بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 448-487
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الرابع

صفحات 448-487
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

تَرَانِي [الأعراف 143] وقال الله كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿15﴾ [المطففين 15] وعن مالك أنه قيل له إنهم يزعمون أن الله لا يرى فقال السيف السيف وقد تقدم كلام ابن الماجشون واحتجاجه أيضاً على الرؤية بحجابه للكفار وعن الأوزاعي أنه قال إني لأرجو أن يحجب الله جهماً

وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعده أولياءه حين يقول وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿22﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿23﴾ [القيامة 22-23] فجحد جهم وأصحابه أفضل ثوابه الذي وعد أولياءه وعن الوليد بن مسلم قال سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث

التي فيها الرؤية فقالوا أمِرّوها بلا كيف وعن الربيع قال حضرت الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها ما تقول في قول الله كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿15﴾ قال الشافعي فلما أن حجب هؤلاء في السخط كان هذا دليلاً عن أنهم يرونه في الرضا قال لربيع قلت يا أبا عبد الله وبه تقول قال نعم وبه أدين الله لو لم يؤمن محمد بن إدريس أنه يرى الله لما عبد الله وعن عبد الله بن المبارك قال ما حجب الله عنه أحداً إلا عذبه ثم قرأ كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿15﴾ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ ﴿16﴾ ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿17﴾ [المطففين 15-17] قال بالرؤية

وقال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له وأئمتنا رحمهم الله كسفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد

وعبد الله بن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي متفقون على أن الله سبحانه وتعالى بذاته فوق عرشه وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش وأنه ينزل إلى سماء الدنيا وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء فمن خالف شيئاً من ذلك فهو منهم بريء وهم منه برآء

وروى الخلال في كتاب السنة قال حدثنا أبو بكر المروذي قال سألت أبا عبد الله عن أحاديث الرؤية فصححها وقال قد تلقتها العلماء بالقبول لنسلم الخبر كما جاء وعن حنبل بن إسحاق قال سمعت أبا عبد الله يقول أدركنا الناس وما ينكرون من هذه الأحاديث شيئاً أحاديث الرؤية وكانوا يحدثون بها على الجملة يمرونها على حالها غير

منكرين لذلك ولا مرتابين وقال حنبل قال أبو عبد الله قال الله تعالى وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى 51] فكلم الله موسى من وراء حجاب وقال رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قال الله تعالى لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف 143] فأخبر الله تعالى أن موسى عليه السلام يراه في الآخرة وقال عز وجل كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿15﴾ [المطففين 15] ولا يكون حجاب إلا لرؤية فأخبر الله أن من شاء الله ومن أراد يراه والكفار لا يرونه فقال حنبل في موضع آخر القوم يرجعون إلى التعطيل في

قولهم ينكرون الرؤية قال وسمعت أبا عبد الله يقول قال الله عز وجل وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿22﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿23﴾ [القيامة 22-23] قال أحاديث تروى في النظر حديث جرير عن عبد الله وغيره تنظرون إلى ربكم أحاديث صحاح وقال لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] وهي النظر إلى الله عز وجل ثم قال أبو عبد الله نؤمن بها ونعلم أنها حق يعني أحاديث الرؤية ونؤمن أن الله يرى نرى ربنا يوم القيامة لا نشك فيه ولا نرتاب وسمعت أبا عبد الله يقول قالت الجهمية إن الله لا يرى في الآخرة ونحن نقول إن الله يرى لقوله عز وجل وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿22﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿23﴾ وقال الله تبارك وتعالى لموسى فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الأعراف 143] فأخبر الله أنه يرى وقال النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلكم

يخلو به ربه وإن الله يضع كنفه على عبده فيسأله ما عملت هذه الأحاديث تروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تروى صحيحة وعن الله تبارك وتعالى أنه يرى في الآخرة وهذه أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مدفوعة والقرآن شاهد أن الله يرى في القيامة وقول إبراهيم لأبيه يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً ﴿42﴾ [مريم 42] فثبت أن الله يسمع ويبصر وقال الله تعالى يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿7﴾ [طه 7] وقال إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿46﴾ [طه 46] وقال أبو عبد الله فمن دفع كتاب الله ورده والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم

واخترع مقالة من نفسه وتأول برأيه فقد خسر خسراناً مبيناً وسمعت أبا عبد الله يقول من زعم أن الله لا يرى في الآخرة فقد كفر بالله وكذب بالقرآن ورد على الله أمره فيستتاب فإن تاب وإلا قتل الوجه الخامس أن أئمة هذا الرازي كالأشعري وغيره هو أيضاً ممن يثبت الرؤية والاحتجاب وأن الله فوق العرش قال الأشعري في مسألة العرش فقال سبحانه وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴿22﴾ [الفجر 22] وقال عز وجل هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ [البقرة 210] وقال سبحانه ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ﴿8﴾ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴿9﴾ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴿10﴾ مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ﴿11﴾ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴿12﴾ إلى قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴿18﴾ [النجم 8-18] وقال تعالى يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقال سبحانه وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً ﴿157﴾ بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء 157-158] وأجمعت الأمة على أن الله عز وجل رفع عيسى إليه إلى السماء ومن دعاء المسلمين جميعاً إذا هم رغبوا إلى الله عز وجل في الأمر النازل بهم أنهم يقولون يا ساكن العرش ومن خلفهم لا والذي احتجب بسبع

سموات قال الحافظ أبو العباس وهذا مأخوذ من قوله إن الله خلق سبع سموات ثم اختار العليا فسكنها وقال عز وجل وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ [الشورى 51] وقد خصت الآية البشر دون غيرهم ممن ليس من جنس البشر ولو كانت الآية عامة للبشر وغيرهم لكان أبعد من الشبهة وإدخال الشك على من يسمع آية أن يقول ما كان لأحد أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً فيرفع الشك والحيرة من أن يقول ما كلن جنس من الأجناس أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل

رسولاً ويترك أجناساً لم يعمهم بالآية فيدل ما ذكرناه على أنه خص البشر دون غيرهم وقال عز وجل ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 62] وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ [السجدة 12] وقال سبحانه وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف 48] قال كل ذلك يدل على أن الله ليس في خلقه ولا خلقه فيه وأنه سبحانه مستوٍ على عرشه جل وعز عما يقول الظالمون علواً كبيراً جل عما يقول الذين لم يثبتوا له في وصفهم حقيقة ولا أوجبوا له بذكرهم إياه وحدانية إذ كان كلامهم يؤول إلى التعطيل وجميع أوصافهم تدل على النفي في التأويل يريدون بذلك التنزيه ونفي التشبيه فنعوذ بالله من تنزيه يوجب النفي والتعطيل قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ [النور 35] فسمى نفسه نوراً والنور عند الأمة لا يخلو من أحد معنيين إما أن يكون نوراً يسمع أو نوراً يرى فمن

زعم أن الله يسمع ولا يرى كان مخطئاً في نفيه رؤية ربه وتكذيبه لكتابه وقول نبيه صلى الله عليه وسلم قال وروي عن عبد الله بن عباس أنه قال فكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله فإن الله ما بين كرسيه إلى السماء ألف عام والله عز وجل فوق ذلك قال وروت العلماء أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله حتى يسأله عن ثلاث

وروت العلماء أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سواء فقال يا رسول الله إني أريد أن أعتقها في كفارة فهل يجوز عتقها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أين الله فقالت في السماء وأومأت بيده إلى فوق فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك أعتقها فإنها مؤمنة قال وهذا يدل على أن الله على عرشه فوق السماء

فهذا كله من كلام الأشعري مثل احتجاجه بما ذكره عن المسلمين جميعاً من قولهم إن الله احتجب بسمع سموات على أنه فوق العرش وهو إنما احتجب عن أن يراه خلقه لم يحتجب عن أن يراهم هو فعلم أن هذا يحجب العباد عن رؤيته وهذا يقتضي أنهم يرونه برفع هذه الحجب وذلك يقتضي أنهم يرونه في الجهة فإن من يثبت رؤيته في غير جهة من الرائي لا يقول بجواز الحجب المنفصلة أيضاً كما تقدم وكذلك احتجابه بقوله وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ [الشورى 51] وأن الآية دلت على أن الله يحجب بعض المخلوقات دون بعض فعلم أنه لا يحتجب عن بعضهم واحتجاجه بذلك على أن الله فوق العرش يقتضي أن يحتجب عمن يراه ببعض مخلوقاته وهذا يستلزم أنه لا يرى إلا في جهة من الرائي وكذلك احتجاجه في مسألة العلو بأن الله نور وأن ذلك يقتضي أنه يرى ويقتضي أن رؤيته توجب علوه وكلام الأشعري في مسألة الرؤية والعلو يقتضي تلازمهما وهذا هو الذي ذكره هذا المؤسس عن الكرامية الوجه السادس أن هذا المؤسس ذكر في نهايته في مسألة الرؤية ما احتج به النفاة من الحجج العقلية والسمعية وذكر أن أعظم حججهم العقلية حجتان

أحدهما حجة الموانع قالوا لو صح منا رؤية الله في حال من الحالات لصح أن نراه الآن ولو صح أن نراه الآن لوجب أن نراه الآن لكنه لم يجب أن نراه الآن فلا يصح أن نراه في حال من الأحوال وإنما قلنا إنه لو صح أن نراه في حال من الأحوال لصح أن نراه الآن لأن كونه بحال يصح أن يرى حكم يثبت له إما لذاته وإما لبعض مل يلزم ذاته وعلى التقديرين فإنه يلزم من استمرار ذاته استمرار هذه الصحة وإنما قلنا إنه لو صح أن نراه الآن لوجب أن نراه الآن لأن الحاسة إن كانت صحيحة والمرئي يكون حاضراً ولا يكون على القرب القريب وعلى البعد البعيد ولا يكون في غاية الصغر واللطافة ويكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرؤية أو لا تكون الحجب حائلة فإنه يجب حصول الرؤية إذ لو لم يجب

حصولها عند حصول هذه الأمور لجاز أن يكون بين أيدينا جبال شاهقة ونحن لا ندركها وذلك محال على ما سبق بيانه في مسألة الإدراك فإذا ثبت ذلك فهذه الشرائط لا يمكن اعتبارها في حق الله تعالى لأنها لا تعقل إلا في حق الأجسام أو ما يقوم بها وإذا لم يمكن اعتبار هذه الشرائط في حق الله لرؤيته وجب أن يكون مجرد سلامة الحس وكونه تعالى بحيث يصح رؤيته كافياً في حصول رؤيته فلزم أن تدوم رؤية أصحاب الحواس لله تعالى وذلك باطل بالضرورة فثبت أن القول بأن الله تعالى يصح أن يرى يفضي إلى الباطل وما يفضي إلى الباطل يكون باطلاً ثم قال في الجواب عما تمسكوا به أولاً أن نقول إن مدار هذه الشبهة على أن هذه الحاسة متى كانت سليمة وكان المرئي حاضراً والشرائط تكون حاصلة فإنه يجب حصوله هذه الرؤية قال ونحن قد بينا فيما مضى أن ذلك غير واجب بأدلة

عقلية قاطعة لا يرتاب العاقل فيها وأجبنا عن شكوكهم بأجوبة يقينية لا حاجة بنا إلى إعادتها وإذا كان كذلك سقطت هذه الشبهة وهذا الذي أحال عليه قد ذكره في مسألة السمع والبصر وهي مسألة الإدراك فذكر الفصل الأول في حقيقته ثم قال الفصل الثاني في كيفية حصول هذه المدركية زعمت المعتزلية أنه مهما كانت الحاسة سليمة والمرئي حاضراً ولا يكون على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا يكون صغيراً جداً ولا لطيفاً ولا يكون بين الرائي ولمرئي حجب كثيفة وكان المرئي مقابلاً للرائي أو في حكم المقابلة فعند اجتماع هذه الشرائط يجب حصول الإدراك وعندنا أن ذلك غير واجب وهو مذهب أبي الهذيل من المعتزلة ثم ذكر لهم حجتين ثم قال وأما المخالفون فلهم في هذه المسألة مقامان

تارة بدعوى الضرورة وتارة بدعوى الاستدلال أما الأول فتارة يدعون أن ذلك العلم الضروري حاصل للعقلاء بعد الاختبار ولا حاجة فيه إلى ضرب الأمثال وتارة يثبتون بالاستدلال أن ذلك معلوم بالضرورة وبسط كلامهم في ذلك ثم قال والجواب أن نقول إما أن تدعي الضروري بحصول الإدراك عند حضور هذه الأمور أو بعدمه عند عدمها والأول لا نزاع فيه والثاني فيه كل النزاع فإن زعمت أنا مكابرون في هذا الإنكار حلفنا بالأيمان المغلظة أنا لما رجعنا إلى أنفسنا لم نجد العلم بذلك أكثر من العلم باستمرار الأمور العادية التي توافقنا على جواز تغييرها عن مجاريها فهذا الجواب الذي ذكره يقتضي أنه وافق على أن العلم الضروري حاصل بوجود الرؤية عند وجود هذه الشرائط وهذا هو أول المسألة فإنه حكى عن المعتزلة أنه متى تجتمع هذه الشرائط يجب حصول الإدراك قال وعندنا أن ذلك غير واجب فإذا سلم أن العلم الضروري بحصول الإدراك عند حصول هذه الأمور لا نزاع فيه كان قد وافق على ما ذكر فيه

النزاع وإذا كان كذلك ظهر أن ما ذكره من الجواب في مسألة الرؤية وهو قوله إن مدار هذه الشبهة على أن هذه الحاسة متى كانت سليمة وكان المرئي حاضراً فإنه يجب حصول هذه الرؤية قال ونحن قد بينا فيما مضى أن ذلك غير واجب فيما مضى قد وافق فيه على وجوب الرؤية عند وجود الشروط لكن لم يوافق على وجوب عدمها عند عدم الشروط وإذا لم يذكر جواباً عن حجتهم إلا هذا وهذا ليس بجواب صحيح بقيت حجتهم على حالها وإذا كان كذلك لم يصح نفيه لما اتفقت عليه المعتزلة والكرامية الوجه السابع أنه ذكر الحجة الثانية لنفاة الرؤية وهي حجة المقابلة فقال وهي أن الواحد منا لا يرى إلا ما يكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرائي والله تعالى أن يستحيل أن يكون كذلك فيستحيل أن يكون مرئياً لنا واحترزنا بقولنا أو لآلة الرائي عن رؤية الإنسان وجهه في المرآة أما المقدمة الأولى فهي من المعلوم الضرورية الحاصلة بالتجربة وأما المقدمة الثانية فمتفق عليها

ثم قال والجواب عما تمسكوا به ثانياً عن وجوه ثلاثة الأول ما بينا فيما مضى أن لمقابلة ليست شرطاً لرؤيتنا هذه الأشياء وأبطلنا ما ذكروه من دعوى الضرورة والاستدلال في هذا المقام والثاني سلمنا أن المقابلة شرط في صحة رؤيتنا لهذه الأشياء فَلِمَ قلتم إنها تكون شرطاً في صحة رؤية الله تعالى فإن رؤية الله تعالى بتقدير ثبوتها مخالفة لرؤية هذه الأشياء فلا يلزم من اشتراط نوع من جنس اشتراط نوع آخر من ذلك الجنس بذلك الشرط الثالث سلمنا أنه يستحيل كوننا رائين لله تعالى ولكنه لا يدل على أنه لا يرى نفسه وأنه في ذاته ليس بمرئي فأحال على ما تقدم وهو لم يذكر هناك إلا مسلكين الأول أنا نرى الجسم الكبير من البعد صغيراً وذلك

يقتضي أنا نرى بعضه دون بعض ومن المعلوم بالضرورة أن الشرائط المذكورة كما أنها حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء التي هي مرئية فكذلك هي حاصلة بالنسبة إلى الأجزاء التي هي غير مرئية ولما كان المرئي من الأشياء المجتمعة لهذه الشروط بعض الأجزاء دون بعض علمنا أن حصول الرؤية عند اجتماع الشرائط غير واجب والمسلك الثاني لو وجب حصول الإدراك عند حصول هذه الشروط لوجب رؤية الجوهر الفرد وذوات الهباء لكن الثاني ظاهر الفساد فالمقدم مثله بيان الأول أنا إذا رأينا جسماً كبيراً فلابد وأن نرى جزءاً صغيراً إذ لو لم نرَ جزءاً صغيراً لم نرَ المجموع الذي هو مجموع تلك الأجزاء ثم رؤية الجزء لا تتوقف على رؤية غيره لئلا يلزم الدور فيجب أن تصح رؤيتنا للجوهر الفرد فهاتان الحجتان إن كانتا باطلتين ف كلام وإن كانتا صحيحتين فهما يدلان على أن الرؤية لا تجب عند وجود

الشروط الثمانية وهو قد سلم في الجواب وجوب الرؤية عند وجود الشروط ف تدل هاتان الحجتان على أن الرؤية لا تمتنع عند عدم بعض الشروط الثمانية وإذا لم يذكر دليلاً على عدم هذا الاشتراط أصلاً بقي ما ذكره منازعوه من العلم الضروري والاستدلال بأن المرئي لابد أن يكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرائي سليماً عن المعارض فيجب القول بموجبه وهذا بين واضح ولهذا لما كانت مناظرته لنفاة الرؤية هذه المناظرة الضعيفة كان كلامهم فيها أرجح من كلامه وهذه عادته يعجز عن مناظرة أهل الباطل ويأخذ ما يحتجون به فيحتج به على أهل الحق فلا ينصف أهل الحق ويتبعهم ولا يرد أهل الباطل ويدفعهم وإنما فيه جدال وحجاج لبَّس فيه الحق بالباطل مع هؤلاء وهؤلاء وإذا كان الأمر كذلك لم يكن له الجواب عما اتفقت عليه المعتزلة والكرامية كما تقدم الوجه الثامن أن يقال ما ذكره المعتزلة من شروط الرؤية

وموانعها بعضها حق وبعضه باطل وهؤلاء الذين وافقوهم على نفي العلو وإثبات الرؤية يكابرونهم في الحق كما يدفعون باطلهم ولهذا كان كلا الطائفتين تقول الحق والباطل وإذا كان مثبتة الرؤية مع نفي العلو أقرب إلى الحق من نفاة الرؤية ونفاة العلو وذلك أن كونهم لم يشترطوا في الحاسة إلا مجرد سلامتها ليس بسديد فإن الحواس تختلف بالقوة والضعف فقد يكون بصر أحدَّ من بصر وسمع أقوى من سمع وشم أقوى من شم وذوق أقوى من ذوق وهذا موجود في البهائم وفي الآدميين ولهذا يرى أحدهم من الأشياء الدقيقة اللطيفة ما لا يراه الآخر ويرى من الأمور البعيدة ما يراه الآخر ويرى من النور والشعاع والبياض ما لا يراه الآخر وذلك قد يسمع من الأصوات البعيدة والأصوات القريبة ما لا يمكن الآخر أن يسمعه وإذا كان الأمر كذلك فقوة إدراك العباد وحركاتهم في الآخرة يجعلها الله أعظم من قوى إدراكهم وحركاتهم في الدنيا وهذا ظاهر بين

وقولهم لا يكون على القرب القريب ولا على البعد البعيد ولا يكون صغيراً لطيفاً هذا إنما اشترط لعجز البصر عن إدراك ما يكون كذلك لأن ذلك ممتنع في نفسه وإلا فيمكن أن يقوى البصر العبد حتى يرى القريب والبعيد واللطيف وليس هذا ممتنعاً في ذاته يبين ذلك أن القرب والبعد والصغر والكبر من الأمور الإضافية قد يكون صغيراً بالنسبة إلى بصر هذا الرائي ما ليس بصغير بالنسبة إلى بصر غيره وكذلك في القرب والبعد وكذلك قولهم أن لا يكون بين الرائي والمرئي حجب كثيفة فإن رؤية ما وراء الحجاب ليس بممتنع في نفسه بل لعجز البصر عنه فإن الله يرى كل شيء ولا تحجبه السموات والأرض وسائر الحجب وكذلك قولهم أن يكون مقابلاً للرائي فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يدي

لكن هذا يدل على أنه لا يشترط في الرؤية أن يكون المرئي أمامه لكن لا يدل على أنه لا يشترط أن يكون بجهة منه فإنما خلفه بجهة منه الوجه التاسع أنه قال هنا إن أصحابه نازعوا في هذه المقدمة وقالوا لا نسلم أن كل مرئي فإنه يختص بالجهة بل لا نزاع أن الأمر في الشاهد كذلك فَلِمَ قلتم إن كل ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون الغائب كذلك وهذا تسليم لكون الواحد منا لا يرى إلا ما يكون في الجهة فمنازعته لذلك من هذا الباب ودعواه أن ذلك ليس بشرط في رؤية الأشياء المرئية مخالف لما ذكره من تسليم أصحابه وذلك خلاف ما ذكره من أنه لا يشترط شيء من هذه الشروط في رؤية الأشياء المرئية

الوجه العاشر أن قوله لِمَ قلتم إن كل ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وتقريره أن هذه المقدمة إما أن تكون مقدمة بديهية أو استدلالية يقال له المنازع يقول إنها بديهية قوله فإن كانت بديهية لم يكن في إثبات كونه تعالى مختصاً بالجهة حاجة إلى هذا الدليل وذلك لأنه قد ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس فهو مختص بالجهة وثبت أن الباري قائم بالنفس فوجب القطع بأنه مختص بالجهة لأن العلم الضروري بأن كل ما يثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وهذا لا يقوله عاقل والفرق ظاهر بين دعوى الضرورة والبديهة في الشيء المعين الخاص والشيء العام الكلي فإذا قال القائل العلم الضروري بأن كل مرئي في الشاهد والغائب لابد أن يكون بجهة من الرائي أو العلم الضروري حصل بأن الغائب كالشاهد في هذا الأمر الخاص لم يستلزم هذا أن يقول إن العلم الضروري حاصل بأن كل ما يثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك والمقدمة المذكورة هي قوله كل

مرئي فلابد وأن يكون في الجهة وهذا قالوه قولاً عاماً مطلقاً لم يثبتوه بقياس الغائب على الشاهد حتى يصوغوه الصوغ الذي ذكره ويدخل فيه تلك القضية العامة الكاذبة الوجه الحادي عشر أن ما ذكره إن كان حجة كان حجة ثانية على المطلوب فإنه من الممكن أن يستدل بكونه قائماً بالنفس على كونه مختصاً بالجهة ويحتج بكونه مرئياً على كونه مختصاً بالجهة ويحتج بكونه موجوداً على أنه إما أن يكون مبايناً لغيره أو محايثاً له وتعدد الأدلة على المطلوب الواحد ليس بممتنع الوجه الثاني عشر أن ما ذكره من الحجة قد يقال فيه نحن نعلم بالاضطرار أنه كل ما يقوم بنفسه فإنه لابد أن يكون مختصاً بجهة بحيث يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا يختص الكلام بالشاهد ثم يقاس عليه الغائب بل العلم الضروري حاصل بذلك مطلقاً كما تقدم ذكره الوجه الثالث عشر أن ذلك إذا قررنا بالدليل قرر تقريراً يفيد بأن يقال ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس فهو مختص بالجهة وهذا مما فارق به الموجود المعدوم فالموجب لذلك إما كونه موجوداً قائماً بنفسه أو ما يندرج فيه الموجود الواجب لنفسه أو ما يختص بالممكن أو المحدث ويساق الكلام إلى

آخره كما ذكر في حجة المباينة والمحايثة لا يقول عاقل إن العلم الضروري حاصل بأن كل ما ثبت في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك ولكن ذكر الحجة على هذا الوجه القبيح الذي يظهر بطلانه لما في ذلك من التنفير والتقبيح لقول منازعيه وهذه ليست حال أهل العلم والعدل بل حال الجاهل أو الظالم الوجه الرابع عشر قوله فإذا كان هذا الوجه حاصلاً في إثبات كونه تعالى في الجهة كان إثبات كونه في الجهة بكونه مرئياً ثم إثبات أن كل ما كان مرئياً فهو مختص بالجهة تطويلاً من غير فائدة ومن غير مزيد شرح وبيان يقال لو أن ما ذكرته من جهة القيام بالنفس صحيح لم يكن إثبات الجهة بطريق الرؤية تطويلاً من غير فائدة بل هو إثبات لها بطريق آخر غير الأولى فإن الاستدلال على كون الشيء في الجهة بكونه قائماً بنفسه غير الاستدلال على ذلك بكونه مرئياً مشهوداً وإذا كان هذا دليلين متغايرين لم يجز أن يكون ذكر أحدهما متضمناً للآخر ولا أن يكون ذكر الآخر تطويلاً أقصى ما يقال إن العلم بالمقدمتين التي في الدليلين يستفاد من وجه واحد وهو الضرورة أو قياس الغائب على

الشاهد إما مطلقاً كما ذكره أو قياساً صحيحاً ملخصاً بالتقسيم الحاصر الجامع بين النفي والإثبات أو بغيره كما يسلكه أهل الإثبات وإذا كان الدليل على مقدمة في دليل كالدليل على مقدمة في دليل آخر لم يوجب أن يكون أحد الدليلين متضمناً للآخر ويكون ذكر الآخر تطويلاً بلا فائدة الوجه الخامس عشر قوله وأما إن قلنا كل مرئي فهو مختص بالجهة ليست مقدمة بديهية بل هي مقدمة استدلالية فحينئذ ما لم يذكروا على صحتها دليلاً لا تصير هذه المقدمة يقينية فهذا كم صحيح لكن كان ينبغي له إذا كان ذاكراً لحجج منازعيه أن يذكر ما يستدل به الناس على ذلك فتركه لذلك تقصير وخيانة في المناظرة ونحن لم نلتزم الكلام في تقرير هذه المسائل ابتداءً وإنما تكلمنا على ما ذكروه من حججه وحجج منازعيه الوجه السادس عشر قوله وأيضاً فكما أنا لا نعقل مرئياً في الشاهد إلا إذا كان مقابلاً أو في حكم المقابل لرائي فكذلك لا نعقل مرئياً إلا إذا كان صغيراً أو كبيراً أو ممتداً في الجهات مؤتلفاً من الأجزاء وهم يقولون إنه تعالى يرى لا صغيراً

ولا كبيراً ولا ممتداً في الجهات والجوانب والأحياز فإذا جاز لكم أن تحكموا بأن الغائب مخالف للشاهد في هذا الباب فلم لا يجوز أن يقال إن المرئي في الشاهد وإن وجب كونه مقابلاً إلا أن المرئي في الغائب لا يجوز أن يكون كذلك فيقال له هذا إلزام جدلي وليس بحجة في المناظرة ولا النظر كما تقدم فإنه يقال لابد وأن يكون في الجهة ما ذكرته في صورة الإلزام إن كانت مساواته لصورة النزاع فما ذكروه في صورة النزاع حجة في الموضعين وغايته أن يكونوا أخطأوا في صورة الإلزام وهي صورة النقض والمعارضة والإلزام صحيحاً ويقول لك المناظر الفرق بين صورة النقض وصورة النزاع كيت وكيت فإن صح الفرق بطل النقض وإن بطل الفرق منعت

الحكم في صورة النقض إذ ليس ذلك مجمعاً عليه بين الأمة الوجه السابع عشر أنهم يقولون نقول إنه لا يرى إلا كبيراً عظيماً لا نقول إنه يرى لا صغيراً ولا كبيراً بل نقول إنه يرى عظيماً كبيراً جليلاً كما سمى ووصف نفسه بذلك في الكتاب والسنة ومن لم يقل ذلك من المنازعين كان ما ذكره حجة عليه وأما قوله ممتداً في الجهات مؤتلفاً من الأجزاء فلا نسلم أنا لا نعقل مرئياً في الشاهد إلا مؤتلفاً من الأجزاء فإن المرئيات مثل الشمس والقمر ونحو ذلك هو شيء واحد لا نعلم لا بحس ولا ضرورة أنها مركبة من الأجزاء المفردة وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس أن هذا التركيب ليس معلوماً بالحس ولا بالضرورة بل هي من أدق مسائل النزاع بين الخلق الوجه الثامن عشر أن يقال ما تريد بقولك ممتد مؤتلف أتريد أنه مركب من الأجزاء وأنه يجوز تفريقه فليس كلما نشاهده كذلك أم تريد به أن منه شيئاً ليس هو الشيء الآخر فنحن نقول كل ما يرى في الشاهد والغائب لابد وأن يكون كذلك الوجه التاسع عشر أن يقال لا يعقل مرئي إلا موصوفاً بما هو المرئي المشهود موصوف به من صفات الوجود التي

استحق بها جواز رؤيته أو ما أبلغ في الوجود واستحقاق الرؤية منه فإذا كنا نرى الموجود الذي يجوز عدمه فما لا يجوز عدمه أولى فإذا كنا نرى ما هو في جهة وهو مجتمع يجوز تفريقه وتقسيمه فالمجتمع الذي لا يجوز تفريقه وتقسيمه أولى بالرؤية لكن لا يمكن أن نقول إذا رأينا ما هو بجهة مرئياً أن يكون ما ليس في الجهة أولى بالرؤية وإذا رأينا ما هو مجتمع فيما ليس بمجتمع ولا متفرق أولى بالرؤية وإذا رأينا ما هو مجتمع فيما ليس بمجتمع ولا متفرق أولى بالرؤية وإذا رأينا ما هو مجتمع فيما ليس بمجتمع ولا متفرق أولى بالرؤية وقد ذكرنا غير مرة أن الأقيسة والأمثال المضروبة في باب الإلهيات إذا كانت من باب التنبيه والأولى في النفي والإثبات فهي من جنس ما ورد به الكتاب والسنة

فصل ثم قال الرازي الشبهة الرابعة تمسكوا برفع الأيدي إلى السماء قالوا وهذا شيء يفعله جميع أرباب النحل فدل على أنه تقرر في عقول جميع الخلق أن إلههم فوق ثم قال الجواب إن هذا معارض بما تقرر في عقول جميع الخلق أنهم عند تعظيم خالق العالم يضعون جباههم على الأرض ولمَّا لم يدل هذا على كون خالق العالم في الأرض لم يدل على ما ذكروه على أنه في السماء وأيضاً فالخلق إنما يقدمون على رفع الأيدي إلى السماء لوجوه أخر وراء اعتقادهم أن خالق العالم في السماء فالأول أن أعظم الأشياء نفعاً للخلق ظهور الأنوار وأنها إنما تظهر من جانب السموات والثاني أن مبنى حياة الخلق على استنشاق النفس وليس ذلك الاستنشاق إلا من الهواء والهواء ليس موجوداً إلا فوق الأرض فلهذا السبب كان ما فوق الأرض أشرف ما تحت الأرض

الثالث أن نزول الغيث من جهة الفوق ولما كانت هذه الأشياء التي هي منافع الخلق إنما تنزل من جانب السموات لا جرم كان ذلك الجانب عندهم أشرف وتعلق الخاطر بالأشرف أقوى من تعلقه بالأخس فهذا هو السبب في رفع الأيدي إلى السماء وأيضاً فإنه تعالى جعل العرش قبلة لدعائنا كما جعل القبلة قبلة لصلاتنا وأيضاً أنه تعالى جعل الملائكة وسائط في مصالح هذا العالم قال الله تعالى فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴿5﴾ [النازعات 5] وقال فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴿4﴾ [الذاريات 4] وأجمعوا على أن جبريل عليه السلام ملك الوحي والتنزيل والنبوة وميكائيل ملك الأرزاق وملك الموت ملك الوفاة وكذلك القول في سائر الأمور وإذا كان الأمر كذلك لم يبعد أن يكون الغرض من رفع الأيدي إلى السماء رفع الأيدي إلى الملائكة وهذه الحجة ذكرها في نهايته فقال وثالثها التمسك

بالاتفاق من الأمم المختلفة الآراء على الإشارة إلى فوق عند الدعاء وطلب الإجابة من الله وأن ذلك يدل على علمهم بالضروري بأن الذي يطلب منه تحصيل المطالب وتيسير العسير في تلك الجهة ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم للأمة أين ربك قال فأشارت إلى السماء فقال إنها مؤمنة وقال والجواب عما تمسكوا به ثالثاً من الإشارة إلى فوق سببه الإلف والعادة وجريان الناس على ذلك فإنهم ما شاهدوا عالماً قادراً حياً إلا جسماً فكما أن من لم يشاهد إلا إنساناً أسود فحين يمثل في نفسه إنساناً يخاطبه إنما يسبق إلى نفسه أنه أسود لا غير ومن لم يسمع من اللغات إلا العربية فحين يمثل في نفسه معنى إنما سبق إلى نفسه التعبير عن ذلك المعنى بلفظ العرب وكذلك سبق إلى الوهم أن من يدعو حياً عالماً قادراً على ما يشاهد عليه الأحياء القادرين ويتبع ذلك أنه في مكان ولأن العلو أشرف لأن الأنوار فيه ولأن الرأس لما كان أشرف الأعضاء كان ما يليه أشرف الجهات فيسبق إلى فهم الداعي أن من يعتقد عظمته إذا كان في جهة وجب أن يكون في جهة العلو فلسبب هذه الأمور وأمثالها وقعت الإشارة

إلى السماء ثم إن الأخلاف أخذوا ذلك عن الأسلاف مع مشاركتهم لهم في هذا التخيل فظهر أن سبب ذلك هو الإلف فلا يكون صواباً وأما حديث الأمة فهو من الآحاد ثم لو صح لكان سببه ما ذكرناه من الإلف اهـ والكلام على ما ذكره من وجوه الأول أن الاستدلال برفع الأيدي والأبصار إلى السماء عند الدعاء على أن الله فوق هو حجة أهل الإثبات المثبتين للصفات من السلف والخلف ليس ذلك مختصاً بالكرامية بل من أشهر المحتجين به أئمة أصحابه الأشعري وذووه وقال أبو الحسن الأشعري فإن قال قائل ما تقولون في الاستواء قيل له إن الله مستوٍ على عرشه كما قال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه 5] وقال سبحانه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال سبحانه بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وقال سبحانه يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْه [السجدة 5]

وقال فرعون يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿36﴾ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً [غافر 36-37] فأكذب موسى في قوله إن الله فوق السموات وقال سبحانه وتعالى أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿16﴾ [الملك 16] والسموات فوقها العرش وإنما أراد العرش الذي هو على السموات ألا ترى أن الله ذكر السموات فقال وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [نوح 16] ولم يرد أن القمر يملؤهن جميعاً وأنه فيهن جميعاً قال ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو العرش كما لا يحطونها إذا دعوا نحو الأرض وهذا الاحتجاج منه بإجماع المسلمين على رفع أيديهم في الدعاء على أن الله فوق السموات لأنهم إنما يرفعونها إليه نفسه لا إلى غيره من المخلوقات وقال صاحبه أبو الحسن علي بن مهدي الطبري قال البلخي فإن قيل لنا ما معنى رفع أيدينا إلى السماء وقوله وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] قلنا تأويل ذلك أن أرزاق العباد لما كانت تأتي من السماء جاز أن نرفع أيدينا إلى السماء عند الدعاء وجاز أن يقال أعمالنا ترفع إلى الله لما

كانت حفظة الأعمال إنما مساكنهم في السماء قال الطبري قيل له إن كانت العلة في رفع أيدينا إلى السماء أن الأرزاق منها وأن لحفظة مساكنهم فيها جاز أن نخفض أيدينا في الدعاء نحو الأرض من أجل أن الله يحدث فيها النبات والأقوات والمعايش وأنها قرارهم ومنها خلقوا ولأن الملائكة معهم في الأرض فلم تكن العلة في رفعها إلى السماء ما وصفه وإنما أمرنا الله تعالى برفع أيدينا قصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه التمهيد وفي الإبانة فإن قال قائل فهل تقولون إنه في كل مكان

قيل له معاذ الله بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه فقال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿5﴾ [طه 5] وقال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ [الملك 16] وقال ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه والحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان واحتيج أن يرغب إليه نحو الأرض وإلى خلفنا وإلى يميننا وإلى شمالنا وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله وهذا تصريح بأن الأيدي إنما ترفع إلى الله نفسه وأنه يجب أن يصح رفعها إليه حيث كان وأنه إنما اختص رفعها بجهة العلو لأن الله هناك إذ لو لم تجب صحة رفعها إلى جهته

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل