ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
قال وروي في تفسير قوله تعالى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] أنه تعالى يرفع الحجاب فينظرون إلى وجهه قلت وهذا الحديث في صحيح مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى منادٍ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون ما هو ألم يبيض الله وجوهنا ويثقل موازيننا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه وهي الزيادة
ومما لم يذكر من الأحاديث ما في الصحيح عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه في جنة عدن ثم قال وحقيقة الحجاب بالنسبة إلى الله تعالى محال لأنه عبارة عن الجسم المتوسط بين جسمين آخرين بل هذا محمول عندنا على أن لا يخلق الله في العين رؤية متعلقة به وعند منكر الرؤية على أنه تعالى يمنع وصول آثار إحسانه وفضله إلى الإنسان قلت ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر النصوص فساد هذين التأويلين فإن عدم خلق الرؤية أمر عدمي محض فقوله حجابه
النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه كيف يتصور أن يكون هذا العدم المحض نوراً وأن ذلك النور لو كُشِفَ لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه البصر وكيف يتصور أن يقال فيكشف الحجاب فينظرون إليه والأمر العدمي المحض هل يكشف وكيف يتصور أن يقال وما بين القوم وبين لأن ينظروا إلى ربهم إلا أمر عدمي على وجهه في جنة عدن ثم في أي لغة يوجد تسمية العدم المحض حجاباً ومعلوم أن نقيض الحجاب لا حجاب والعدم يصح وصفه بأنه ليس بحجاب فلو كان الحجاب عدميًّا لكان عدمه وجوديًّا فكلن الموجود صفة للمعدوم وهذا ممتنع بالضرورة ومما ينبغي أن يعلم أن هذا المؤسس وأمثاله كثيراً ما يدخلون في جنس التأويل الذي يدخل فيها الفلاسفة من القرامطة الباطنية ونحوهم الذين هم أعظم الناس جهلاً ونفاقاً وكانت هذه مشهورة عند غالية الرافضة ولهذا يتصل
هؤلاء بهم لما بين هؤلاء من الجهل والنفاق ومحادة الله ورسوله ومشاقة الله ورسوله وهم من أعظم الناس كذباً وتصديقاً للكذب فإنهم يروون من المكذوبات على الرسل وغيرهم وما الله به عليم ويتأولونها بما لا يخفى على أدنى عاقل أنه معلوم الفساد بالضرورة مثل ما صنع هذا المؤسس في كتاب صنفه في تفسير المعراج
النبوي فرواه بسياق عجيب لا يوجد في شيء من كتب
الأحاديث والتفسير والسير ثم فسره تفسير المشركين والصابئين من المتفلسفة ونحوهم كما صنع ذلك ابن سينا وعين القضاة الهمذاني ونحو هؤلاء
فجعل أنبياء الله مثل آدم وعيسى ويحيى ويوسف وإدريس وموسى وإبراهيم هم الكواكب التي هي القمر والزهرة وعطارد والشمس والمريخ والمشترى وزحل إلى أمثال ذلك مما يعلم كل مسلم أن الرسول لم يقصد ذلك ولم يرده وأنه من أعظم الافتراء على الله ورسوله وهذا من جنس تأويلات الرافضة للؤلؤ والمرجان الذي في البحر بالحسن والحسين والإمام المبين والنبأ
العظيم بعلي بن أبي طالب والشجرة الملعونة في القرآن ببني أمية وأمثال هذه الخرافات التي هي من أقبح الكذب والافتراء وأفحش القول ومن هذا تأويل الملاحدة الزنادقة المنافقين من المشركين والصابئين والمتفلسفة ونحوهم ولما أخبر الله به من أمر اليوم الآخر فلا يجعلون لذلك حقيقة غير موت الإنسان كما يقولون في قوله تعالى إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) [التكوير 1] المراد شمسه التي هي قلبه إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) [الانفطار 1] سماؤه التي هي / رأسه وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) [التكوير 2] هي حواسه وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) [التكوير 4] رجليه وإِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) [الزلزلة 1] يديه وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) [التكوير 5] قواه لاسيما العصبية ودكت الجبال هي عظامه ونحو ذلك وهذا كثير في كلام هذه الملاحدة من الباطنية والقرامطة وطائفة من الاتحادية وأصحاب رسائل إخوان
الصفا وأصحاب السهروردي الحلبي المقتول على الزندقة ونحو هؤلاء وإن كان كثيراً مما يثبتونه أو أكثره حق فإنه كما
روي عن المغيرة بن شعبة أنه من مات فقد قامت قيامته والقيامة يراد بها انخرام القرن وما يثبتونه من معاد النفوس حق وما يثبتونه من حيث
الجملة من النعيم والعذاب الروحاني حق وما يثبتونه مما يدخل فيما أمرت به الرسل من الأخلاق الفاضلة والسياسات العادلة ونحو ذلك حق فما من أمة إلا ومعها حق ومعلوم أن الحق الذي بأيدي اليهود والنصارى أكثر من الحق الذي مع هؤلاء فإن جنس أهل الكتاب خير من جنس الصابئين كما أن جنس الصابئين خير من جنس المشركين لكن المقصود أنهم فيما كذبوا أو ارتابوا فيه من الحق الذي أخبرت به الرسل يسلكون مثل هذه التأويلات التي يعلم بالاضطرار أن الرسل لم ترد ذلك فقد سلك الرازي هذا المسلك في مناظرتهم في المعاد وقال إنا نعلم بالاضطرار أن إجماع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم على إثبات المعاد البدني فوجب القطع بوجود هذا المعاد وبهذا أجاب من أخذ يورد على إثبات ذلك بظواهر الآيات والأحاديث وأظنه اتبع في ذلك أبا الحسين البصري هذا مع
قوله في السؤال المتشابهات من القرآن الدالة على التشبيه والقدر ليست أقل ولا أضعف دلالة من الآيات الدالة على المعاد البدني ثم إنكم تجوزون تأويل تلك الآيات فلم لا تجوزون أيضاً تأويل الآيات الواردة هنا وهذا الذي قاله في ذلك يقوله أهل الإثبات في نصوص الصفات فإن من علم ما جاء به من ذلك في الكتاب والسنة وتدبر ذلك علم بالاضطرار وبطلان التأويل وأن الرسل وصفت الرب بما ينافي بمذهب النفاة وقد قال هو في جواب الفلاسفة لما قالوا له إن في كتاب الله تعالى آيات كثيرة دالة على التشبيه والقدر وقد تأولتموها فقال إنا لم نتمسك بظواهر الآيات والأخبار حتى يلزمنا الجواب عن هذه المعارضة بل بالأمر المعلوم بالضرورة من دين الأنبياء لم يقل أحد أنه علم دينهم
بظواهر التشبيه والقدر فظهر الفرق وليس الأمر كما نفاه بل عامة أهل الحديث والسنة بل والعامة يعلمون من دينهم بالضرورة إثبات الصفات والقدر أيضلً وإذا كان من هذه التأويلات مما يعلم فساده بالضرورة ما لا يحصيه إلا الله وهي أضعاف مضاعفة لما يدعي المدعي أنه لابد من تأويله فعند هذا يقول ذوو التأويل ومبطلوه قد ثبت بالدليل أن الله أنزل كتابه شفاء وهدى للناس وقال فيه هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) [آل عمران 138] وقال إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) [يوسف 2] وثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ البلاغ المبين كما أمر به فإن الله أخبر أن عليه البلاغ المبين وقال عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ [الجن 26-28] وقال يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة 67] قالت عائشة من زعم أن محمداً كتم الوحي فقد
كذب وثبت أن رسولنا كان أعلم الناس بالله وبما يخبر به عن الله تعالى وكان أنصح الناس لأمته وكان أفصح الناس وأكملهم بياناً وإيضاحاً وإذا كان كذلك فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا كان بهذه الحال لم يكن الكلام الذي أنزله الله إليه فيما يخبر به عن نفسه وعن خلقه والكلام الذي يخبر به الرسول عن ربه وعن خلقه مما ظاهر باطل وضلال وإفك ولم يكن ذلك الكلام معارضاً لما هو معلوم بالمعقول ولم يكن ذلك الكلام مسلوب الدلالة والبيان ولم يكن غير مستحق لإبلاغ العباد وإفهام المراد ولا يكون المتبع لمعناه المتمسك بفحواه في
ضلال وفساد ولا في كذب على الرسول في المراد ولا يجوز أن يكون الرسول قد أحال المخاطبين في معرفة ما جاء به من الكتاب المبين على ما يحدثه بعض المظاهرين لمتابعته بعد انقراض الخلفاء الراشدين وذهاب خير القرون الوجه العاشر قوله قال المتكلمون لما ثبت بالدليل أن الله تعالى منزه عن الجهة والجسمية وجب علينا أن نضع لهذه الألفاظ الواردة في القرآن والأخبار محملاً صحيحاً يقال له ليس هذا قول جميع المتكلمين بل المتكلمون من أعظم الناس نزاعاً في كونه موصوفاً بالجهة والجسمية أم لا وأكثرهم من أهل الإثبات وطوائف من متقدميهم ومتأخريهم يصرحون بلفظ الجسم والجهة وغير ذلك وجمهورهم يثبتون أنه فوق العرش ومنهم طوائف يصرحون بنفى ذلك وكتب المقالات تتضمن من هذا وهذا شيئاً كثيراً مع أن أكثرها إنما صنفها نفاة الجسم ومع هذا فقد حكوا فيها من مقالات المثبتين شيئاً كثيراً فكيف يكون ما صنفه المثبتون وما زال في كل عصر من أعصار المسلمين التي يكون فيها من ينفي هذه الأشياء أن يكون فيها من يقابله من أهل الإثبات
وإن كان من كلام هؤلاء وهؤلاء من أهل البدع والضلال ما أنكر سلف الأمة وأئمة السنة ولكن المقصود هنا أن الطرق التي سلكوها وسموها العقليات وما يسمونه علم الكلام يتضمن من كلام المثبتة أعظم مما يتضمن من كلام النفاة وقد ذكرنا ما ذكره هذا المؤسس من جهة موافقيه مع استيعابه لذلك من جميع الجهات وما ذكره لمخالفيه مع تقصيره في ذلك ومع هذا فقد ظهر رجحان جانب منازعيه ظهوراً لا يرتاب فيه لبيب فكيف لو ذكر ما يقولونه هم بأنفسهم بغير توسط نقل خصومهم الوجه الحادي عشر أن هذه التأويلات كما اتفق على إنكارها سلف الأمة وأئمة السنة فما زال في الإسلام من أهل الكلام والفقه والحديث والتصوف من ينكرها ويبطلها ويقرر ضدها والكتب المصنفة في ذم التأويل وإبطاله كثيرة
موجودة الوجه الثاني عشر أن يقال له بأي دليل ثبت ما ادعاه هؤلاء من النفي ومعلوم أنك قد استوعبت أدلتهم وقد تقدم من التنبيه على فسادها ما يوجب العلم اليقيني بإبطالها لكل من تدبر ذلك ونظر فيه الوجه الثالث عشر، يقال أي المتكلمين سلم له في هذا الباب قانون واحد لم يتناقض فيه وأيهم الذي ما قيل عنه أو ثبت عنه أنه متناقض في النفي والإثبات أعني إثبات الجسم أو بعض ملازمه ومن المعلوم أن إثبات الملزوم بدون اللازم أو نفي اللازم بدون الملزوم متناقض ممتنع وما من
هؤلاء إلا من يلزم بهذا التناقض فهؤلاء أوسط المتكلمين وهم المتكلمة الصفاتية الموافقون لأهل السنة والجماعة في الأصول الكبار من الكلابية والكرامية والأشعرية ومن دخل في شيء
من ذلك من الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية وأهل الحديث والصوفية يقول عنهم نظراؤهم وأشكالهم أنهم متناقضون كما يقول ذلك مخالفوهم من المعتزلة والرافضة والجهمية المحضة وغيرهم وأما تناقض هؤلاء وتهافتهم فأضعاف ذلك دع تناقض المتفلسفة وتهافتهم فإن ذلك لا يحصيه إلا الله فمتأخرو الأشعرية يقولون إن قدماءهم متناقضون في قولهم إن الله تعالى فوق العرش مع نفي كونه جسماً ويقولون إنهم متناقضون في إثبات الصفات الخبرية مع نفي الجسم أيضاً ومتقدموهم مع سائر الطوائف من النفاة يقولون إن ما يقوله متأخروهم إن من أقر بالرؤية ونفى أن يكون فوق
العرش فهم متناقض ويقول عامة الناس إن الإقرار برؤية مرئي لا يواجه البصر متناقض ويقول طوائف من المثبتة والنفاة إن الإقرار بوجود جسم فوق العالم ليس بممتد في الجهات كما يقوله من يقوله من الكرامية وموافقيهم متناقض ويقول طوائف من النفاة والمثبتة إن الإقرار بذي علم وقدرة وسمع وبصر وإرادة لا يكون بقائم بنفسه متميزاً عن غيره بالجهة متناقض معلوم الفساد بالضرورة ويقول طوائف من النفاة والمثبتة بل جمهور الخلق إن الإقرار بمن هو عالم سميع بصير قدير لا يكون قائماً بنفسه متميزاً بالجهة عن غيره متناقض ممتنع ويقول هؤلاء وأكثر منهم إن الإقرار بموجود قائم بنفسه مباين له وليس في جهة متناقض ممتنع ويقول جماهير بني آدم إن الإقرار بحي عالم قادر سميع بصير لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر متناقض متهافت
ويقول عامة بني آدم إن الإقرار بموجود واجب بنفسه موجود في الخارج يكون موجوداً مطلقاً محضاً مجرداً عن المعينات والمخصصات من أظهر الأمور فساداً في بديهة العقل لمن فهم ذلك وأمثال هذا كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى
فصل قال الرازي الفصل الأول في إثبات الصورة اعلم أن هذه اللفظة ما وردت في القرآن لكنها واردة في الأخبار فالخبر الأول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله خلق آدم على صورته
وروى ابن خزيمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقولن أحدكم لعبده قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته والجواب اعلم أن الهاء في قوله صلى الله عليه وسلم على صورته يحتمل أن تكون عائدة على شيء غير صورة آدم وير الله تعالى ويحتمل أن يكون عائدًا إلى آدم عليه السلام
ويحتمل أن يكون عائدًا إلى الله تعالى فهذه طرق ثلاثة الطريق الأول أن يكون هذا الضمير عائداً إلى غير آدم وإلى غير الله تعالى وعلى هذا التقدير ففي تأويل الخبر وجهان الأول هو أن من قال للإنسان قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فهذا يكون شتماً لآدم عليه السلام فإنه لما كان صورة الإنسان مساوية لصورة آدم كان قوله قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك شتماً لآدم عليه السلام ولجميع الأنبياء عليهم السلام وذلك غير جائز فلا جرم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وإنما خص آدم بالذكر لأنه عليه السلام هو الذي ابتدئت خلقته على هذه الصورة الثاني أن المراد منه إبطال قول من يقول إن آدم كان على صورة أخرى مثل ما يقال إنه كان عظيم الجثة طويل القامة بحيث يكون رأسه قريباً من السماء فالنبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى
إنسان معين وقال إن الله تعالى خلق آدم على صورته أي كان شكل آدم مثل شكل هذا الإنسان من غير تفاوت ألبتة فأبطل بهذا البيان وَهْمَ من توَّهم أن آدم عليه السلام كان على صورة أخرى غير هذه الصورة الطريق الثاني أن يكون الضمير عائداً إلى آدم عليه السلام وهذا أولى الوجوه الثلاثة لأن عود الضمير إلى أقرب مذكور واجب وفي هذا الحديث أقرب الأشياء المذكورة هو آدم عليه السلام فكان عود الضمير إليه أولى ثم على هذا الطريق ففي تأويل الخبر وجوه الأول أنه تعالى لما عظم أمر آدم فجعله مسجود الملائكة ثم إنه أتى بتلك الزلة فالله تعالى لم يعاقبه
بمثل ما عاقب به غيره فإنه نقل أن الله تعالى أخرجه من الجنة وأخرج معه الحية والطاووس وغيَّر تعالى خلقهما مع، هـ لم يغير خلقة آدم عليه السلام بل تركه على الخلقة الأولى إكراماً له وصوناً له من عذاب المسخ فقوله صلى الله عليه وسلم عن الله خلق آدم على صورته معناه خلق آدم على هذه الصورة التي هي الآن باقية من غير وقوع التبديل فيها والفرق بين هذا الجواب وبين الذي قبله أن المقصود من هذا بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان مصوناً عن المسخ والجواب الأول ليس فيه إلا بيان أن هذه الصورة الموجودة ليس هي إلا التي كانت موجودة قبل من غير تعرض لبيان أنه
جعله مصوناً عن المسخ بسبب زلته من أن غيره صار ممسوخاً الثاني أن المراد منه إبطال قول الدهرية الذين يقولون إن الإنسان لا يتولد إلا بواسطة النطفة ودم الطمث فقال صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته ابتداء من غير تقدم نطفة وعلقة ومضغة الثالث أن الإنسان لا يكون إلا في مدة طويلة وزمان مديد وبواسطة الأفلاك والعناصر فقال صلى الله عليه وسلم إن الله خلق
آدم على صورته أي من غير هذه الوسائط والمقصود منه الرد على الفلاسفة الرابع المقصود منه بيان أن هذه الصورة الإنسانية إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده لا بتخليق القوة المصورة والمولدة على ما يذكره الأطباء والفلاسفة ولهذا قال الله تعالى هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ [الحشر 24] فهو الخالق أي هو العالم بأحوال الممكنات والمحدثات والبارئ هو المحدث للأجسام والذوات يعد عدمها والمصور أي هو الذي ركَّب تلك الذوات على صورها المخصوصة وتركيباتها المخصوصة الخامس قد تذكر الصورة ويراد بها الصفة يقال شرحت له صورة هذه الواقعة وذكرت له صورة هذه المسألة والمراد من الصورة في كل هذه المواضع الصفة فقوله إن الله خلق آدم على صورته أي على جملة صفاته وأحواله و... ذلك لأن الإنسان حين يحدث يكون في غاية الجهل والعجز ثم لا يزال
يزداد علمه وقدرته إلى أن يصل إلى حد الكمال فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم خلق من أول الأمر كاملاً تامًّا في علمه وقدرته وقوله خلق الله آدم على صورته معناه أنه خلقه في أول الأمر على صفته التي كانت حاصلة له في آخر الأمر وأيضاً فلا يبعد أن يدخل في لفظ الصورة كونه سعيداً أو شقيًّا كما قال صلى الله عليه وسلم السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه فقوله صلى الله عليه وسلم
إن الله خلق آدم على صورته أي على جميع صفاته من كونه سعيداً أو عارفاً أو تائباً أو مقبولاً من عند الله تعالى الطريق الثالث أن يكون ذلك الضمير عائداً إلى الله تعالى وفيه وجوه الأول المراد من الصورة الصفة كما بيناه فيكون المعنى أنه آدم عليه السلام امتاز عن سائر الأشخاص والأجسام بكونه عالماً بالمعقولات قادراً على استنباط الحرف والصناعات وهذه صفات شريفة مناسبة لصفات الله تعالى من بعض الوجوه فصح قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته بناء على هذا التأويل فإن قيل المشاركة في صفات الكمال تقتضي المشاركة في الإلهية قلنا المشاركة في بعض اللوازم البعيدة مع حصول المخالفة في الأمور الكثيرة لا تقتضي المساواة في الإلهية ولهذا المعنى قال الله تعالى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الروم 27] وقال صلى الله عليه وسلم تخلقوا بأخلاق الله
الثاني أنه كما يصح إضافة الصفة إلى الموصوف فقد يصح إضافتها إلى الخالق والموجد فيكون الغرض من هذه الإضافة الدلالة على أن هذه الصورة ممتازة عن سائر الصور بمزيد من الكرامة والجلالة الثالث قال الشيخ الغزالي ليس الإنسان عبارة عن هذه البنية بل هو موجود ليس بجسم ولا جسماني ولا تعلق له بهذا البدن إلا على سبيل التدبير والتصرف
فقوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته أي نسبة ذات آدم عليه السلام إلى هذا البدن كنسبة الباري تعالى إلى العالم من حيث أن كل واحد منهما غير حال هذا الجسم وإن كان مؤثراً فيه بالتصرف والتدبير قال الخبر الثاني ما رواه ابن خزيمة في كتابه الذي سماه التوحيد بإسناده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورة الرحمن
قال واعلم أن ابن خزيمة ضعَّف هذه الرواية ويقول إن صحت هذه الراوية فلها تأويلان الأول أن يكون المراد من الصورة الصفة على ما بيناه الثاني أن يكون المراد من هذه الإضافة بيانُ شرف هذه الصورة كما في قوله بيت الله وناقة الله قلت هذا الحديث أخرجوه في الصحيحين من وجوه ففي الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك الملائكة فاسمع ما يحيون كبه فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله فكل من يدخل الجنة
على صورة آدم قال في رواية يحيى بن جعفر ومحمد ابن رافع على صورته
وروى البخاري من حديث أبي سعيد المقبري وهمام أيضاً عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه ورواه مسلم من حديث المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن
الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه ومن حديث سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بهذا الإسناد وقال إذا ضرب أحدكم ومن حديث سهيل بن أبي صالح عن
أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه ومن حديث أبي أيوب يحيى بن مالك المراغي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يلطمن الوجه وفي رواية محمد بن حاتم فيه قال إذا قاتل أحدكم فليتجنب الوجه فإن الله
خلق آدم على صورته وليس ليحيى بن مالك عن أبي هريرة في الصحيحين غيره والكلام على ذلك أن يقال هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع في أن الضمير عائد إلى الله فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة وسياق الأحاديث كلها يدل على ذلك وهو أيضاً مذكور فيما عند أهل الكتابين من الكتب
كالتوراة وغيرها ولكن كان من العلماء في القرن الثالث من يكره روايته ويروي بعضه كما يكره رواية لعض الأحاديث لمن يخاف أن نفسه ويفسد عقله أو دينه كما قال عبد الله بن مسعود ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لم تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وفي البخاري عن علي بن أبي طالب أنه قال حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله وإن كان مع ذلك لا يرون كتمان ما جاء به الرسول مطلقاً بل لابد أن يبلغوه حيث يصلح ذلك ولهذا اتفقت