الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
وهذا موجود في كتبهم وكلامهم ويعرفه من له أدنى معرفة في هذا الشأن وإذا كان كذلك فما ذكره من الفرقان لا يزيل ما ذكره من النزاع بل ما ذكره من المقرر بما أنكره من أن كل طائفة تجعل المحكم ما وافقها والمتشابه ما وافق خصمها وقد رأينا الكتب المصنفة في ذلك ففي كتب القدرية النافية من المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة دعوى أن الأدلة العقلية توجب أن العبد هو المحدث لفعله وقد يدعون على ذلك العلم الضروري كما ادعاه أبو الحسين ثم إثبات الصانع عندهم مبني على هذا فإنه به يعلم افتقار الفعل إلى الفاعل ومن لم يعلم هذا لم يعلم افتقار الفعل إلى الفاعل وكذلك ما يثبتونه من التعديل والتجوير وهو مبني عندهم على ما يقولون إنه معلوم بالاضطرار من مسائل التحسين والتقبيح فما وافق هذا عندهم فهو محكم وما خالفه فهو متشابه
والقدرية المجبرة أتباع الجهم بن صفوان يقولون بل المعلوم بصريح العقل أن الله خلق كل شيء وأنه لا يجوز أن يكون غير الله محدثاً لشيء وأن الحسن والقبح إنما يعقل في حق من ينتفع بشيء ويتضرر بشيء والرب تعالى منزه عن ذلك فيجوز عليه فعل كل شيء وهذا عندهم هو الأصل المعلوم بصريح العقل وما وافقه محكم وما خالفه متشابه والرازي يعتمد في تفسيره على هذا في الجواب عما يحتج به المنازعون من الآيات الكثيرة التي يحتج بها القاضي عبد الجبار وغيره فيجيب بمسألة الداعي والعلم وهو أن الله
خلق داعي العبد فيكون خالقاً لفعله وأنه يعلم ما سيكون فيمتنع خلاف المعلوم وعلى هذا تبطل حجة المعتزلة لأن عندهم يمتنع التكليف بالممتنع وما هو من فعل الغير وحقيقة الأمر أن هذا الجواب جدلي التزامي ليس بجواب علمي فإن عامة أهل السنة يقرون بهذا وهو أن الله خالق أفعال العباد ويقولون مع هذا إن الله يخلق بحكمة ولسبب وأنه منزه عن أن يعاقب أحداً بلا ذنب وغير ذلك من الظلم ويقولون إن الأفعال مشتملة على صفات كانت لأجلها حسنة وسيئة كما هو مبسوط في موضعه والمقصود هنا أن ما ذكره من القانون يدعيه كل طائفة فهو حجة لما أنكره عليهم لا رافع لما أنكره الوجه الثالث قوله إذا كان لفظ الآية أو الخبر ظاهراً في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل
وإلا لخرج الكلام عن أن يكون مفيداً ولخرج القرآن عن أن يكون حجة فيقال له إن هذا اللازم هو لازم لك بل هو حقيقة قولك فإن الحجة عندك إنما هو الدليل العقلي والقرآن إنْ وافقه فالاعتماد عليه لا على القرآن وإن خالفه أخذت به لا بالقرآن والقرآن لا يستفاد به ما دل عليه ولا يحتج به بل إما أن يعرض عنه فلا ينظر بحال وإما أن يجتهد في رفع دلالته بالاحتمالات لا في تقرير دلالته فالقرآن على قولك ليس بحجة ولا يفيد في هذا الباب وإنما يحتج به عندك في المسائل الظنية الفروعية وتلك يجوز فيها العدول عن ظاهر إلى ظاهر أرجح منه بالإجماع وأنت قد قررت هنا أنه لا يجوز العدول عن ظاهر مرجوح إلى ما هو أرجح منه فلم يبق عندك في هذا للقرآن في هذا الباب
حرمة أصلا ولا فيه فائدة ولا هو حجة فبطل احتجاجك الوجه الرابع أنك قد صرحت في كتابك في نهاية العقول وغيره أن الاستدلال بالقرآن والأدلة السمعية في مسائل الأصول لا يجوز بحال لأن الاحتجاج بها موقوف على نفي المعارض العقلي وهذا النفي لا يمكن العلم به فلا يعلم شرط الاستدلال بها فكل ظاهر يحتج به يقال فيه هذا المعنى غير معلوم لتوقفه على انتفاء المعارض العقلي الوجه الخامس أنك قد صرحت هنا وفي غير هذا الموضع أن شيئا من الدلائل اللفظية لا يفيد العلم وحينئذ فالظاهر سواء عارضه دليل عقلي أو لم يعارضه لا يحصل به علم عندك وإذا أقر الظاهر فإنما يفيد عندك الظن والظن لا يجوز الاحتجاج به في الأصول فكل آية دلت على مسألة أصولية لا يجوز الاحتجاج بها عندك بل يجب أن يكون من المتشابه وعلى هذا فليس القرآن في هذا الباب منقسماً عندك إلى محكم ومتشابه ومع هذا
فإنه مناقض لما تقرره فهو مخالف لصريح القرآن والسنة والإجماع وهو باطل عقلاً وشرعاً الوجه السادس أنك قد قدمت أن المحكم نوعان نص وظاهر وأن النص ما يكون موضوعاً لمعنى لا يحتمل غيره وهنا قد جعلت الألفاظ ليس فيها شيء من ذلك بل ما من لفظ إلا ويحتمل معنى آخر وأن نفي المعنى الآخر لا يكون إلا ظنا فغايتها أن تكون ظاهرة فإن قلت النص ما ظن أنه لا يحتمل إلا معنى والظاهر ما يحتمل معنيين وظن رجحان أحدهما فيقال لك وهذا كله لا يجوز عندك التمسك به في هذه المسائل فلا يكون محكماً بل متشابهاً وهذا مناقض بقولك ولإجماع الأمة الوجه السابع أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن من الكتاب آيات محكمات هن الأصل الذي يُبْنَى عليه ويستدل به ويتبع والمتشابه يرد إليه وعلى هذا علماء المسلمين يقولون المحكم هو الأصل والمتشابه يرد إليه وأنت جعلت الأصل هو
ما زعمته من العقل وجعلت القرآن كله محكمه ومتشابهه يرد إليه فما خالفه كان متشابهاً فلم يبق في القرآن محكم يرد إليه المتشابه ولا هو أم الكتاب وأصله الوجه الثامن أنه على قولك لا سبيل لأحد إلى أن يعرف شيئا من القرآن محكما فإن ذلك يمكن إذا علم انتفاء المعارض العقلي وهذا النفي غير معلوم فلا يجزم بأن شيئاً منه محكم فإن قلت أنا أقول إن صرف اللفظ عن ظاهره إلى معناه المرجوح لا يجوز إلا عند قيام الدليل القاطع على أن ظاهره محال ممتنع قيل وأنت تقول إن حمله على ظاهره لا يجب إلا إذا قام الدليل العقلي على أن ظاهره حق وما لم يعضده دليل عقلي لم يجزم بثبوته كما لا يجزم بنفيه إلا إذا نفاه الدليل العقلي فالمعتمد عندك في الجزم بالنفي والإثبات على الدليل العقلي والقرآن عديم التأثير لا يجزم بنفي ما نفاه ولا بإثبات ما أثبته وهذه حال من لا يؤمن بالله وبكتابه وحال من لا يؤمن بما أنزل
الله تعالى من الكتاب ولا بما أرسل من الرسل الوجه التاسع قولك إنه لا يترك الدليل السمعي لدليل أرجح منه لأن الترجيح لا يكون إلا ظنا والظن لا يجوز التعويل عليه في المسائل العقلية القطعية فيقال لك فرق بين رجحان الاعتقاد واعتقاد الرجحان فأنت قد ذكرت هذا الفرق كما ذكره أبو الحسين البصري وغيره واعتقاد الرجحان قد يكون علماً فإذا اعتقد أن هذا الظاهر أرجح من هذا الظاهر فهذا يكون معلوماً مستيقناً وكذلك يجب العمل بهذا الراجح ويكن العامل عاملاً بعلم لا بظن وحينئذ فإذا تعارض ظاهران وقد علم رجحان أحدهما جزمنا بأن إرادة الله لذلك الشيء أرجح وكان هذا الجزم علماً فلمَ لا يجوز ذلك وإن لم يجزم بوجود المراد وهذا الجزم ينتفع به نفعاً عظيماً
الوجه العاشر هب أنا لا نجزم بشيء بل نرجح إرادة أحدهما على الآخر فإذا قلنا إرادة هذا أرجح وغلب على الظن أن هذا هو المراد كما في كثير من الآيات والأحاديث التي تنازع الناس في تفسيرها فغلب على الظن رجحان أحد الأقوال فِلمَ لا يجوز هذا وما المانع منه وليس هذا تعويلا على الظن في مسألة عقلية قطعية بل في مسألة سمعية غير قطعية فإن التقدير أن هذا لم يخالف دليلاً قطعيا بل العقل يجوز إرادة هذا وإرادة هذا والسمع قد رجّح أحدهما ترجيحا ظنيا فِلمَ لا يجوز مثل هذا الترجيح وهذا هو الظاهر الذي هو أحد مسمى المحكم عندك الوجه الحادي عشر أن من الناس من يقول مسائل الأصول لا يجوز التمسك فيها إلا بأدلة يقينية لا ظنية هذا على وجهين فإن كان مما أمرنا فيها باليقين كاليقين بالوحدانية والإيمان بالرسول والإيمان باليوم الآخر مما أمرنا فيه باليقين لم يمكن إثباتها إلا بأدلة يقينية وأما ما لا يجب علينا فيه
اليقين كتفاصيل الثواب والعقاب ومعاني بعض الأسماء والصفات فهذه إذا لم يكن فيها دليل قطعي يدل على أحد الطرفين كان القول مما يترجح من الأدلة أن هذا هو الظاهر الراجح قولاً عدلاً مستقيماً بل كان خيراً من الجهل المحض وأيضا فمن الناس من لا يقدر على العلم في جميع ما يتنازع فيه الناس وفي دقيق المسائل فإذا تكلم بحسب طاقته واجتهاده فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها الوجه الثاني عشر أنه إذا لم يجز القول بالظن الراجح فالقول بالجهل والكذب والقول الباطل أولى أنه لا يجوز فإن هذا لا يجوز بالإجماع وما يذكرونه مما يسمونه أدلة عقلية على نفي ما دل عليه القرآن والسنة من الصفات إنما هي أقوال باطلة لا تفيد عند التحقيق لا علماً ولا ظنًّا بل جهلاً مركباً كما بينا هذا في غير موضع كما وصف الله تعالى حال الكفار بقوله تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) [النور 39] الوجه الثالث عشر قوله إذا كان لفظ الآية والخبر ظاهراً في معنى فإنما يجوز لنا ترك ذلك الظاهر بدليل منفصل ولا يكون لفظيًّا فيقال هذا قرع وقوع هذا فِلمَ قلت إن الأخبار يعارضها
دليل عقلي قطعي وقد بسطنا هذا في مواضع وبينا أن هذا غير واقع بل لابد أن يبين الله مراده حتى يحصل بكلامه الهدى والبيان وتقوم به الحجة فما كان ظاهراً غير مراد بينه بآية أخرى كما في الخاص والعام فأما أن يكون دالاً على غير الحق وهو لم يبين الحق الذي أراده فهذا غير واقع بل غير الله إذا تكلم بكلام ولم يبين مراده بكلامه كان معيباً مذموماً فرب العالمين أولى بتنزيهه عن كل عيب وذم وعن أن يتكلم بكلام ولم يبين به مراده بل يظهر منه غير ما أراده والذي أراده لا يدل عليه ألبتة كما يزعمه هؤلاء المعطلة الملحدون الوجه الرابع عشر قوله ليس ترك ظاهر أحدهما لإبقاء الآخر بأولى من العكس فيقال له أحدهما مفسر للآخر مبين للمراد به ليس معارضاً له إلا عند من لا يفهم كقوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ
تُقَاتِهِ [آل عمران 102] وقوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن 16] فإن قوله مَا اسْتَطَعْتُمْ مفسر لقوله حَقَّ تُقَاتِهِ ورافع لظن من يظن أن الله أمر الناس بحق تقاته الذي لا يستطيعونه وهذا هو الذي أراده من قال من المتقدمين أن هذه ناسخة لتلك أرادوا أنها ناسخة للظن الفاسد من معناها ولم يريدوا أن الله أمر الناس بما لا يستطيعونه من تقواه ثم نسخ ذلك ولكن رقع ما يظن أن الآية دالة عليه يسمونه نسخاً فإنه من إلقاء الشيطان وقد قال تعالى فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) [الحج 52] ولكن من الناس من لم يعرف مرادهم بلفظ النسخ وعادتهم واصطلاحهم فيه فيظن أنهم أرادوا به معناه الخاص فيكون قد أمروا بما لا يستطيعه العباد وهذا لم يقع في الشريعة قط ولا عرف أن السلف رحمهم الله تعالى فهموا هذا من الآية وهكذا إذا كانت إحدى الآيتين دلت على المعنى دلالة راجحة فإنها تقضي على
الدلالة المرجوحة وتفسرها الوجه الخامس عشر قوله إن الدلائل اللفظية لا تكون قطعية قد أبطلناه عي مواضع ونحن ننبه هنا على بطلانه فنقول هذا القول من أعظم السفسطة وهو من أعظم أنواع السفسطة التي في الوجود ولهذا لم يعرف هذا القول عن طائفة معروفة من طوائف بني آدم لا المسلمين ولا غيرهم لظهور فساده فإنه يقدح فيما هو أظهر العلوم الضرورية لجميع الخلق وأن بني آدم يتخاطبون ويكلم بعضهم بعضاً ويفهم بعضهم مراد بعض علماً ضروريًّا أعظم من علمهم بالعلوم النظرية والنطق للإنسان أظهر صفات الإنسان التي تميز بينه وبين البهائم ولظهور ذلك قوله تعالى فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) [الذاريات 23] ولهذا يقول من يقول في الإنسان إنه الحيوان الناطق ثم البهائم يفهم بعضها
مراد بعض بأصوات تصوتها وقد تسمى منطقاً لها كما قال سليمان عليه السلام يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ [النمل 16] وقد ذكر سبحانه وتعالى قول النملة أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) [النمل 18] فالنملة قالت للنمل قولاً يتضمن أمراً وتحذيراً وسليمان عليه السلام فهم ما قالته فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) [النمل 19] وهو أيضاً خاطب الهدهد وخاطبه بما حكاه الله حيث قال الهدهد له أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) [النمل 22-28] بل هو سبحانه وتعالى ينطق الجماد بأصوات يفهمها من يفهمها من الآدميين كما قال تعالى عن داود عليه السلام يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ [سبأ 10] وقال تعالى إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) [ص 18]
والحصى قد سبح في كف النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن مسعود كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل وكان
أبو الدرداء وسلمان الفارسي يسمعان تسبيح القدر وقال
النبي صلى الله عليه وسلم إني لأعلم حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن وهذا باب واسع فهو سبحانه لعموم هدايته هدى مخلوقاته وجعل بعضها يفهم عن بعض مراده بما ألهمه الله من نطق أو غيره وهذا لبسطه موضع آخر ولكن المقصود هنا أن دلالة الأدلة القطعية القولية على مراد المتكلم ومعرفة المستمع بمراده وفهمه لكلامه هو ما يعرفه جميع بني آدم علماً ضروريًّا قبل علمهم بالأدلة العقلية المجردة فالطفل إذا صار فيه تمييز
علم مراد أبيه وأمه بما يخاطبانه به وفهمه لمراد الأم أسبق إليه من العلم بالأدلة العقلية النظرية فإن هذا مما يعلم به مراد المتكلم اضطرارا ولا يتوقف قهم الصغير لكلام مربيه أبيه وأمه وغيرهما لا على نقل اللغة والنحو والتصريف ولا على نفي المجاز والإضمار والتخصيص والاشتراك والنقل والمعارض العقلي والسمعي بل يعلم مرادهم بكلامهم اضطراراً لا يشك فيه ثم سائر بني آدم يخاطب بعضهم بعضاً ويفهم مرادهم من غير احتياج إلى شيء من تلك المقدمات ويكتبون الكتب إلى الغائب الذي لا يراهم ولا يرى حركاتهم فيعلمون مراد الكاتب اضطراراً في أكثر ما يكتبه وإن كان بعض ذلك قد يظن أو لا يفهم لكن الأغلب أنهم يعلمون مراده اضطراراً وهذا موجود
في مكاتبة العامة والخاصة ومن يخاطبهم فإذا كان الخط الدال على اللفظ يعلم به المراد اضطراراً في أكثر ما يكتب فاللفظ الذي هو أقرب إلى المعنى المراد أولى أن يعلم به المراد اضطرارا ثم إذا كان هذا البيان والدلالة موجوداً في كلام العامة الذين لا يعدون من أهل العلم فأهل العلم أولى بأن يبينوا مرادهم وأن يفهم مرادهم من خطابهم وإذا كان هذا في العلماء الذين ليسوا بأنبياء فالأنبياء أولى إذا كلموا الخلق وخاطبوهم أن يبينوا مرادهم وبأن يفهم الناس ما بينوه بكلامهم ثم رب العالمين أولى أن يكون كلامه أحسن الكلام وأتمه بياناً وقد قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم 4] فهو إنما أرسل الرسل بلسان قومهم الذين خاطبوهم أولا ليبن الرسول ما أراده وما أوحاه الله إليه من الرسالة فكيف يجوز أن يقال إنهم لم يبينوا المراد وأن أقوالهم لم تدل على مرادهم فلم يبينوا ما أوحي إليهم بياناً قاطعاً لأنهم بينوه بلفظهم وهذا يقول إن شيئا من الأدلة
اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيًّا مع أن هذا القول كما تقدم لا يعرف عن طائفة من طوائف بني آدم لا من المسلمين ولا من غيرهم ولا عن عالم معروف إذ كان هذا القول في غاية السفسطة وجحد الحقائق وإنما الذي يقوله بعض الناس هو القدح في بعض الأدلة اللفظية والسمعية كما قد يقدحون في بعض... الأدلة العقلية أما القدح في الجنس فهذا لا يعرف في جنس المتكلمين عن طائفة من الآدميين ولكن هذا الرجل كثير السفسطة والتشكيك فهو من أعظم المتكلمين سفسطة وتشكيكاً وهذا من جملة سفسطته لا يعرف من جنس المتكلمين من هو أعظم تقريراً للشكوك والشبهات الباطلة وأضعف جواباً عنها منه وتقريره لما يقدح في جنس الأدلة القولية النطقية الدالة على مراد المتكلم هو من هذا الباب بل هذه الأدلة الدالة
على مراد المتكلم هي أبين وأظهر عند جميع بني آدم من جنس الأدلة العقلية المجردة ولهذا تجد كل أمة يرجعون إلى قول قائل مقبول القول عندهم هم أقل اختلافا في معرفة مراده من الذين يرجعون إلى مجرد الأدلة العقلية المجردة ولهذا كان غير أهل الكتاب من أصناف المشركين من فلاسفة الهند واليونان والعرب وغيرهم أعظم اختلافا فيما يدعونه من الأدلة العقلية من اختلاف أهل الكتاب في مراد الأنبياء ثم أهل الحديث والسنة الذين يرجعون إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مع رجوعهم إلى القرآن أقل اختلافا من غير أهل العلم بذلك ومن يرد أخباراً صحيحة لزعمه أنها أخبار آحاد لا تفيد العلم أو يقبل أخباراً ضعيفة أو موضوعة يظنها صحيحة فهؤلاء أكثر اختلافا من أهل المعرفة بالحديث لأنهم إذا كانوا أعرف بالحديث فالحديث يدلهم على مراد الرسول فيكون الاختلاف بينهم أقل من أولئك وأمة محمد وإن
كانوا قد اختلفوا في أشياء فهذا من لوازم النشأة الإنسانية فالشهوات والشبهات لازمة للنوع الإنساني كما قال تعالى وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) [الأحزاب 72] لم يخلص أحد من البشر عن ذلك لكن من كان أفضل وأكمل كانت معرفته بالحق أكمل وعمله به أكمل وأمة محمد أكمل في معرفته والعمل به فهم أفضل الأمم ثم أهل السنة وأهل المعرفة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمعانيه والمتبعون لذلك هم أكمل علماً وعملاً من غيرهم فهم أعلم الناس يقيناً ومعرفة لاتباعهم الرسول ومعرفتهم بكلامه وعلمهم بذلك ونطقهم به بخلاف ما زعمه هؤلاء من أن الأدلة النطقية لا يمكن أن يقطع فيها بمراد المتكلم وأيضا فقد علم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بالحق وأنصح الخلق للخلق وأكمل الناس بياناً وعبادة ودلالة على الحق وإذا اجتمع العلم والقدرة والإرادة وجب وجود المطلوب فكيف يكون أعظم الناس معرفة وبياناً ودلالة لم يعرف مراده مع أن
الناس قد عرفوا مراد جميع من تكلم في العلوم وقطعوا بمرادهم في أكثر ما قالوه والمظنون والمشكوك فيه قليل مغمور بالنسبة إلى المعلوم المقطوع به فالفقهاء يعرفون مراد أئمتهم المصنفين للكتب وكذلك النحاة والأطباء وكذلك المصنفون في علوم الحديث والتفسير وغير ذلك فإذا كان هؤلاء قد بينوا مرادهم مع أن البيان غير واجب عليهم فكيف لا يبين الرسول صلى الله عليه وسلم مراده مع أن الله تعالى قد أوجب عليه البلاغ المبين وقد بسط الكلام على فساد هذا الأصل الذي هو من أعظم السفسطة عقلاً ومن أعظم الإلحاد في كلام الله تعالى شرعاً وصاحبه جحد نعمة الله عز وجل في تعليمه البيان والقرآن وقال تعالى الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) [الرحمن 1-4] في
ما زعمه من أن بيان الإنسان وكلامه ونطقه لا يعلم به مراده والقرآن الذي علمه الله تعالى لعباده وتكلم به لا يُعلم به مراده وهذا جحد لنعمة القرآن والبيان وقد تقدم ما ذكرناه من الآيات على أن القرآن لا يجوز أن يشتمل على ما لا يعلم منه المراد وأن الله تعالى سماه بياناً وهدى ونورا وأمر بتدبره والتفكر فيه وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه بينه وعرف بمعناه وإذا كان هذا يدل على فساد قول من يقول إن بعضه لا يعلم منه المراد فمن قال إن شيئا من الدلائل السمعية لا يعلم بها المراد ولا يحتج بها في المسائل العلمية هو أولى بالفساد من قول أولئك من وجوه كثيرة وقد ذم الله تعالى في غير موضع من لم يفهم كلامه وجعلهم من الكفار والمنافقين كقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ
عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) [محمد 16] وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا [الأنعام 25] وقال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) [يونس 42] وما ذكره الرازي من أنه موقوف على عشر مقدمات ظنية والموقوف على الظن أولى أن يكون ظنيًّا وهو نقل اللغة والنحو والتصريف وعلى عدم المجاز والنقل والاشتراك والإضمار والتخصيص وعدم المعارض العقلي والسمعي دعوى باطلة من وجوه أحدها أن العلم بمراد المتكلم من عادته وحاله وداعيته وقصده أمر معلوم عنده بالاضطرار كما قصده بالأفعال الاختيارية مثل أكله وشربه ولباسه وركوبه وغير ذلك من أفعاله فكما أنه إذا أكل وشرب وإن كان الأكل والشرب يحصل باختياره فإنه يعلم أنه أكل وشرب ليشبع وأنه يشبع بالأكل والشرب وإن كان قد يقع أحيانا خلاف ذلك وكذلك يعلم دلالة أصواته الدالة بالطبع وإن كانت باختياره وبغير اختياره مثل النفخ والنحنحة والعطاس
والقهقهة وغير ذلك فكيف بأحواله الدالة بقصده واختياره التي قد علم من حاله أنه يقصد به الإفهام والبيان فالعلم بمراده بهذه أظهر وأقوى وإذا جُوّز أن يكون أراد غير ما دل على إرادته فإن تلك الأفعال والأحوال قد يقصد بها غير ما يدل عليه في العادة فقد يبكي الرجل محالا حتى يظهر حزنه وهو كاذب كما جاء إخوة يوسف أباهم عشاءً يبكون وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [يوسف 18] الوجه الثاني أن الناس مع الرسول صلى الله عليه وسلم إما شاهد له قد سمع كلامه وإما غائب بلغه كلامه فالمشاهدون له قد بين لهم مراده مع القول بتعيين ما أراده فلما أمرهم بالصلاة والزكاة والصيام والحج بين لهم مسمى هذه الألفاظ ولم يحوجهم في ذلك إلى أن يعرفوا مسمى هذه الألفاظ من كلام غيره فلم يحتاجوا إلى نقل لغة غيره ولا نفي احتمالات ولا نفي معارض بل علموا مراده بهذه الألفاظ لما بينه لهم مع القول معرفة ضرورية ونقلوا ذلك إلى من بعدهم نقلا يفيد اليقين
والعلم أعظم من اليقين والعلم بنفس ألفاظه فحصل العلم لمن شاهده ولمن غاب عنه أعظم من ألفاظه وقد يكون في الذين شاهدوه من لم يسمع كلامه لكنه علم مراده وما أمر به وما نهى عنه ولم يسمع نفس اللفظ إما لبعده وإما لغيبته وهو إنما يسأل عما أراده ليس له غرض في نفس اللفظ فعلم المراد بالاضطرار واللفظ لا يعرفه الوجه الثالث أن علم المخاطبين بالمعنى الذي أراده المتكلم أهم عندهم من العلم بلفظه ولهذا إنما يبحثون عن ذلك وهو الذي ينقلونه عنه ويبلغونه عنه فإن الله تعالى قد حكى عن الأمم المتقدمين من الأنبياء وأتباعهم وتكذيبهم أقوالاً كثيرة ولم ينقل لفظ أحد منهم وإنما نقل معنى كلامه باللغة العربية وبنظم القرآن المخالف لسائر نظم الكلام مع أن أولئك تكلموا بغير العربية وبغير نظم القرآن
وهو الصادق فيما حكاه عنهم إذ كان المقصود هو معاني ألفاظهم لا نفس الألفاظ وكذلك الناس ينقلون مذاهب العلماء وأقوالهم بغير ألفاظهم وهم متفقون على هذا وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذا فهم معناه جازت روايته بالمعنى عند الجمهور ومن منعه فإنما منعه خوفاً من تقصير المبلغ في أداء المعنى الذي أراده وأما مع العلم بالمعنى فلا ريب فيه
وقد اتفق المسلمون على أن القرآن والحديث يترجم بغير لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم وغير لغته لمن احتاج إلى ترجمته ممن لا يعرف بالعربية بل وللعربي الذي لا يعرف لغة الرسول صلى الله عليه وسلم ويبين معانيه لمن يعرف لغته ولكن ليس هو من أهل العلم بخصائص كلامه كما قال ابن عباس رضي الله عنهما التفسير أربعة أوجه تفسير تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يعذر أحد بجهالته وتفسير يعرفه العلماء وتفسير لا يعلمه
إلا الله تعالى فعامة الأمة يعلمون معاني القرآن الظاهرة المنقولة بالتواتر من غير حاجة إلى شيء من تلك المقدمات وهو يسألون عن معاني القرآن والحديث ليفهموها ويعرفوها وإن كانوا لا يحفظون لفظ الحديث ولكن قد عرفوا معناه فيفتون به ولهذا قال أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما معرفة الحديث والفقه فيه أحب إلينا من حفظه فاهتمامهم بفهم المعنى أعظم من اهتمامهم باللفظ وإذا كان كذلك كانت معرفته ونقله أبلغ من معرفة اللفظ وإذا كان لفظ
القرآن وكثير من الحديث منقولاً بالتواتر فنقل المعنى أولى ولهذا الوجه والذي قبله إذا سمعت الأمة عوامها وخواصها قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [آل عمران 97] علموا أن المراد البيت الذي بمكة وأن الحج هو الأعمال المشروعة وأكثرهم لا يحفظ هذه الآية الوجه الرابع أن أهل العلم بالكتاب والحديث قد نفلوا لغة الرسول صلى الله عليه وسلم التي خاطبنا بها ولم يحتج مع ذلك إلى نقل لغة أحد غير الرسول صلى الله عليه وسلم ولهذا لا يحتاج علماء الدين إلى أهل اللغة في فهم القرآن والحديث إلا في مواضع يسيرة يحتاج بعضهم إليها كألفاظ غريب القرآن والحديث والفقه ومعانيها فلا يحتاجون في ذلك إلى نقل أهل اللغة وإن احتاج إلى ذلك بعضهم أو ذكر ذلك على سبيل الاستشهاد والاعتبار كما يقوى الدليل بالدليل فكل ما احتاج المسلمون إلى نقله من لغة القرآن فهم يتبعون عندهم نقلاً معلوماً مقطوعاً به إلا مواضع قليلة خفيت على بعضهم فصارت عنده
مظنونة أو مجهولة الوجه الخامس أن قوله إنه موقوف على نفي المجاز والاشتراك والإضمار والتخصيص وقد يقول والنقل فيقال هذا تكثير للمقدمات من غير حاجة فهو كما لو قيل موقوف على نفي مجاز الزيادة والنقص والاستعارة فهذا تكثير بلا فائدة بل يكفي أن يقال على نفي احتمال آخر للفظ سواء احتمل ذلك بطريق المجاز أو الاشتراك أو الإضمار والتخصيص نوع من المجاز فإن اللفظ إما أن تكون دلالته على المعنيين سواء فهو المشترك وإما أن يكون هو بمجرده يدل على معنى وبالقرينة يدل على معنى آخر وهو المجاز وهذا على رأي من يقول إن في اللغة مجازاً وأما من نفى ذلك وقالا ما ثم إلا دلالة مطلقة أو مقيدة به فالمطلق مقيد بالإطلاق والمقيد مقيد بالقيد اللفظي كما يقول إن صيغة الأمر والنهي والعموم تدل عند تجردها على معنى الأمر والنهي والاستغراق ومع القرينة على التخصيص أو التهديد وبتجردها عن القرينة المخصصة إلى قرينة تبين المراد فإذا قيل اللفظ المجازي ما دل مع القرينة
والحقيقة ما دل بمجرده قيل إن يُعن التجريد والإطلاق من كل وجه فما في ألفاظ الكلام ما هو كذلك بل كلها مقترنة بغيرها فإن الكلام إما جملة اسمية وإما جملة فعلية وكل منهما أقل ما يأتلف من لفظين مفردين وكل منهما مقترن بالآخر ليس واحد منهما مجرداً مطلقاً عن جميع القرائن وإن عنى بالتجريد والإطلاق أن يكون مجرداً عن بعض القرائن فهذا حق وجميع الكلام يدل مع قرينة على معنى ومع عدمها وقرينة أخرى على معنى آخر حتى لفظ الإنسان فإنه يقال إنسان العين والألفاظ التي هي صريحة في الأحكام مثل لفظ الطلاق والنكاح وغيرهما قد يقترن بها ألفاظ تزيل دلالتها باتفاق المسلمين كما إذا قيل أنت طالق من وثاق فهذا لا يقع به الطلاق بالاتفاق أو قال يا دنيا غري غيري قد طلقتك ثلاثاً أو قال ودي من ودك طالق فهذا لا تطلق به الزوجة باتفاق المسلمين والكلام على مسمى الحقيقة مبسوط في مواضع أخر
والذي لابد منه أن اللفظ إذا ما دل على معنى دلالة فلابد أن ينفي احتماله لغير ذلك المعنى وإذا جاز أن يراد به ذلك المعنى الآخر النافي لهذا المعنى لم تكن دلالته قطعية لكن إذا علم المراد قطعاً علم دلالة الفظ عليه ثم ذلك المعنى الآخر إن لم يكن منافياً لهذا المعنى لم تضر دلالة اللفظ عليه إذ دل عليهما جميعاً وأما إن نافى هذه الدلالة كان ضدًّا للمعنى المراد ومعلوم أن العلم بثبوت أحد الضدين ينفي العلم بثبوت الآخر فنفس العلم بالمراد ينفي كل احتمال يناقض كل ذلك وهكذا الكلام في نفي المعارض العقلي والسمعي فإنه إذا علم المراد علم قطعاً أنه لا ينفيه دليل آخر لا سمعي ولا عقلي لأن ذلك نقيض له وإذا علم ثبوت الشيء علم انتفاء نقيضه قطعاً فحاصل كلامه ثلاث مقدمات أنه موقوف على ما يدل على المراد وعلى ما ينفي ضده ونقيضه فيقال الدال على المراد يستلزم الدلالة على ضده ونقيضه فلا يحتاج إلا إلى العلم بالمراد فقط والعلم بالمراد كثيراً ما يكون علماً اضطراريًّا كالعلم بمجرد الأخبار المتواترة فإن الإنسان إذا سمع
مخبرًا يخبر بأمر قد يحصل عنده ظن ثم يقوى بالخبر الآخر حتى يكون علمًا ضروريًّا وكذلك إذا سمع كلام المتكلم فقد يعلم مراده ابتداء وقد يظنه ثم يتكرر كلام المتكلم أو يتكرر سماعه له ولما يدل على مراده فيصير علمه بمراده ضروريّا وقد يكون العلم بالمراد استدلاليّا نظريّا وحينئذ فذلك يتوقف على مقدمة واحدة وقد يتوقف على مقدمتين وعلى أكثر أما دعوى المدعي أن كل استدلال بدليل لفظي على مراد المتكلم يتوقف على عشر مقدمات فهذا باطل قطعاً وأبطل منه أن كل مقدمة فهي ظنية بل عامة المقدمات التي يتوقف عليها فهم ومراد المتكلم وقد تكون قطعية في غالب الأمر لمن تدبر ذلك فإن قيل إذا كان المراد قد بينه المتكلم بغير ذلك اللفظ ونقل عنه متواتراً لم يكن مستفاداً من اللفظ بل يكون مستفاداً من ذلك النقل قيل لهم نقلوا المراد ونقلوا أنه هو المراد باللفظ وأن اللفظ دال عليه كما نقلوا وجوب الحج وأن وجوبه مراد بقوله
تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران 97] وأنه أريد بهذا اللفظ وجوب حج البيت الذي بمكة وكذلك قوله تعالى شَهْرُ رَمَضَانَ [البقرة 185] وقوله تعالى وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة 43] ونحو ذلك فإذا سمع هذا اللفظ علم قطعاً أنه أريد به هذا المعنى كما علم أن هذا المعنى قصده الرسول صلى الله عليه وسلم وأراده فكلاهما معلوم قطعاً فلو قال قائل أنا أوجب الحج وصيام شهر رمضان فإن ذلك منقول بالتواتر لكن أقول صيام رمضان المراد به موالاة ثلاثين رجلاً وحج البيت المراد به حج بيوت العلم والحكمة والمراد به صلاة الجمعة كان هذا معلوم الفساد بالاضطرار وأيضاً فإذا عُرّف ما أريد باللفظ ابتداء من لم يعرف معناه فيطلب معرفة معناه فيفسر له بالمعنى المعلوم المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا سمع اللفظ ذكره ما أمر الله تعالى به وما اخبر به فيذكر ما أوجب الله تعالى عليه وما أخبر الله تعالى به ليفعل هذا ويصدق هذا ونحن لا ننكر أن بعض الناس قد يتوقف فهمه لبعض الألفاظ على ما ذكره من المقدمات الظنية لكن المنكر دعواه العموم والغلبة فإن
غالب آيات القرآن في حق غالب الناس لا يتوقف على عشر مقدمات ظنية كما ذكره بل هذا من أظهر البهتان وإن قدر إن بعض الآيات يتوقف على هذا في حق بعض الناس فذلك لقوة جهله وبعده عن معرفة الرسول وما جاء به كمن يكون حديث عهد بالإسلام أو قد نشأ ببادية بعيدة عن دار العلم والإيمان فإنه قد لا يعرف أن الله تعالى أوجب الحج والصيام بل ولا الصلاة ولا حرم الخمر فلا يجعل هذا حكماً في حق غالب المسلمين كذلك إذا قُدر أن بعض الناس لم يحصل له علم بمعنى بعض الآيات إلا لتوقف ذلك على أدلة ظنية في حقه لم يلزم أن لا يحصل العلم بها وبغالب القرآن لغيره وإن قُدر أنه لم يحصل لم يجز أن يقال إن العلم بالمراد غير ممكن كما قال هذا القائل إن شيئاً من الأدلة اللفظية لا يمكن أن يكون قطعيّا فنفي إمكان القطع عن شيء من الألفاظ وهذا أشد فساداً من أن يقال إن شيئاً من الأدلة العقلية لا يمكن أن يكون قطعيّا لأن العلم بمراد المتكلم أظهر
وأنشر وليس المراد بكون الدليل العقلي والسمعي قطعيّا إلا كونه يدل على مراد المتكلم ثم المتكلم إن كان ممن يعلم أن مراده حق وأنهم معصومون من الكذب عمداً وخطأً فيما يبلغونه ويخبرون به عن الله تعالى وهم قد أخبروا عن الله تعالى بهذا المعنى الذي أراده فحينئذ نقطع بأن هذا حق في نفس الأمر وأما إن لم يكن المتكلم كذلك بل يجوز عليه الخطأ فإنا نقطع بمراده لا لكونه صواباً وحقًّا وأيضاً فالأدلة السمعية تدل بطريقتين تارة تدل بمجرد الخبر فإن ما أخبر به الصادق المصدوق لا يكون إلا حقًّا وتارة يكون قد بين الأدلة العقلية التي تدل على ما أخبر به أو على إمكانه والقرآن مملوء من ذكر الأدلة العقلية التي هي آيات الله تعالى الدالة عليه وعلى وحدانيته وعلى علمه وقدرته ومشيئته وحكمته ورحمته والدالة على أمره ونهيه وإباحته ووعده ووعيده وكذلك ما يخلقه من
الآيات العيانية فإنها تدل على نفسه وخلقه وقدرته ومشيئته وتدل أيضاً على أمره ونهيه وحبه وبغضه وسخطه ورضاه كما تدل عقوباته للمكذبين للأنبياء على أمره لهم بالإيمان بالأنبياء ومحبة ذلك وعلى نهيه عن تكذيبهم وبغضه لذلك فالآيات المخلوقة العيانية تدل على قدرته وعلى شرعه لهم وعلى خلقه وعلى أمره وكذلك الآيات المنزلة المسموعة القرآنية تدل على هذا وعلى هذا وقد دل بهذه الآيات القولية على الاستدلال بتلك الآيات العيانية العقلية فإنه يدل على الدلائل العقلية والسمعية كلاهما وإذا فهمما دل عليه من الدلائل العقلية وعرفت دلالتها على المطلوب بمجرد العقل وإن لم يخبر بها النص كان هذا دليلاً عقليًّا قطعيّا وكان مستفاداً من الأدلة السمعية واللفظية لكونها هي التي دلت عليه وأرشدت إليه ونبهت عليه وإذا كان هذا موجوداً مما يستفاد من كلام المخلوقين فما يستفاد من كلام الخالق أعظم وأعلى والله تعالى أعلم
وقد تبين في غير موضع أن هؤلاء المتكلمين الجهمية والمتفلسفة الدهرية ليس معهم أدلة عقلية تعارض القرآن وتقوم مقام القرآن فما سلكوه في إثبات الصانع وصفاته طرق فاسدة لا تغني عن أدلة القرآن العقلية الدالة على ذلك فضلاً عن أن تعارضها وهذا أحد ما يبين به فساد ما يذكرونه من تقديم مثل هذه الأدلة على دلالة القرآن عقليها وخبريها ولا ريب أن طريقهم فيه من النفاق والإلحاد والجهل ما يطول وصفه ولذلك قال الأئمة كأحمد بن حنبل وغيره علماء الكلام زنادقة وكان الذين يشيرون إليهم خيراً من هذا وأمثاله وكذلك قال الشافعي لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا