بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 543-582
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الوجه الأول

صفحات 543-582
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

قال قائلون لا يرى الله جهرة ولا معاينة ومنهم من يقول أحدق إليه إذا رأيته ومنهم من يقول لا يجوز التحديق إليه وقال قائلون منهم ضرار وحفص الفرد إن الله لا يرى بالأبصار ولكن يخلق حاسة يوم القيامة سادسة غير حواسنا هذه فندركه بها وندرك ماهو بتلك الحاسة وقالت البكرية إن الله يخلق صورة يوم القيامة يرى فيها ويكلم خلقه فيها وقال الحسين النجار يجوز أن يحول الله تعالى العين إلى القلب ويجعل لها قوة العلم فيعلم بها ويكون ذلك العلم رؤية له أي

علمًا له قال وأجمعت المعتزلة على أن الله تعالى لا يرى بالأبصار واختلفت هل يرى بالقلوب فقال أبو الهذيل وأكثر المعتزلة إن الله تعالى يرى بقلوبنا بمعنى أنا نعلمه بها وأنكر ذلك الفوطي وعباد وقالت المعتزلة والخوارج وطوائف من المرجئة وطوائف من الزيدية

إن الله لايرى بالأبصار في الدنيا والآخرة ولايجوز ذلك عليه واختلفوا في الرؤية لله تعالى بالأبصار وهل يجوز أن تكون أو هي كائنة لا محالة على مقالتين فقال قائلون يجوز أن يرى الله تعالى في الآخرة بالأبصار وقال قائلون إنه بيانًا قال نقول إنه يرى بالأبصار وقال قائلون نقول

بالأخبار المروية وبما جاء في القرآن أنه مرئي بالأبصار في الآخرة بيانًا يراه المؤمنون قال وكل المجسمة إلا نفرًا يسيرًا يقولون بإثبات الرؤية وقد يثبت الرؤية من لايقول بالتجسيم قال واختلفوا هل يقال إن الباري تعالى لم يزل عالمًا قادرًا حيًّا أم لايقال ذلك على مقالتين فقال قائلون لم يزل الله تعالى عالمًا قادرًا حيًّا وزعم كثير من المجسمة أن الباري كان قبل أن يخلق الخلق ليس بعالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا مريد ثم أراد وإرادته عندهم حركته فإذا أراد تكون شيء تحرك فكان الشيء لأن معنى أراد تحرك وليست الحركة غيره وكذلك قالوا في قدرته وعلمه وسمعه وبصره إنها معان وليست غيره وليست بشيء لأن الشيء هو الجسم وقال قائلون إن حركة الباري غيره واختلف القائلون إن الباري يتحرك على

مقالتين فزعم هشام أن حركة الباري هي فعله الشيء وكان يأبى أن يكون الباري يزول مع قوله يتحرك وأجاز عليه السكاك الزوال وقال لايجوز عليه الطفر وحكي عن رجل كان يعرف بأبي شعيب أن الباري يسر بطاعة أوليائه

وينتفع بها وبإنابتهم ويلحقه العجز بمعاصيهم إياه قال واختلفت المعتزلة في المكان فقال قائلون إن الباري لا في مكان بل هو على ما لم يزل عليه وقال قائلون الباري في كل مكان بمعنى أنه حافظ الأماكن وذاته مع ذلك موجودة بكل مكان وقال أيضًا اختلف المعتزلة في المكان فقال قائلون الباري بكل مكان بمعنى أنه مدبر لكل مكان وأن تدبيره في كل مكان والقائلون بهذا القول جمهور المعتزلة أبو الهذيل والجعفران

والإسكافي

والجبائي وقال قائلون الباري لا في مكان بل هو على ما لم يزل وهو قول هشام الفوطي وعباد بن سليمان وأبي زفر وغيرهم من المعتزلة قال وقالت المعتزلة في قول الله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ

اسْتَوَى ﴿5﴾ [طه 5] يعنى استولى قال أبو الحسن وهذا شرح اختلاف الناس في التجسيم قد أخبرنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون أن الباري تعالى ليس بجسم ولا محدود ولا ذي نهاية ونحن الآن نخبر عن أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم قلت هذا الذي أحال عليه ذكره في قول المعتزلة فقال هذا شرح قول المعتزلة في التوحيد وغيره أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وليس بجسم ولا شبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض ولا أجزاء

وجوارح وأعضاء وليس بذي جهات ولا بذي يمين ولاشمال وأمام وخلف وفوق وتحت ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه زمان ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق الدالة على حدوثهم ولا يوصف بأنه متناهٍ ولا يوصف بمساحة ولا ذهاب في الجهات وليس بمحدود ولا والد ولا مولود ولا تحيط به الأقدار ولا تحجبه الأستار ولا تدركه الحواس ولا يقاس بالناس ولا يشبه الخلق بوجه من الوجوه ولا تجري عليه الآفات ولا تحل به العاهات وكل ماخطر بالبال وتصور بالوهم فغير مشبه له ولم يزل أولاً سابقًا متقدمًا للمحدثات موجودًا قبل المخلوقات ولم يزل عالمًا قادرًا حيًّا ولا يزال كذلك لا تراه العيون ولا تدركه الأبصار ولا تحيط به الأوهام ولا يسمع بالأسماع شيء لا كالأشياء عالم قادر حي لا كالعلماء

القادرين الأحياء وأنه قديم وحده ولا قديم غيره ولا إله سواه ولا شريك له في ملكه ولا وزير له في سلطانه ولا معين على إنشاء ما أنشأ وخلق ما خلق لم يخلق الخلق على مثال سبق وليس خلق شيء بأهون عليه من خلق شيء آخر ولا بأصعب منه لايجوز عليه اجترار المنافع ولا تلحقه المضار ولا يناله السرور واللذات ولايصل إليه الأذى والآلام ليس بذي غاية فيتناهى ولايجوز عليه الفناء ولا يلحقه العجز والنقص تقدس عن ملامسة النساء وعن اتخاذ الصاحبة والأبناء قال أبو الحسن فهذه جملة قولهم في التوحيد وقد شركهم في هذه الجملة الخوارج وطوائف من الشيع وإن كانوا للجملة التي يظهرونها ناقضين ولها تاركين ثم ذكر من اختلافهم في مسائل الصفات ما ليس هذا موضع حكايته كلامًا طويلاً

قلت فهذا هو قوله قد أخبرنا عن المنكرين للتجسيم أنهم يقولون إن الباري ليس بجسم ولا محدود ولاذي نهاية ونحن الآن نخبر عن أقاويل المجسمة واختلافهم في التجسيم قال واختلفت المجسمة فيما بينهم من التجسيم وهل للباري تعالى وتقدس قدر من الأقدار وفي مقداره على ست عشرة مقالة فقال هشام بن الحكم إن الله جسم محدود عريض عميق طويل طوله مثل عرضه وعرضه مثل عمقه نور ساطع له قدر من الأقدار بمعنى أن له مقدارًا في طوله وعرضه وعمقه ولا يتجاوزه في مكان دون مكان كالسبيكة الصافية يتلألأ كاللؤلؤة المستديرة من جميع جوانبها ذو لون وطعم ورائحة ومجسة لونه وطعمه وهو رائحته وهو مجسته وهو نفسه لون ولم يثبت لونًا غيره وأنه يتحرك ويسكن ويقوم ويقعد

قال وحكى عنه ابن الراوندي أنه يزعم أن الله يشبه الأجسام التي خلقها من جهة من الجهات ولولا ذلك ما دلت عليه وحكى عنه أنه قال إنه جسم لا كالأجسام ومعنى ذلك أنه شيء موجود قال وقد ذكر عن بعض المجسمة أنه كان يثبت الباري ملونًا ويأبى أن يكون ذا طعم ورائحة ومجسة وأن يكون طويلاً أو عريضُا أو عميقا وزعم أنه في مكان دون مكان متحرك من وقت خلق الخلق قال وقال قائلون إن الباري جسم وأنكروا أن يكون موصوفًا بلون أو طعم أو رائحة أو مجسة أو شيء مما وصفه هشام غير أنه تعالى على العرش مماس له دون ما سواه

قال أبو الحسن واختلفوا في مقدار الباري تعالى بعد أن جعلوه جسمًا فقال قائلون هو جسم وهو في كل مكان وفاضل عن جميع الأماكن وهو مع ذلك متناه غير أن مساحته أكبر من مساحة العالم لأنه أكبر من كل شيء وقال بعضهم مساحته على قدر العالم وقال بعضهم إن الباري عز وجل جسم له مقدار من المساحة ولا ندري كم ذلك المقدار وقال بعضهم هو تعالى في أحسن الأقدار وأحسن الأقدار يكون ليس بالعظيم الجافي ولا بالقليل القميء وحكى عن هشام بن الحكم أن أحسن الأقدار أن يكون سبعة أشبار بشبر نفسه قال وقال بعضهم ليس لمساحة الباري تعالى نهاية ولا غاية وأنه ذاهب في الجهات الست اليمين والشمال والأمام والخلف

والفوق والتحت قالوا وما كان كذلك لايقع عليه اسم جسم ولا طويل ولا عريض ولا عميق وليس بذي حدود ولا هيئة ولا قطب وقال بعضهم إن معبودهم هو الفضاء وليس بجسم والأشياء قائمة به قال وقال داود الجواربي ومقاتل بن سليمان

إن الله جسم وإنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع هذا لايشبه غيره ولا يشبهه غيره وحكي عن الجواربي أنه كان يقول أجوف من فيه إلى صدره ومصمت ماسوى ذلك وكير من الناس يقولون هو مصمت ويتأولون قول الله تعالى الصَّمَدُ ﴿2﴾ [الإخلاص 2] المصمت الذي ليس بأجوف قال وقال هشام بن سالم الجواليقي إن الله تعالى على صورة الإنسان وأنكر أن يكون لحمًا ودمًا وأنه نور

ساطع يتلألأ بياضًا وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان سمعه غير بصره وكذلك سائر حواسه له يد ورجل وأذن وعين وأنف وفم وأن له وفرة سوداء قال أبو الحسن وممن قال بالتجسيم من ينكر أن يكون الباري صورة وقد ذكر أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي في كتاب الآراء والديانات وهو ممن يذهب مذهب

المعتزلة في توحيدهم وعدلهم فقال في كتابه باب قول الموحدين والمشبهين زعمت المعتزلة بأجمعها والخوارج بأسرها وأكثر الزيدية وكثير من الشيع والمرجئة سوى أصحاب الحديث من أهل الإرجاء أن الله ليس بجسم ولا صورة ولا جوهر ولا جزء ولا عرض وليس يشبه شيئًا من ذلك وقال هشام بن الحكم وعلي بن منصور ومحمد بن

الخليل السكاك ويونس بن عبد الرحمن ومن قال بقولهم من الشيع إن الله تعالى جم لا كالأجسام هذه جملة اجتمع هشام بن الحكم وأصحابه عليها فاجتمعت حكاية المخالفين لهذا القول عنه إلا ما أومأ إليه الراوندي في كتابه الذي احتج به لمذهب هشام في الجسم فزعم أنه تعالى وتقدس يشبه الخلق من جهة دون جهة والذي صح عندي من قول هشام بعد ذلك عمن وافقه من أصحابه بعد في الحكاية عنه أنه كان يزعم أن الله تعالى بعد حدوث الأماكن في مكان دون مكان وأنه يجوز أن يتحرك وسمع قومًا من أصحابه يحكون عنه أنه يزعم أنه نور وقال آخرون منهم إنه كان يزعم أنه متناهى الذات واختلف

الحاكون من مخالفي هشام عن هشام فحكوا عن ضروبًا من الأقاويل مختلفة لا تليق به وما رأيت أصحابه يدفعونها عنه فمن ذلك أن الجاحظ ذكر عن النظام أن هشامًا قال في التشبيه في سنة واحدة خمسة أقاويل قطع في آخرها أن معبوده بشبر نفسه سبعة أشبار وحكى أبو عيسى الوراق في كتابه

على المشبهة عن كثير من مخالفي هشام أنه كان يزعم أن القديم على هيئة السبيكة وقال بعضهم إنه على هيئة البلورة الصافية المستوية الاستدارة التي من حيث أتيتها رأيتها على هيئة واحدة وحكى بعضهم كما قلت إنه سبعة أشبار قال وحكى بعضهم أنه ذو صورة وحكوا عنه غير ذلك أيضًا مما رأيت أصحاب هشام يدفعونه عنه وينكرونه

ويزعمون أنه لم يزد على قوله جسم لا كالأجسام وإنما أراد بذلك إثباته وأنه نور لقول تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [النور 35] وينفون عنه المساحة والذرع والشبر والتحديد قال وسمعت ذلك من غير واحد منهم ممن ينتحل القول بالجسم وناظرونا به وقد وجدت الأمر على ما حكاه الوراق من ذلك وقد أضاف قوم القول بالجسم وإلى أبي جعفر الأحول المعروف بشيطان الطاق الذي يسميه

أصحابه مؤمن الطاق واسمه محمد بن النعمان وإلى هشام بن سالم المعروف بالجواليقي وإلى أبي مالك الحضرمي قال وليس من هؤلاء أحد جرد القول بالجسم ولكنهم كانوا يقولون هو نور على صورة الإنسان وينكرون قول القائل بالجسم فقاس من حكى ذلك عنهم عليهم وحكى من طريق القياس إذ كان الحاكي لذلك يعتقد أن الصور لاتكون إلا للأجسام فغلط عليهم وكذا غلط كثير من أهل الكلام وذكر أن هشام بن سالم وأبا جعفر الأحول أمسكا بعد قولهما بالصورة عن الكلام في الله تعالى رجعا إلى تأويل آية

من القرآن فرويا عمن يوجبان تصديقه أنه سئل عن قول الله تعالى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ﴿42﴾ [النجم 42] قال فإذا بلغ الكلام إلى الله فأمسكوا فأمسكا عن الكلام في ذلك والخوض فيه حتى ماتا وأقام على القول بالصورة من أقام عليه من أتباعهما قال النوبختي وأقول أن هذا الذي ذكره الوراق قد روي وقد رأيت نفرًا من أصحاب هشام بن سالم يزعمون أنه لم يزل يناظر على القول بالصورة إلى أن مات قال أبو عيسى وأما علي بن إسماعيل بن ميثم فإن

أصحابه ومخالفيه مختلفون في الإخبار عنه فبعضهم يزعم أنه كان يقول بالجسم والصورة وبعضهم يزعم أنه كان لايقول بالصورة وبعضهم يزعم أنه كان يقول بالصورة ولا يقول بالجسم قال ولا ثبت عندي في ابن ميثم أنه قال بالصورة ولا بالجسم قال أبو عيسى في هذا الباب وقد حكى ذلك لي كثير من المتكلمين أن مقاتل بن سليمان ونعيم بن حماد المصري وداود الجواربي في خلق كثير من العامة وأصحاب الحديث قالوا الله تعالى في صورة وأعضاء قال أبو عيسى وبلغني عن داود الجواربي أنه قال أعفوني عن الفرج

واللحية واسألوني عما وراء ذلك أو قال عما شئتم وقد حكى كثير من المتكلمين عن داود ومقاتل أنهما قالا إن معبودهم جسم ولحم ودم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره وحكى عن الجواربي حكاية أخرى أنه كان يقول إنه أجوف من فمه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك وذكر أن مقاتل بن سليمان كان يأبى هذا القول الأخير وحكى إبراهيم النظام في كتابه عن المشبهة أن قومًا لا أدري هم من الملة أم ليسوا من الملة زعموا أن معبودهم جسم فضاء وأن الأجسام كلها فيه وحكى أن آخرين قالوا هو فضاء وليس بجسم لأن الجسم يحتاج إلى مكان وهو نفسه المكان وحكى الجاحظ في كتابه عن المشبهة أن

بعضهم قال هو جسم في مكانه إلا أنه فاضل عن الأماكن خلا أن له نهاية لازمة قال وزعم بعضهم أنه ذاهب في الجهات الست لا إلى نهاية وهو ليس بجسم وهذا أيضًا قول ما علمت أن أحدًا من أهل الصلاة قال به ولا كان شيء منه وهذه أقاويل أهل الملة قال النوبختي وللفلاسفة القدماء في الباري أقوال مظلمة غير بينة وكان عنايتهم بغير أمر الديانات وكان أكثر كلامهم في أمور الطبيعة والنفس والفلك والكون والفساد والجواهر والأعراض وقد زعم أرسطاطاليس على ما قرأناه في مقالة اللام التي فسرها ثامسطيوس أن الله تعالى

جوهر أزلي بسيط غير مركب ليس بجسم ولا تجوز عليه الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وسماه مرة عقلاً وطبيعة تارة وقال في موضع آخر منها إنه يعقل ذاته ويعلم ذاته وسائر الأشياء التي هو علة لها وذكر فرفوريوس في رسالته التي زعم أنه يحكي فيها مذاهب أرسطاطاليس في الباري والمبادئ أنه يصف الله تعالى بأنه خير وأنه حكيم وأنه قوي وزعم

أفلاطون في كتابه كتاب النواميس أن أشياء لاينبغي للإنسان أن يجهلها منها أن له صانعًا وأن صانعه يعلم أفعاله فأثبت لله العلم بأفعاله وزعم قوم من فلاسفة دهرنا أن أفلاطون إنما وضع هذا على سبيل التأديب للناس وبحسب السنة وما كان يذهب إليه لا على الاعتقاد قال وهذا ظن من هؤلاء القوم فأما قول أفلاطون فهو ما ذكره في كتابه في تفسير سمع الكنان وأن الله تعالى إنما يعرف بالسلب فيقال إنه لاشبه له ولا مثال إلا

الشمس وحدها فإنه كما أن الشمس تفوق جميع الأشياء التي في العالم كذلك تفوق العلة الأولى جميع الموجودات وتفضلها فضلاً يجوز كل قياس قال وكما أن الشمس تدبر جميع الأشياء على طريقة واحدة وقال أبو الحسن الأشعري أيضًا اختلفت الروافض أصحاب الإمامة في التجسيم وهم ست فرق فالفرقة الأولى هشامية أصحاب هشام بن الحكم الرافضي يزعمون أن معبودهم جسم وله نهاية وحد وذكر مثل ما تقدم عن هشام وزاد أنهم لم يعينوا طولاً غير الطول وإنما

قالوا طوله مثل عرضه على المجاز دون التحقيق وأنه قد كان لا في مكان ثم حدث بالمكان بأن تحرك الباري فحدث المكان بحركته فكان فيه وزعم أن المكان هو العرش قال وذكر أبو الهذيل في بعض كتبه أن هشام بن الحكم قال له إن ربه لجسم ذاهب جاء يتحرك تارة ويسكن أخرى ويقعد مرة ويقوم أخرى وأنه طويل عريض عميق لأن ما لم يكن كذلك دخل في حد التلاشي قال فقلت له فأيما أعظم إلهك أو هذا الجبل قال وأومأت إلى جبل أبي قبيس قال فقال هذا الجبل يوفي عليه أي هو أعظم منه قال وذكر أيضًا ابن الراوندي أن هشام بن الحكم كان يقول إن بين إلهه وبين الأجسام المشاهدة تشابهًا

بجهة من الجهات لولا ذلك ما دلت عليه وحكى عنه خلاف هذا انه كان يقول إنه جسم وأبعاض لايشبهها ولاتشبهه غير أن هشام بن الحكم في بعض كتبه كان يزعم أن الله تعالى إنما يعلم ما تحت الثرى بالشعاع المتصل منه الذاهب في عمق الأرض ولولا ملابسته لما وراء ما هنالك لما درى ما هناك وزعم أن بعضه يرى وهو شعاعه وأن الثرى محال على بعضه ولو زعم هشام أن الله يعلم ما تحت الثرى بغير اتصال ولا خبر ولا قياس كان قد ترك تعلقه بالمشاهدة وقال بالحق وذكر عن هشام أنه قال في ربه في عام واحد خمسة أقاويل زعم مرة أنه كالبلورة وزعم مرة أنه كالسبيكة وزعم مرة أنه غير صورة وزعم مرة أنه بشبر نفسه سبعة أشبار ثم رجع عن ذلك وقال هو جسم لا كالأجسام

قال وزعم أبو عيسى الوراق أن بعض أصحاب هشام أجابه مرة غلى أن الله تعالى وتقدس على العرش مماس له وأنه لايفضل على العرش ولا يفضل العرش عنه قال والفرقة الثانية من الرافضة الإمامية يزعمون أن ربهم ليس بصورة ولا كالأجسام وإنما يذهبون في قولهم إنه جسم إلى أنه موجود ولا يثبتون الباري تعالى ذا أجزاء مؤتلفة وأبعاض متلاصقة ويزعمون أن الله تعالى وتقدس على العرش مستو بلا مماسة ولا كيف والفرقة الثالثة منهم يزعمون أن ربهم تعالى وتقدس على صورة الإنسان ويمنعون أن يكون جسمًا والفرقة الرابعة منهم الهشامية أصحاب هشام بن

سالم الجواليقي يزعمون أن ربهم على صورة الإنسان وينكرون أن يكون لحمًا ودمًا ويقولون هو نور ساطع يتلألأ ضياءً وأنه ذو حواس خمس كحواس الإنسان له يد ورجل وأنف وأذن وعين وفم وأنه يسمع بغير ما يبصر به وكذلك سائر حواسه متغايرة عندهم قال وحكى أبو عيسى الوراق أن هشام بن سالم كان يزعم أن لربه تعالى وتقدس وفرة سوداء وأن ذلك نور أسود والفرقة الخامسة يزعمون أن رب العالمين ضياء خالص ونور بحت وهو كالمصباح الذي من حيث ما جئته يلقاك بأمر واحد وليس بذي صورة ولا أعضاء ولا اختلاف في الأجزاء وأنكروا أن يكون على صورة الإنسان أو على صورة شيء من الحيوان

قال والفرقة السادسة من الرافضة يزعمون أن ربهم ليس بجسم ولا صورة ولا يشبه الأشياء ولا يتحرك ولا يسكن ولا يماس وقالوا في التوحيد بقول المعتزلة والخوارج وهؤلاء قوم من متأخريهم فأما أوائلهم فكانوا يقولون ما حكينا عنهم من التشبيه قال أبو الحسن واختلف الرافضة في حملة العرش هل يحملون العرش أم يحملون الباري تعالى وتقد س وهم فرقتان فرقة يقال لهم اليونسية أصحاب يونس بن

عبد الرحمن القمي مولى آل يقطين يزعمون أن الحملة يحملون الباري واحتج يونس في أن الحملة تطيق حمله وشبههم بالكُرْكِي وأن رجليه تحملانه وهما دقيقتان وقالت فرقة أخرى إن الحملة تحمل العرش والباري يستحيل أن يكون محمولاً قال أبو الحسن الأشعري واختلفت الروافض في إرادة الله تعالى وهم أربع فرق الفرقة الأولى منهم وهم أصحاب هشام بن الحكم وهشام الجواليقي يزعمون أن إرادة الله تعالى حركة وهي معنى لا هي الله ولا هي غيره وأنها صفة لله تعالى ليست غيره وذلك أنهم يزعمون أن الله

تعالى وتقدس إذا أراد الشيء تحرك فكان ما أراده والفرقة الثانية ومنهم أبو مالك الحضرمي وعلي بن ميثم ومن تابعهما يزعمون أن إرادة الله تعالى غيره وهي حركة الله تعالى كما قال هشام إلا أن هؤلاء خالفوه فزعموا أن الإرادة حركة وأنها غير الله بها يتحرك والفرقة الثالثة منهم وهم القائلون بالاعتزال والإمامة يزعمون أن إرادة الله تعالى ليست بحركة فمنهم من أثبتها غير المراد فيقول إنها مخلوقة لله تعالى لا بإرادة ومنهم من يقول إرادة الله تعالى لتكوين الشيء هو الشيء وإرادته لأفعال عباده هي أمره إياهم بالفعل وهي غير فعلهم وهم نافون أن يكون الله تعالى أراد المعاصي فكانت والفرقة الرابعة منهم يقولون لا نقول قبل الفعل إن لله تعالى إرادة فإذا فعلت الطاعة قلنا أرادها وإذا

فعلت المعصية فهو كاره لها غير محب لها وذكر عنهم في القول بأن الله حي عالم قادر سميع بصير إله وغير ذلك مقالات يطول وصفها جمهورها يقتضي وصفه بالحركة والتحول كما في الإرادة وقال أبو الحسن الأشعري مقالات المرجئة في التوحيد فقال قائلون منهم في التوحيد بقول المعتزلة وقال قائلون منهم بالتشبيه وهم ثلاث فرق فقالت الفرقة الأولى منهم وهم أصحاب مقاتل بن سليمان إن الله تعالى جسم وإن له جمة وإنه على صورة الإنسان وإنه لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين مصمت وهو مع هذا لا يشبه غيره ولا يشبهه وقالت الفرقة الثانية أصحاب داود

الجواربي مثل ذلك غير أنهم قالوا أجوف من فيه إلى صدره ومصمت ما سوى ذلك وقالت الفرقة الثالثة منهم هو جسم لا كالجسام فقد ذكر الأشعري أن القول بأن الله تعالى فوق العرش وثبوت الصفات الخبرية هو قول أهل السنة وأصحاب الحديث وذكر أن ذلك قول ابن كلاب وأصحابه وقوله وذكر التنازع في نفي هذه الصفات وإثباتها بين فرق الأمة فنفيُ الجسم وهذه الصفات هو قول المعتزلة والخوارج وطائفة من المرجئة ومتأخري الشيعة وإثبات الجسم وهذه الصفات قول جمهور الإمامية المتقدمين وطائفة من المرجئة وغيرهم

وهو مع هذا لم يذكر تفصيل أقوال أئمة الإسلام وسلف الأمة وعلماء الحديث وإنما ذكر قولاً مجملاً ولهم في هذا الباب من الأقوال المفصلة وعندهم في ذلك من النصوص الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما هو معروف عند أهله وقد ذكر الأشعري عشرة أصناف فقال واختلف المسلمون عشرة أصناف الشيع والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والضرارية والحسينية وهم النجارية والبكرية والعامة وأصحاب الحديث والكلابية أصحاب عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان ومعلوم أن أئمة الأمة وسلفها ليسوا في شيء من هذه

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل