بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 202-241
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الأول

صفحات 202-241
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

الأسفاطي عن سليمان بن حرب، سمعت حماد بن زيد، سمعت أيوب السختياني، وذكر المعتزلة، فقال: إنما مدار المعتزلة أن يقولوا ليس في السماء شيء» . وحماد بن زيد وهو الإمام المطلق في زمن مالك والثوري والليث وكان يقول: إنه أعلم الناس بما يدخل في السنة من الحديث، وهو صاحب «أيوب السختياني» الذي قال فيه

مالك، لما قيل له: حدثت عنه وهو عراقي، فقال ما حدثكم عن أيّوب أحد إلا وأيوب أفضل منه.
وأهل العلم والسنة بالبصرة متبعون لأيوب، وابن عون ويونس بن عبيد، ثم لحماد بن زيد وحماد بن سلمة ونحوهم.
ومذهب السنة الذي يحكيه الأشعري في «مقالاته» عن أهل السنة والحديث، أخذ جملته عن «زكريا بن يحيى الساجي» الإمام الفقيه عالم البصرة، في وقته، وهو أخذه عن أصحاب حماد وغيرهم، فيه ألفاظ معروفة من ألفاظ «حماد بن زيد»

كقوله «يدنو من خلقه كيف يشاء» ثم أخذ الأشعري تمام ذلك عن الإمام أحمد لما قدم بغداد، وإن كان زكريا بن يحيى وطبقته هم أيضًا من أصحاب أحمد في ذلك.
وقد ذكر «أبو عبد الله بن بطة» في «إبانته الكبرى» عن «زكريا بن يحيى الساجي» جمل مقالات أهل السنة، وهي تشبه ما ذكره الأشعري في «مقالاته» وكان الساجي شيخ الأشعري، الذي أخذ عنه الفقه والحديث والسنة، وكذلك ذكر أصحابه.
وروى «عبد الله» ، عن «عباد بن العوام الواسطي» ، قال:

«كلمت «بشر المريسي» ، وأصحاب بشر، فرأيت آخر كلامهم ينتهي إلى أن يقولوا: ليس في السماء شيء» . وقال الإمام «أحمد» : حدثنا «شريح بن النعمان» قال: سمعت «عبد الله بن نافع الصائغ» سمعت «مالك بن أنس» يقول: «الله في السماء وعلمه في كل مكان لا يخلو من علمه مكان» .

وروى «أبو بكر البيهقي» في كتاب «الأسماء والصفات» بإسناد صحيح عن «الأوزاعي» قال: «كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته» . وقال الخلال في كتاب «السنة» : «أخبرني «الميموني» أنه

قال: سألت أبا عبد الله، يعني «أحمد بن حنبل» ما تقول فيمن قال: إن الله [ليس] فوق العرش؟ قال: كلامهم كله يدل على الكفر.
وقال: أنا «يوسف بن موسى) أن أبا عبد الله «أحمد بن حنبل» قيل له: « ... والله تبارك وتعالى فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه، وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، على عرشه لا يخلو الشيء من علمه» .

وقال الشيخ «أبو بكر النقاش» صاحب «التفسير» و «الرسالة» : حدثنا «أبو العباس السّراج» سمعت «قتيبة بن سعيد» يقول: «هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى

الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [سورة طه: 5] . وقال «عبد الرحمن بن أبي حاتم» في «الاعتقاد» المشهور عنه في السنة: «سألت أبي و «أبا زرعة» عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك؟ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا ومصرًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذاهبهم: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته» . إلى أن قال: «وأن الله على عرشه بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله بلا كيف، أحاط بكل شيء علمًا» .

وذكر هذا الشيخ «نصر المقدسي» في كتاب «الحجة على تارك المحجة» له وقال أيضًا في هذا الكتاب: «إن قال قائل قد ذكرت ما يجب على أهل الإسلام؛ من اتباع كتاب الله تعالى وسنة ورسوله، وما أجمع عليه الأئمة والعلماء، والأخذ بما عليه أهل السنة والجماعة، فاذكر مذاهبهم، وما أجمعوا عليه من اعتقادهم وما يلزمنا من المصير إليه من إجماعهم، فالجواب: أن الذي أدركتُ عليه أهل العلم، ومن لقيتهم وأخذتُ عنهم، ومن بلغني قولهم من غيرهم..» فذكر جمل اعتقاد أهل السنة، وفيه: «وأن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، كما قال في كتابه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) ﴾ [الطلاق: 12] ، ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) ﴾ [الجن: 28]

وقال الحافظ «أبو نعيم الأصبهاني» في عقيدة جمعها في أولها: «طريقتنا طريقة المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة» قال: «فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في العرش واستواء الله [عليه] يقولون بها ويثبتونها، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يختلط بهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه وخلقه» . وقال الإمام العارف «معمر بن أحمد الأصبهاني» مفتي

الصوفية العارفين، في أواخر المائة الرابعة في بلاده، قال: «أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وموعظة من الحكمة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث والأثر، وأهل المعرفة والتصوف، من المتقدمين والمتأخرين» قال فيها: «وأن الله على استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف فيه مجهول، وأن الله عز وجل مستو على عرشه بائن من خلقه، والخلق منه بائنون، بلا حلول ولا ممازجة، ولا اختلاط ولا ملاصقة، لأنه المنفرد البائن من الخلق، الواحد الغني عن الخلق، وأن الله عز وجل سميع بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى ويسخط، ويضحك ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء، فيقول: «هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر» . قال: «ونزوله إلى السماء بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال» .

وقال الشيخ الإمام العارف، أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي، في كتاب «الغنية» له: «أما معرفة الصانع بالآيات والدلالات على وجه الاختصار، فهو أن تعرف وتتيقن أن الله واحد أحد» إلى أن قال: «وهو بجهة العلو مستو على العرش، محتو على الملك، محيط علمه بالأشياء ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ (5) ﴾ [السجدة: 5] . « ... ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال: إنه في السماء على العرش كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ﴾ [طه: 5] وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: «وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير

تأويل أنه استواء الذات على العرش» قال: «وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على نبي أرسل» وذكر كلامًا طويلًا لا يحتملـ[ـه] هذا الموضع.
وقال الإمام الزاهد العلامة [الشيخ أبو محمد المقدسي] : «فإن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله محمد خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك العلماء من الصحابة الأتقياء، والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله

مغروزًا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء [أيديهم] ، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون ذلك بألسنتهم، لاينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتِّباعه على ضلالته» قال: «وأنا ذاكر في هذا الجزء بعض ما بلغني من الأخبار في ذلك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، والأئمة المقتدين بسنته، على وجه يحصل [به] القطع واليقين بصحة ذلك عنهم، ويعلم تواتر الرواية بوجوه منهم، ليزداد من وقف عليه من المؤمنين إيمانًا، وينتبه من خفي عليه ذلك، حتى يصير كالمشاهد له عيانًا، ويصير للمتمسك بالسنة حجة وبرهانًا، واعلم رحمك الله أنه ليس من شرط صحة التواتر، الذي يحصل به اليقين، أن يوجد عدد التواتر في خبر واحد، بل متى نقلت أخبار كثيرة، في معنى واحد، من طرق يصدق بعضها بعضًا، ولم يأت ما يكذبها، [أ] ويقدح فيها، حتى استقرّ ذلك في القلوب واستيقنته، فقد حصل التواتر فيها،

وثبت القطع واليقين، فإنا نتيقن جُودَ حاتم، وإن كان لم يرد بذلك خبر واحد مرضِ الإسناد، لوجود ما ذكرنا، وكذلك عدل عمر وشجاعة علي، وعلم عائشة، وأنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وابنة أبي بكر، وأشباه هذا، لا يشك في شيء من ذلك، ولا يكاد يوجد تواتر إلا على هذا الوجه، فحصول التواتر واليقين في مسألتنا مع صحة الأسانيد، ونقل العدول المرضيين، وكثرة الأخبار وتخريجها فيما لا يُحصى عددُه، ولا يمكن حصره في دواوين الأئمة والحفاظ، وتلقي الأمة لها بالقبول [وروايتهم لها] ، من غير معارض يعارضها ولا منكر، لمن يسمع منه شيء منها، أولى، لا سيما وقد جاءت على وفق ماجاء في القرآن العزيز، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) ﴾ [فصلت: 42] قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54] في مواضع من كتابه، وقال: {أَأَمِنتُم مَّن فِي

السَّمَاءِ} [الملك: 16] في موضعين وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10] وقال سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: 5] وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: 4] وقال لعيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55] وقال تعالى: ﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18] وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 50] وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: 36-37] يعني: أظن موسى كاذبًا في أن له إلهًا في السماء.
والمخالف في هذه المسألة [قد أنكر هذا] يزعم أن موسى كاذب في هذا بطريق [القطع و] اليقين، مع مخالفته لرب العالمين، وتخطئته لنبيه الصَّادق الأمين، وتركه مذهب الصحابة والتابعين، والأئمة السابقين، وسائر الخلق أجمعين» .

فصل أما لفظ الجسم والجوهر والمتحيز والعرض والمركب ونحوها من الألفاظ الاصطلاحية التي تكلم بها أهل الخصومات من أهل الكم في الاستدلال بمعانيها على حدوث العالم، وإثبات الصانع، والإخبار بها عن الله نفيًا وإثباتًا، فهذا لا يعرف عن أحد من سلف الأمة وأئمتها، الذين جعلهم الله أئمة لأهل السنة والجماعة، في العلم والدين، بل المحفوظ عنهم

المتواتر إنكار ذلك وذم أهله، وصرحوا في ذمه بذم هذا الكلام -الجسم والعرض- لا سيما وذمهم للجهمية الذين يتكلمون بهذا الأسلوب ونحو [هـ] في حق الله تعالى، أضعاف كلامهم وذمهم للمشبهة، لأن ضررهم أقل، فإن الله بعث الرسل بالإثبات المفصل والنفي المجمل، فأخبروا أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، وأنه يحب ويبغض، ويتكلم ويرضى ويغضب، وأنه استوى على العرش، وغير ذلك مما أخبرت به الرسل، وقالوا في النفي ما قاله الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ﴾ [الإخلاص: 4] ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) ﴾ [مريم: 65] ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 22] وأما أعداؤهم في هذا الباب من المشركين، ومن وافقهم من الصابئين المتفلسفة ونحوهم، فإنهم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المجمل، ويطلقون عبارات مجملة، تحتمل نفي الباطل [و] الحق؛ فيقولون: ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ولا منقسم، ولا مؤلف ولا مركب، ولا محدود، ولا له غاية ولا انتهاء، ولا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا كذا ولا كذا، حتى ينفوا كل ما يمكن للقلب أن يعلمه، فإذا طلب إثباته، قالوا: وجود مطلق.
ونحو ذلك، فأثبتوا ما لا يكون موجودًا إلا في الأذهان لا في الأعيان،

والجهمية توافق هؤلاء في النفي، وأما المبتدعة من المشبهة والمجسمة، فإن دعتهم الزيادة في الإثبات، والكفر والإلحاد، والفساد في ذلك النفي أعظم مما في الزيادة في الإثبات، كما قد بينا هذا في غير هذا الموضع.
ولم يكن ذمهم لذلك لمجرد اصطلاح ولا لترجمة معنى بلفظ لم يحتج إلى ترجمة به، بل لاشتمال ذلك على معانٍ باطلة، كما سنذكر ما نذكره عنهم من ذلك، في أثناء هذا الكتاب، حيث تذكر الطريق التي يعتمدها المعتزلة، ومن سلك سبيلهم، في الاستدلال على حدوث العالم بحدوث الأجسام، واستدلوا على ذلك بحدوث الأعراض في بعضها، وبامتناع خلو الأجسام عنها، فإن هذه الطريقة هي أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، وتوسعوا في الكلام في ذلك من وجهين: أحدهما: أنهم جعلوا ذلك أصل الدين، حتى قالوا إنه لا يمكن معرفة الله وتصديق رسوله إلا بهذه الطريق، فصارت هذه الطريق أصل الدين وقاعدة المعرفة، وأساس الإيمان عندهم، لا يحصل إيمان ولا دين؛ ولا علم بالصانع إلا بها، وصار المحافظة على لوازمها، والذي فيها أهم الأمور عندهم، لكن ليس الغرض هنا ذكر ذلك بل المقصود هو.

الوجه الثاني: وهو الكلام بذلك في حق الله سبحانه وتعالى، فإن كان من لوازم هذه الطريقة نفي ما جعلوه من سمات الحدوث عن الرب تعالى، فإن تنزيهه عن سمات الحدوث ودلائله أمر معلوم بالضرورة، متفق عليه بين جميع الخلق، لامتناع أن يكون صانع العالم محدثًا، لكن الشأن فيما هو من سمات الحدوث، فإنه في كثير من ذلك نزاعًا بين الناس، وأهل هذه الطريقة إنما استدلوا على حدوث العالم، بما جعلوه دليلًا على حدوث الأجسام، وإنما استدلوا على ذلك بحدوث صفاتها، التي يسمونها الأعراض، والمشهور إنما هو حدوث الحركات وتوابعها، أما سائر الأعراض، ففي حدوثها نزاع بينهم مشهور، لكن قد يقولون: إنها لا تقوم إلا بجسم، وكل جسم محدث، فيلزم حدوث كل صفة وموصوف، فيلزم من ذلك أن ينفى عنه أن يوصف بذلك، لئلا يلزم حدوثه، فتكلموا في أن الله هل هو جسم أو ليس جسمًا؟، وأنه هل له صفات أم لا؟، وهل يقال: له أعراض أم لا؟ وما يتبع ذلك.
فذهبت المعتزلة ومن وافقها من سائر الجهمية إلى أنه يمتنع أن يكون الرب جسمًا، ويمتنع أن تكون له صفة، فإن ذلك أعراض، وبالغوا في النفي ظانين أن ذلك كله تنزيه، وقالوا: الباري لا يكون محلًّا للأعراض ولا للحوادث، ولا يكون في

[أ] بعاض ولا تقدير، ومقصودهم بنفي الأعراض نفي الصفات، فلا تقوم به عندهم حياة، ولا علم ولا قدرة، ولا كلام، ولا سمع ولا بصر، ولا رضى ولا غضب، ولا حب ولا بغض، ولا غير ذلك، وكل ما يضاف إلى الرب من ذلك، فإن كان موجودًا فهو مخلوق، وكلامه عندهم أنه خلق في بعض الأجسام كلامًا، ورضاه وغضبه نفس ما يخلقه من النعيم والعذاب، وأمثال ذلك، وقالوا: لا ينزل ولا يجيء ولا يأتي، ولا كذا، فإن هذه الأمور هي الحوادث، وهو ليس محلًا للحوادث، وصار هؤلاء يقولون متى قيل: إنه جسم أو موصوف لزم أن يكون محدثًا، وقابل هؤلاء طوائف من متكلمة الشيعة والمرجئة وغيرهم، فقالوا: بل هو جسم ومتحيز، وله صفات تقوم به، وأفعال تقوم به، كالحركة والسكون، وحكى عنهم من الزيادة في الإثبات أمورًا، كما بالغ أولئك، وصار هؤلاء يقولون: متى قيل: ليس بجسم أو ليس بموصوف، لزم أن يكون معدومًا، ولا معنى للجسم إلا الموجود والقائم بنفسه، وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتاب «المقالات» مقالة الطائفتين، مع أنه يحكي ذلك كما وجده في كتب المعتزلة، فإنه كان أعلم بمقالتهم، وما نَقَلُوهُ عن مخالفيهم من قول غيرهم، لأنه كان منهم وبقي على مذهبهم أربعين سنة، ثم انتقل إلى نحو من

مذهب ابن كلاب وما يقاربه من مذهب أهل السنة والحديث، ولهذا يوجد علمه بمقالات المعتزلة علمًا مفصلًا محكمًا، وأما علمه بمقالات أهل السنة والحديث، فهوة علم بمجمل ذلك، التي بلغته عنهم، لا علم بمفصل، كعلمه بمقالات المعتزلة، مع أن الأشعري لم يذكر مجسمًا لطائفةٍ من الطوائف في كتابه، خارجة عما ذكره، بل قال: «هذا ذكر الاختلاف، واختلف المسلمون عشرة أصناف: الشيعة والخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، والضرارية، والحسينية -يعني أتباع حسين النجار- والبكرية، والعامة وأصحاب الحديث، والكلابية - أصحاب عبد الله بن كلاب القطان» ثم ذكر الشيعة وذكر أن أكثر الإمامية كانوا يقولون: بالتجسيم، وأنه إنما صار إلى نفيه وموافقة المعتزلة قوم من متأخريهم، وذكر أن الزيدية نوعان: نوع

يثبت الصفات ونوع ينفيها، وذكر الخوارج، وأن قولهم في أكثر التوحيد قول المعتزلة، قال: «واختلف المرجئة في التوحيد فقال قائلون منهم في التوحيد بقول المعتزلة وسنشرحه، وقال قائلون بالتشبيه» . الوجه العاشر: قوله: «وإذا كان كذلك فكيف يستبعد في العقل أن يكون خالق المحسوسات منزهًا عن لواحق الحس وعلائق الخيال» . يقال له: أنت الذي جعلته متخيلًا، لا حقيقة له في الخارج، حيث جعلت وجوده من جنس وجود الأمور الذهنية، التي لا توجد إلا في الذهن والخيال، وهذا قول متخيل لا حقيقة له، بمنزلة الإفك المفترى والكذب المختلق، فإن هذه الأمور كلها، لها وجود في الذهن والخيال، وليس لها حقيقة في

الخارج، وهذا هو التخيل المذموم، وهو أن يتخيل العبد ما ليس له حقيقة موجودة، أما تخيل الأمور الموجودة، مثل ما يراه النائم في منامه من الرؤيا المطابقة للخارج، فهذا ليس بمذموم ولا معيب، بل هو حق في بابه، وأما تخيل الأمور الموجودة المحسوسة، على ما هي عليه موجودة في الخارج، فهذا حق باطنًا وظاهرًا، وإنكار هذا سفسطة كإنكار المحسوسات الموجودات.
الوجه الحادي عشر: قوله: «لواحق الحس» إن عنى به أن الحس لا يلحقه، أي لا يدركه ولا يحيط به، فلا الحس يحيط به ولا العقل، فلا اختصاص للحس بذلك، وإن عنى أنه لا يحس أي لايرى.
فهذا ممنوع باطل، وهم لا يتظاهرون بإنكار ذلك، وإن كانوا في الحقيقة موافقين لمن أنكره.
ولولا أن هذا ليس موضعه لذكرناه.
الوجه الثاني عشر: أن قوله: «لواحق الحس وعلائق الخيال» ظاهر لفظه هو ما يلحق الحس.
ولا يخلو أن يريد به نفي ما يلحق الحس أو المحسوس، وما يتعلق بالخيال أو التخيل، أو يريد به أنه لا يحلقه الحس، ولا يتعلق به الخيال، فإن أراد الأول: وهو مقتضى اللفظ، لزم في ذلك أن كل ما

يوصف به الحس أو المحسوس، أو الخيال أو التخيل لا يوصف به، ومعلوم أن ذلك يوصف بأنه موجود وثابت، وحق ومعلوم، ومذكور وموصوف، ونحو ذلك، مما لا نزاع في أن الله يوصف به.
وإن أراد الثاني: وهو الذي أراده والله أعلم، وإن كان قد قصر في دلالة اللفظ عليه، كان مضمونه أنه لا يحس بحال، فإن أراد به ما يستلزم، أنه لا يرى ولا يسمع كلامه، فهذا ممنوع وهو باطل، وإن أراد به لا يكون كالمحسوسات، في إدراك الحس له، فيقال ولا هو كالمعلومات والمعقولات، في تعلق العلم به؛ فإن الله ليس كمثله شيء بوجه من الوجوه، كما قد بيناه في غير هذا الموضع.
الوجه الثالث عشر: أن طوائف يفرقون بين كونه معقولًا، وكونه محسوسًا، حتى يقول النفاة منهم: لا يعلم إلا بإشارة العقل، وقد يقولون: إنه من قسم الحقائق المعقولة دون المحسوسة ونحو ذلك، فيقال: هذا اللفظ فيه إجمال وإيهام.
فإن أرادوا أنه في الدنيا لا يعرف إلا بالقلب، لا يشهد بالبصر الظاهر وغيره من الحواس فهذا حق، لكن ما يعرفه القلب، ويشهده القلب، ويحسه القلب، ونحو ذلك أعم من أن يكون معقولًا محضًا، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «واعلموا أن أحدًا منكم لن يرى ربه حتى يموت» وقد اتفق

على ذلك سلف الأمة وأئمتها، ولم يتنازعوا إلا في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وحده، وإن نازع في غيره بعض من لم يعرف السنة، ومذهب الجماعة من بعض المتكلمة وجهال المتصوفة ونحوهم.
وإن أراد أنه لا يرى في الدنيا والآخرة، أو لا يمكن رؤيته فهذا مذهب الجهمية والمعتزلة في ذلك معروف، وقد ثبت بالكتاب والسنة، واتفاق سلف الأمة وأئمتها، بل وبصرائح العقل بطلان هذا المذهب.
وإن أراد أنه من باب ما يعقله القلب من الأمور المعقولة، التي لا يصح أن تكون محسوسة، فيقال له: المعقولات المحضة هي الأمور الكلية، فإن الإنسان إذا أحس بباطنه أو بظاهره بعض الأمور، كإحساسه بجوعه وعطشه، ورضاه، وغضبه، وفرحه، وحزنه، ولذته وألمه وبما يراه بعينه ويسمعه

بأذنه، فتلك الأمور معينة موجودة، فالعقل يأخذ منها أمرًا مطلقًا كليًا فيعلم جوعًا مطلقًا، وفرحًا مطلقًا، وشمًا مطلقًا، وألمًا مطلقًا ونحو ذلك، فهذه الكليات معقولات محضة، لأنه ليس في الخارج كليات مطلقة حتى يمكن إحساسها، والإحساس إنما يكون بالأمور الموجودة، ولهذا قالوا: إنه يعلم المعدومات قبل كونها [علمًا] عامًا، أما السمع والبصر فإنما يكون للموجود.
ومن قال إنه يرى ... وقد بسطنا الكلام في هذا في غير هذا الموضع.
وإذا كان كذلك فمن أراد هذا المعنى جعله من باب الموجودات في الأذهان لا في الأعيان، وهذا حقيقة قول الجهمية الذين يقولون: إنه لا يمكن رؤيته وإحساسه؛ فإن كل موجود قائم بنفسه يمكن رؤيته؛ بل كل موجود يمكن إحساسه إما بالرؤية وإما بغيرها، فما لا يعرف بشيء من الحواس لم يكن إلا معدومًا، حتى أن الصور الذهنية يمكن إحساسها من حيث وجود ذواتها، ولكن هي من جهة مطابقتها

للمعدومات كلية، والمطابقة صفة لها إضافية.
فهذه معانٍ ينبغي أن يفطن لها.
فصل ثم قال أبو عبد الله الرازي «الثامن: أن خصومنا لا بد لهم من الاعتراف بوجود شيء على خلاف حكم الحس والخيال؛ لأن خصومنا في هذا الباب: إما الكرامية وإما الحنابلة [أما الكرامية] فإنا إذا قلنا لهم: لو كان الله مشارًا إليه بالحس لكان ذلك [الشيء] إما أن يكون منقسمًا، فيكون مركبًا، وأنتم لا تقولون بذلك، وإما أن يكون غير منقسم، فيكون في الصغر والحقارة، مثل النقطة التي لا تنقسم، ومثل الجزء الذي لا يتجزأ، وأنتم لا تقولون بذلك، فعند هذا الكلام قالوا: إنه واحد منزه عن التركيب والتأليف، ومع هذا فإنه ليس بصغير ولا حقير» . فقوله: «خصومنا في هذا الباب إما الكرامية، وإما الحنابلة» ليس بسديد، لا سيما وهؤلاء الحنابلة الذين وصفهم -إن كان لهم وجود- فهم صنف من الحنابلة الموجودين في وقته أو قبله بأرض خراسان وغيرها، ليسوا من أئمة علماء الحنابلة ولا أفاضلهم، فإن هذه الألفاظ التي حكاها عن الحنابلة لا نعرفها عن أحد منهم كما سنذكره.
وكذلك هؤلاء الكرامية الذين حكى قولهم هم بعض الكرامية، وإلا فكثير من الكرامية قد يخالفونه فيما حكاه عنهم، بل خصومه في هذا الباب جميع الأنبياء والمرسلين وجميع الصحابة والتابعين، وجميع أئمة الدين من الأولين والآخرين، وجميع المؤمنين الباقين على الفطرة الصحيحة -دع ما قد تنازع فيه من ذلك- فإنهم لا يطلقون على الله هذا الإطلاق الذي ذكره، وإن كان فيهم وفي سائر الطوائف من نص بالصفات التي يطلق عليها هو وأمثاله أنها أجزاء وأبعاض، لكنهم لايطلقون الألفاظ الموهمة المجمَلة إلا إذا نص الشرع، فأما ما لم يرد به الشرع فلا يطلقونه إلا إذا تبين معناه الصحيح الموافق للشرع، ونفي

المعنى [الباطل] وفي لفظ الأجزاء، والأبعاض إجمال وإيهام كما سنذكره إن شاء الله، وما علمت أحدًا من الحنابلة من يطلقه من غير بيان، بل كتبهم مصرحة [بنفي] ذلك المعنى الباطل، ومنهم من لا يتكلم في ذلك بنفي ولا إثبات.
فلا ريب أن الكتب الموجودة بأيدي الناس، تشهد بأن جميع السلف من القرون الثلاثة كانوا على خلاف ما ذكره، وأن الأئمة المتبوعين عند الناس والمشايخ المقتدى بهم، كانوا على خلاف ما ذكره، وهذه أئمة المالكية، والشافعية، والحنفية، وأهل الحديث، والصوفية على ذلك، بل أئمة الصفاتية من الكلابية

والكرامية والأشعرية على خلاف ما قاله، فهذه كتب ابن كلاب إمام طائفته، ثم الحارث المحاسبي ونحوه، ثم أبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه مثل أبي عبد الله بن مجاهد

وأبي الحسن الطبري، وأبي العباس القلانسي، وغيره -كما سيأتي إن شاء الله حكاية قوله وقول غيره- والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي علي بن شاذان وغيرهم، كلهم يقولون: بإثبات العلو لله على العرش واستوائه عليه دون ما سواه، ويضللون من يفسر ذلك بالاستيلاء والقهر ونحوه - كما قد حكينا بعض أقوالهم في جواب الاستفتاء، وفي جواب هذه المسائل الموردة عليه وذكرنا أنَّ أبا الحسن الأشعري ذكر أن هذا قول جميع أهل السنة والحديث، وبه يقول الرازي وهو قد حكى أيضًا في كتبه ذلك عن بعض أئمة أصحابه، وذكر للأشعري نفسه قولين، وقد تكلمنا على ذلك.
فكيف يزعم أن خصومه إنما هم

الكرامية والحنابلة! بل لم يوافقه إلا فريق قليل من أهل القبلة.
حتى حذاق الفلاسفة فإنهم من خصومه في هذا الباب، كما ذكر القاضي أبو الوليد بن رشد الحفيد الفيلسوف، مع فرط اعتنائه بالفلسفة، وتعظيمه لها، ومعرفته بها، حتى يأخذها من أصولها فيقرأ كتب أرسطو وذويه، ويشرحها ويتكلم عليها ويبين خطأ من خالفهم مثل ابن سينا وذويه، وصنف كتبًا متعددة مثل كتاب «تهافت التهافت» في الرد على أبي حامد فيما رده على الفلاسفة في كتاب «تهافت الفلاسفة» وكتاب «تقرير المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» وغير ذلك، قال في كتابه الذي سماه «مناهج الأدلة في الرد على الأصولية» وقد ضمن هذا الكتاب بيان الاعتقاد الذي جاءت به الشريعة ووجوب إلقائه إلى الجمهور.
كما جاءت به الشريعة، وبيان ما يقوم عليه من ذلك البرهان، للعلماء، كما يقوم به ما يوجب التصديق للجمهور.
وذكر فيه ما يوجب على طريقته أن لا يصرح به للجمهور، وذكر فيه ما يوجب من الأمور، التي قام عليها البرهان على طريقة ذويه، كما ذكر أنه لا يصلح في الشريعة، أن يقال: إن الله جسم أو ليس بجسم، مع أنه يقول في الباطن، إن الله ليس بجسم.
ومع هذا فأثبت الجهة باطنًا وظاهرًا، وذكر أنه

قول الفلاسفة فقال: «فإن قيل: فما تقولون في صفة الجسمية هل هي من الصفات التي صرح الشرع [بنفيها عن الخالق؟ أو هي من المسكوت عنها؟ فنقول: إنه من البين من أمر الشرع] أنها من الصفات المسكوت عنها، وهي إلى التصريح بإثباتها في الشرع أقرب منها إلى نفيها، وذلك أن الشرع قد صرح بالوجه واليدين في غير آية من الكتاب العزيز، وهذه الآيات قد توهم أن الجسمية هي من الصفات التي فضل فيها الخالق المخلوق، كما فضله في صفة القدرة والإرادة وغير ذلك من الصفات، التي هي مشتركة بين الخالق والمخلوق [إلا] أنها في الخالق أتم وجودًا؛ ولهذا صار كثير من أهل الإسلام إلى أن يعتقد في الخالق أنه جسم لا يشبه سائر الأجسام، وعلى هذا الحنابلة وكثير ممن تبعهم.
والواجب عندي في هذه الصفة أن يجري فيها على منهاج الشرع، فلا يصرح فيها بنفي ولا إثبات، ويجاب من سأل عن ذلك من الجمهور بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ

شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11) } [الشورى: 11] وينهي عن هذا السؤال، وذلك لثلاثة معان: أحدها: أن إدراك هذا المعنى، ليس هو قريبًا من المعروف بنفسه، برتبة واحدة ولا رتبتين ولا ثلاث، وأنت تتبين ذلك من الطريق التي سلكها المتكلمون في ذلك فإنهم قالوا: إن الدليل على أنه ليس بجسم؛ أنه قد تبين أن كل جسم محدث.
وإذا سئلوا عن الطريق التي فيها يوقف على أن كل جسم محدث، سلكوا في ذلك الطريق التي ذكرناها من حدوث الأعراض، وأن ما لا يتعرى من الحوادث حادث.
وقد تبين لك من قولنا إن هذه الطريقة ليست برهانية، ولو كانت برهانية لما كان في طباع الغالب من الجمهور أن يصلوا إليها.
وأيضًا فإن ما يصفه هؤلاء القوم من أنه سبحانه [له] ذات وصفات زائدة على الذات.
يوجبون بذلك أنه جسم أكثر مما ينفون عنه الجسمية، بدليل انتفاء الحدوث عنه، فهذا هو

السبب الأول في أنه لم يصرح الشرع بأنه ليس بجسم.
أما السبب الثاني: فهو أن الجمهور يرون أن الموجود هو المتخيل والمحسوس، وأن ما ليس بمتخيل ولا محسوس فهو عدم.
فإذا قيل لهم: إن هاهنا موجودًا ليس بجسم ارتفع عنهم التخيل فصار عندهم من قبيل المعدوم، ولا سيما إذا قيل: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا أسفل، ولهذا اعتقدت الطائفة الذين أثبتوا الجسمية في الطائفة التي نفتها عنه سبحانه أنها معطلة واعتقدت الذين نفوها في المثبتة أنها مكثرة.
وأما السبب الثالث: فهو أنه إذا صرح بنفي الجسمية، عرضت في الشرع شكوك كثيرة؛ مما يقال في المعاد وفي غير ذلك، منها ما يعرض من ذلك في الرؤية التي جاءت بها السنة الثابتة، وذلك أن الذين صرحوا بنفيها فرقتان: المعتزلة والأشعرية.
فأما المعتزلة فدعاهم هذا الاعتقاد إلى أن نفوا الرؤية.
وأما الأشعرية فأرادوا أن يجمعوا بين الأمرين فعسر ذلك

ذلك عليهم، ولجأوا في الجمع إلى أقاويل سوفسطائية نومي إلى الوهم الذي فيها عند الكلام في الرؤية.
ومنها أنه يوجب انتفاء الجهة من بادئ الرأي عن الخالق سبحانه كونه ليس بجسم، فترجع الشريعة متشابهة، وذلك أن بعث الأنبياء ابتنى على أن الوحي نازل عليهم من السماء، وعلى ذلك انبنت شريعتنا هذه.
أعني أن الكتاب العزيز نزل من السماء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3] وانبنى نزول الوحي من السماء على أن الله في السماء، وكذلك كون الملائكة تنزل من السماء وتصعد إليها، كما قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10] وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: 4] . وبالجملة جميع الأشياء التي تلزم القائلين بنفي الجهة على ما سنذكره بعد عند التكلم في الجهة.
ومنها أنه إذا صرح بنفي الجسمية، وجب التصريح بنفي

الحركة، فإذا صرح بنفي هذا عسر ما جاء في صفة الحشر، من [أن] الباري يطلع [على] أهل المحشر، وأنه الذي يلي حسابهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) ﴾ [الفجر: 22] وكذلك يصعب تأويل حديث النزول المشهور، وإن كان التأويل إليه أقرب منه إلى أمر الحشر، مع أن ما جاء في الحشر متواتر في الشرع.
فيجب أن لا يصرح للجمهور بما يؤول عندهم إلى إبطال هذه الظواهر، فإن تأثيرها في نفوس الجمهور إنما هو إذا حملت على ظاهرها، وأما إذا أولت فإنما يؤول الأمر فيها إلى أحد أمرين: إما أن يسلط التأويل على هذه وأشباه هذه من الشريعة، فتتمزق الشريعة كلها، وتبطل الحكمة المقصودة منها.
وإما أن يقال في هذه كلها: إنها من المتشابهات، وهذا كله إبطال للشريعة، ومحو لها من

النفوس، من غير أن يشعر الفاعل لذلك بعظيم ما جناه على الشريعة: مع أنك إذا اعتبرت الدلائل التي احتج بها المؤولون لهذه الأشياء تجدها كلها غير برهانية؛ بل الظواهر الشرعية أقنع منها -أعني أن التصديق بها أكثر- وأن تتبين ذلك من قولنا في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجسمية، وكذلك يتبين ذلك في البرهان الذي بنوا عليه نفي الجهة على ما سنقوله بعد، وقد يدلك على أن الشرع لم يقصد التصريح بنفي هذه الصفة للجمهور [عن النفس -أعني الجسمية- لم يصرح الشرع للجمهور] بما هي النفس.
فقال في الكتاب العزيز: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) ﴾ [الإسراء: 85] وذلك أنه يعسر قيام البرهان عند الجمهور على وجود موجود قائم بذاته ليس بجسم، ولو كان انتفاء هذه الصفة مما يقف عليه الجمهور، لاكتفى بذلك الخليل

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل