهم، إلا فيما هو من توابع التشيع، مثل مسائل الإمامة، التي انفردوا بها عن الأمة وتوابعها، بخلاف مسائل الصفات والقدر، فإن طعنهم فيه على المعتزلة، معروف مشهور ظاهر عند الخاص والعام، وقدماء الشيعة كانوا مخالفين للمعتزلة في ذلك، فأما متأخروهم من عهد بني بويه، ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو

ذلك، فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم، والمعتزلة شيوخ هؤلاء، فما يوجد في كلام ابن النعمان المفيد وصاحبيه -أبي جعفر الطوسي، والملقب بالمرتضى- ونحوهم من كلام المعتزلة، وصار حينئذ في

المعتزلة من يميل إلى نوع من التشيع، إما تسوية علي بالخليفتين، وإما تفضيله عليهما، وإما الطعن في عثمان، وإن كانت المعتزلة لم تختلف في إمامة أبي بكر وعمر.
وقدماء المعتزلة، كعمرو بن عبيد وذويه، كانوا منحرفين عن علي، حتى كانوا يقولون: لو شهد هو وواحد من مقاتليه شهادة لم نقبلها: لأنه قد فسق أحدهما لا بعينه.
فهذا الذي عليه متأخرو الشيعة، والمعتزلة خلاف ما عليه أئمة الطائفتين وقدماؤهم.
الوجه السادس عشر: أنك ذكرت عن الحنابلة «أنهم معترفون بأن ذاته تعالى مخالفة لذوات هذه المحسوسات» وهذا حق.
لكن تخصيصك هذه المحسوسات يشعر أن في

الوجود أو في العلم، ما لا تكون ذات الله مخالفة له، وليس كذلك، [بل] هو سبحانه ليس كمثله شيء.
فإن كان لفظ المحسوسات يعم سائر الموجودات، فلا فرق بين قولك: «مخالفة لذوات هذه المحسوسات» وقولك: «مخالفة لذوات هذه الموجودات، والمعلومات» وإن لم يكن عامًّا كانت هذه عبارة رديَّة، وكان الواجب أن يقال: مخالفة لذوات المحسوسات، وإن قيل: إنه ليس من المحسوسات، كما يقول الفلاسفة في العقول والنفوس الناطقة.
وكذلك لو قيل: المخالف للجسمانيات والروحانيات.
على لغة العامة الذين يفرقون بين مسمى الجسم والروح؛ إذ الجسم عندهم أخص مما هو عند المتكلمين؛ ولهذا يفرقون بين الأجسام والأرواح.
وأما اصطلاح المتكلمين فلفظ الجسم عندهم يعم هذا كله.
وكذلك قولك: «لا يساوي هذه الذوات في قبول الاجتماع والافتراق والتغير والفناء والصحة والمرض والحياة والموت» كلام صحيح؛ بل لا يساويها في شيء من الأشياء في صفات كمالها.
وأما صفات النقص، فلا يوصف بها بحال، فهو سبحانه حي قيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، حي لا يموت، لا يجوز عليه ضد العلم والقدرة والغنى وغير ذلك من صفات كماله، بل هو

القدوس السلام، وصفات الكمال، [كـ] العلم والقدرة والرحمة، لا يساوي منها شيء من صفاته، شيئًا من صفات مخلوقاته، وهذا لفظ القاضي أبي يعلى - في كتابه «إبطال التأويلات لأخبار الصفات» مع جمعه فيه للأخبار الواردة في الصفات، وإبطاله التأويلات التي ذكرها ابن فورك وغيره، مثل ما ذكره الرازي في «تأسيس تقديسه».
قال القاضي أبو يعلى: «لا يجوز ردُّ هذه الأخبار، ولا التشاغل بتأويلها، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن الإمام أحمد وسائر الأئمة» وذكر كلام الزهري، ومكحول، ومالك، والثوري،

ووكيع، والأوزاعي، والليث، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وابن عيينة، والفضيل بن عياض، وعبد الرحمن بن مهدي، وأسود بن سالم، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وقال في كلامه: «يدل على إبطال التأويل، أن الصحابة، ومن بعدهم من التابعين، حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، ولو كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة».
الوجه السابع عشر: أن يقال: ما ذكره من «أنه لو كانت ذاته مساوية لسائر الذوات، في هذه الصفات، لزم افتقاره إلى خالق آخر، ولزم التسلسل، أو لزم القول بأن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق، وذلك يلزم منه نفي الصانع» فهذه الحجة وإن كانت في نفسها صحيحة، تدل على نفي هذه النقائص، فليست حجة على نفي التمثيل والتشبيه، فإن هذه النقائص يجب نفيها مطلقًا، وأما صفات الكمال، فيجب نفي التشبيه والتمثيل فيها، فإن قوله: «لو كانت ذاته مساوية لسائر الذوات في هذه الصفات».
فرض في الدليل من غير حاجة إليه، وتخصيص موهم، في هذه الصفات لا يستلزم ذلك، وليس ناف فرض المساواة، في غير هذه

الصفات، ولا يستلزم ذلك، وليس الأمر كذلك، بل المساواة في أي صفة فرضت، تستلزم المحال، والجمع بين النقيضين.
وأما هذه الصفات المذكورة، فلا يحتاج تنزيهه عنها، إلى أن ينفي عنه مساواته لسائر الذوات في ذلك، بل هذه منتفية عنه، مع قطع النظر عن التشبيه والتمثيل؛ فإن انتفاء الموت والمرض، وغير ذلك عنه، لم ينف لمجرد لزومه التشبيه والتمثيل.
ولهذا لو قيل: لو جازت عليه هذه الصفات، للزم افتقاره إلى خالق آخر، لأن هذه مستلزمة للعدم، وجواز العدم، كان دليلًا صحيحًا، من غير أن يقال: لو كانت ذاته مساوية لسائر الذوات في هذه الصفات.
وهذه الحجة مثل أن يقال: لو كانت ذاته مساوية للذات، الجاهلة والعاجزة في العجز والجهل، امتنع خلق العالم منه ونحو ذلك.
فذكر المساواة والمماثلة، في مثل هذا الدليل غلط فاحش، لأن هذه النقائص، إذا ضم إليها المقدمة، التي يقف الدليل عليها، يجب تنزهه عن قليلها وكثيرها، لوجوب اتصافه بأضدادها، لما في ذلك من المماثلة لتلك الذوات، بل تنزيهه عن مساواة تلك الذوات، يوهم أنه

لا ينزه إلا عن المساواة فيها فقط، وليس الأمر كذلك.
الوجه الثامن عشر: أن يقال: قولك «فإنه تعالى لا يساوي هذه الذوات، في قبول الاجتماع، والافتراق، والتغير، والفناء، والصحة، والمرض، والحياة، والموت» يقال لك: هو لا يجوز عليه من هذه النقائص، ولا ما يساوي فيه هذه الذوات، ولا ما يخالفها؛ بل هو منزه عن قليل ذلك وكثيره، وعن كل ما يمكن العقل أن يقدره من هذه الأجناس، وإن لم يكن مساويًا للذوات في ذلك؛ إذ مساواة الذوات لا يكون إلا فيما يوجد فيها، ولفظ مساواة الشيء للشيء، يشعر بمماثلته فيه؛ بحيث يكونان سواء في ذلك، فكل من هذين المعنيين، لا يجوز تخصيص النفي به من غير موجب.
وهو قد يريد بلفظ المساواة في ذلك، مطلق الاشتراك في ذلك؛ لكن العبارة ملبسة؛ وهو باستعمال مثل هذه العبارة في ذلك وقع [في] خطأ كثير في المعاني، كما سنذكره في باقي مسألة تماثل الأجسام أو غيرها.
وأيضًا فهذه الأمور ممتنعة عليه بدون وجود هذه

المحسوسات، ومع قطع النظر عن وجودها؛ وإنما نفي ذلك معلوم، من العلم بكونه قديمًا واجب الوجود، بنفسه، حيًّا قيومًا؛ فإن ما كان قيومًا، واجب الوجود بنفسه، لم تكن ذاته قابلة للعدم: إذ الذات القابلة للعدم، تقبل العدم والوجود، فإن كانت [غير] ممكنة لا تقبل الوجود كانت ممتنعة، والممكن لذاته والممتنع لذاته، لا يكون واجبًا لذاته.
وكذلك أيضًا لو قبل التفرق والمرض، ونحو ذلك من التغيرات والاستحالات، التي هي مقدمات العدم والفناء وأسبابه، لم يكن حيًّا قيومًا صمدًا، واجب الوجود بنفسه؛ لأن هذه الأمور، توجب زوال ما هو داخل في مسمى ذاته، وعدم ذلك مما هو صفة له أو جزء، ولو زال ذلك لم تكن ذاته واجبة الوجود، بل كان من ذاته ما ليس بواجب الوجود، ثم ذلك يقتضي أن لا يكون شيء منها واجب الوجود، إذ لا فرق بين شيء وشيء، ولهذا كان تجويز هذا عليه، يستلزم تجويز العدم عليه، لأن ما جاز عليه

الاستحالات، جاز عليه عدم صورته وفسادها.
كما هو المعروف في الأجسام، التي يجوز عليها التفرق والاستحالة.
فهذا وأمثاله مما يعلم به تقديسه وتنزهه عن هذه الأمور، التي هي عدم ذاته أو عدم ما هو من ذاته؛ ولهذا كان تنزهه عن ذلك بينًا في الفطرة، معروفًا في العقول، للعلم بأنه حق واجب الوجود بنفسه، يستحيل عليه ما يناقض ذلك، فتبين أن ما ذكره من المساواة وإن كان حقًّا، فلم يذكره على الوجه المحقق، ولا ذكر دليله المقرر له، بل ذكر شيئًا يحتاج إليه مع ما فيه من الإيهام.
الوجه التاسع عشر: أنه لو قال: لو جازت عليه هذه الصفات، لزم افتقاره إلى خالق آخر، أو لزم أن الإمكان والحدوث غير محوج إلى الخالق.
لكان قد نبه على دليل نفي هذه الأمور، وإن كان لم يبينه ويقرره؛ إذ تجويز هذه الأمور، إنما يستلزم الافتقار إلى خالق.
وكون الإمكان أو الحدوث، ليس

محوجًا إلى الخالق، إذا تبين أن بهذه الأمور يجب أن يكون محدثًا وممكنًا، وهو لم يبين ذلك، فكيف وهو لم يقل ذلك؛ بل علق هذا الانتفاء بمماثلة للممكنات فيه.
الوجه العشرون: أنه لو بين أن هذه الأمور، تستلزم الحدوث والإمكان، كان هذا وحده كافيًا في تنزيه الرب عنها، للعلم بأنه قديم واجب الوجود؛ وأما كون الممكن المحدث لا بد له من خالق، وأن الحدوث والإمكان محوج إلى الخالق.
فذاك يذكر لبيان ثبوت الخالق القديم واجب الوجود، ولا يذكر لبيان تنزيهه عما يستلزم عدمه؛ فإن الكلام في تنزيهه عن ذلك، إنما هو بعد أن يقرر العلم بوجود الخالق القديم الواجب الوجود، فإذا تقرر ذلك، بين أنه لا يجوز عليه ما ينافي ذلك، لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين؛ لا لأن تجويز ذلك، يقتضي ابتداءً أنه يفتقر إلى خالق؛ إذ الكلام إنما هو في الخالق.
فيقال: لو جاز هذا عليه، امتنع أن يكون هو الخالق القديم، وكان هذا أبين في الدلالة على المقصود، مما ذكره في أصل إثبات واجب الوجود.
الوجه الحادي والعشرون: أن نفي المماثلة واجب في

صفات الكمال، كالعلم والقدرة والحياة، بل والوجود.
فيقال: لو كان مماثلًا لغيره في هذه الصفات، فيوصف غيره بمثل ما يوصف به من الوجود، وصفات كمال الوجود لزم تماثلهما، وإذا تماثلا جاز على أحدهما ما يجوز على الآخر، فيلزم أن يكون القديم محدثًا، والمحدث قديمًا، والواجب ممكنًا والممكن واجبًا، وأمثال ذلك.
فهذا ونحوه يدل على أنه ليس مثله شيء في وجوده ونفيه، وصفات الكمال الثابتة لوجوده ونفسه، وإذا انتفى عنه مماثلة شيء له في الوجود وصفات كمال الوجود، كان هذا إثباتًا، لأنه ليس كمثله شيء، وأنه لم يكن له كفوًا أحد، وأنه لا سمي له.
أما أن يترك هذا كله ولا يذكر إلا تنزيهه عن صفات النقص، ولا ينزه عنها إلا عن مماثلة للمخلوقات فيها، ولا يذكر دليل لزوم حدوثه وإمكانه، أو لزوم اجتماع النقيضين، مما هو بَيِّنٌ معروف يبين استحالة ذلك، بل لا يذكر إلا ما يدل على أنه لا بد من واجب الوجود فهذا كما ترى.
فلو قيل له، لكان هذا كلامًا متوجهًا.
الوجه الثاني والعشرون: لا نسلم أنه لو ساوى غيره في هذه الأمور، لزم افتقاره إلى خالق آخر، ولزم أن يكون الإمكان

والحدوث غير محوج إلى الخالق.
فإنك لم تبين هذه الملازمة، والقول الذي تنفيه لم يحتج إلى هذا الدليل، وإن لم يكن بينًا بنفسه، لم يكن في إثبات واجب الوجود نفيه؛ إذ الكلام في أن واجب الوجود، هل هو متصف به أم لا؟ لا في إثبات واجب الوجود.
ثم قد تبين بهذه الوجوه أن هذا المقام، لما قال فيه ما هو حق، لم يحققه لا تصويرًا ولا تصديقًا، والكلام إذا تبين ما هو باطل، وبين ما فيه حق، ثم تبين ولم يقرر، كان فيه ما فيه.
الوجه الثالث والعشرون: قوله: «فيثبت أنه لا بد لهم من الاعتراف، بأن خصوصية ذاته، التي بها امتازت عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك اعتراف بثبوت أمر على خلاف مايحكم به الوهم، ويقضي به الخيال».
يقال: لا يخلو إما أن تكون ناقلًا عنهم ما تقوله؟ أو ملزمًا لهم أن يقولوا ما لم يقولوه؟ فإن كنت ناقلًا عنهم لم يحسن قولك: أنه لا بد لهم من الاعتراف بذلك؛ فإن هذه إقامة للحجة بأن عليهم الاعتراف؛ لا نقل عنهم للاعتراف، مع أن القوم في نفي هذه الآفات والنقائص، ونفي التمثيل والتشبيه، من أعظم الأمة قولًا بذلك -كما دل عليه الكتاب والسنة، والحجج العقلية- لا يحتجون في نفي التمثيل بهذه الحجة الفاسدة التي لا تدل على نفي التمثيل مطلقًا، وإنما تدل إذا كملت على تنزهه، عن بعض الآفات والنقائص، المستلزمة عدمه أو لجواز عدمه.
فلا نقلت عنهم ما يقولونه من التنزيه.
ولا احتججت على التنزيه، بحجة موجبة مطلقًا؛ بل ولا تدل بنفسها على شيء منه.
وإن كنت ملزمًا لهم بمقتضى هذه الحجة، فالإلزام إنما يكون لمن لا يقر بمضمون الحجة، والقوم من أعظم الناس قولًا بموجب هذه الحجة، ووجوب تنزيه الله سبحانه وتقديسه عن هذه الأمور وغيرها، كما علم ذلك بالشرع والعقل.
ومعلوم أن المطلوب إذا كان اعتراف المنازع به من أظهر الأمور، كان إثبات اعترافه

بإثبات وجوب اعترافه به، وإثبات الوجوب بمثل هذه الحجة فيه ما فيه، مع [أن] نفي دخول اعتراف الناس لا يقتضي وجوب اعترافهم، لكونهم قد ينازعون في ثبوت الوجوب.
الوجه الرابع والعشرون: أن هذه الحجة، إنما توجب أنه لا تجوز عليه هذه الصفات المقتضية للعدم، وهذا ولله الحمد متفق عليه بين المسلمين؛ بل بين المقرين بالصانع، حتى أن عليه المشبهة والمجسمة، الذين يقولون: إنه لحم ودم، وإنه ندم حتى عض يده، وجرى الدم ونحو ذلك؛ لكن يذكر عن بعض اليهود، أنه مرض حتى عادته الملائكة، وهذه الحجة لا تنفي شيئًا من التشبيه والتمثيل، فذكرها ضائع.
فما توجبه هذه الحجة يكتفى به في هذا المقام، وما يثبته القوم، وسائر المؤمنين من التنزيه والتقديس لا يعتمد فيه على مثل هذه الحجة.
فلم يذكر ما يصلح لهذا المقام لا من المذهب ولا من الدليل.
الوجه الخامس والعشرون: أن الذي هو أبلغ من مقتضى هذه الحجة من نفي التمثيل والتشبيه يقولون به، كما يقول به سلف الأمة وسائر الأئمة، وليس فيه حجة لما ادعيته، فكيف في

مضمون هذه الحجة، وذلك أن نفي التمثيل والتشبيه، لا يقتضي تجويز كونه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا إثبات ما يعلم ببديهة العقل امتناعه، كما تقدم بيانه.
الوجه السادس والعشرون: أنك قلت: «هم معترفون بأن ذاته مخالفة لذوات هذه المحسوسات» وهذا نقل صحيح؛ ثم قررت هذا النقل بأن بحثت بالحجة التي ذكرتها، أن خصوص ذاته لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وهذا ليس هو ذلك المنقول، ولا أقمت عليه دليلًا، فكان هذا من الأغاليط، وبه يحصل المقصود من اعترافهم بأنه لا مثل له.
الوجه السابع والعشرون: قولك: «فثبت أنه لا بد لهم من الاعتراف، بأن خصوص ذاته، التي بها امتازت عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك اعتراف بثبوت أمر، على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال» أمر لم تنقله عنهم، ولا دلت الحجة عليه، حتى يقال يجب اعترافهم به، كما أنها إنما دلت على امتناع العدم والآفات، التي هي ملازمة العدم عليه، كالمرض ونحوه، وهذا حق؛ لكن ليس في ذلك ما يقتضي أن خصوص الذات، مما لا يصل إليه الوهم والخيال.
وإن كان هذا حقًّا، إذا فسر بمعنى صحيح؛ فإن العلم بكونه موجودًا واجب الوجود، يمتنع عليه العدم وما يستلزم العدم، لا يتعرض لكونه يعقل بالعقل والخيال، أو الوهم والحس أو غير ذلك، لا بنفي ولا إثبات أصلًا، فضلًا عن أن يكون كنهها معلومًا أو غير معلوم، فأي ملازمة بين الحجة والدعوى؟! بل لو أقمت الحجج الصحيحة الدالة على نفي التمثيل -كما قررنا نحن- لم يكن في ذلك تعرض لنفي معرفة كنهه، ولا نفي لمعرفته بحس أو خيال أو غير ذلك؛ فضلًا عن كونك لم تذكر إلا ما يقتضي وجوب وجوده! الوجه الثامن والعشرون: أن القوم مع سائر أهل السنة، يقولون: إن حقيقة البارئ غير معلومة للبشر؛ ولهذا اتفقوا على ما اتفق عليه السلف، من نفي المعرفة بماهيته وكيفية

صفاته؛ ثم جمهورهم يقول ما يقوله السلف، من نفي المعرفة بالكيفية، ويقولون: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته بمثال.
ومنهم من يقول: كما يقوله طوائف، من النفاة المعتزلة وغيرهم: إنه لا ماهية له فتجري في مقال، ولا كيفية له فتخطر ببال، فلا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته، ولا يبلغ قدره غيره، كما في الدعاء المأثور: «يا من لا يعلم ما هو إلا هو» بل قد قال في الجنة: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بله ما أطلعكم عليه» وتصديق ذلك في كتابه، حيث قال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا

أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17] فهم لا يحيطون علمًا بكنه عامة المخلوقات، فكيف يحيطون علمًا بكنه الخالق تعالى، وقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) ﴾ [الإسراء: 85] وفي الصحيح عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن الخضر الذي قال الله عنه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) ﴾ [الكهف: 65] قال لموسى الذي كلمه الله تكليمًا: «ما نقص علمي وعلمك، من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر» لما ركب في السفينة، وقد وقف عليها عصفور فنقر في البحر نقرة، وفي صحيح مسلم، عن عائشة، عن

النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول في سجوده، وروي أنه كان يقوله في قنوته، أيضًا: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» فإذا كان أعلم الخلق بربه، لا يحصي ثناءً عليه، فكيف بمن هو دونه بدرجات لا يحصيها إلا الله.
وإن كان هذا الذي يقولونه، ويثبتونه بالأدلة الشرعية والعقلية، لم تذكر أنت عليها حجة، ولا نقلت فيها مذهبًا: فقولك: «لا بد من الاعتراف بأن خصوصية ذاته، التي بها امتازت عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها» تقصير وتفريط، فإنه لا يصل إلى كنهها لا علم ولا عقل، ولا معرفة

ولا حس، ولا وهم ولا خيال، ولا نوع من أنواع الإدراكات، فتخصيص الوهم والخيال بذلك، يشعر بأن الوهم والخيال يصل إلى كنهها، وأنهم يفرقون بين هذا وهذا، وأنه يجب التفريق بين وصول الوهم والخيال إلى كنهها، وبين وصول العلم والعقل، وكل هذا غلط.
الوجه التاسع والعشرون: أنه إذا لم يكن فرق في نفس إدراك كنهه، بين الوهم والخيال، وبين الحس، وبين العلم والعقل، لم يحصل شيء من مطلوبك؛ فإن المطلوب أنه لا بد من الاعتراف بثبوت أمر على خلاف حكم الحس والخيال، والذي ذكر لا فرق فيه بين الحس والخيال وبين العقل؛ فإن هذه الأمور لا تكيف ذاته، ولا يلزم من نفي اكتناه ذاته نفي معرفته بها، كما لم يلزم نفي معرفته بالعلم والعقل.
فإن قوله: «لا بد لهم من الاعتراف بأن خصوص ذاته، التي امتازت به عن سائر الذوات، مما لا يصل الوهم والخيال إلى كنهها، وذلك اعتراف بثبوت أمر، على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به «الخيال» -مع أنه لم يذكر حجة عليه- لا فرق فيه بين الوهم والخيال، وبين الحس والعقل والعلم، فإن شيئًا من ذلك لا يصل إلى كنهه.
وإذا

كان مقصوده الفرق بين الوهم والخيال، وبين العقل والعلم بهذا -مع أنه لا فرق بينها من هذا الوجه، ومع أن ذلك لا ينفي معرفته بذلك، وإن لم يوصل ذلك إلى كنهه- ظهر أن ما قاله ليس فيه تحصيل لغرضه، مع ما فيه من التفريق بين الأشياء فيما اتفقت فيه.
فتدبر هذا كله، فإنه كلام حق [به]، يعرف كيف أضل هؤلاء لعباد الله، بمتشابه الكلام، كما قال الإمام أحمد في وصفهم: «يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويلبسون على جهال الناس، بما يتكلمون به من المتشابه».
الوجه الثلاثون: أنه لو عارضه معارض، وقال: قد ثبت أنه لا فرق فيما ذكرته من نفي الوصول إلى كنهه بالعقل والوهم والخيال، ثم ثبت بذلك أنه لا يجب أن لا يكون معلومًا بالعقل، فقد ثبت أيضًا، أنه لا يجب أن لا يكون معلومًا بالوهم والخيال، لكان هذا متوجهًا أكثر من كلامه.
الوجه الحادي والثلاثون: أن يقال: الذين اتفقوا من أهل

السنة وغيرهم، على أن العباد لم يعرفوا كنهه في الدنيا، تنازعوا في إمكان ذلك، وفي حصول ذلك، عند رؤيته في الأخرى، وهذا يبين أن معرفة حقيقته وكنهه بالحس، أولى منها بالعقل، ثم الخيال والوهم يتبع الحس، فهذا قد يستدل به، على إمكان معرفة كنهه وحقيقته، بالحس والخيال والوهم.
الوجه الثاني والثلاثون: قوله: «وذلك اعتراف بثبوت أمر، على خلاف ما يحكم به الوهم ويقضي به الخيال» كما أنه لا يلزم من عدم وصول العلم والعقل إلى كنه الذات، أن يكون على خلاف، ما يقضي به العلم والعقل، ويحكم به الحس كما تقدم، مع أن هذه العبارة هنا ليست ظاهرة المعنى.
الوجه الثالث والثلاثون: أن لفظ «الوهم»، و «الخيال» في هذه المواضع التي ذكرتها تحتمل شيئين؛ فإن هذه الألفاظ كثيرًا ما تستعمل، فيما يتوهمه الإنسان ويتخيله، مما لا يكون له حقيقة في الخارج، مثل ما يتخيل جبل ياقوت، وبحر زئبق، ونحو ذلك، ومثل ما يتوهم شخصًا أنه عدوه ويكون وليه، أو أنه وليه ويكون عدوه، وأمثال هذه الاعتقادات، التي لا تكون مطابقة، ترتسم في نفس الإنسان فيتخيلها ويتوهمها، وتكون باطلة من

جنس الكذب: ولهذا إذا دفع نوع من هذه الأقوال يقال: هذا خيال، وهذا وهم، وقد أوهم فلان كذا، ومنه سميت الخيلاء.
والمختال مختالًا، لأن المختال يتخيل في نفسه من عظمته وقدره ما لا حقيقة له ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) ﴾ [الحديد: 23] وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الاستعاذة «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه، ونفخه، ونفثه» فهمزه الوسوسة، ونفخه

الكبر، ونفثه الشعر، فإن الكبر ينفخه حتى يصير مغطى في الخيال، مع أنه حقيقة كالظرف المنفوخ، من غير أن يكون فيه شيء.
ولكن استعمال لفظ «التخيل» و «التوهم» في هذا من جنس استعمال لفظ الاعتقاد الفاسد، والظن والجهل، فيما لا يكون مطابقًا، وإن كان جنس الاعتقاد قد يكون حقًّا وعلمًا، وكثيرًا ما يستعمل فيما يتخيله ويتوهمه، مما يكون له حقيقة في الخارج، فيكون التخيل والتوهم، ولفظ التخيل والتوهم صادقًا مطابقًا، مثل ما يتخيل الإنسان في نفسه، ما أدركه بصره وغيره من الحواس، ويتوهم في نفسه ما علمه من الصفات، إذ قد يصطلح بعض أهل الطب والفلسفة، على أن التخيل للصور، والتوهم للمعاني التي فيها.
ولفظ التخيل والتوهم، يعم القسمين المطابقين وغير المطابق، كما يعم لفظ الخبر للخبر الصادق والكاذب، ولفظ الكلام للحق والباطل، ولفظ الإرادة

للمحمود والمذموم، ولفظ الظن والحسبان للمصيب والمخطئ، ولفظ الاعتقاد للحق والباطل.
فما يتخيله الإنسان ويتوهمه، قد يكون حقًّا أو باطلًا، مثل ما يعتقده، ويظنه، ومنه سمي السحاب مخيلة، لأنه يخال فيه المطر، وفي حديث عائشة رضي الله عنها «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة أقبل وأدبر، فإذا رأى المطر جلس» ومنه قول الشاعر: أنَّى رأيت مخيلة لمعت... وتلألأت كمواقع القطر فهذا في التخيل.
وأما في «التوهم» بلفظ التهمة؛ وأصله وهمة.
يقال إذا توهم في الإنسان شيء من الريب، ثم قد يكون ما اتهم به حقًّا،

وقد يكون باطلًا، ولها في الشريعة حكم معروف، حيث يحبس فيها المجهول الحال، كما في حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حبس في التهمة» ولهذا صنف الحارث المحاسبي كتابًا سماه «كتاب التوهم» مضمونه أن يتصور الإنسان في نفسه، ما أخبر الله به من أمور الآخرة وغيرها، ليتذكر ذلك ويحققه في نفسه.
واسم الجنس إذا كان يعم نوعين، أحدهما أشرف من الآخر، فقد يخصون

في العرف النوع الأشرف باسمه الخاص، ويبقون الاسم العام مختصًّا بالنوع المفضول، كما في لفظ الحيوان، والدابة وذوي الأرحام والجائز، والممكن، والمباح، وغير ذلك فلهذا كثيرًا ما يخص بلفظ الوهم، والخيال النوع الناقص، وهو الباطل الذي لا حقيقة له، وأما ما كان حقًّا مما يتخيل ويتوهم، فيسمونه باسمه الخاص، من أنه حق وصدق ونحو ذلك، ومن أنه معلوم ومعقول، فإنه إذا كان حقًّا عقله القلب، فصار معقولًا، كما يعقل أمثاله، ويقال: إنه متصور، ومتذكر ونحو ذلك.
وهذا بخلاف لفظ العلم والعقل والإحساس، فإن هذا إنما يقال على نفس الإدراك، الذي هو الإدراك الصحيح.
ولفظ التخيل والتوهم، لا يدل على نفس الإدراك؛ وإنما يدل على نحو الاعتقاد، الذي يكون مطابقًا للإدراك تارة، ويكون فيما تصور في النفس وتألف فيها وتنشأ فيها، كما تنشأ فيها العلوم بالنظر والاستدلال.
وهذا الثاني يكون حقًّا تارة وباطلًا أخرى، كما أن ما يثبته الإنسان في نفسه، من الاعتقادات بالنظر والاستدلال، قد يكون حقًّا، وقد يكون باطلًا.
ومن هذا التخيل والتوهم، ما يراه الإنسان في منامه، فإنه ينشأ في نفسه في النوم، وإن لم يكن رآه بعينه في النظر.
وإذا كان كذلك لم يصلح أن يجمع بين لفظ الحس، وبين لفظ الوهم والخيال، ويجعلهما في قرن واحد، حتى يقول: «لا بد من الاعتراف بوجود شيء، على خلاف حكم الحس والخيال» فإن الإحساس هو موجب العلم الصحيح، وأصله الإبصار، كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) ﴾ [مريم: 98] وقال يعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: 87] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء» وأما الخيال والوهم، فهو من نحو الاعتقاد، الذي يكون حقًّا تارة وباطلًا أخرى، وقد يخص باسم الباطل.
فأين هذا من هذا؟ وإن أراد أنه لا يحس، أي: لا يرى.
فهذا باطل، كما تقدم التنبيه عليه.
الوجه الرابع والثلاثون: أن يقال له: ما تريد بلفظ الوهم

والخيال؟ أتريد به ما قد يخص هذا اللفظ به في العرف، من تخيل الباطل وتوهمه؟ فلا ريب أن كل حق في الوجود، ينزه عن هذا التوهم والتخيل، وكل حق، فإنه على خلاف، ما يقضي به هذا الوهم والخيال، وكل حق، فهو على خلاف، هذا الوهم والخيال، وما أكثر ما يسمع وصف شيء، بألفاظ فيتخيلونه على صورة، فإذا رأوه وجدوه بخلاف ما تخيلوه، وما أكثر ما يتوهم الإنسان في إنسان شيئًا، فإذا رآه وجده بخلاف ما توهمه.
ولا ريب أن الله على خلاف ما يتخيله، ويتوهمه المبطلون من الجهمية وغيرهم، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (182) ﴾ [الصافات: 180-182] وقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) ﴾ [الإسراء: 43] وقال: ﴿وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ (23) ﴾ [فصلت: 22-23] وقال: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11) ﴾ [الأحزاب: 10-11] وقال: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ إلى قوله ﴿بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) ﴾ [الفتح: 6-12] وقال: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي

كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) } [الأنبياء: 87] وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ (14) ﴾ [الانشقاق: 13-14] وقال ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) ﴾ [النجم: 28] ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23) ﴾ [النجم: 23] وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) ﴾ [الزخرف: 80].
ولا ريب أن الاعتقادات الفاسدة، مثل اعتقاد الكفار في ربهم، وما يتبعها من الإرادات هي خيالات وأوهام باطلة، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ (40) ﴾ [النور: 39-40] هذا بعد قوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ إلى قوله: ﴿نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) ﴾ [النور: 35] وقال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ [الأنعام: 122]. ولا ريب أن كثيرًا من الناس، يتخيل ويتوهم في نفسه صورًا باطلة، ويعتقد أن ربه كذلك، كما يعتقد في ربه اعتقادات

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل