الجزء الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
هذا التقدير ولكن لايلزم من ذلك أن يكون الخارج كذلك وإنما هي تقدير ذهني وقد قدمنا فيما مضى أن الأحياز التي قال إنها خارج العالم إنما هي أمور عدمية وتقديرات ذهنية ليس لها حقيقة خارجية والله سبحانه وتعالى أعلم
فصل قال الرازي في تأسيسه الفصل السادس اعلم أن المشهور عن قدماء الكرامية إطلاق لفظ الجسم على الله تعالى إلا أنهم يقولون لانريد به كونه تعالى مؤلفاً من الأجزاء ومركباً من الأبعاض بل نريد به كونه تعالى غنيًّا عن المحل قائماً بالنفس وعلى هذا التقدير فإنه يصير النزاع في أنه تعالى جسم أم لا نزاعاً لفظيًّا هذا حاصلُ ما قيل في هذا الباب إلا أنا نقول كل ما كان مختصاً بحيز أو جهة ويمكن أن يشار إليه بالحس فذلك المشار إليه إما أن لا يبقى منه شيء في جوانبه الستة فهذا يكون كالجوهر الفرد وكالنقطة التي لا تتجزأ ويكون في غاية الصغر والحقارة ولا أظن أن عاقلاً يرضى أن يقول إن إله العالم
كذلك أما إن بقي منه شيء في جوانبه الستة أو في أحد هذه الجوانب فهذا يقتضي كونه مؤلفاً مركباً من الجزأين أو أكثر أقصى ما في الباب أن يقول قائل إن تلك الأجزاء لا تقبل التفريق والانحلال إلا أن هذا لا يمنع من كونه في نفسه مركباً مؤلفاً كما أن الفلسفي يقول الفلك جسم إلا أنه لايقبل الخرق والالتئام فإن ذلك لايمنعه من اعتقاد كونه جسماً طويلاً عريضاً عميقاً فثبت أن هؤلاء الكرامية لما اعتقدوا كونه تعالى مختصًّا بالحيز والجهة ومشارًا إليه بحسب الحس واعتقدوا أنه تعالى ليس في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد والنقطة التي لا تتجزأ وجب أن يكونوا قد اعتقدوا أنه تعالى ممتد في الجوانب أو في بعض الجوانب ومن قال ذلك فقد اعتقد كونه تعالى مركباً مؤلفًا فكان امتناعه عن إطلاق لفظ المؤلف
والمركب امتناعاً عن مجرد هذا اللفظ مع كونه معتقداً لمعناه فثبت أنهم إنما أطلقوا عليه لفظ الجسم لأجل أنهم اعتقدوا كونه تعالى طويلاً عميقاً عريضاً ممتداً في الجهات فثبت أن امتناعهم عن هذا الكلام لمحض التقية والخوف وإلا فهم يعتقدون كونه تعالى مركباً مؤلفاً فهذا تمام الكلام في القسم الأول من هذا الكتاب وهذا هو القسم المشتمل على الوجوه العقلية والكلام على هذا من وجوه أحدها أن القول بكون الجسم الموجود القائم بنفسه أو الموجود هو قول أئمة المجسمة مثل هشام بن الحكم
وغيره فإن الأمة أول ما تنازعت في الجسم نفياً وإثباتاً هل الله تعالى بجسمٌ أو ليس بجسمٍ والخائضون في ذلك هم أهل الكلام فقال أبو الهذيل العلاَّف وأتباعه من المعتزلة إنه ليس بجسم وقال هشام بن الحكم وأتباعه من الشيعة أنه جسم وكان أولئك يفسرون الجسم بما احتمل الصفات أو ربما هو مؤلف من الأجزاء وهؤلاء يفسرون الجسم بالقائم بنفسه أوبالموجود قال الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين بعد أن ذكر اختلافهم في الجليل من الكلام والتوحيد والقدر والأسماء والأحكام والإمامة والوعيد قال ذكر اختلاف الناس في الدقيق اختلف المتكلمون في الجسم ما هو على اثنتي عشرة مقالة فقال قائلون الجسم هو ما احتمل الأعراض كالحركات والسكون وما أشبه ذلك فلا جسم إلا ما احتمل الأعراض
ولا ما يحتمل أن تحلّ الأعراض فيه إلا جسم وزعموا أن الجزء الذي لايتجزأ جسم يحتمل الأعراض وكذلك معنى الجوهر أنه يحتمل الأعراض وهذا قول أبي الحسن الصالحي قال وزعم صاحب هذا القول أن الجسم محتمل لجميع أجناس الأعراض غير أن التأليف لايسمى حتى يكون تأليف آخر ولكن أحدهما قد يجوز على الجزء ولا نسمِّيه تأليفاً اتباعاً للغة قالوا وذلك أن أهل اللغة لم يجيزوا مماسة
لا شيء قالوا وإنما سمي ذلك عند مجامعة الآخر له وإلا فحظه من ذلك قد يُقَدِّرُ الله أن يُحدِثَهُ فيه وإنْ لم يكن آخر معه إذا كان يقوم به ولايقوم بأخيه وشبهوا ذلك بالإنسان يُحَرِّك أسنانه فإن كان فيه شيء فذلك مضغٌ وإن لم يكن في فيه شيء لم يسمَّ ذلك مضغاً قال وقال قائلون الجسم إنما يكون جسماً للتأليف والاجتماع وزعم هؤلاء أن الجزء الذي لايتجزأ إذا جامع جزءاً آخر لايتجزأ فكل واحد منهما في حال الاجتماع جسم لأنه مؤلف بالآخر فإذا افترقا لم يكونا ولا واحدٌ منهما جسماً قال وهذا قول البغداديين قلت وهذا قول كثير من متأخري المتكلمة الصفاتية كالقاضي أبي بكر بن الطيب وغيره وهو قول القاضي أبي يعلى قال وقال قائلون معنى الجسم أنه مؤتلف وأقل الأجسام جزءان ويزعمون أن الجزأين إذا تألَّفا فليس واحدٌ
منهما جسماً ولكن الجسم هو الجزآن جميعاً وأنه يستحيل أن يكون التركيب في واحدٍ والواحد يحتمل اللون والطعم والرائحة وجميع الأعراض إلا التركيب وأحسب هذا قول الإسكافي وزعموا أن قول القائل يجوز أن يُجمع إليهما ثالث خطأٌ محال لأن كل واحد منهما مشغل لصاحبه وإذا أشغله لم يكن للآخر مكان لأنه إذا كان جزآن مكانهما واحد فقد ماس الشيء أكثر من قدره ولو جاز ذلك جاز أن تكون الدنيا تدخل في قبضة ولهذا قال لا يماس الشيء أكثر من قدره قال وهذا قول أبي بشر صالح بن أبي صالح ومن وافقه قلت هذا القول قول طائفة من متأخري المتكلمة الصفاتية الأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد قال وقال أبو الهذيل الجسم ما له يمين وشمال
وظهر وبطن وأعلى وأسفل وأقل ما يكون الجسم ستة أجزاء أحدها يمين والآخر شمال أحدها ظهر والآخر بطن وأحدها أعلى والآخر أسفل وأن الجزء الواحد الذي لايتجزأ يماس ستة أمثاله وأنه يتحرك ويسكن ويجامع غيره ويجوز عليه الكون والمماسة ولايحتمل اللون والطعم والرائحة ولا شيئاً من الأعراض غير ما ذكرنا حتى تجتمع هذه الستة الأجزاء فإذا اجتمعت فهي الجسم وحينئذٍ يحتمل ما وصفنا قال وزعم بعض المتكلمين أن الجزأين اللذين لايتجزآن يحلهما جميعاً التأليف فإن التأليف الواحد يكون في مكانين وهذا قول الجبائي قال وقال معمَّر هو الطويل العريض العميق وأقل الأجسام ثمانية أجزاء فإذا اجتمعت الأجزاء وجبت الأعراض
وهي تفعلها بإيجاب الطبع وإن كل جزء يفعل في نفسه ما يحله من الأعراض وزعم أنه إذا انضم جزء إلى جزء حدث طول وأن العرض يكون بانضمام جزأين إليهما وأن العمق يحدث بأن ينطبق على أربعة أجزاء فتكون الثمانية الأجزاء جسماً عريضاً طويلاً عميقاً قال وقال هشام بن عمرو الفوطي إن الجسم ستة وثلاثون جزءاً لايتجزأ وذلك أنه جعل ستة أركان وجعل كل ركن منه ستة أجزاء فالذي قال أبو الهذيل إنه جزء جعله هشام ركناً وزعم أن الجزء لا يجوز عليه المماسة وأن المماسات للأركان وأن الأركان التي كل ركن منها ستة أجزاء ليست الستة الأجزاء متماسة ولا متباينة ولا يجوز ذلك إلا على الأركان فإذا كان كذلك فهو محتمل لجميع الأعراض من اللون والطعم والرائحة والخشونة واللين والبرد وما أشبه ذلك
قال وقال قائلون الجسم الذي سماه أهل اللغة جسماً هو ما كان طويلاً عريضاً عميقاً ولم يُحِدُّوا في ذلك عدداً من الأجزاء وإن كان لأجزاء الجسم عدد معلوم قال وقال هشام بن الحكم معنى الجسم أنه موجود وكان يقول إنما أريد بقولي جسم أنه موجود وأنه شيء وأنه قائم بنفسه قال وقال النظَّام الجسم هو الطويل العريض العميق وليس لأجزائه عدد يوقف عليه وأنه لا نِصف إلا وله نصف ولا جزء إلا وله جزء قال وكانت الفلاسفة تجعل حد الجسم أنه العريض العميق قال وقال عباد بن سليمان
الجسم هو الجوهر والأعراض التي لا ينفكّ منها وما كان قد ينفك منها م الأعراض فليس ذلك من الجسم بل ذلك غير الجسم وكان يقول الجسم هو المكان ويعتل في الباري تعالى أنه ليس بجسم فإنه لو كان جسماً لكان مكاناً ويعتل أيضاً بأنه لو كان جسماً لكان له نصف قال وقال ضرار بن عمرو الجسم أعراض أُلِّفَتْ وجمعت فقامت فثبتت فصارت جسماً تحتمل الأعراض إذا حلَّت والتغيير من حال إلى حال وتلك الأعراض هي ما لا تخلو الأجسام منه أو من ضده نحو الحياة والموت اللذين لا يخلو الجسم من واحد منهما والألوان والطعوم التي لا ينفك من واحد من جنسها وكذلك الزِنَةُ كالثقل والخفَّة وكذلك الخشونة واللين والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة وكذلك
الصمد فأما ما ينفك منه ومن ضده فليس ببعض له عنده وذلك كالقدرة والألم والعلم والجهل وليس يجوز عنده أن تجتمع هذه الأعراض وتصير أجساداً بعد وجودها ومحال أن يفعل بها ذلك إلا في حال ابتدائها لأنها لاتخرج إلى الوجود إلا مجتمعة وقد يمكن أن تجتمع عنده كلها وهي موجودة ومحال أن تفترق كلها وهي موجودة لأنها لو افترقت مع الوجود لكان اللون موجوداً لا الملون والحياة موجودة لا الحي فإذا قلت له فليس يجوز على هذا القياس عليها الافتراق قال مرة افتراقُها فَنَاؤها وقال مرة الافتراق يجوز على الجسمين فأما أبعاض الجسم مع الوجود فلا وقد يجوز عنده أن يفني بعض الجسم وهو موجود على أن يجعل مكانه ضدُّه فهذه الأقوال ترجع إلى أقوال أحدها أنه المحتمل للصفات والأعراض وإن لم يكن مؤلفاً والثاني أنه ما يدخله التأليف من الأجزاء وهو يُسمى الواحد جسماً حال تركيبه أو لا يكون جسماً إلا الجزءان أو الستة أو الثمانية أو الستة والثلاثون ولايحصر ذلك بعدد على الأقوال الستة
والثالث أنه الطويل العريض العميق وإن لم يكن مؤلفاً من الأجزاء أو لم يكن مؤلفاً من الأجزاء المحصورة كما يقوله النظام والفلاسفة وهو قول الشهرستاني وغيره والرابع أنه المؤلّف من الأعراض والخامس أنه الموجود أو أنه المكان والسادس انه الموجود أو أنه القائم بنفسه وهو مع حكاية هذا عن هشام قد ذكر عنه أنه قال إن الله تعالى جسم محدود عريض طويل عميق طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقداراً في طوله وعرضه وعمقه لا يتجاوزه في مكان دون مكان
كالسبيكة الصافية تتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه هو طعمه وهو رائحته وهو مجسته وهو نفسه لون ولم يعين لوناً ولا طعماً هو غيره وانه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد قال وحُكي عنه أنه قال هو جسم لا كالأجسام ومعنى أنه شيء موجود قال وذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري متكوناً ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسَّة وأن يكون طويلاً أو عريضاً أو عميقاً وزعم أنه يتحرك من وقت خلق الخلق قال وقال قائلون إن الباري جسم وأنكروا أن يكون موصوفاً بلون أو طعم أو رائحة أو مجسّة أو شيء مما وصف به هشام غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه وقال في اختلاف الشيعة في التجسيم وهم ست فرق
فالفرقة الأولى الهشامية وهم أصحاب هشام بن الحكم يزعمون أن معبودهم جسم وله نهاية وحد وذكر نحو ما تقدم قال وأنه قد كان لا في مكان ثم حدث المكان بأن تحرك الباري فحدث المكان بحركته وزعم أن المكان هو العرش قال وذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أن هشام بن الحكم قال له إن ربه لجسم ذاهب جاء فيتحرك تارة ويسكن أخرى ويقعد مرة ويقوم أخرى وأنه طويل عريض عميق لأن ما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي قال والفرقة الثانية يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام وإنما يذهبون في قولهم إنه جسم إلى أنه موجود
ولا يثبتون الباري ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله على العرش مستوٍ بلا مماسة ولا كيف قال والفرقة الثالثة يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان ويمنعون أن يكون جسماً والرابعة أصحاب هشام بن سالم الجواليقي يزعمون أن ريهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحماً أو دماً ويقولون هو نور ساطع يتلألأ ضياء وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان له يد ورجل وأنف وأذن وعين وأنه يسمع بغير ما يبصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عندهم والفرقة الخامسة يزعمون أن رب العالمين ضياء خالص ونور بحت وهو كالمصباح الذي من حيث ما جئته يلقاك بأمرٍ واحدٍ وليس بذي صورة ولا أعضاء ولا اختلاف في الأجزاء وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من
الحيوان قال والفرقة السادسة يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا صورة ولايشبه الأشياء ولايتحرك ولايسكن ولايماس وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج قال وهؤلاء من متأخريهم فأما أوائلهم فإنهم كانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه قلت فقد ذكر عن المجسمة قولين أحدهما أنه لا يوصف بالطول والعرض والعمق وذكر هؤلاء ثلاثة أقوال أحدها أن معنى ذلك أنه موجود ولايثبتون الباري تعالى ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله سبحانه وتعالى مستوٍ على العرش بلا كيف
والقول الثاني أنه جسم وأنكروا أن يكون يوصف بالكيفيات الخمس أو بشيء مما وصفه به هشام غير أنه على العرش مماس له دون ما سواه وهذان القولان يشبهان القول الذي ذكره الرازي عن قدماء الكرامية والقول الثالث إثبات أن الباري تعالى متلوِّن ومنع أن يكون ذا طعم أو لون أو رائحة أو طويل أو عريض أو عميق لكنه متحرك والقول الثاني الذي ذكره عن المجسمة أنه طويل عريض عميق وأن هؤلاء يقولون معنى الجسم أنه الموجود القائم ينفسه وأنه مع ذلك الطويل العريض العميق الموصوف بالحركة والسكون وما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي فقولهم
هو الموجود القائم بنفسه لاينافي عندهم قولهم هو الطويل العريض العميق الموصوف بالحركة والسكون لأنه عندهم لاموجود قائم بنفسه إلا كذلك وهذا قول أئمة المجسمة وجمهورهم كهشام وغيره وهو أيضاً قول طوائف من الكرامية لكن هشام وأصحابه لا يثبتون للجسم صفة غير نفسه ولهذا يقول لا موجود إلا الجسم ولهذا لايقول إن صفته غيره وأما الكرامية فنقل عنهم أنهم يقولون إن صفته غيره هذا مع أن هذه المقولات والفرق كانوا قبل وجود الكرامية فإن محمد بن كرام إنما ظهر في أثناء المائة الثالثة وهو فرين أبي سعيد بن كُلاّب وهما أقدم من الأشعري وإن كان أي
الأشعري قد أدرك ذلك الزمان لكن ابن كرام كان بسجستان وتلك النواحي وابن كلاب كان بالبصرة وكذلك الأشعري وعصرهما هو عصر أئمة أهل السنن المصنفة كالبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة ومع هذا فلم يذكر الأشعري في مقالاته عن الكرامية شيئاً خصهم به إلا أنه عدهم في فرق المرجئة فقال اختلفت المرجئة في الإيمان ما هو وهم اثنتا عشرة فرقة فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله ورسوله وبجميع ما جاء من عنده فقط وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله والتعظيم لهما والخوف منهما والعلم بالجوارح فليس بإيمان وزعموا
أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يُحكى عن جهم بن صفوان قال وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لايكفر بجحده وأن الإيمان لا يتبعَّض ولا يتفاضل أهله فيه وان الإيمان والكفر لايكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح والفرقة الثانية من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط والكفر هو الجهل به فقط فلا إيمان بالله إلا بالمعرفة به ولا الكفر بالله إلا الجهل به وأن قول القائل إن الله ثالث ثلاثة ليس بكفر ولكنه لايظهر إلا من كافر وذلك أن الله تعالى أكفر من قال ذلك وأجمع المسلمون انه لا يقول إلا كافر وزعموا أن معرفة الله تعالى هي المحبة له وهي الخضوع لله تعالى وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول وأنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول إلا مؤمن بالرسول ليس لأن ذلك يستحيل ولكن لأن الرسول قال من لا يؤمن بي فليس مؤمناً بالله وزعموا أيضاً أن الصلاة ليست بعبادة لله وأنه لاعبادة إلا الإيمان به وهو معرفته والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص وهو خصلة واحدة وكذلك الكفر
والقائل بهذا القول أبي الحسين الصالحي ثم ذكر سائر مقالات المرجئة التي هي أصلح من هذين القولين فقال والفرقة الثالثة من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة له فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن وزعموا أن إبليس كان عارفاً بالله غير أنه كفر باستكباره على الله وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري وزعموا أن الإنسان وإن كان لايكون مؤمناً إلا بجميع الخلال التي ذكرناها فقد يكون كافراً بتركه خصلة منها ولم يكن يونس يقول بهذا والفرقة الرابعة منهم وهم أصحاب أبي شمر ويونس
يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والخضوع له والمحبة له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم تقم عليه حجة الأنبياء فإن قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان الإقرار بهم والتصديق لهم والمعرفة بما جاء من عند الله غير داخلٍ في الإيمان ولايسمُّون كل خصلة من هذه الخصال إيماناً ولابعض إيمان حتى تجتمع هذه الخصال فإذا اجتمعت سموها إيماناً لاجتماعهما وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بَلْقَاءَ ولابعض أبلق حتى يجتمع السواد والبياض فإذا اجتمعا في الدابة سمى ذلك بَلَقَاً إذا كان في فرس فإذا كان في جمل
أو كلبٍ سمى بَقَعاً وجعلوا ترك الخصال كلها وترك كل خصلة منها كفراً ولم يجعلوا الإيمان متبعِّضاً ولامحتملاً للزيادة والنقصان وحُكي عن أبي شمر أنه قال لا أقول في الفاسق الملِّي فاسق مطلق دون أن أقيد فأقول فاسق في كذا وحكى محمد بن شبيب وعباد بن سليمان عن أبي شمر أنه كان يقول إن الإيمان هو المعرفة بالله والإقرار به وبما جاء من عنده ومعرفة العدل يعني في القدر وما كان من ذلك منصوصاً عليه أو مستخرجاً بالمعقول مما فيه إثبات عدل الله ونفي التشبيه والتوحيد فكل ذلك إيمان والعلم به إيمان والشاك فيه كافر الشاك في الكفار كافر أبداً والمعرفة لايقولون إنها إيمان ما لم يعلم الإقرار وإذا وقعا كانا جميعاً إيماناً والفرقة الخامسة من المرجئة أصحاب أبي ثوبان يزعمون
أن الإيمان هو الإقرار بالله ورسله وما كان لايجوز في العقل إلا أن يفعله وما كان جائزاً في العقل أن لا يفعله فليس ذلك من الإيمان والفرقة السادسة من المرجئة يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع عليها والخضوع له بجميع ذلك والإقرار باللسان فمن جهل شيئاً من ذلك وقامت عليه حجة أو عُرِّفه ولم يُقرَّ به كفر ولم تُسمَّ كل خصلة من ذلك إيماناً كما حكينا عن أبي شمر وزعموا أن الخصال التي هي إيمان إذا وقعت فكلُّ خصلة منها طاعة فإن فعلت خصلة منها ولم تفعل الأخرى لم تكن طاعة كالمعرفة بالله إذا انفردت من الإقرار لم تكن طاعة كالمعرفة بالله إذا انفردت من الإقرار لم تكن طاعة لأن الله أمر بالإيمان جملة أمراً واحداً
ومن لم يفعل ما أمر به لم يُطع وزعموا أن ترك كل خصلة من ذلك معصية فإن الإنسان لايكفر بترك خصلة واحدة وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم ويكون بعضه أعلم بالله وأكثر تصديقاً له من بعض فإن الإيمان يزيد ولاينقص وأن من كان مؤمناً لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر وهذا قول الحسين بن محمد النجار وأصحابه والفرقة السابعة الغيلانية أصحاب غيلان يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله الثانية والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء
به الرسول وبما جاء من عند الله تعالى وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار فلذلك لم يجعلها من الإيمان وذكر محمد بن شبيب عن الغيلانية أنهم يوافقون الشمرية في الخصلة من الإيمان أنه لايقال لهما إيمان إذا انفردت ولايقال لها بعض إيمان إذا انفردت وأن الإيمان لايحتمل الزيادة والنقصان وأنهم خالفوا في العلم فزعموا أن العلم بأن الأشياء محدثة مدبرة ضرورية والعلم بأن محدثها ومدبرها ليس باثنين ولا أكثر من ذلك اكتساب وجعلوا العلم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبما جاء من عنده اكتساباً وزعموا أن من الإيمان إذا كان الذي جاء من عند الله منصوصاً بإجماع المسلمين ولم يجعلوا شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً قال وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية والجهمية والغيلانية والنجارية ينكرون أن يكون من الكفار إيمان وأن يقال فيهم بعض الإيمان إذ كان الإيمان لايتبعض عندهم وذكر زرقان عن غيلان أن الإيمان هو الإقرار باللسان
وهو التصديق وأن المعرفة بالله فعل الله وليست من الإيمان في قليل ولا كثير واعتل بأن الإيمان في اللغة هو التصديق والفرقة الثامنة من المرجئة أصحاب محمد بن شبيب يزعمون أن الإيمان الإقرار بالله والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله وبجميع ما جاءت به من عند الله مما نص عليه المسلمون ونقلوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة والصيام وأشباه ذلك مما لا اختلاف بينهم فيه ولا تنازع وما كان من الدين نحو اختلاف الناس في الأشياء فإن الراد للحق لا يكفر وذلك أنه إيمان واستخراج ليس يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به من عند الله تعالى ولا يرد على المسلمين ما نقلوه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ونصوا عليه والخضوع لله هو ترك الاستكبار وزعموا أن إبليس قد عرف الله تعالى وأقر به وإنما كان كافراً لأنه استكبر ولولا استكباره لما كان كافراً وأن الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله وأن الخصلة ممن الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان ويكون صاحبها كافراً بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمناً إلا بإصابة الكل وكل رجل يعلم أن
الله واحد ليس كمثله شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء وفيه خصلة من الإيمان وهي معرفته بالله وذلك أن الله أمره أن يعرفه وأن يقر بما كان عرف فإذا لم يقر أو عرف الله وجحد أنبياءه فإذا فعل ذلك فقد جاء ببعض ما أمر به وإذا كان الذي أمر به كله إيمان فالواحد منه بعض إيمان وكان محمد بن شبيب وسائر من قدمنا وصفه من المرجئة يزعمون أن مرتكبي الكبائر من أهل الصلاة العارفين بالله ورسله المقرين به وبرسله مؤمنين بما معه من الإيمان فاسقون بما معهم من الفسق والفرقة التاسعة من المرجئة أبو حنيفة وأصحابه يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والإقرار بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير قال وذكر أبو عثمان الآدمي أنه اجتمع أبو حنيفة
وعمر بن عثمان الشمزي بمكة فسأله عمر فقال له أخبرني عمن زعم أن الله تعالى حرّم أكل الخنزير غير أنه لا يدري لعل الخنزير الذي حرمه الله ليس هي هذه العين فقال مؤمن فقال قد عمر فإنه قد زعم أن الله قد فرض الحج إلى الكعبة غير أنه لا يدري لعلها كعبة غير هذه بمكان كذا فقال هذا مؤمن قال فإن قال أعلم أن الله بعث محمداً وأنه رسول غير أنه لا يدري لعله هو الزنجي قال هذا مؤمن ولم يجعل أبو حنيفة شيئاً من الدين مستخرجاً إيماناً وزعم أن الإيمان لا يتبعَّض ولايزيد ولايتفاضل الناس فيه قال فأما غسان وأكثر أصحاب أبي حنيفة فإنهم يحكون
عن أسلافهم أن الإيمان هو الإقرار والمحبة لله والتعظيم له والهيبة منه وترك الاستخفاف بحقه وأنه لا يزيد ولا ينقص والفرقة العاشرة من المرجئة أصحاب أبي معاذ التَّوْمِني يزعمون أن الإيمان ما عصم من الكفر وهو اسم لخصال إذا تركها التارك أو ترك خصلة منها كان كافراً فتلك الخصال التي يكفر بتركها أو ترك خصلة منها إيمان ولا يقال للخصلة منها إيمان ولابعض إيمان وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع
المسلمون على كفره فتلك الخصلة شريعة من شرائع الإيمان تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق فيقال له إنه فسق ولا يسمى بالفسق ولايقال فاسق وليس تخرج الكبائر من الإيمان إن لم يكن كَفَر فتارك الفرائض مثل الصلاة والصوم والحج على الجحود لها والرد لها والاستخفاف بها كافر بالله وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود وإن تركها غير مستحلًّ لتركها متشاغلاً مسوّقاً يقول الساعة الأصلي وإذا فرغت من لهوي ومن عملي فليس بكافر إذا كان غرضه أن يصلي يوماً ووقتاً من الأوقات ولكن نُفَسِّقُهُ وكان أبو معاذ يزعم أن من قتل نبيًّا أو لطمه كفر وليس من أجل اللطمة والقتل كَفَرَ ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له وكان يزعم أن الموصوف بالفسق من أصحاب الكبائر ليس بعدو لله ولا وليٍّ لله وكل المرجئة يقولون إنه ليس في أحد من الكفار إيمان بالله والفرقة الحادية عشرة من المرجئة أصحاب بشر المريسي يقولون إن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو
التصديق وما ليس بتصديق فليس بإيمان ويزعم أن التصديق يكون بالقلب واللسان جميعاً وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي قال وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر والتغطية فليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفراً ولايجوز أن يكون إيماناً إلا ما كان في اللغة إيماناً وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر ولكنه عَلَمٌ على الكفر لأن الله تعالى بين لنا أنه لا يسجد للشمس إلا كافر قال والفرقة الثانية عشرة من المرجئة الكرامية أصحاب محمد بن كَرَّام يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء
غير التصديق باللسان إيماناً وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين على الحقيقة وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان قال ومن المرجئة من يقول إن الفاسق من أهل القبلة لا يُسمَّى بعد تقضِّي فعله فاسقاً ومنهم من يقول لا أقول لمرتكب الكبائر فاسق على الإطلاق دون أن يقال فاسق في كذا ومنهم من أطلق اسم الفسق قال واختلفت المرجئة في الكفر ما هو وهم ست فرق الفرقة الأولى تزعم أن الكفر خصلة واحدة وبالقلب تكون وهو الجهل بالله وهؤلاء هم الجهمية والفرقة الثانية
منهم يزعمون أن الكفر خصال كثيرة ويكون بالقلب وبغير القلب والجهل بالله كفر وبالقلب يكون وكذلك البغض لله والاستكبار عليه وكذلك التكذيب بالله وبرسله بالقلب وباللسان وكذلك الجحود لهم والإنكار لهم وسبُّهم وكذلك الاستخفاف بالله ورسله كفر وكذلك ترك التوحيد إلى اعتقاد التثنية والتثليث أو ما هو أكثر من ذلك كفر وزعم قائل هذا القول أن الكفر يكون بالقلب واللسان دون غيرهما من الجوارح وكذلك الإيمان وزعم قائل هذا القول أن قاتل النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولاطِمَه لم يكفر من أجل القتل واللطمة ولكن من أجل الاستخفاف وكذلك تارك الصلاة مستخفًّا لتركها إنما يكفر بالاستحلال لتركها لا بتركها وزعم صاحب هذا القول أن من استحل ما حرم الله مما نص الرسول على تحريمه وأجمع المسلمون على تحريمه فهو كافر بالله وأن استحلال ذلك كفر وكذلك من قال قولاً واعتقد عقداً قد أجمع المسلمون على إكفار فاعله وكل قول أجمعوا على
إكفار قائله كفر بأي جارحة كان الفعل والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن الكفر بالله هو التكذيب والجحد له والإنكار له باللسان وأن الكفر لا يكون إلا باللسان دون غيره من الجوارح وهذا قول محمد بن كرام وأصحابه والفرقة الرابعة منهم يزعمون أن الكفر هو الجحود والإنكار والستر والتغطية وأن الكفر يكون بالقلب واللسان والفرقة الخامسة منهم أصحاب أبي شمر وقد تقدمت حكاية قولهم في إكفار من رد قولهم في التوحيد والقدر والفرقة السادسة أصحاب محمد بن شبيب وقد ذكرنا قولهم في الإكفار عند ذكرنا قولهم في الإيمان وأكثر المرجئة لا يكفِّرون أحداً من المتأوِّلين ولا يكفرون إلا من جمعت الأمة على إكفاره قلت فلم يذكر عن الكرامية شيئاً انفردوا به إلا قولهم في الإيمان والكفر أن ذلك يتعلق باللسان فقط دون القلب ولاريب أن هذا القول هو بدعة من الكرامية لم يسبقه إليه أحد فيما علمناه وهو باطل فإن إدخال المنافقين في اسم المؤمنين مما
يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام ونصوص القرآن الكثيرة تنفي ذلك ولم يذكر عن الكرامية في جميع كتابه شيئاً إضافة إليهم غير ذلك فأما سائر ما يذكره أصحابه من الكرامية من التجسيم وحلول الحوادث وذلك بأنه قد حكاه في كتابه عن طوائف من أهل القبلة من أهل الكلام والحديث والتصوف والتفسير بل عن طوائف غيرهم متقدمين على الكرامية لاسيما أصل القول بحلول الحوادث فإنه ذكره عن طوائف متنوعة من الفقهاء والصوفية من أهل الحديث والمتكلمين من المرجئة والشيعة وغيرهم والقول الذي ذكره عن جهم والصالحي في الإيمان فهو الذي ينصره أئمة أصحابه ويضيفونه إليه ولا ريب أن كتبه المصنَّفة في آخر عمره مثل المقالات
ونحوها إنما قال فيها بقول أهل السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والجهم اعتقد في الإيمان ما اعتقده في الله المُؤْمَنِ به من أنه إذا كان واحداً امتنع أن يكون له صفات وأن كونه واحداً يمتنع أن يكون حيًّا قادراً عالماً له حياة وقدرة وعلم وكذلك اعتقد في الإيمان أنه لايكون إلا شيئاً واحداً يتساوى فيه جميع الموصوفين به وأن ذلك لايمكن أن يكون إلا خصلة واحدة ولايمكن أن تكون تلك الخصلة إلا مجرد المعرفة واعتقد أن الواحد لايتصور أن يتضمن أشياء لأن ذلك عنده تركيب وانقسام فنفى ذلك بزعمه في الإيمان كما نفاه في حق الله تعالى فجحد أن يتميز في الإيمان شيء من شيء في الوجود والعلم كما قال ذلك في الله تعالى وإذا كان كذلك عُلِم أن الذين قالوا إنه جسم وأن معنى ذلك أنه موجود قائم بنفسه وأنه لايعقل قائم بنفسه إلا الجسم لهم قولان منهم من يقول إنه مع ذلك طويل عريض عميق ومنهم من يقول ليس بذي أجزاء وأبعاض وأن هذا مما ينازعون فيه
موافقيهم على أنه جسم وإذا كان كذلك علم أن امتناعهم عن ذلك ليس لمحض التَّقيَّة والخوف بل هو اعتقاد يعتقدونه وينفون الأجزاء والأبعاض وإن قال القائل هذا تناقض منهم وأنه يلزمهم القول بالأجزاء والأبعاض فغايتُه أنهم في ذلك كسائر الطوائف التي يقال إنه يلزمهم قولٌ وهم لايقولون به وهذا كما أن الكُلاَّبية أئمة الأشعرية وقدماؤهم تقول بقول المعتزلة ومتأخرو الأشعرية يلزمهم القول بأنه جسم وهم لايقولون بذلك وكذلك كل من أثبت الرؤية يقول نفاتها وكثير ممن يثبتها أنه يلزمه القول بالتجسيم وإن كان لايقول بذلك الوجه الثاني أن لوازم نفاة الجسم أعظم من لوازم مثبتته فإن من نفاه يقال عنه إنه يلزمه أن الله لا يُرى وأن الله لا يتكلم وأن القرآن مخلوق وأن الله ليس على العرش وأنه لا يقوم به صفة وأن إقراره بالكُرَوِيَّة وبأن كلام الله غير مخلوق وأن الله تعالى على العرش وغير ذلك إنما هو لمحض التقية والمصانعة لأهل السنة والحديث وهذا يقوله خلق كثير من الأشعرية وغيرهم حتى قالوا إن الأشعري إنما