بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 82-121
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الثاني

صفحات 82-121
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

الاجتهاد وهو معرفة الأصول ومعرفة الاستنباط من تلك الأصول بالقياس فبالحري أن يشترط ذلك في الحاكم على الموجودات أعني أن يعرف الأوائل العقلية ووجه استنباطه منها وبالجملة فالخطأ في الشرع على ضربين إما خطأ يعذر فيه من هو من أهل النظر في ذلك الشيء الذي وقع فيه الخطأ كما يعذر الطبيب الماهر إذا أخطأ في الطب والحاكم الماهر إذا أخطأ في الحكم ولايعذر فيه من ليس من أهل ذلك الشأن وإما خطأ ليس يعذر فيه أحد من الناس بل إن وقع في مبادئ الشريعة فهو كفر وإن وقع في فيما بعد المبادئ فهو بدعة وهذا الخطأ يكون في الأشياء التي تفضي جميع أصناف طرق الدلائل إلى معرفتها فتكون معرفة ذلك الشيء بهذه الجهة ممكنة للجميع وهذا مثل الإقرار بالله تبارك وتعالى وبالنبوات والسعادة الأخروية والشقاء الأخروي وذلك أن هذه الأصول الثلاثة تؤدي إليها أصناف الأدلة الثلاثة التي لا يعرى أحد من

الناس عن وقوع التصديق له من قبلها بالذي كلف معرفته أعني الدلائل الخطابية والجدلية والبرهانية فالجاحد لأمثال هذه الأشياء إذا كانت أصلا من أصول الشرع كافر معاند بلسانه دون قلبه أو بغفلته عن التعرض إلى معرفة دليلها لأنه إن كان من أهل البرهان فقد جُعل له سبيل إلى التصديق بها بالبرهان وإن كان من أهل الجل فبالجدل وإن كان من أهل الموعظة فبالموعظة ولهذا قال عليه السلام أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله ويؤمنوا بي يريد بأي طريق

اتفق لهم من طرق الإيمان الثلاث قلت وهذا الكلام فيه أشياء جيدة وفيه مقاصد غير صحيحة لكن هذا ليس موضع الكلام عليه ثم قال وأما الأشياء التي لخفائها لاتعلم عندهم إلا بالبرهان فقد تلطف الله فيها لعباده والذين لاسبيل لهم إلى البرهان إما من قبل فطرهم وإما من قبل عادتهم وإما من قبل عدمهم أسباب التعلم فإنه ضرب لهم أمثالها وأشباهها ودعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال إذ كانت تلك الأمثال يمكن أن يقع التصديق بها بالأدلة المشتركة للجميع أعني الجدلية والخطابية وهذا هو السبب في أن يقسم الشرع إلى ظاهر وباطن فإن الظاهر هو تلك الأمثال المضروبة

لتلك المعاني والباطن هو تلك المعاني التي لاتتجلى إلا لأهل البرهان وهذه هي أصناف تلك الموجودات الأربعة أو الخمسة التي ذكرها أبو حامد في كتاب التفرقة قلت هذا الكلام في أصول النفاق نفاق الدهرية ويظهر بطلانه من وجوه أحدها قوله وأما الأشياء التي لخفائها لا تعلم إلا بالبرهان إلى آخره يقال له قولك لا تعلم إلا بالبرهان أي لا يمكن تصورها إلا بالبرهان أولا يمكن التصديق بها عقلاً

إلا بالبرهان فأما الأول فباطل فإن التصور سابق على التصديق فلو كان لايمكن تصورها إلا بعد قيام البرهان على ثبوتها والبرهان لا يمكن أن يقوم على التصديق إلا بعد التصور لزم الدور وهو قد ذكر في غير هذا الموضع أن تصور الشيء يكون إما بنفسه وإما بمثاله وليس هذا من البرهان وإذا كان تصورها ممكنًا بدون البرهان فالرسول خبرهُ يوجب التصديق وليس هو ملزمًا لأن يقوم برهان خاص على كل مايخبر به فإذا كان تصورها ممكنًا بلا برهان وخبرهُ وحده كاف في التصديق لم يحتج إلى ماسماه برهانًا الثاني أن يقال له إذا قدر أن التصديق بها لايمكن إلا

بالبرهان فإما أن يكون الرسول أخبر بها الخاصة مثرونًا بالبرهان أو بلا برهان أو لم يخبر بها ومعلوم أن هذه البراهين التي تثبت بها الفلاسفة تجرد النفس ونعيمها وعذابها والعقول والنفوس لم تأت بها الرسل فإما أن يكونوا تركوا الإخبار بها أو أخبروا بها بدون ما ادعاه من البرهان وعلى التقديرين يظهر أن الرسول لم يسلك ما ادعاه فإنه يزعم أن الرسول علمها للخاصة دون العامة الثالث أن يقال ليس فيما يذكره الفلاسفة مايبعد فهمه على عامة الناس بأكثر من فهم مادل عليه ظاهر الشرع وإن كانوا مقصرين في فهم الأدلة ألا ترى أن المتكلمين يصرحون بما يقولونه للعامة وإن كانت أدلته كثيرة إما أن تكون أغمض من أدلة الفلاسفة وإنما هي مسائل معدودة مسألة واجب الوجود وفعله والنفس وسعادتها وشقاوتها والعقول والنفوس ومايتبع ذلك فأي شيء في هذا مما لايمكن التصريح به للعامة لو كان حقًّا فعلم أن ترك التصريح به إنما هو لما اشتمل عليه من الباطل المخالف للفطرة والشرعة والحق الذي صرحت به الشريعة

الرابع أن يقال إن الله قد أجمل في كتابه وعلى لسان رسوله ما لايمكن النفوس معرفة تفصيله مثل قوله تعالى فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة 17] ومثله قوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر الخامس أن يقال النقص الذي ذكرته هو إما من قبل نقص الفطرة وإما من قبل سوء العادة وإما من قبل عدم أسباب التعلم فيقال لك أما النقص فنقص بني آدم ليس له حد فمن الناس من ينقص عن فهم مايفهمه جمهور الناس ومن المعلوم أن نهاية ما عند الفلاسفة يفهمه أوسط المتفقهة في مدة قريبة والشريعة قد جاءت بما هو أبعد عن الفطر الناقصة من هذا وأما العادة والتعليم فالرسول هو المعلم الأعظم الذي علمهم الكتاب والحكمة وقد نقلهم عن كل عادة سيئة إلى أحسن العادات

والسنن والشرائع فإن كان التصريح بهذه الأمور مشروطًا بالعلم التام والعادة الصالحة فلا أكمل من هذا المعلم ولا من السنن التي عودها فهلا علمها وبينها إذا كان الأمر كذلك السادس أن يقال هب أن العامة لا يمكنهم فهمها فهلاّ بينها للخاصة ومن المعلوم بالاضطرار أن الشريعة ليس فيها دلالة على مايقوله الدهرية والجهمية من الأمور السلبية في الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب السابع أن يقال فإذا صرح فيها بنقيض ماهو الحق وإن قلت إنه مثال والحق المطلوب لم يبينه لاللعامة ولا للخاصة ألا يكون هذا تلبيسًا وإضلالاً الثامن أن يقال قولكم الأشياء التي لخفائها لا تعلم إلا بالبرهان وإن الباطن هو تلك المعاني التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان كلام من أبطل القول وذلك أن هذه الأمور قد فسرتها

بما تتأول من صفات الله وصفات المعاد حتى ذكرت آية الاستواء والنزول ونعيم الجنة والنار وغيرهما من ذلك فيقال لهم التأويلات التي يدعون أنها باطن هذه الألفاظ معان ظاهرة معلومة للخاص والعام مثل تأويلات الاستواء بالقدرة أو بالرتبة فكل أحد من الناس يتصور أن الله قادر على المخلوقات قاهر لها أعظم مما يتصور استواءه عليها فلأي ضرورة يعبر عن المعنى الظاهر الواضح بلفظ يكون تصور ظاهره أخفى من تصور ذلك المعنى وهذا بين قاطع لمن تدبره وإن كانت الوجوه كلها كذلك ثم قال الحفيد وإذا اتفق كما قلنا أن يعلم الشيء بنفسه بالطرق الثلاث لم يحتج أن يضرب له أمثالاً وكان على ظاهره لايتطرق إليه تأويل وهذا النحو من الظاهر إن كان في الأصول فالمتأول له كافر مثل من يعتقد ألا سعادة أخروية هاهنا ولاشقاء وأنه إنما قصد بهذا القول أن يسلم الناس

بعضهم من بعض في أبدانهم وحواسهم وأنها حيلة وأنه لاغاية للإنسان إلا وجوده المحسوس فقط وإذا تقرر لك هذا فقد ظهر لك في قولنا إن هاهنا ظاهرًا من الشرع لايجوز تأويله فإن كان تأويله في المبادئ فهو كفر وإن كان فيما بعد المبادئ فهو بدعة وهنا أيضًا ظاهر يجب على أهل البرهان تأويله وحملهم إياه على ظاهره كفر وتأويل غير أهل البرهان له وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم أو بدعة ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول ولذلك قال عليه السلام في السوداء إذ أخبرته أن الله تعالى في السماء أعتقها فإنها مؤمنة

إذ كانت ليس من أهل البرهان والسبب في ذلك أن هذا الصنف من الناس الذين لايقع لهم التصديق إلا من قبل التخييل أعني أنهم لايصدقون بالشيء إلا من جهة ما يتخيلونه يعسر وقوع التصديق لهم بموجود ليس منسوبًا إلى شيء متخيل ويدخل أيضًا على من لايفهم من هذه النسبة إلا المكان وهم الذين شذوا عن رتبة الصنف الأول قليلا في النظر باعتقاد الجسمية ولذلك كان الجواب لهؤلاء في أمثال هذه أنها من

المتشابهات وأن الوقف في قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ [آل عمران 7] وأهل البرهان مع أنهم مجمعون في هذا الصنف أنه من المتأول فقد يختلفون في تأويله قلت الذين سماهم أهل البرهان هنا هم من عيّناه من الجهمية والدهرية وقد تناقض في هذا الكلام فإنه قد تقدم ماذكره في كتاب مناهج الأدلة في الرد على الأصولية ولفظه وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك وماذكره من أن ذلك من الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة أن العلو مساكن للروحانيين يريدون الله والملائكة وقوله قد

ظهر لكمن هذا أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل وقد تقدم حكاية قوله فإذا كان هذا هكذا فكيف يكون أهل البرهان متفقين على تأويل ذلك وأن يكون قول الجارية إنه في السماء مما يجب على أهل البرهان تأويله ثم يقال له هل كان الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين من أهل البرهان الحق أم لا فإن قلت لم يكونوا من أهله ولكن المتأخرين وفي الصابئين قبلنا من كان من أهله فهذا خلاف المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن السابقين الأولين كانوا أعظم علمًا وإيمانًا من هؤلاء وإن قلت كانوا من أهل البرهان فمن المعلوم بالاضطرار أنهم لو يؤولوه كما تأوله هؤلاء المتأخرون بل هم متفقون على أن الله تعالى فوق العرش كما ذكرت أنت إجماع الأنبياء والحكماء على ذلك وكلامهم في تحريم تأويل ذلك أعظم من أن يذكر هنا فكيف يكون واجبًا وأيضًا فالمتأولون لهذا ليس فيهم من تحمده أنت فإن تأويل ذلك إما أن يكون عن معتزلي أو أشعري أخذ عنه أو من

يجري مجراهم وهؤلاء عندك أهل جدل لاأهل برهان وأنت دائمًا تصفهم بمخالفة الشرع والعقل وإن قلت نحن أهل برهان وهم المتفلسفة المنتسبون إلى الإسلام فهذا أكذب الدعاوى وذلك أنه لاريب عند من عرف المقالات وأسبابها أن الذي صار به المتكلمون مذمومين هو ماشاركوا به هؤلاء المتفلسفة من القياس الفاسد والتأويل الحائد وأن أحسن حال المتفلسف أن يكون مثل هؤلاء فإذا كان هؤلاء قد اتفقت الأئمة والأمة وعقلاؤهم متفقون أيضًا على أنهم فيما قالوا من خلاف مذهب السلف ليسوا أهل برهان بل أهل هذيان فكيف بأصحابك الذين اعترف أساطينهم بأنه ليس لهم في العلم الإلهي يقين والمتكلمون لايقرون على أنفسهم بمثل هذا بل يقولون إن مطالبهم تأولوها بالأدلة

العقلية وبسط هذا الكلام له موضع آخر ليس هذا موضعه وليس يلزم من كونهم أهل برهان في علم الحساب والطب والهندسة أن يكونوا أهل برهان في معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كما أنه لا يلزم من كون الرجل ذا برهان في الهندسة والحساب أن يكون ذا برهان في الطب مع أن كليهما صناعة حسية وكثيرًا مايحذق الرجل فيهما ومن المعلوم أن العلم بهذه الأمور أبعد عن الطب والحساب من بعد أحدهما عن الآخر ثم يقال له هب أن تلك الجارية ليست من أهل البرهان فما الموجب لأن يخاطبها الرسول بخطاب الظاهر من غير حاجة إليه فقد كان يمكنه تعرف إيمانها بأن يقول من ربك ومن إلهك ومن تعبدين فتقول الله تعالى فلم يعدل عن لفظ ظاهره وباطنه حق إلى لفظ ظاهره باطل ثم يكلفها مع ذلك تصديق الباطل ويحرم عليها وعلى غيرها اعتقاد نقيض الباطل فهل هذا فعل عاقل فضلا عن أن يكون هذا فعل بالكذب ثم الله ورسوله يخاطب الخلق بخطاب واحد يخبر به

عن نفسه وقد فرض على طوائف أن يعتقدوا ظاهره وإن لم يعتقدوه كفروا وعلى آخرين أن يعتقدوا نقيض ما اعتقده هؤلاء وإن اعتقدوه كفروا ثم مع هذا كله لايبين من هؤلاء ولا من هؤلاء ولايبين ما هو مراده به الذي خالف ظاهره بل يدع الناس في الاختلاف والاضطراب وهذا الفيلسوف ادعى أن الاختلاف إنما نشأ من جهة كون العلماء فتحوا التأويلات للعامة فأضلوا العامة بذلك حيث فرقوهم ثم هو قد جعل الرسول نفسه أضلّ الخاصة وأوقع بينهم التفرق والاختلاف حيث عنى بهذا الخطاب باطنًا فرضه عليهم ولم يبينه لهم فإن هذا في الإضلال والتفريق بين الناس أعظم وأعظم وإضلال الخاصة والتفريق بينهم أعظم من إضلال العامة والتفريق بينهم فالذنب الذي شنعه على أهل الكلام نسب الأنبياء إلى أعظم منه وقد قال تعالى للرسل أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى 13] وقال إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴿92﴾ [الأنبياء 92] وقال إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ [الأنعام 159] وقال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ

وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴿102﴾ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إلى قوله تعالى وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿105﴾ [آل عمران 102 - 105] وقال وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ ﴿4﴾ [البينة 4] وعلى مازعمه هؤلاء يكونون قد تفرقوا واختلفوا من قبل أن يأتيهم العلم أو تأتيهم البينة لأنهم زعموا أن في الكتاب ظاهرًا يجب على أهل البرهان تأويله وأن الذي يعلمونه هو التأويل الذي قال الله تعالى فيه وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران 7] ثم يقول وأهل البرهان مع أنهم مجمعون في هذا الصنف أنه من المؤول فقد يختلفون في تأويله وذلك بحسب مرتبة كل واحد في معرفة البرهان فإذا لم يبين لهم الرسول مراده فما جاءهم العلم ولا البينة فيكونون معذورين في التفرق والاختلاف كما زعم هؤلاء المنافقون ثم يقال له البرهان يفضي إلى إحالة الظاهر مثلاً أم إلى تعيين المراد أما الأول فهم متفقون عليه وأما تعيين المراد فليس مستفادًا من مجرد القياس الذي تسميه البرهان إنما يعرف

من حيث يعرف مراد المتكلم فكيف يكون اختلافهم في التأويل بحسب مرتبة كل واحد في معرفة البرهان والبرهان إنما ينفي الظاهر فقط لايبين ما هو المراد والرد على هؤلاء يطول فليس هذا موضع استقصائه وإنما الغرض التنبيه على أن هؤلاء الدهرية سلطوا على الجهمية بمثل هذا حتى آل الأمر إلى الكفر بحقيقة الإيمان بالله وباليوم الآخر وجعلوا ذلك هو البرهان والتحقيق الذي يكون للخاصة الراسخين في العلم حتى حرفوا الكلم عن مواضعه وألحدوا في أسماء الله تعالى وآياته وجعلوا أئمة الكفر والنفاق هم أئمة الهدى ورؤوس العلماء وورثة الأنبياء مع أنهم في القياس الذي سموه البرهان إنما أتوا فيه بمقاييس سفسطائية من شر المقاييس

السفسطائية فآل أمرهم إلى السفسطة في العقليات والقرمطة في الشرعيات وهذه حال القرامطة الباطنية الذين عظمهم وسلك سبيلهم هذا الفيلسوف ولهذا كان ابن

سينا وأمثاله منهم وكان أبوه من دعاة القرامطة المصريين قال ولذلك اشتغلت بالفلسفة ثم قال وها هنا صنف ثالث من الشرع متردد بين هذين الصنفين يقع فيه شك فيلحقه قوم ممن يتعاطى النظر بالظاهر الذي لايجوز تأويله ويلحقه آخرون بالباطن الذي لايجوز حمله على الظاهر للعلماء لعِواصة هذا الصنف واشتباهه

والمخطئ في هذا معذور أعني من العلماء فإن قيل فإذا تبين أن الشرع في هذا على ثلاث مراتب فمن أي هذه الثلاث مراتب هو عندكم ماجاء في صفات المعاد وأحواله فنقول إن هذه المسألة المر فيها أنها من الصنف المختلف فيه وذلك أنا نرى أقوامًا ممن ينسبون أنفسهم إلى البرهان يقولون إن الواجب حملها على ظاهرها إذا كان ليس فيها برهان يؤدي إلى استحالة الظاهر فيها وهذه طريقة الأشعرية وقوم آخرون أيضًا ممن يتعاطى البرهان يتأولونها وهؤلاء يختلفون في تأويلها اختلافًا كثيرًا وفي هذا الصنف

أبو حامد معدود وكثير من المتصوفة ومنهم من يجمع فيها تأويلين كما يفعل ذلك أبو حامد في بعض كتبه ويشبه أن يكون المخطئ في هذه المسألة من العلماء معذورًا والمصيب مشكور أو مأجور وذلك إذا اعترف بالوجود

وتأول فيها نحوًا من أنحاء التأويل أعني في صفة المعاد لا في وجوده إذا كان التأويل لايؤدي إلى نفي الوجود وإنما كان جحد الوجود في هذه كفرًا لأنه في أصل من أصول الشريعة وهو مما يقع التصديق به بالطرق الثلاث المشتركة للأحمر والأسود وأما من كان من غير أهل العلم فالواجب عليه حملها على الظاهر وتأويلها في حقه كفر لأنه يؤدي إلى الكفر لذلك نرى أن من كان من الناس فرضه الإيمان بالظاهر فالتأويل في حقه كفر لأنه يؤدي للكفر والداعي إلى الكفر كافر ولهذا يجب أن لاتثبت هذه التأويلات إلا في كتب البراهين لأنها إذا كانت في كتب البراهين لم يصل إليها إلا من هو من أهل البرهان فأما إذا ثبت في غير كتب البرهان واستعمل فيها الطرق الشعرية

والخطبية والجدلية كما يصنعه أبو حامد فخطأ على الشرع وعلى الحكمة وإن كان الرجل إنما قصد خيرًا وذلك أنه رام أن يكثر أهل العلم بذلك ولكن كثر بذلك أهل الفساد بدون كثرة أهل العلم وتطرق بذلك قوم إلى ثلب الحكمة وقوم إلى ثلب الشريعة وقوم إلى الجمع بينهما ويشبه أن يكون هذا هو أحد مقاصده بكتبه والدليل على أنه رام بذلك تنبيه الفطر أنه لم يلزم مذهبًا من المذاهب في كتبه هو مع الأشعرية أشعري ومع الصوفية صوفي ومع الفلاسفة فيلسوف كما قيل

يوما يمان إذا لاقيت ذايمن وإن لقيت معديًا فعدناني والذي يجب على أئمة المسلمين أن ينهوا عن كتبه التي تتضمن العلم إلا لمن كان من أهل العلم كما يجب عليهم أن ينهوا عن كتب البرهان من كان ليس أهلاً لها قلت أما عده أبا حامد ممن لايقر بمعاد الأبدان فهو وإن كان قد قال في بعض كتبه مانسب لأجله إلى ذلك فالذي لا ريب

فيه أنه لم يستمر على ذلك بل رجع عنه قطعًا وجزم بما عليه المسلمون من القيامة العامة كما أخبر به الكتاب وأما ذكره أن هذا قول كثير من المتصوفة فلا ريب أن في المتصوفة والمتفقهة وغيرهما من هو صديق ومن هو زنديق

فإن انتحال الحلية أو القول ظاهرًا ليس بأعظم من انتحال الإسلام وإن كان في نفس ادعاء الإسلام على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي سائر الأعصار منافقون كثيرون فهؤلاء موجودون في جميع الأصناف من المنتسبين إلى العلم وإلى العبادة وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب ومثل المؤمن الذي لايقرأ القرآن مثل التمرة طعمها طيب ولاريح لها ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لايقرأ القرآن مثل الحنظلة طعمها مر ولاريح

لها فأما شيوخ الصوفية المشهورون عند الأمة الذين لهم في الأمة لسان صدق مثل أبي القاسم الجنيد وسهل بن عبد الله

التستري وعمرو بن عثمان المنكي وأبي العباس بن عطاء بل مثل أبي طالب المكي وأبي عبد الرحمن

السلمي وأمثال هؤلاء فحاش لله أن يكونوا من أهل هذا المذهب بل هم من أبعد الطوائف عن مذهب الجهمية في سلب الصفات فكيف يكونون في مذهب الدهرية المنكرين لانفطار السموات وانشقاقها نعم يوجد في المتحلين بحلية الصوفية من يعتقد أنواعًا من الاعتقادات كما يوجد مثل ذلك في المتكلمين بكلام الفقهاء من أهل الفلسفة والكلام وغيرهم وهذا

الرجل قد ذكر أصنا فالأمة في الأمور الإلهية الذين سماهم حشوية والأشعرية والمعتزلة والباطنية وذكر الصنف الرابع الباطنية ولم يتعقبهم بكلام إلا ماذكره من مذهب الصوفية أنهم يلتمسون العلم بطريقة إماتة الشهوات فإن كان قد جعل هؤلاء هم الباطنية فهذا خطأ عظيم وإن كان يوجد فيهم من يقول بقول الباطنية كما يوجد مثل ذلك في المتكلمين

والفقهاء لعل شبهتهم في ذلك مع ماحكاه عنهم في أمر المعاد أنهم يقولون علم الباطن وينتسبون إلى علم الباطن ولكن هذا اللفظ فيه إجمال وإبهام فالصوفية العارفون الذين لهم في الأمة لسان صدق إذا قالوا علم الباطن أو علوم الباطن ونحو ذلك فهم لايريدون بذلك مايناقض الظاهر بل هم متفقون على أن من ادعى باطنًا من الحقيقة يناقض ظاهر الشريعة فهو زنديق وإنما يقصدون بذلك عمل باطن الإنسان الذي هو قلبه بالأعمال الباطنة كالمعرفة والمحبة والصبر والشكر والتوكل والرضا ونحو ذلك ماهو

كله تحقيق كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وممايبين تناقض الفريقين لاشتراكهما في النفي والتعطيل أن كل حجة يحتج بها أحدهما على الآخر تنقض مذهبه أيضًا كما تنقض مذهب خصمه ولهذا عمدة كلامهم بيان كل طائفة تناقض الأخرى وإن كانت هي أيضًا متناقضة كما نبهنا عليه غير مرة ويوضح ذلك ماذكره هذا القاضي أبو الوليد ابن رشد الحفيد في كتابه الذي سماه مناهج الأدلة في الرد على

الأصولية هذا بعد أن قال في خطبته أما بعد فإنا كنا قد بينّا قبل هذا في قول أفردناه مطابقة الحكمة للشرع وأمر الشريعة بها وقلنا هناك إن الشريعة ظاهر ومؤول وأن الظاهر منها هو فرض الجمهور وأن المؤول هو فرض العلماء وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله قلت فقد جعل فرض الجمهور اعتقاد الباطل الذي هو خلاف الحق إذا كان الحق خلاف ظاهره وقد فرض عليهم حمله على ظاهره قال وأما الجمهور ففرضهم فيه حمله على ظاهره وترك تأويله وأنه لايحل للعلماء أن يفحصوا بتأويله للجمهور كما قال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما

يفهمون أتريدون أن يكذب الله ورسوله قلت حرف لفظ حديث علي ومعناه فإن عليًّا قال كما ذكره البخاري في صحيحه من رواية معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن

علي قال حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وهذا يدل على نقيض مطلوبه لأنه قال أتحبون أن يكذب الله ورسوله فعلم أن من الأحاديث التي قالها الله ورسوله أحاديث لايطيق كل أحد حملها فإذا سمعها من لايطيق ذلك كذب الله ورسوله وهذا إنما يكون في

ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم وتكلم به لا في خلاف ما قاله ولا في تأويل ما قال بخلاف ظاهره فإن ذكر ذلك لايوجب أن المستمع يكذب الله ورسوله نعم نفس ذلك التأويل المخالف لقوله يكون تكذيبًا لله ورسوله إما في الظاهر وإما في الباطن والظاهر فلو أريد ذلك لكان يقول أتريدون أن تكذبوا الله ورسوله أو أن تظهروا تكذيب الله ورسوله فإن المكذب من قال مايخالف قول الله ورسوله إما ظاهرًا وإما ظاهرًا وباطنًا وعلي إنما خاف تكذيب المستمع لله ورسوله وهذا لا يكون لمجرد تأويل المتأولين فإن المؤمن لايكذب الله ورسوله لقول مخالف لتأويل يخالف ذلك بل يرد ذلك عليه فإن قال هذه التأويلات الباطنية قد ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للخاصة قيل هذا من الإفك المفترى الذي اتفق أهل العلم بالإسلام على أنه كذب وقد ثبت عن علي رضي الله عنه

في الصحيح من غير وجه لما سأله من ظن أن عنده من الرسول علمًا اختص به فبين لهم علي رضي الله عنه أنه لم يخصه بشيء قال الحفيد فقد رأيت أن أفحص في هذا الكتاب عن الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها وأتحرى في ذلك كله مقصد الشارع صلى الله عليه وسلم بحسب الجهد والاستطاعة فإن الناس قد اضطربوا في هذا المعنى كل الاضطراب في هذه الشريعة حتى حدثت فرق ضالة وأصناف مختلفة كل واحد منهم يرى أنه على الشريعة الأولى وأن من

خالفه إما مبتدع وإما كافر مباح الدم والمال وهذا كله عدول عن مقصد الشارع وسببه ماعرض لهم من الضلال عن فهم مقصد الشريعة وأشهر هذه الطوائف في زماننا هذا أربعة الطائفة التي تسمى بالأشعرية وهم الذين يرى أكثر الناس اليوم أنهم أهل السنة والتي تسمى بالمعتزلة والطائفة التي تسمى بالباطنية والطائفة التي تسمى بالحشوية وكل هذه الطوائف قد اعتقدت في الله اعتقادات مختلفة وصرفت كثيرًا من ألفاظ الشرع عن ظاهرها إلى تأويلات نزلوها على تلك الاعتقادات وزعموا أنها الشريعة الأولى التي قصد بالحمل عليها جميع الناس وأن من زاغ عنها فهو إما كافر وإما مبتدع وإذا تؤملت جميعها وتؤمل مقصد الشارع ظهر أن جلها أقاويل محدثة

وتأويلات مبتدعة وأنا أذكر أن ذلك مايجري مجرى العقائد الواجبة في الشرع التي لايتم الإيمان إلا بها وأتحرى في ذلك كله مقصد الشارع صلى الله عليه وسلم دون ماجعل أصلا في الشرع وعقيدة من عقائده من قبل التأويل الذي ليس بصحيح وأبدأ من ذلك بتعريف ماقصد الشارع أن يعتقده الجمهور في الله تبارك وتعالى والطرق التي سلك بهم في ذلك وذلك في الكتاب العزيز ونبتدئ من ذلك بمعرفة الطريق التي تفضي إلى وجود الصانع إذ كانت أول معرفة يجب أن يعلمها المكلف وقبل ذلك فينبغي أن نذكر آراء تلك الفرقة المشهورة في ذلك فنقول أما الفرقة التي تدعى بالحشوية فإنهم قالوا إن طريق وعرفة وجود الله تعالى هو السمع لا العقل أعني أن الإيمان بوجوده الذي كلف الناس التصديق به يكفي فيه أن يتلقى

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل