بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 162-201
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء السادس

صفحات 162-201
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

والعاصف والجنوب والشمال والصبا والدبور وما دخل في ذلك وهي ثلاثون ريحًا كلها خاصة بالأفعال مخلوقة وريح أخرى من صفاته هي ذات نسيم

صباي هو خارج عن الريح وهي من نفس الرحمن قال ابن حامد ولم أجد ذلك لأبي عبد الله نصًّا ولا أدخله الخلال في جامعه من كتاب السنة والأشبه عندي أنه ضعيف الإسناد فلا يجوز أن يثبت به صفات الله تعالى قلت فابن حامد قد طعن في نفس هذا الخبر من أصله فلم يحتج إلى تأويله وأما القاضي فقال وإنما وجب حمل هذا

الخبر على هذا ولم يجب تأويل غيره من الأخبار لأنه قد روي في الخبر ما يدل على ذلك وذلك أنه قال فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به وهذا يقتضي أن فيها شرًّا وأنها مرسلة وهذا من صفات المحدثات قال وحدثنا أبو القاسم بإسناده عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الريح من روح الله يبعثها بالرحمة ويبعثها بالعذاب فلا تسبوها واسألوا الله خيرها وعوذوا بالله من شرها قال وقوله فإنها من روح الله يدل على صحة هذا التأوبل وأنه يروح بها عن المكروب وقوله يبعثها بالرحمة

وبالعذاب صريح في أنها مخلوقة مأمورة بالرحمة تارة وبالعذاب أخرى وهذا دليل على صحة هذا التأويل ثم قال حديث آخر في هذا المعنى من حديث دعلج عن ابن خزيمة بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وهو

مولي ظهره إلى اليمين إني أجد نفس الرحمن من هاهنا وروى ابن بطة في مكاتبته إلى بعض أصدقائه بإسناده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الإيمان يمان والحكمة يمانية وأجد نفس ربكم الكريم من قبل اليمن قال القاضي ومعناه ما تقدم من الحديث الذي قبله وهو أني أجد تفريج الله عني وتنفيسه عن كربي بنصرته إياي من قبل اليمن وذلك لما نصره المهاجرون والأنصار نفس الله عن نبيه ما كان فيه من أذى المشركين وقتلهم الله على أيدي المهاجرين من أهل اليمن والأنصار وكان صلى الله عليه وسلم كثيرًا ما يمدح أهل اليمن فروي عنه أنه قال الإيمان يمان والحكمة يمانية وإنما وجب حمله على ذلك لما تقدم في الحديث الذي قبله وأن فيه ما دل على أن النفس مخلوق لأنه أضافه إلى الريح والريح مخلوقة من جهة أنها مأمورة بالرحمة والعذاب فوجب حمل هذا

المطلق على ذلك قال ورأيت في بعض مكاتبات ابن بطة إلى بعض أصدقائه وقد ذكر هذين الخبرين حديث جابر إذا رأيتم الريح فلا تسبوها وحديث ابن هريرة أجد نفس ربكم وحكى كلام ابن قتيبة في ذلك فقال أنت في نفس من أمرك أي في سعة وقوله من نفس الرحمن معناه أن يفرج بها الكرب ويذهب بها الجدب يقال اللهم نفس عني أي فرج عني وذكر كلامًا طويلاً

ثم قال ابن بطة بعده ومما يشهد لصحة هذا التأويل وأن الريح من نفس ربكم وإنما أراد بالنفس الفرج والروح ما سمعت أبا بكر بن الأنباري يقول إنما سميت الريح ريحًا لأن الغالب عليها في هبوبها المجيء بالروح والراحة وانقطاع هبوبها يكسب الكرب والغم والأذى فهي مأخوذة من الروح وأصلها روح فصارت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ثم قال ابن بطة فهذا ما قاله أهل العلم بتأويل الكتاب والسنة وكلام العرب في تأويل الريح ومعنى النفس بها وفي كتاب الله تعالى ما دل على أنها بمعنى الفرج من الغم والنفس من الكرب إذ الغم والضيق يكونان بركودها

كما يدل عليه قوله عز وجل حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا [يونس 22] وقوله وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ [الأعراف 57] وقوله إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ [الشورى 33] قال القاضي أبو يعلى وفي معنى ذلك حديث رواه ابن فورك ولم يقع لي طريقه أنه قال هذا نفس ربي أجده بين كتفي أتتكم الساعة معناه هذا فرج الله عني صرف به همومي وغمومي وكشف عن قلبي وسرى عن فؤادي ما كان يجده صلى الله عليه وسلم في مستقبل أوقاته من زوائد

روح اليقين والألطاف فسمى ذلك نفس الرب لأنه هو الذي نفس به عنه والإضافة إلى طريق الملك والموجب لحمله على ذلك ما تقدم من الخبر الأول وقد بينا أن فيه ما دل عليه قلت فهذا كلام القاضي وما ذكره فيه من كلام غيره وقد بين أنه إنما تأول هذا الخبر لأن في الخبر نفسه ما دل على صحة التأويل ومثل هذا لا نزاع فيه فإنه إذا كان في الحديث الواحد متصلاً به ما يبين معناه فذلك مثل التخصيص المتصل ومثل هذا لا يقال فيه إنه خلاف الظاهر بل ذلك هو الظاهر بلا نزاع بين الناس ولهذا يقبل مثل ذلك في الإقرار والطلاق والعتاق والنذر واليمين وغير ذلك من المواضع التي ليس له أن يرفع الظاهر بعد تمام الكلام وله أن يصل بالكلام من

الاستثناء والشرط والعطف والصفات والأحوال وغير ذلك مما يقيد أوله ويخصه ويصرفه عن موجب إطلاقه بل لا نزاع بين الناس إلا نزاعًا شاذًا في الطلاق أو فيه وفي العتق فإن في الناس من يقول إنه لا يقبل رفع مطلقه بشرط ملحق ولا باستثناء يروى ذلك عن شريح وهو قول في مذهب أحمد وهو رواية شاذة عنه والمتواتر عنه وعن سائر العلماء خلاف ذلك وهو الصواب وليس المقصود هنا الكلام على خصوص هذه الأحاديث وتفسيرها ولكن الغرض الكلام على ما احتج به المؤسس من

أن صرف الظواهر متفق على الحاجة إليه ومقصوده بذلك صرفها بالأدلة القياسية كما قد قرره في أثناء الكتاب وبين أن اللفظ لا يجوز صرفه عن ظاهره إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره محال وأن الدليل القاطع لا يجوز صرفه عن ظاهره إلا عند قيام دليل قاطع آخر وهذا محال وهذا الذي قاله خلاف ما اتفقت عليه الأمة وقد حكى هو في غير هذا الموضع اتفاق الأمة على خلافه كما سنذكره إن شاء الله تعالى في موضعه الوجه الخامس أن قوله قلوب العباد بين أصبعين من

أصابع الرحمن قد نص أحمد على رد تأويل الجهمية فيه روى الخلال في كتاب السنة عن أبي طالب قال قلت لأبي عبد الله قال أبو إسحاق بن أبي الليث الذين يصفون ربهم يقول هو السميع البصير قال عافاه الله كأنه أعجبه قوله قلت ما تقول أنت قال أقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ووصف ولا يجوز الحديث قال بين أصبعين وقال خلق الله آدم وكما جاء في الحديث

مثل هذا قلنا مثله قلت فنحن الذين يصفون قال نعم قال وصف النبي صلى الله عليه وسلم لا نجوزه

فصل قال الرازي الرابع حكي أن المعتزلة تمسكوا في خلق القرآن بما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال تأتي سورة البقرة وآل عمران كذا وكذا يوم القيامة كأنهما غمامتان فأجاب أحمد ابن حنبل وقال يعني ثواب قارئيهما وهذا تصريح منه بالتأويل

يقال هذه الحجة والجواب عنها مذكور فيما حفظ من مناظرة أحمد للجهمية من المعتزلة وغيرهم لما حبس وامتحن وهو أيضًا مذكور فيما خرجه في الرد على الجهمية فقال فيما خرجه وقد ذكره الخلال عنه في كتاب السنة باب ما ادعت الجهمية أن القرآن مخلوق من الأحاديث التي رويت أن القرآن يجيء في صورة الشاب الشاحب فيأتي صاحبه فيقول هل تعرفني فيقول له من أنت فيقول أنا القرآن الذي أظمأت نهارك وأسهرت

ليلك قال فيأتي الله به فيقول يا رب فادَّعوا أن القرآن مخلوق من هذه الأحاديث فقلنا لهم إن القرآن لا يجيء إنه قد جاء من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فله كذا وكذا

ألا ترون أن من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ لا تجيئه يجيء ثوابه لأنا نقرأ القرآن ويجيء ثواب القرآن فيقول يا رب كلام الله لا يجيء ولا يتغير من حال إلى حال وأما كلامه في المناظرة فروى الخلال في كتاب السنة أخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثهم أن

أبا عبد الله قال احتجوا علي يومئذ فقالوا تجيء البقرة يوم القيامة وتجيء تبارك وقلت لهم إن هذا الثواب قال الله تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] إنما تأتي قدرته إنما القرآن أمثال ومواعظ وكذا وكذا وأمر وقال حنبل في موضع آخر ومواعظ وأمر وزجر

وهذا نظير ما روي عن مجيء سائر الأعمال الصالحة في الصور الحسنة ومثل ما في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور الذي رواه أحمد من حديثه حدثنا

أبو معاوية قال حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان أبي عمر عن البراء بن عازب قال

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله وكأن على رؤوسنا الطير في يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال أستعيذ بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثًا ثم قال إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا نزلت إليه ملائكة بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من كفن الجنة وحنوط من حنوط الجنة فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقا فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك

الكفن وذلك الحنوط فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيبة فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه في الدنيا حتى ينتهون بها إلى السماء الدنيا ثم إلى التي تليها حتى ينتهون بها إلى السماء السابعة فيقول الله تعالى اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه إلى جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هو رسول الله فيقولان له وما علمك فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت

قال فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي أفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة فيأتيه من ريحها وطيبها فيفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه طيب الريح فيقول له أبشر بالذي يَسُرُّك فهذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول ربِّ أقم الساعة رب أقم الساعة ثلاثًا حتى أرجع إلى أهلي ومالي قال وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط الله وغضبه

فتتفرق في أعضائه كلها فينتزعها نزع السفود من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب قال فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في تلك المسوح قال ويخرج منها كأنتن جيفة وجدت على الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمي بها في الدنيا حتى ينتهون بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون لها فلا يُفتح

لها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف 40] ثم يقول الله تعالى اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى قال فيطرح روحه طرحًا ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) [الحج 31] قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك فيقول هاه هاه لا أدري قال فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم فيقول هاه هاه لا أدري فينادي منادٍ من السماء كذب عبدي فأفرشوه من النار وألبسوه من النار وافتحوا له بابًا إلى النار فيدخل عليه من حرها وسمومها ويضيق عليه في قبره

حتى تختلف فيه أضلاعه قال ويأتيه رجل قبيح الوجه منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول أنا عملك السيئ فيقول رب لا تقم الساعة وكذلك ما جاء في الكتاب والسنة من حمل الأعمال ووزنها كقوله تعالى قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ

أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) [الأنعام 31] وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم وفي السنن لأبي داود وغيره عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما من شيء يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن

والمعنى الظاهر الذي يظهر للمخاطب من قوله يجيء عمله في صورة رجل أن الله تعالى يخلق من عمله صورة يصورها ليس المعنى الظاهر أن نفس أقواله وأفعاله على صورة رجل فإن هذا لا يظهر من هذا الخطاب ولا يفهمه أحد منه وعلى هذا فلا يكون هذا الخطاب مصروفًا عن ظاهره ولكن أزيل عنه المعنى الفاسد الذي يتأوله عليه المبتدع حيث جعل نفس كلام الله الذي تكلم به هو الصورة المصورة كما جعلوا نفس المسيح ابن مريم هو كلمة الله التي تكلم بها وإنما المسيح تكوَّن بكلمة الله فسمي كلمة الله لذلك وليس ظاهر الخطاب أن نفس كلام الله هو نفس جسد المسيح فالمفعول بالكلمة والمفعول مما يقرؤه الإنسان ويعمله من الصالحات يسمى باسمها فلو قيل إن في هذا نوعًا من التوسع والتجوز حيث سمي

ما يكون عن العمل باسم العمل لكان هذا سايغًا لكن ذلك لا يمنع أن يكون ذلك هو المعنى الظاهر كما تقدم نظيره هذا مع أن الناس قد تنازعوا في نفس الأعراض من العمال وغيرها هل يجوز قلبها أجسامًا قائمة بأنفسها وذكر النزاع في ذلك أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات فقال واختلف يعني أهل الكلام

ونحوهم في قلب الأعراض أجساماً والأجسام أعراضًا فقال قائلون منهم حفص الفرد وغيره جائز أن تقلب الأعراض أجسامًا والأجسام أعراضًا لأنه خلق الجسم جسمًا والعرض عرضًا وإنما كان العرض عرضًا بأن خلقه الله عرضًا وكان الجسم جسمًا بأن خلقه الله جسمًا فجائز أن يكون الذي خلقه الله عرضًا أن يخلقه جسمًا والذي خلقه جسمًا يخلقه عرضًا وكذلك زعم أن الله تعالى خلق اللون

لونًا والطعم طعمًا وكذلك قوله في سائر الأجناس وأن الأشياء إنما هي على ما هي عليه بأن خلقت كذلك وأن الإنسان لم يفعل الأشياء على ما هي عليه ولم تكن على ما هي عليه بأن فعلها كذلك قال وقال أكثر أهل النظر بإنكار قلب الأعراض أجسامًا والجسام أعراضاً وقالوا ذلك محال لأن القلب إنما هو رفع الأعراض وإحداث أعراض والأعراض لا تحتمل أعراضًا واعتلوا بعلل كثيرة قلت والقول الأول قول طوائف من العلماء منهم

أبو الوفاء بن عقيل قال في كفايته في الجواب عن هذا الحديث لما احتجت به المعتزلة على خلق القرآن فقال والجواب أن هذا معنى ثوابها بدليل قوله اتقوا النار ولو بشق تمرة ومعلوم أن التمرة لا تقيه فضلاً عن شقها وإنما

المراد به اتقوا النار ولو بثواب شق تمرة قالوا الثواب عرض فكيف تقول والكلام عندك عرض فكيف يجيء فرجع الكلام يردك فأنت احتججت وأنت أخذت بما به استدللت قال ولأن الله قادر على أن يقلب العرض جسمًا والجسم عرضًا ولأنه يحتمل أن يكون من بعض ثوابه شخص كولدان الجنة وحورها فيجيء ذلك الوليد في هذه الصورة قلت ثم إني وجدت هذا التمثيل الذي ذكرته من تمثيل

مجيء القرآن في صورة مجيء عمله الصالح في صورة قد ذكروه أئمة السنة كما ذكر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على المريسي ومتبعيه قال في كلامه عليه في النزول فكان من أعظم حجج المعارض لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في النزول حكاية حكاها عن أبي معاوية لعلها مكذوبة عليه أنه قال نزوله أمره وسلطانه وملائكته ورحمته وما أشبهها فتكلم على إبطال ذلك بما ليس هذا موضعه إلى أن قال ثم قلت ويحتمل ما قال أبو معاوية أن نزوله أمره وسلطانه

كما يرون أن القرآن يجيء يوم القيامة شافعًا مشفعًا وماحلاً مصدقًا فقالوا معنى ذلك أنه ثوابه فإن جاز لهم هذا التأويل في القرآن جاز لنا أن نقول إنا نزوله أمره ورحمته قال فيقال لهذا المعارض لقد قست بغير أصل ولا مثال لأن العلماء قد علموا أن القرآن كلام والكلام لا يقوم بنفسه شيئًا قائماً حتى تقيمه الألسن ويستبين عليها وأنه بنفسه لا يقدر على المجيء والتحرك والنزول بغير

منزل ولا محرك إلا أن يؤتى به وينزل والله تعالى حي قيوم ملك عظيم قائم بنفسه في عزه وبهائه يفعل ما يشاء كما يشاء وينزل بلا منزل ويرتفع بلا رافع ويفعل ما يشاء بغير استعانة بأحد ولا حاجة فيما يفعل إلى أحد فلا يقاس الحي القيوم الفعال لما يشاء بالكلام الذي ليس له عين قائم حتى تقيمه الألسن ولا له أمر ولا قدرة ولا يستبين إلا بقراءة أرأيت إن كان نزوله أمره ورحمته لا تنزل إلا في ثلث الليل ثم إلى السماء الدنيا وما بال أمره ورحمته في دعواك لا ينزل إلى الأرض حيث مستقر العباد ممن يريد الله أن يرحم ويحب ويعطي فما بالها تنزل إلى

السماء الدنيا لا تجوزها وما بال رحمته تبقى على عباده من ثلث الليل إلى انفجار الفجر ثم ترجع من حيث جاءت بزعمك وما باله إذ الله بزعمك في الأرض فإذا استرحمه عباده واستغفروه وتضرعوا إليه بَعَّدَ عنهم رحمته على السماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام ولا يغشيهم إياها وهو معهم في الأرض بزعمك إذ زعمت أن نزوله تقريب رحمته إياهم كقوله الآخر من تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا فقلت هذا تقرب بالرحمة ففي دعواك في تفسير النزول من تقرب إليه شبرًا

تباعد هو عنه مسيرة ما بين الأرض إلى السماء أو كلما ازداد العباد إلى الله اقترابًا تباعد هو برحمته عنهم بعد ما بين السماء والأرض بزعمك لقد علمت أيها الجاهل أن هذا تفسير محال يدعو إلى ضلال والحديث نفسه يبطل هذا التفسير ويكذبه غير أنه أغيظ حديث للجهمية وأنقض شيء لدعواهم لأنهم لا يقرون أن الله فوق عرشه فوق سمواته ولكنه في الأرض كما هو في السماء فكيف ينزل إلى سماء الدنيا من هو تحتها في الأرض وجميع الأماكن منها ولفظ الحديث ناقض لدعواهم وقاطع لحججهم قال وأخرى أنه قد عقل كل ذي عقل ورأي أن القول لا يتحول صورة له لسان وفم ينطق ويشفع فحين اتفقت المعرفة من المسلمين أن ذلك كذلك علموا أن ذلك

ثواب يصوره الله تعالى بقدرته صورة رجل يبشر به المؤمنين لأنه لو كان للقرآن صورة كصورة الإنسان لم يتشعب أكثر من ألف ألف صورة فيأتي أكثر من ألف ألف شافعًا وماحلاً لأن الصورة الواحدة إذ هي أتت واحدًا زالت عن غيره فهذا معقول لا يجهله إلا كل جهول قال وهذا كحديث الأعمش عن المنهال عن زاذان عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل إذا مات تأتيه أعماله الصالحة في صورة رجل في أحسن هيئة وأحسن لباس وأطيب ريح فيقول له من أنت فيقول أنا عملك الصالح كان حسنًا فكذلك تراني

حسنًا وإن كان طيبًا تراه طيبًا وكذلك العمل السيئ بأتي صاحبه فيقول له مثل ذلك ويبشره بعذاب الله قال وإنما عملهما الصلاة والزكاة والصيام وما أشبهها من الأعمال الصالحة وعمل الآخر الزنا والربا وقتل النفس بغير حقها وما أشبهها من المعاصي وقد اضمحلت وذهبت في الدنيا فيصور الله بقدرته للمؤمن والفاجر ثوابها وعقابها ويبشرهما به إكرامًا للمؤمنين وحسرة على الكافرين وهذا المعنى أوضح من الشمس وقد علمتم ذلك إن شاء الله تعالى ولكن تغالطون وتدلسون وعليكم أوزاركم وأوزار من تضلون وقال

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل