الجزء الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
واستعملها السلف والأئمة كما يقال إذا كان العبد ينزه نفسه عن شريك أو أنثى فتنزيه ربه أولى وإذا كان العبد عالماً قادراً فالله أولى وكذلك هذه فإن حاصلها أنه إذا جاز رؤية الموجود المحدث الممكن فرؤية الموجود الواجب القديم أولى وإذا كان المخلوق الناقص في وجوده يجوز أن يرى ويحس به فالرب الكامل في وجوده أحق بأن يرى فإن كون الشيء بحيث يرى كمال في حقه لا نقص لأن كونه لا يرى ولا يحس به لا يثبت في الشاهد إلا للمعدوم فكل صفة لم نعلمها تثبت إلا لمعدوم لا تكون صفة كمال بخلاف الصفات التي تثبت للموجود دون المعدوم فإنها لا تكون صفة نقص إلا بالنسبة إلى وجود آخر هو أكمل منها وكل صفة لا تثبت للمعدوم ولا يختص بها الناقص فإنها لا تكون إلا صفة كمال وهذه الطريقة في المسألة يتبين بها أن جواز الرؤية من صفات الكمال التي هو الباري أحق بها من المخلوقات ونظيرها في مسألة العلو أن علة الشيء بنفسه على غيره صفة كمال كما أن قدرته عليه صفة كمال وإذا كامن كذلك فالله أحق بهذه الصفة من جميع ما يوصف بها غيره فيجب أن يكون عالياً بنفسه وكذلك تميزه بذاته عن غيره هي صفة
لا يوصف بها المعدوم ولا تختص بالناقصات فتكون صفة كمال فيجب اتصاف الله بها وذلك يوجب مباينته للعالم لكن قد علمنا أنا لم نكتب هنا ما يحتج به أهل الإثبات ولكن تكلمنا على ما ذكره الرازي ولوازمه فبينا أن هذه الحجة القياسية المذكورة في الرؤية مضمونها أنا إنما نرى الأشياء لكونها موجودة والله سبحانه وتعالى موجود بل هو أكمل في الوجود فيجب أن تكون رؤيته جائزة وتلخيصها أن يقال لا ريب أنا نرى الموجودات من الجواهر والأعراض كالألوان والمقادير مثل الطول والقصر ونحوهما دون المعدومات واختصاص الرؤية الموجود دون المعدوم يقتضي أن المقتضي لجواز الرؤية مختص الوجود ومعنى هذا أنه لا يجوز أن يكون الموجود والمعدوم في الرؤية سواء إذ لو كانا متماثلين في ذلك لم يجز اختلافهما في رؤية أحدهما دون الآخر فليس المراد بقولنا إن علة الرؤية أو المقتضي لها مختص بالوجود إثبات علة أو سبب زائد على حقيقة الموجود مقتضٍ لصحة رؤيته كما توهمه من قال في الأحكام ما يعلل منها وما لا يعلل فيجوز أن تكون الرؤية من الأحكام التي لا تعلل بل المراد أن كون أحد الجنسين تصح رؤيته دون الآخر يقتضي اختلافهما في ذلك وعدم تماثلهما
سواء كان سبب هذا الاختلاف نفس ذات الموجود أو صفة له أو غير ذلك وهذا لا ينازع فيه من فهمه وإذا كان المقتضي بجواز الرؤية مختصاً بالموجود فإما أن يكون قدراً مشتركاً بين المرئيات من الجواهر والأعراض أو أمراً مختصاً ببعضها لكن الثاني باطل فإن الحكم المشترك يجب أن يكون سببه مشتركاً لأنه لو كان سببه مختصاً كان الحكم موجوداً مع وجوده وموجوداً مع عدمه فلا يكون الحكم متوقفاً عليه بل يكون ذلك الوصف عديم التأثير فيه لا أثر له في وجوده إذ هو موجود مع عدمه كوجوده مع وجوده وهذا بين وقد نبهنا عليه فيما تقدم في تمال العلل والمعلولات وتكلمنا على النقض وعدم التأثير وبينا الفرق بين العلة التامة التي لا تتبعض وغير التامة وعلى هذا فرؤية كل
شيء خاص من نوع أو شخص يشارك رؤية غيره في مطلق الرؤية ويفارقها في خصوص رؤية ذلك النوع أو الشخص كما أن المرئي يشارك غيره في كونه موجوداً مرئياً ويفارقها بخصوص نوعه وشخصه فيكون الحكم المطلق المشترك وهومطلق الرؤية معلقاً بالقدر المشترك بين المرئيات والحكم الخاص وهو الرؤية الخاصة معلقاً بالقدر المختص في كل نوع وشخص على حدته وبهذا التحقيق يندفع ما يقال هناك إن الرؤية قد تكون معلقة بخصوص المرئي مثل أن تكون رؤية الجواهر والأعراض معلقة تخص الأعراض فإنه إذا فهم أن الرؤية جنس تحتها أنواع كالمرئيات وأن العام المطلق يضاف إلى العام المطلق والخاص المقيد يضاف إلى الخاص المقيد اندفع هذا وغيره ويزول ما ينقض العلة ويبين عدم تأثيرها وإذا كان كذلك وأن المقتضي لها مشترك فالمشترك بين
المرئيات من العيان القائمة بأنفسها والصفات القائمة بغيرها إما الوجود ولوازمه وإما غير ذلك والذي هو غير ذلك هو أخص من الوجود وما كان غير ذلك فلابد أن يستلزم العدم سواء قيل هو الحدوث أو غير ذلك مثل بعض لوازم الحدث لأن المشترك إذا لم يكن هو الوجود ولا شيئاً من لوازمه التي يلزم من عدمها عدم الوجود كان أخص من الوجود بحيث يكون وجود خاص لئلا يلزم من عدم هذا الوجود الخاص عدم الوجود بالكلية إذ كل ما هو مساوٍ للوجود في العموم أو هو أعم منه كالمعلوم والمذكور يلزم من نفيه نفي الوجود وهو من لوازم الوجود والكلام هنا في القسم الثاني الذي ليس الوجود ولا شيئاً من لوازمه ولم نقل ولا شيئاً من ملازمه وهذا الوجود الخاص الذي يقدر أنه سبب الرؤية لا يجوز أن يكون هو الوجوب الواجب فإنا تكلمنا في رؤية المشهودات المخلوقة مع أن علة الرؤية إذا كان هو الوجود الواجب كان ذلك أبلغ في جواز رؤية الله تعالى فإنه سبحانه هو الوجود الواجب لكن ليس الأمر كذلك
وإذا كان الأمر كذلك فهذا المقتضي للرؤية على هذا التقدير الذي هو أخص من الوجود إما أن يكون ما يدخل فيه الوجود الواجب أو لا يكون فإن كان المقتضي لجواز الرؤية مايتناول الوجود الواجب ثبت أن المقتضي لجواز الرؤية أمر مشترك بين الوجود الواجب وبين غيره من المرئيات وهذا هو المطلوب وإن كان المقتضي الأخص لا يدخل فيه الوجود الواجب وجب أن يكون مختصاً بما عدا الوجود وهذا سواء كان هو الإمكان أو الحدوث أو ما هو أخص من الإمكان والحدوث مثل التحيز أو المقابلة عند من يقول ذلك هو المقتضي للرؤية وهو منتفٍ في حق الله أو المشروط بالثمانية التي يذكرها المعتزلة أو غير ذلك وكل هذه الأمور إذا قيل بانتفائها عن
واجب الوجود واختصاصها بالمخلوق فإنها مستلزمة للعدم وأقل ما يكون لقبول العدم فإن كل ما لا يدخل في الوجود الواجب فهو قابل للعدم بل هو معدوم تارة وموجود أخرى وإذا كان كذلك ظهر أن المقتضي للرؤية إذا لم يكن هو الوجود أو لوازمه كان مستلزماً للعدم وإن شئت لقبول العدم وبهذا التقسيم الدائر بين النفي والإثبات انقطع ما يورد هنا من السؤالات وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون المقتضي لرؤية المرئيات أمراً يشترط فيه العدم أو قبوله لأن كونه معدوماً أو قابلاً للعدم لا يكون مقتضياً لأمر وجودي فالرؤية أمر وجودي والأمر الوجودي لا تكون علته أمراً عدمياً والعلم بهذا بديهي لمن تصوره لكن قد يكون الأمر العدمي مستلزماً لوجود مثل عدم الموانع المستلزمة لكمال العلة بوجود شروطها التي هي أجزاء العلة التامة فيضاف الحكم إلى ذلك العدم ويكون ذلك إضافة إلى علة ناقصة والعلة الناقصة تكون جزءاً وشرطاً من العلة
التامة والعدم وإن كان في الظاهر جزءاً من العلة التامة فلابد أن يستلزم أمراً وجودياً وإلا فيمتنع أن يكون العدم علة للوجود أو جزءاً من علة الحقيقة بوجه من الوجوه وإذا كان كذلك امتنع أن يكون المقتضي للرؤية التي هي أمر موجود أمراً يستلزم العدم أو قبول العدم لأنه يكون العدم أو قبول العدم جزءاً من علة الأمر الموجود وهذا باطل فإن قيل هذا أو قبوله إنما كان علة للأمر الموجود لأنه يستلزم أمراً وجودياً كان ذلك الوجود هو جزء العلة في الحقيقة فلا يكون علة الرؤية إلا الوجود أو لوازم الوجود لا يكون ما يستلزم العدم أو قبوله وإذا لم تكن العلة ما يستلزم العدم أو قبوله بطل أن يكون علة الرؤية الحدوث أو شيئاً يختص بالمحدثات أو ببعضها أو الإمكان أو وصفاً يختص بالممكنات أو ببعضها ووج أن يكون قدراً مشتركاً بين القديم والمحدث بين الواجب والممكن بل أن يكون القديم الواجب أحق به فإنه إن كان هو الوجود فظاهر وإن كان شيئاً من لوازم الوجود فذلك الوصف متى انتفى انتفى الوجود فلا يكون ثابتاً إلا بثبوت الوجود ومن المعلوم أن الوجود وجميع لوازم الوجود مشتركة بين الواجب والممكن والقديم والمحدث وإذا كان كذلك ثبت أن المقتضي للرؤية أمر ثابت في حق الله تعالى القديم الواجب
الوجود فتكون رؤية الله جائزة بل تكون أحق بجواز الرؤية لأن وجوده أكمل من وجود غيره ومن فهم هذه الحجة على هذا الوجه ظهر له أنها برهانية وأمكنه دفع تلك السؤالات الكثيرة التي تورد إذا ذكرت على هذا النظم ولولا أن هذا ليس موضع ذلك وإلا كنا نفعل ذلك مفصلاً لكن فالجواب عما أورده على هذه الحجة في احتجاج ابن الهيصم بها في مسألة العلو فظهر أصل الجواب في مسألة الرؤية وقد ظهر أن حجة ابن الهيصم لم يقررها هو تقريرا ًجيداً فإذا أردت تلخيص هذه الحجة فقل الرؤية مختصة بالموجود دون المعدوم وهذا الاختصاص إما أن يكون للموجود أو لما يساويه في العموم والخصوص أو لما هو أعم منه أو لما هو أخص منه فإن جازت لموجود أو لما
يساويه أو لما هو أعم منه جازت رؤية كل موجود لثبوت الوجود أو ما يساويه أو ما هو أعم منه لكل موجود وإن اكن لما هو أخص من الوجود فإذا كان لما يندرج في الواجب جاز رؤيته أيضاً لوجود نقيضها وهو الوصف الذي يوجد للواجب وغيره وإن كان لا يندرج فيه الواجب فما سوى الواجب فهو محدث عند أهل الملل قد كان معدوماً وهو قابل للعدم بلا نزاع فيكون المقتضي للرؤية لابد أن يشترط فيه العدم أو قبوله ولا يجوز ذلك لأن الأمور الوجودية لا يشترك في علتها العدم ولا قبول العدم وطرد هذه الحجة يوجب ثبوت كل أمر وجودي ويقال على هذا جميع لنقائص التي يجب تنزيهه تعالى عنها فإنما هو لاستلزامها العدم وأما الوجود من حيث هو وجود فهو كمال فلا يجوز نفيه عنه وهذه الطريق توافق قول من يقول الكمال وهو الوجود وتوابعه وهو الخير والشر عدم الوجود وعدم كماله وبها يمكن أن نثبت جميع الصفات كالسمع والبصر والكلام فإنها وجود ليس فيها عدم والنقائص التي هي ضد هذه فيها العدم وهو عدم هذه الأمور وكلام السلف والأئمة موافق لهذه الطريقة حيث كانوا ينزهونه عن النقائص التي يشبه فيها المعدوم أو الموات العادم
لصفات الكمال وهذا موافق ما قدمناه قبل هذا من أن ما كان صفة للعدم لم يجز أن يوصف الله به وإنما يوصف من السلوب بما كان مستلزماً للوجود إذ العدم المحض ليس فيه ثناء وحمد وصفات الله فيها الثناء والحمد وهذا يطابق أن الموجود من حيث هو فيه الثناء والحمد والحمد لله رب العالمين ونكتة هذه الحجة أن كل حكم ثبت لمحض الوجود فالوجود الواجب أولى به من الممكن وكذلك من الأمثال المضروبة وهي الأقيسة العقلية ولله المثل الأعلى أن كل كمال ثبت لموجود فالواجب أولى به من الممكن وكل كمال يوجد في المربوب فالرب أولى به من العبد وهذا مما سلكه الفلاسفة لكن يعبرون بمعنى التولد فيقولون كل كمال
ثبت للمعلول فإنه من أثر العلة والعلة أولى به من المعلول وهذه أقيسة عقلية وأمثال مضروبة ولله المثل الأعلى تستعمل في عامة الأمور الإلهية كما ورد الكتاب والسنة بنحو ذلك كما قد بيناه في غير هذا الموضع وقولنا في هذه الحجة كل حكم ثبت لمحض الوجود يخرج الأحكام التي تتضمن العدم مثل الأكل والشرب فإن ذلك يستلزم كون الآكل والشارب أجوف بحيث يحصل الغذاء الذي هو أجسام في محل خال لاسيما إذا كان قد خرج غيره بالتحلل ويكون بدل المتحلل فيكون متضمناً خروج شيء من الجسم وذلك نقص منه وهو صفة عدمية ووجود أجزاء فيه وذلك يستلزم خالياً وهو نقص فيه وهو صفة عدمية وهذا
ينافي الصمدية فإن الصمد هو الذي لا جوف له فلا يأكل ولا يشرب ولا يلد ولا يخرج منه شيء ولا غيره من جنس الفضلات التي تخرج من الإنسان فإن دخول جسم فيه أو خروج جسم منه يتضمن النقص المستلزم لأمر عدمي وهذا ينافي الصمدية وليس هو من الأحكام الثابتة لمحض الوجود بل من الأحكام المتضمنة وجوداً أو عدماً فلا جرم لم يكن سبب ذلك وصفاً يتناول الواجب والممكن بل وصف يختص بالممكن المحدث وهوالحاجة والافتقار في الطعام لإخلاف بدل ما يتحلل من البدن وفي الإنزال لدفع الضرر الحاصل بسبب المني بمنزلة إخراج الدم عند الحاجة فوجود جسم فيه يضاده ويضاره عجز وفقر من خصائص المخلوق وحاجته إلى جسم خارج منه يتم به وجوده فقر وحاجة من خصائص المخلوق ولهذا كان أهل الجنة يأكلون ويشربون وينكحون ولا يبولون ولا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يمنون وإنما يتحلل الطعام عنهم برشح كرشح المسك
لأن تلك الفضلات مضادة للبدن مؤذية له وليس في الجنة أذى وأما الأكل والشرب فإنما هو استكمال بعد نقص وهذا من لوازم المخلوقات وهذا مبسوط في غير هذا الموضع ولهذا قال سبحانه مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ [المائدة 75] فأكل الطعام ينافي الصمدية ويوجب الفقر والحاجة المنافي للربوبية من وجوه متعددة وهكذا سائر الأحكام التي تعرض لبعض الموجودات والرب منزه عنها مثل السنة والنوم هما من الحكام المتضمنة أمراً عدمياً فليس هو من أحكام الوجود المحض ولهذا كان أهل الجنة مع كونهم موجودين لا ينامون فإن النوم أخو الموت وهو يتضمن أمراً عدمياً وكذلك العجز والجهل
والصمم والعمى وسائر ما ينافي صفات الكمال وإن وصف به بعض الموجودات فإنه متضمن أمراً عدمياً وهذا معنى النقص فإن النقص يتضمن أمرًا عدمياً وكل مل تضمن عدماً محضاً فإن الله لا يوصف به فإنه يقتضي العدم المحض إذ هو الوجود الواجب وإنما يوصف بالصفات السلبية المتضمنة أمراً وجودياً وأما طرد هذه الحجة في الإدراكات الأربعة هي السمع واللمس والشم والذوق فإنه وإن كان طردها طائفة من الصفاتية كالأشعري وأئمة أصحابه فلا يحتاج إلى ذلك عند التأمل بل يفصل الأمر فيه وإذا فصل تفصيلاً يقتضيه العقل الصريح كان ذلك موافقاً لما جاءت به الآثار وعليه أئمة الحديث وذلك أن السمع لم يتعلق بالجوهر والأعراض كالرؤية وإنما يتعلق بنوع من الأعراض وهو الأصوات مثلاً فإذا لم يكن متعلقاً بشيء قائم بنفسه كيف يمكن طرده في كل موجود قائم بنفسه حتى يقال إنه يمكن سمعه أما اللمس فإنه يتعلق بالجواهر والأعراض وهو الذي أورده من جهة الإلزام فلزم لزوماً واضحاً لكن قاسوا عليه بقية
الإدراكات فلا جرم جاءت الأحاديث بثبوت المماسة كما دل على ذلك القرآن وقاله أئمة السلف وهو نظير الرؤية وهو متعلق بمسألة العرش وخلق آدم يده وغير ذلك من مسائل الصفات وإن كان قد نفاه طوائف من أهل الكلام والحديث من أصحاب الإمام أحمد وغيرهم وليس هذا موضع الكلام فيه وإنما الغرض التنبيه على مجامع هذه الحجة وأما الذوق فهو مس خاص وكذلك الشم مس خاص فإن الهواء وهو جسم يدخل إلى المنخرين إلى الزائدة التي في الدماغ بخلاف السمع والبصر فإنه ليس فيهما مماسة المرئي والمسموع ولهذا كانت أصول الإحساس ثلاثة السمع والبصر والمس قال تعالى وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ [فصلت 22] ولما كان اللمس جنساً تحته أنواع مختلفة في الحيوان وليس طريقاً عاماً إلى حصول العلم الكلي المجرد في القلب
بل نفس الإحساس وما يتبعه من ملاءمة ومنافرة فيه خصوص في سببه ومقصوده بخلاف السمع والبصر فإنهما طريقان إلى حصول العلم فيهما العلم الكلي في القلب والبصر يحصل به العلم بنفس الحقائق الموجودة والسمع يحصل به العلم بما يقال من أسمائها وصفاتها كان السمع والبصر في كتاب الله مخصوصين بالذكر دون غيرهما من الإحساس فيقال أما قوله في الوجه الأول مدارها على أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة قوله وهذه المقدمة ممنوعة فنقول منع هذه من أعظم السفسطة فإن الشاهد ما نشهده بحواسنا الظاهرة أو الظاهرة والباطنة وليس فيما نشهده شيء إلا محايث لغيره وهي الصفات التي هي الأعراض أو مجانب له بالجهة وهي الأعيان القائمة بنفسها وهي الجواهر فمن منع أن يكون المشهود لا يخلو عن أحد هذين الوصفين فقد منع أن تنقسم المشهودات إلى الجواهر والأعراض ومعلوم أن هذا خلاف اتفاق الخلائق من الأولين والآخرين وخلاف ما يعلم بالضرورة والحس فإن الشيء المشهود إما قائم بنفسه وهو مباين لغيره وإما قائم بغيره وهو محايث له
وأما الوجوه التي ذكرها فعنها أجوبة أحدها أن الاستدلال على ذلك غير مقبول أنه قدح في أظهر الحسيات الضروريات الثاني أن هذا المؤسس وسائر طوائف أهل الحق متفقون على بطلانها وهو من أعظم الناس إبطالاً لما ذكره الفلاسفة في وجود جواهر غير محايثة لغيرها ولما ذكره المعتزلة من وجود أعراض غير محايثة لغيرها بل ما زال الناس يذكرون أن هذا من أعظم المحالات المتناقضة التي أثبتتها المعتزلة حيث أثبتوا إرادات وكراهات لا في محل وأن قولهم هذا يوجب عليهم وجود بقية الأعراض لا في محل وينقض عامة أصولهم الوجه الثالث أن يقال ما ذكروه من الحجة على أن الموجودين لابد وأن يكونا متباينين أو متحايثين هو حجة على
هؤلاء وغيرهم فيكون التزام بطلان هذه الأقوال طرد الدليل والمستدل إذا استدل بدليل يبطل مذهب منازعيه في الصورة التي تنازعا فيها وفي غيره مما لم يذكره لم يكن للمنازع أن ينقض دليله بمجرد مذهبه في صورة النزاع ولا يجب على المستدل أن يخص كل صورة بدليل خاص إذا كان العام يتناول الجميع وبهذا يظهر خطؤه في قوله ما لم تبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول بأن كل موجودين في الشاهد فإما أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه وكذلك قوله ما لم تبطلوا قول المعتزلة بثبوت إرادات وكراهات وفناء لا في محل فإن الدليل الذي ذكروه على أن كل موجودين لابد أن يكون أحدهما مبايناً للآخر أو يكون بحيث هو سواء كان هو الضرورة أو الحجة القياسية حجة على هؤلاء وعلى غيرهم فلا يكون مجرد دعوى هؤلاء أو دعوى غيرهم معارضة لما ذكر من الدليل لكن إن أقاموا حجة على جوهر غير مباين لغيره أو ثبوت عرض غير محايث لغيره كان ذلك الدليل معارضاً لكن هذا لم يذكر والجواب عنه إذا ذكر هو جواب المؤسس وسائر بني آدم وذلك يظهر بالوجه الرابع وهو أن قوله إن جمهور
الفلاسفة يثبتون هذه الأشياء ويصفونها بما ذكر بل هذا تثبته طائفة من الفلاسفة وهم المشاؤون أتباع أرسطو ومن وافقهم وهؤلاء هم الذين سلك سبيلهم الفارابي وابن سبنا وهذا المؤسس من كتب ابن سينا يأخذ مذاهب الفلاسفة
وكثيراً ما يقول اتفق الفلاسفة ولا يكون عنده إلا ما ذكر ابن سينا وليس ما يذكره ابن سينا قول جميع الفلاسفة بل الفلاسفة أعظم تفرقاً وأكثر طوائف من أن يحصر قولهم كلام ابن سينا أو غيره وقد حكى من صنف في المقالات من المسلمين مثل أبي الحسن الأشعري والنوبختي والباقلاني وغيرهم من مقالات الفلاسفة أضعاف أضعاف ما يذكره ابن سينا وهذا المؤسس وكذلك حكايته عن جمهور المعتزلة إثبات إرادات وكراهات وفناء لا في محل وهذا إنما هو قول بعض البصريين وهم أبو علي وأبو هاشم ونحوهما وليس هؤلاء جمهور المعتزلة بل لهم في الإرادة والكراهة وفي الفناء أقوال
كثيرة معروفة هذا واحد منها أما الوجه الثالث الذي ذكره على وجود موجودات في الأعيان وهي الإضافات وأنه يمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة فهذا يعلم فساده بالضرورة والحس واتفاق العقلاء فلا يستحق الجواب فإن بعض الناس قد تنازع في الأمور التي لم يشهدها كالعقول والإرادات أما هذه الأعيان المشهودة فإنه لم يقل عاقل أنه يوجد فيها أمور لا مباينة للغير ولا محايثة له فإذا كان على هذا الوجه لم يستحق الجواب لكنا نبين وجه جهله لتتم الفائدة فنقول الأبوة هي كون الإنسان تولد منه نظيره والبنوة كونه يولد من نظيره أو ما يشبه هذا فإن الولادة داخلة في مسمى الأبوة والبنوة وكون الشيء ولده غيره أو ولد غيره وصف محسوس قائم بالوالد والولد وفي الحقيقة هو صفة ثبوتية فيها إضافة وأما العمومة والخؤولة ففيها ولادتان ولادة الأب للشخص وولادة جده لعمه وبنوة العم فيها ولادة ثالثة وهي ولادة العم لابنه فتفرع النسب يكون متعدد الولادة وقد يكون إحدى الولادات
موجوداً لكن يتوقف الوصف على الأخرى كما يتوقف الأمر في العمومة والخؤولة على نحو ذلك ومن هنا يظن الظان أنها إضافة محضة والتحقيق أن أحد الوصفين وجد قل الآخر ومن المعلوم أن كونه ولد وانفصل عن أبيه وأمه ليس هو سبباً يتبعض حتى يقال ثلث ولادة وربع ولادة أعني إذا خرج جميعه وإذا لم تكن منقسمة لم تكن الأبوة والبنوة منقسمة حتى يقال ثلث الأبوة أو ثلث البنوة كما لا يقال نصف الحيوانية والإنسانية والناطقية ونحو ذلك فظهر أن الأبوة التي هي وجودية محايثة لذات الرب كغيرها وكيف لا يكون ذاك والأبوة من أعظم الصفات القائمة بالأب المغيرة له تغيراً مشهوداً بالحس لما يوجد فيه من محبة الولد والحنو عليه والعطف عليه وأمثال ذلك مما لا يوجبه سائر الصفات فهي بأن تكون قائمة به أولى من غيرها وأما السؤال الثاني وهو قوله كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلاً للإنقسام إليها وقبول القسمة حكم عدمي فلا يكون معللاً فعنه أجوبة
أحدها أن المراد بذلك أن الموجود يلزمه أحد الوصفين أي أن كل موجودين فإنه يلزم أحدهما أن يكون محايثاً للآخر أو مبايناً عنه فلزوم أحد الوصفين للوجود وقيامه به وكونه لا يفارقه هو المعني بقولهم إما أن يكون محايثاً أو يكون مبايناً وهذه القضية التي يسمونها مانعة الخلو مع كونها مانعة الجمع أي أن الموجود لا يخلو عن أحد هذين الأمرين والخلو عن الصفات أمر عدمي فنقيضه يكون وجودياً فثبوت أحد هذين الوصفين للموجود أمر وجودي ليس المراد بهذا التقسيم أن الموجودين ينقسمان إلى ما يكون محايثاً وما يكون مبايناً فإن العرضين القائمين بمحل كل منهما محايثاً للآخر ليس مجانباً له والجوهران كل منهما مجانب للآخر ليس محايثاً له فهذا ليس من باب تقسيم الكلي إلى جزئياته وإنما هو
من باب التقسيم المانع من الجمع بين للقسمين والخلو منهما وبهذا يظهر غلطه في السؤال الثالث أيضاً وإذا كان هذا التقسيم ليس هو القسمة إلى أمرين كتقسيم الكلي والكل وإنما هو بيان لزوم لأحد القسمين ونفي خلو المحلين عنهما جميعاً بطل قوله هذا إشارة إلى كونه قابلاً للإنقسام إليهما بل هذا إشارة إلى لزوم أحدهما الوجه الثاني قوله قبول القسمة حكم عدمي يقال لا نسلم ولا نسلم أن أصل القبول حكم عدمي بل كون الوجود قابلاً لشيء نقيضه عدم كونه ليس بقابل له والقبول رافع لهذا العدم ورافع العدم وجود وهذه الحجة هي التي احتج بها على أن الأبوة وجودية فإن صحت صح أن القبول وجودي وإن بطل ذلك في القبول بطل في الأبوة أيضاً الوجه الثالث قوله لو كان أمراً ثابتاً لكان صفة من صفات الشيء المحكوم عليه بكونه قابلاً والذات قابلة
للصفة القائمة بها فيكون قبول ذلك القبول زائداً عليه ويلزم التسلسل يقال قبول الانقسام ونحوه من الصفات كون ذلك ممكناً في نفس الذات وإمكان الشيء لا يحتاج إلى إمكان آخر وهذه الصفة لازمة للذات ليست الذات قابلتها بمعنى أنه يمكن وجودها ويمكن عدمها بل كونها قابلة أمر لازم لها واجب لها وهذا القبول يراد به عدم الامتناع بمعنى الإمكان العام الذي يدخل فيه الواجب والأولى بمعنى الإمكان الخاص فإذا كان أحد القبولين هو الإمكان الخاص والآخر هو العام وهو بمعنى الوجوب كان ذلك بمعنى الوجوب ووجوب الصفة للموصوف ليس فيه تسلسل وإنما جاء الغلط من لفظ الاشتراك والقبول الوجه الرابع هب أن القبول أمر عدمي فقوله يمتنع تعليله قيل المراد بالتعليل هنا التلازم ليس المراد به أن يكون أحد الأمرين غنياً عن الآخر موجباً له وبهذا الاعتبار يصح أن يكون كل من الأمرين لازماً ملزوماً
فقد تبين بهذه الوجوه الثلاثة أن التقسيم لزوم لا قبول ولو كان قبولاً لم يكن عدمياً ولو كان عدمياً فمعناه أن الموجود لابد له من أن يكون مع غيره من الموجودات إما محايثاً له وإما مبايناً له وهذا لازم لكون الموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وكل قائم بنفسه فهو مباين للقائم بنفسه وكل قائم بغيره فهو محايث لذلك الغير ولما شاركه في القيام بذلك الغير وأما السؤال الثالث فقوله ما الذي تريدون بقولكم الموجود في الشاهد منقسم إلى المحايث والمباين فعنه جوابان أحدهما أن يقال له لم يقولوا هكذا وإنما قالوا الموجودان لابد وأن يكون كل منهما مبايناً للآخر أو محايثاً له والموجود بنفسه مع الموجود الآخر إما مبايناً له أو محايثاً له لم يقولوا إن الموجودات تنقسم إلى قسمين أحدهما مباين والآخر محايث وفرق بين كون الموجود بالنسبة إلى غيره يلزمه أحد الأمرين وبين كون الموجود ينقسم إلى الأمرين وإذا كان كذلك فلزم أحد الأمرين حكم واحد ليس هو حكمين
مختلفين والفرق ظاهر بين أن يكون الموجود ينقسم إلى قائم لنفسه مباين لغيره وهو الجوهر وهو قائم بغيره محايث له وهو العرض وبين أن يقال كل موجود مع غيره فلابد أن يكون مبايناً له أو محايثاً له أو يقال الموجود من حيث هو موجود يلزمه أن يكون قائماً بنفسه أو بغيره فإن هذا حكم واحد لموجود وذاك حكمان مختلفان فهذا الواحد هو ما به الاشتراك وهو مورد التقسيم وذانك الاثنان هما ما به الامتياز وهو ما به يمتاز أحد القسمين عن الآخر بالحكم الواحد المشترك وهو لزوم أحدهما والانقسام إليهما يلزم الوجود المشترك والحكم المختص يلزم القسم الخاص فخصوص كونه قائماً بنفسه حكم النوع الخاص وهو الجوهر وخصوص كونه قائماً بغيره حكم النوع الآخر الخاص وهو العرض ولا ريب أن خصوص كونه جوهراً وعرضاً يصلحان لما يختص بالجوهر والعرض وأما لزوم أحد الحكمين لكل موجودين أو كل موجود وكون الموجود والموجودين لا يخلو عن أحد هذين الوصفين فهذا الحكم المشترك بينهما لا يصلح تعليله بخصوص الجوهر وخصوص العرض وهذا ليس هو أن الموجود في الشاهد منقسم إلى هذين القسمين فليس هو قسمة الكل إلى أجزائه فظهر أن الذي قالوه ليس بغلط ولكن هو
غلط غالًط وهذا مثل أن يقال الموجود لابد أن يكون إما قديماً أو محدثاً وإما أن يكون خالقاً وإما أن يكون مخلوقاً فإن هذا يختص بالموجود فالمعدوم لا يكون قديماً ولا محدثاً ولا خالقاً ولا مخلوقاً فلزوم أحد القسمين حكم مشترك بينهما والموجود من حيث هو مشترك بينهما الجواب الثاني أن يقال هي أنهم قالوا الموجود في الشاهد ينقسم إلى المحايث والمباين فإن انقسام الشيء إلى قسمين حكم واحد ولكن ما يخص أحد القسمين حكم يخالف الآخر فهب أن وجوب المباينة معلل بكونه جوهراً ووجوب المحايثة معلل بكونه عرضاً لكن القدر المشترك وهو لزوم الانقسام وقبوله ووجوب الانقسام إلى جوهر وإلى عرض حكم مشترك بينهما وهذا الحكم المشترك يجب تعليله بالقدر دون الحكم المختص لأن وجوب الانقسام ولزومه وقبوله وكونه بحيث ينقسم إلى قسمين هو مورد التقسيم ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فيجب تعليله بالمشترك فالمقسوم هو الموجود من حيث هو لا وجود الجوهر خاصة ولا وجود
العرض خاصة والموجود وإن لم يكن في الخارج إلا متميزاً فهذه قسمة الكلي إلى جزئياته فهذا حاله بخلاف الكلي الموجود في الخارج كالإنسان مثلاً إذا قسم إلى أجزائه من الرأس واليد ونحو ذلك وأما قوله في السؤال الرابع لِمَ قلتم أنه لابد من تعليله إما بالوجود وإما بالحدوث وما الدليل على الحصر فإنه يمكن أن يقال هنا ثلاثة أشياء أحدها أن يقال البحث التام والسبر التام والاستقراء
التام قد يفيد اليقين تارة كما يفيد الظن القوي أخرى وهذا مما يقال في مواضع وقول القائل الشهادة على النفي غير معلومة ليس بصحيح بل النفي قد يعلم تارة كما يعلم الإثبات الثاني أن يقال هذا يفيد الاعتقاد القوي والظن الغالب وهذا فيه إنصاف وعدل وهو خير من دعوى البراهين القطعية التي تظهر عند التحقيق أنها شبهات وخيالات فاسدة ومن قال لا يجوز أن يحتج في هذا الباب إلا بالقطعي الذي لا يحتمل النقيض قيل له أولاً أنت أول من خالف هذا فأنت دائماً تحتج بما لا يفيد الظن الغالب فضلاً عن اليقين وقيل له ثانياً لا نسلم بل الواجب على كل إنسان أن يأتي بما هو الحق فإن كان عنده علم قاطع قال به والمسائل التي تنازع بنو آدم فيها لأن يحصل للإنسان فيها ظن غالب خير من أن يكون في الحيرة والجهالة أو يكون في التقليد أو الحجج الفاسدة كما هو الواقع كثيراً وسنتكلم إن شاء الله على هذا في الكلام على
الأحاديث وقيل له ثالثاً هذا إذا انضم إلى غيره حصل من مجموعهما اليقين وإن لم يكن اليقين حاصلاً بأحدهما كغير ذلك منم الأدلة السمعية والعقلية الثالث أن هذا يمكن تقريره بالتقسيم الدائر بين النفي والإثبات كما قررناه في مسألة الرؤية وهو أن يقال المشترك بينهما إما أن يكون هو الوجود أو ما هو من لوازمه أو لا الوجود ولا شيئاً من لوازمه وما ليس الوجود ولا شيئاً من لوازمه يكون أخص من الوجود لأن ما هو مساوٍ له في العموم والخصوص وما هو أعم منه لازم له وأما الأخص منه كالحدوث والإمكان فليس بلازم له لأن الوجود قد لا يكون مكناً ولا محدثاً بخلاف الأعم مثل جواز كونه مذكوراً ومعلوماً فإن ذلك يلزم من انتفائه انتفاء كونه موجوداً لأنه أعم منه وإن شئت قلت إما أن يكون هو الوجود أو ما يساويه في العموم والخصوص أو أعم منه أو أخص فإذا كان أخص منه فإما أن يتناول الوجود الواجب أو لا يتناوله فإن تناوله فهو في ذلك كالوجود وإن لم يتناوله فإنه مستلزم الحدوث فإن كل
ما لا يدخل في مسمى واجب الوجود فهو محدث فثبت أن العلة إما أن تكون هي الحدوث أو ما يشترط فيه الحدوث مثل ما هو أخص من الحدوث وإما أن يكون هو الوجود أو ما يتناول واجب الوجود وهذا التقسيم دائر بين النفي والإثبات وإليه يرجع حقيقة قولهم إما الوجود وإما الحدوث وهذا التحرير يظهر الجواب عن السؤال الخامس وهو قوله لا نسلم أنا ما وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث أو الوجود بيانه من وجهين الأول أنه من المحتمل أن يقال المقتضي لقولنا إن الشيء إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة وهو كونه بحيث تصح الإشارة الحسية لأن كل شيئين صح الإشارة إليهما فإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر أو غيره فيقال له كونه بحيث تصح الإشارة الحسية إليه إما أن يكون مطابقاً للوجود في العموم والخصوص بحيث يقال
الموجود لابد أن تصح الإشارة الحسية أصلاً أو تبعاً وأن كل موجودين فلابد أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر أو غيره أو يكون أخص منه فإن كان مطابقاً له حصل المقصود وكذلك إذا كان أعلم منه بطريق الأولى لأنه حينئذ تكون الحجة دليلاً على شيئين على صحة الإشارة الحسية إليه وعلى كونه مبايناً للعالم وإن كانت صحة الإشارة إليه أخص من الوجود بحيث تصح الإشارة الحسية إلى بعض الموجودات دون بعض فإن كان واجب الوجود داخلاً في ذلك صحة الحجة أيضاً وإن لم يكن داخلاً في ذلك كانت صحة الإشارة مستلزماً للحدوث فيكون التعليل بصحة الإشارة الحسية تعليلاً بما يستلزم الحدوث كما سنبينه إن شاء الله وأما قوله في الوجه الثاني إن الجواهر والأعراض مشتركان في الأمر الذي به وقعت المخالفة بينهما وبين الباري فلم لا يجوز أن يكون هذا هو المقتضي لقبول الانقسام إلى المباين والمحايث وحينئذ يبطل قوله لا مشترك بينهما إلا الحدوث
يقال هذه المخالفة لذات الباري المشتركة بينهما هي مستلزمة للحدوث فإنها من خصائصها لا توجد في الباري وما يختص المحدث مستلزم للحدوث وإذا كان كذلك كان حكمه حكم الحدوث فإن قولهم هو الوجود أو الحدوث كل وصف يستلزم الحدوث فحكمه كحكمه في ذلك وكل وصف لازم للوجود بحيث يلزم من عدمه عدم الوجود هو كالوجود فإن رفع التعليل به يقتضي رفع التعليل بالوجود كما تقدم بيانه قوله في السؤال السادس لِمَ لا يجوز أن يكون المقتضي لهذا الحكم الحدوث قوله الحدوث ماهية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فإنه يصدق عليه كونه قابلاً للعدم والوجود وأيضاً كون الشيء منقسماً إلى المحايث والمباين معناه كونه قابلاً للانقسام إلى القسمين فالقابلية إن كانت صفة وجودية كانت في الموضعين كذلك وإن كانت عدمية فكذلك ولا يبعد تعليل عدم بعدم يقال أما الحدوث أو ما يستلزم الحدوث فلا يجوز أن يكون هو علة للأمر الوجودي لأن ذلك مستلزم للعدم وما يستلزم العدم لا يجوز أن يكون علة للأمر الوجودي فلا يعلل
الأمر الوجودي الذي يختص بالموجودات دون المعدومات إلا بأمر وجودي يختص بالموجودات وكذلك لو أريد بالتعليل الملازمة ف5إن الأمر الوجودي لا يكون مستلزماً للأمر المستلزم للعدم لأنه يوجب أن يكون العدم مستلزماً الوجود والعدم لا يكون مستلزماً للوجود فلا تكون الرؤية ولا صحة المحايثة والمبانية مستلزماً لما يتضمن العدم سواء كان هو الحدوث أو ما يستلزم الحدوث إذ كل منهما مستلزم للعدم والوجود لا مستلزم للعدم إلا بطريق استلزامه لوجود يمنع غيره فيكون العدم ضد الوجود أما أن يكون وجود جنس الأمر الوجودي معلقاً بوجود يشترط فيه أن يكون معدوماً فلا قوله كل محدث يصدق عليه كونه قابلاً للوجود والعدم وكذلك كون الشيء منقسماً إلى المحايث والمباين إلى آخره يقال له هذا غلط من وجوه أحدها أن المحدث الذي تجوز رؤيته هو الموجود دون المعدوم فإن المعدوم لا يجوز رؤيته ولا يجوز تعليل رؤية الوجود المنقسم إلى محايث ومباين بأنه محدث منقسم إلى موجود ومعدوم فإن المحدث الذي يدخل فيه المعدوم لا يرى
بحال فهو أعم مما يرى والعلة لا تكون أعم من المعلول وأيضاً فالمحدث الذي يصدق عليه أنه قابل للوجود والعدم إنما هو الحقيقة الذهنية التي لا وجود لها في الخارج فهي تقل أن تكون موجودة وأن تكون معدومة وأما الوجود فلا يقبل ذلك الثاني أنه ليس قبول الحقيقة لأن تكون موجودة ومعدومة مثل قبولها لأن تكون محايثة لغيرها أو مباينة له لأن ذلك القبول لا يقوم بشيء موجود بل هو حكم ذهني وأما هذا الثاني فهو صفة لأمر موجود فإن المحايثة والمباينة صفة لأمر موجود وليس كل واحد من الوجود والعدم صفة لموجود الثالث أن الشيء الذي يقبل الوجود والعدم هو شيء بعينه يقبل الوجود تارة والعدم تارة ليس المحدث ينقسم إلى موجود ومعدوم وأما المحايثة والمباينة فليستا صفتين متعاقبتين على حقيقة واحدة بل الحقيقة الموجودة المطلقة تنقسم إلى محايث موصوفاً بالمباينة وإلى مباين ليس موصوفاً بالمحايثة فليس هذا نظير ذلك الرابع أنا قد بينا أن الحكم الواحد هو لزوم أحدهما للوجود وهذا حكم واحد وجودي ولا يقال إن أحد الأمرين
من الوجود والعدم يلزم المحدث بل المحدث بعد حدوثه لا يكون إلا موجوداً وقبل وجوده لم يكن إلا معدوماً وإن أريد به الحقيقة أنه يلزمها أحد الأمرين فيقال هو يلزمها إما الوجود وإما العدم ولزوم أحد الأمرين واحد وجود والثاني عدم لا يكون وجودياً بخلاف لزوم أحد أمرين وجوديين المباينة والمحايثة فإن لزوم أحد هذين يكون وجودياً الخامس أن الصواب المتفق عليه بين أهل السنة وعقلاء الخلق أن العدم ليس بشيء في الخارج وإنما كان له وجود في العلم وإذا كان كذلك فالمحدث تارة يكون شيئاً وتارة لا يكون شيئاً فلا يكون كونه شيئاً وكونه ليس بشيء علة لكونه محايثاً أو مبايناً فإن هذين يختصان بما هو شيء وما هو شيء لا يكون علة ما يستلزم في أحد حاليه أن لا يكون شيئاً أو لا يكون علة انقسام حالية إلى أن يكون شيئاً تارة وغير شيء أخرى وأما ما أورده على قوله إن الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول من معارضة ذلك بأن يقال العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول فيقال عنه جوابان أحدهما القول بموجب ذلك فإن كل ذي فطرة سليمة لم يتقلد مذهباً يصده ويغير فطرته إذا علم أن الشيء موجود علم أنه إما أن يكون محايثاً لغيره وإما أن يكون مبايناً له كما يعلمون
أن القائم بنفسه لا يكون إلا داخل العالم أو خارجه وإذا قيل له موجود ولا داخل العالم ولا خارجه أو قيل له شيئان موجودان ليس أحدهما مبايناً للآخر ولا هو بحيث هو وفهم ذلك أنكرته فطرته وقوله الجمهور الأعظم وهم أهل التوحيد يعلمون أن الباري جل وعلا موجود ولا يعلمون أنه لابد وأن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً له قلنا ليس الأمر كذلك بل النفاة مغمورون في جانب أهل التوحيد أيضاً فيكون بالنسبة إلى جماهير بني آدم من المسلمين وغيرهم وجمهورهم تقلد هذا القول عن بعض حتى تغيرت فطرته ليس في هؤلاء أحد من سلف الأمة ولا أئمتها ولا فيهم إلا من هو مجروح من المسلمين ببدعة وإن كان متأولاً فيها ومغفوراً له خطؤه أو فيه ما هو أكثر من البدعة وهو الغالب على أئمة هذا القول من نوع ردة عن الإسلام ونفاق فيه وغير ذلك وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أنهم من أضل الخلق وأجهلهم فلا يضرهم خلافهم في ذلك الوجه الثاني أن يقال العلم أمر وجودي وأما عدم العلم
فوصف عدمي والأمر الوجودي يتوقف على السبب التام بخلاف العدمي فإنه يكفي فيه عدم السبب أو نقصه وإذا كان كذلك فليس مجرد علم الإنسان بالدليل علة كان أو غيرها يوجب علمه بالمدلول معلولاً كان أو غيره إن لم يستحضر في ذهنه دلالة الدليل على المدلول ويتفطن لما فيه من الدلالة وهذا كما أن خلقاً يسمعون كلام الله وهو الدليل الهادي ويشهدون آيات الله بالليل والنهار وهم عنها معرضون لعدم التفكير والتدبر أما إذا علم الرجل الحكم فلابد له من سبب يوجب العلم في قلبه وكون الشيء إما محايثاً وإما مبايناً وإما قديماً وإما محدثاً ونحو ذلك وإنما هو الوصف المعقول وهو لزوم أحد الوصفين للموجود وكون الموجود ينقسم إلى هذين فإن الموجود المطلق وجوده ذهني