الجزء السادس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
فصل قال الرازي السابع قال تعالى مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ولاشك أنه لابد فيه من التأويل والكلام عليه من وجوه أحدها أن يقال له هذا ممنوع ولم يذكر على ذلك حجة وغايته أن يقول الاقتراض لا يكون إلا من محتاج والله الغني فيقال له أين في لغة العرب أن مسمى القرض مطلقًا يستلزم حاجة المقترض الوجه الثاني إنه من المعلوم أن المقترض من الآدميين قد يكون مستغنيًا عن الاقتراض وإنما يقترض لحاجة المُقرِض كما كان الزبير بن العوام يفعل ففي
صحيح البخاري عن عبد الله بن الزبير أنه قال حسبت ما كان على الزبير من الدين فوجدتها ألفي ألف ومائتي ألف قال وإنما كان دينه الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه فيقول الزبير لا ولكن هو سلف إني أخشى عليه الضيعة وهذا كثير في الناس يريدون حمل أموالهم إلى مكان فيقرضونه لمليء وإذا كان هذا موجودًا في المحتاجين من بني آدم فكيف
يقال إن لفظ القرض في حق الله تعالى ظاهره حاجة الله تعالى ومعلوم أن العبد محتاج إلى حسنات يثاب عليها فالله تعالى إذا اقترض منه ما يحفظ له حتى يؤديه إليه وقت حاجته إليه ألم يكن محسنًا باقتراضه ولايمنع ذلك أن يكون مقترضًا الوجه الثالث أن الإنسان يقترض لغيره بطريق الأمر بالمعروف والصلة والإحسان إلى الاثنين إلى المقترض لدفع حاجته وإلى المقرض ليحصل له الأجر ومع ذلك يضمن المقترض ماله ويقول لا تعرفه إلا مني فالله تعالى إذا اقترض من بعض عباده لبعض فرزق هذا المقترض وأثاب هذا المقرض وضمن له الوفاء الأكمل كيف يكون تسميته هذا قرضًا مخالفة للظاهر الوجه الرابع أن الإنسان يقترض من عبده ما أعطاه إياه ولو شاء أن ينتزعه منه بغير إقراض لساغ له في الشريعة لكن يأخذه اقتراضًا إحسانًا إليه ويعطيه لمن يحتاج إليه إما عبد آخر أو غيره والله سبحانه وهو المالك للخلق ولأموالهم وقد أعطاهم وأباح لهم فيها من التصرف ما أعطى
وأباح ولو شاء أن ينتزعها منهم وهو غير ظالم لفعل فإذا أحسن إليهم بأن أخذ ما يأخذه قرضًا ليعطيه عبدًا آخر وأحسن إلى هذا المقرض بما يثيبه عليه كيف يمتنع أن يكون هذا قرضًا الوجه الخامس إن هذا السؤال هو سؤال اليهود الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران 181] فإن الله تعالى لما أنزل هذه الآية قال بعض اليهود إنما يقترض الفقير فالله فقير ونحن الأغنياء الوجه السادس أن يقال المعنى في قوله مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [البقرة 245] هو ظاهر متفق عليه ليس فيه اشتباه ولا نزاع وكل من سمع هذا الخطاب علم المراد به هو التقرب إلى الله بإنفاق المال في سبيله غاية ما في هذا الباب أن يقول بعض الناس تسمية هذا
قرضًا مجاز وكون اللفظ مجازًا لا يمنع أن يكون هو ظاهر الخطاب فإن المجاز المقرون بالقرائن اللفظية المبينة نص في معناه ليس للخطاب ظاهر إلا ذلك المعنى وليس الكلام هنا في كون اللفظ حقيقة أو مجازًا أو كون القرآن مشتملا على المجاز فإن هذه مسألة أخرى وشواهدها أضعاف ما ذكره وإنما المقصود هنا أن قولك إن الطوائف متفقة على وجوب التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار والتأويل صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره فهل ظاهر هذه
الآيات عند من يسمعها من المخاطبين خلاف ما أريد بها حتى يقال إنها متأولة وإنما تدخل الشبهة على هؤلاء بأن يقولوا القرض لايكون إلا لحاجة المقترض وانتفاعه هو به فيقال لهم هب أن الأمر كذلك في حق المخلوق فالقرض هنا مضاف إلى الله والمعنى ظاهر مفهوم وهو الصدقة على عباده والإنفاق في سبيله لم يظهر لأحد قط أن الله نفسه محتاج في نفسه إلى الانتفاع بالقرض فأكثر ما يقال إن تسمية هذا قرضًا مجاز لكن ليس هذا المجاز هو الظاهر من هذا اللفظ بعد التركيب والتأليف الذي يجعله نصًّا في معناه حيث أضيف القرض إلى الله ألا ترى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في خالد إنه سيف من سيوف
الله وقوله في فرس أبي طلحة إن وجدناه لبحرًا
وقول أبي بكر عن أبي قتادة لا يعمد إلى أَسَدٍ من أُسْدٍ الله ونحو ذلك
فإن قيل إن هذا مجاز فلا يقول أحد إن ظاهر هذا اللفظ أن خالدًا حديد وأن الفرس ماء وأن أبا قتادة هو السبع الذي له ناب بل اللفظ نص في خلاف هذا وهو أن خالدًا شجاع متقدم بمنزلة السيف الذي يقتل الله به أعداءه وأن الفرس جواد جرى بمنزلة البحر وأن أبا قتادة رجل شجاع بمنزلة الأسد الذي سلطه الله على أعدائه وقد بسطنا هذه القاعدة في غير هذا الموضع
فصل قال الرازي الثامن قوله تعالى فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [النحل 26] ولابد فيه من التأويل والكلام على هذا أن يقال التأويل هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر لدليل وهذه الآية ليس ظاهرها والمعنى المفهوم منها أن الله سبحانه نفسه جاءت ذاته من أسفل الجدران كما تجيء الهوام والحشرات من أسفل البنيان وكما يخرج المحاصرون للحصون من أسفلها إذا نقبوا الأساس بل ظاهرها المراد هدم الله بنيانهم من أصله والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس وكان بعضهم يقول هذا مثل للاستئصال وإنما معناه أن الله استأصلهم والعرب تقول ذلك إذا استؤصل الشيء قاله ابن جرير وفي كتب اللغة يقال
أُتي فلان إذا أطل عليه العدو وقد أتيت يا فلان إذا أنذر عدوًّا أشرف عليه قال الله عز وجل في النحل فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ [النحل 26] أي هدم بنيانهم وقلع بنيانهم من قواعده وأساسه فهدمه عليهم حتى أهلكهم فأي حاجة حينئذ إلى التأويل
فصل قال الرازي التاسع قال تعالى لموسى وهارون إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) [طه 46] وهذه المعية ليست إلا بالعلم والحفظ والرحمة فهذه وأمثالها من الأمور التي لابد لكل عاقل من الاعتراف بحملها على التأويل يقال له أما لفظ المعية فقد تقدم الكلام عليه وأما قوله إن هذه الأمور لابد لكل عاقل من الاعتراف بحملها على التأويل فالكلام عليه من وجوه أحدها أنه ادعى أن جميع فرق الإسلام مقرون بالتأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار وهنا ادعى وجوب الاعتراف بالتأويل فأين ذكر إقرارهم بالتأويل من ذكر وجوب إقرارهم
بالتأويل فإن غايته تبين وجوب دخولهم في التأويل وهذا القدر قد ادعاه هذا المدعي في هذا الكتاب فليس في هذه المقدمة فائدة إلا إذا كان الخصم موافقًا على ما ذكر من التأويل وإلا فهو في الموضعين ملزم له بالتأويل فيكون غايته أن يقيس موضع النزاع على مورد النزاع لقيام الحجة في الموضعين الثاني أنا قد بينا أنه ليس في هذه المواضع موضع إلا ومن الناس من ينكر التأويل فيه فبطل ما ادعاه الثالث أنه قد تبين بما تقدم أنه ليس فيها موضع واحد يجب فيه التأويل ولم يذكر على عامة ذلك حجة الرابع أنه قد تبين بما تقدم من الوجوه الكثيرة أن هذه الآيات جميعها ليس فيها ما يجوز تأويله فضلاً عن وجوب تأويله الخامس أنه ادعى أنه لابد من التأويل في بعض ظواهر
القرآن والأخبا ر بمعنى مخالفة ذلك الظاهر وقد تبين أن عامة هذه النصوص لا يظهر منها معنى باطل بل لا يظهر منها إلا ما هو حق سواء كان الظهور باللفظ المفرد أو بالتركيب
فصل قال الرازي أما الأخبار فهذا النوع فيها كثير فالأول قول صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى مرضت فلم تعدني استطعمتك فما أطعمتني استسقيتك فما سقيتني ولا يشك كل عاقل أن المراد بها التمثيل فقط والكلام على هذا أن يقال هذا فيه من قلة المعرفة بأحاديث الرسول ومعنى التأويل ما به يضل الجهول وذلك أن هذا الحديث الصحيح له تمام آخر ذكر فيه تفسيره وأظهر فيه معناه ففي صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول الله تعالى يوم القيامة
يا ابن آدم مرضت فلم تعدني فيقول يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ويقول يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني فيقول أي رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين فيقول تبارك وتعالى أما علمت أن عبدي فلانًا استسقاك فلم تسقه أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي قال ويقول يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني فيقول أي رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين فيقول أما علمت أن عبدي فلانًا استطعمك فلم تطعمه أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي فإذا كان الرب لمَّا قال لعبده مرضت وجعت قال كيف أعودك وكيف أطعمك قال إن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده وعبدي فلان جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي فهل يكون في إظهار المعنى وبيانه وكشفه وإيضاحه أبلغ
من هذا الخطاب وإذا كان المتكلم قد أظهر المعنى وبينه كيف يجوز أن يقول لابد من التأويل في الظاهر والتأويل صرف اللفظ عن المعنى الظاهر إلى غيره فهل يجوز صرف هذا الكلام بتمامه عن هذا المعنى الذي أظهره المتكلم بل لو قيل له تأويل هذا الحديث كفر وضلال لكان متوجهًا فإن التأويل هو صرفه عن المعنى الظاهر إلى غيره فالمعنى الذي أظهره الرسول صلى الله عليه وسلم المتكلَّم به هو أن المراد بقول جعت جوع عبدي ومرضت مرض عبدي فإن جاز أن يُصرف عن هذا المعنى اقتضى ذلك أن يكون الله نفسه هو الجائع المريض وذلك كفر صريح ولكن هذا المؤسس لم يذكر إلا بعض الحديث وكأنه ما سمع إلا ذلك فلو كان الحديث ليس فيه إلا اللفظ الذي ذكره لكان لكلامه مساغ وقيل إنه يتأول ولكن ليس الأمر كذلك ودعواه كثرة احتياج الأخبار إلى التأويل هو لقلة معرفتهم بها فإنهم لا يميزون بين صدقها وكذبها فكثيرًا ما يسمعون الكذب ويعتقدونه من جنس الصدق مبدلاً مغيرًا إما مزيدًا فيه وإما منقوصًا منه وإما مغيرًا في إعرابه كما وجدنا ذلك لهم ثم يكون حاجته إلى التأويل بحسب ذلك وهذا لا يمكن
في القرآن لأن حروف القرآن محفوظة وأما قوله ولا يشك عاقل أن المراد منها التمثيل فقط فلفظ التمثيل مجمل فليس المقصود مجرد التمثيل بأن يكون قد جعل عائد العبد كأنه قد عاد الله إذا مرض في نفسه ومطعم العبد كأنه مطعم الله إذا جاع في نفسه فيكون قد مثَّل عيادة عبده وإطعامه عيادته وإطعامه بل حمل هذا الحديث على هذا المعنى ضلال وإشراك وتشبيه لله بخلقه ورد لمعناه الحق وذلك إنما التمثيل يكون إذا كان الحكم في الأصل صحيحاً ثم قدر وجوده في الفرع والله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يُطعَم ولا يجوز أن يمرض ويعاد حتى يقال جعل إطعام عبده وعيادته مثل إطعامه وعيادته وأيضًا فإنه قد فسر المراد فقال أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلو عدته لوجدتني عنده وعبدي فلان جاع فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي فبين أني أنا عند عبدي فإذا عدته كنت عائدًا إلي بهذا المعنى وإذا أطعمته كنت أنا الذي أقبض الصدقة وآخذها فهي لك عندي وجعل نفسه مريضًا وجائعًا
لمرض العبد الذي يحبه وجوعه كما قال وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه ولو أريد مجرد التمثيل لقيل لو عدته لكنت كأنك قد عدتني ولو أطعمته لكنت كأنك أطعمتني وهذا باطل
فصل قال الرازي الثاني قوله صلى الله عليه وسلم من أتاني يمشي أتيته هرولة ولا يشك كل عاقل أن المراد منه التمثيل والتصوير يقال له هذا الحديث لفظه في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ومن تقرَّب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ولا ريب أن الله تعالى جعل تقربه من عبده جزاء لتقرب عبده إليه لأن الثواب أبدًا من جنس العمل كما قال في أوله من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وكما قال صلى الله عليه وسلم الراحمون يرحمهم الرحمن وارحموا من في
الأرض يرحمكم من في السماء وقال لا يرحم الله من لا يرحم الناس وقال تعالى إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [محمد 7] وقال إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) [النساء 149] وقال وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ [النور 22] وإذا كان كذلك فظاهر الخطاب أن أحد التقديرين من جنس الآخر وكلاهما مذكور بلفظ المساحة
فيقال لا يخلو إما أن يكون ظاهر اللفظ في تقرب العبد إلى ربه وهو تقرب بالمساحة المذكورة أو لا يكون فإن كان ذلك هو ظاهر ذلك اللفظ فإما أن يكون ممكنًا أو لا يكون فإن كان ممكنًا فالآخر أيضًا ممكن ولا يكون في ذلك مخالفة للظاهر وإن لم يكن ممكنًا فمن أظهر الأشياء للإنسان علمه بنفسه وسعيه فيكون قد ظهر للمخاطب معنى قربه بنفسه وقد علم أن قرب ربه إليه من جنس ذلك فيكون الآخر أيضًا ظاهرًا في الخطاب فلا يكون ظاهر الخطاب هو المعنى الممتنع بل ظاهره هو المعنى الحق ومن المعلوم أنه ليس ظاهر الخطاب أن العبد يتقرب إلى الله بحركة بدنه شبرًا وذراعًا ومشيًا وهرولة لكن قد يقال عدم ظهور هذا هو للقرينة الحسية العقلية وهو أن العبد يعلم أن تقربه ليس على هذا الوجه وذلك لا يمنع أن يكون ظاهر اللفظ متروكًا يقال هذه القرينة الحسية الظاهرة لكل أحد هي أبلغ من القرينة اللفظية فيكون بمعنى الخطاب ما ظهر بها
لا ما ظهر بدونها فقد تنازع الناس في مثل هذه القرينة المقترنة باللفظ العام هل هي من باب التخصيصات المتصلة أو المنفصلة وعلى التقديرين فالمتكلَّم الذي ظهر معناه بها لم يُضِل المخاطب ولم يلبس عليه المعنى بل هو مخاطب له بأحسن البيان ثم يقال الحجة لمن جعل ذلك مخصصًا متصلاً لا من منع ذلك أن يكون ذلك تخصيصًا
فصل قال الرازي الوجه الثالث نقل الشيخ الغزالي عن أحمد بن حنبل أنه أقر بالتأويل في ثلاثة من الأحاديث أحدها قوله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود يمين الله في الأرض
وثانيها قوله صلى الله عليه وسلم إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن
وثالثها قوله صلى الله عليه وسلم حاكيًا عن الله أنا جليس من ذكرني والكلام على هذا من وجوه أحدها أن الذي ذكره الغزالي في كتابه المسمى بإحياء علوم الدين أنه قال سمعت بعض أصحابه يقول
إنه حسم الباب في التأويل إلا لثلاثة ألفاظ قوله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود يمين الله في الأرض وقوله صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وقوله صلى الله عليه وسلم إني
أجد نفس الرحمن من قبل اليمين فقد نقل عن الغزالي خلاف ما ذكر في الإحياء فإما أن يكون هو غلط في النقل عن الغزالي أو الغزالي نقل في كتاب آخر خلاف ما نقل في الإحياء وعلى التقديرين فيعلم أن هذا النقل الذي ذكره غير مضبوط الثاني أنا قد تكلمنا على ما ذكره الغزالي في هذا الباب ونحوه وبينا أن في هؤلاء من القصور في معرفة الكتاب والسنة وحقائق الإيمان ومعرفة السلف وكلامهم ما أوجب ظهور ما يظهر منهم من التناقض والبدع وطريق الزنادقة
المنافقين وفتح باب الإلحاد والتحريف فإنهم قليلو المعرفة بالأحاديث النبوية والآثار السلفية ومعاني الكتاب والسنة إلى الغاية وهم في المعقولات في غاية الاضطراب وللغزالي في ذم الكلام والمتكلمين والفلاسفة ما يطول
ذكره وهذه الأمور أكبر من عقول عامة الخلائق وغاية المتكلم فيها أن يتكلم بمبلغ علمه ومقدار علمه وسمعه ونهاية اجتهاده ووسعه كما يفعله أبو حامد ونحوه إذا اجتهدوا وقصدوا الحق مع سعة مرادهم وتفننهم في علوم كثيرة وهذا الكلام الذي نقله عن أبي حامد ذكره لما تكلم عن مراتب التأويلات واختلاف الناس فيها وقد تكلمنا على ما ذكره في ذلك في الأجوبة المصرية وغيرها وسنتكلم
إن شاء الله تعالى على ما ذكره الغزالي وغيره إذا تكلمنا على ما ذكره الرازي في الفرق بين ما يؤول وما لا يؤول فإنهم جميعهم مضطربون في الأصل كما أنهم مقصرون في معرفة السلف والأئمة وما دل عليه الكتاب والسنة لكن المقصود هنا ذكر ما نقله عن أحمد فإنه قال في أثناء كلامه في التأويلات وفي هذا المقام لأرباب المقامات إسراف واقتصاد فمن مسرف في دفع الظواهر انتهى إلى تغيير جميع الظواهر أو أكثرها حتى حملوا قوله تعالى وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [يس 65]
وقوله وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت 21] وكذلك جميع المخاطبات التي تجري من منكر ونكير والميزان والحساب ومناظرات أهل النار وأهل الجنة وفي قولهم أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله زعموا أن كل ذلك لسان الحال قال وغلا آخرون منهم أحمد بن حنبل حتى منع تأويل قوله تعالى كُنْ فَيَكُونُ (117) وزعموا أن ذلك خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كل مكون حتى سمعت لبعض أصحابه أنه حسم الباب في التأويل إلا لثلاثة ألفاظ قوله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود يمين الله
في الأرض وقوله صلى الله عليه وسلم قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وقوله صلى الله عليه وسلم إني أجد نفس الرحمن من جانب اليمن ومال إلى حسم الباب أرباب الظواهر قال والظن بأحمد بن حنبل أنه علم أن الاستواء ليس هو الاستقرار والنزول ليس هو الانتقال ولكنه منع من التأويل حسمًا للباب ورعاية لصلاح الخلق فإنه إذا فتح الباب اتسع الخرق وخرج عن الضبط وجاوز الاقتصاد إذ حد الاقتصاد لا ينضبط ويشهد له سيرة السلف فإنهم كانوا يقولون أمروها كما جاءت حتى قال مالك لما سئل عن
الاستواء فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة
قال وذهب طائفة إلى الاقتصاد ففتحوا باب التأويل في كل ما يتعلق بصفات الله تعالى وتركوا ما يتعلق بالآخرة على ظواهرها ومنعوا التأويل وهم الأشعرية وزاد المعتزلة عليهم حتى أولوا من صفات الله تعالى تعلق الرؤية به وأولوا كونه سميعًا بصيرًا وأولوا المعراج وزعموا أنه لم يكن بالجسد وأولوا عذاب القبر والميزان والصراط وجملة من أحكام الآخرة لكن أقروا بحشر
الأجساد بالجنة وباشتمالها على المأكولات والمشروبات والمنكوحات والملاذ المحسوسة وبالنار وباشتمالها على جسم محسوس محرق تحرق الجلود وتذيب الشحوم ومن ترقيهم على هذا الحد تدرجت الفلاسفة فأولوا كل ما ورد في الآخرة وردوها إلى آلام عقلية روحانية ولذات عقلية وأنكروا حشر الأجساد وقالوا ببقاء النفوس وأنها تكون إما معذبة وإما منعمة بعذاب ونعيم لا يدركه الحس وهؤلاء هم المسرفون وحد هذا الاقتصاد بين هذا الانحلال وبين جمود الحنابلة دقيق غامض لا يطلع عليه إلا الموفقون الذين يدركون الأمور بنور إلهي لا بالسماع ثم إذا انكشفت لهم أسرار الأمور على ما هي عليه نظروا إلى السمع والألفاظ الواردة فما وافق ما شاهدوه بنور اليقين وقرروه وما خالف ما أولوه فأما من يأخذ معرفة هذه الأمور من السمع المجرد
فلا يستقر له فيه قدم ولا يتعين له موقف والأليق بالمقتصر على السمع المجرد مقام أحمد بن حنبل والآن فكشف الغطاء في حد الاقتصاد في هذه الأمور داخل في علم المكاشفة
والقول فيه يطول قلت وقد تكلمنا على هذا الكلام وما فيه من مردود مقبول وما فيه من عزل الرسول صلى الله عليه وسلم عزلاً معنويًّا وإحالة الخلائق على الخيالات والمجهولات وفتح باب النفاق وبيناه في الأجوبة المصرية والمقصود هنا أن أبا حامد تكلم بمبلغ علمه وما وصل إليه من كلام السلف والأئمة ولهذا كلامه في ذلك في غاية التقصير فإن كلام الإمام أحمد بن حنبل في الأصول مع أنه ملء الدنيا وقد صنف في ذلك مصنفات وما من مسألة منها إلا وقد ذكر فيها من الدلائل وكلام الله ورسوله والصحابة والتابعين وما شاء الله وناظر الجهمية وغيرهم من الذين حرفوا باب الإيمان بالله واليوم الآخر ومع هذا فلم يكن
عنده منه شيء وكذلك غير كلام أحمد بن حنبل من كلام الصحابة والتابعين فيه أعظم مما في كلام أحمد بن حنبل ونحوه فإن أحمد بن حنبل لم يبتدع من عنده شيئًا ولكن كان أعلم أهل زمانه بما أنزل الله على رسوله وما كان عليه الصحابة والتابعون وكان أتبع الناس لذلك وابتلى بالمخالفين من أهل الأهواء ومناظرتهم بالخطاب والكتاب والرد عليهم فأظهر من علوم السلف ما هو متبع فيه كسائر الأئمة قبله وما من قول يقوله إلا وقد قاله بلفظه أو بمعناه ما شاء الله من الأئمة قبله وفي زمانه وعليه من الدلائل ما شاء الله فلهذا اتخذته الأمة إمامًا لأن الله تعالى يقول وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24) [السجدة 24] وكان الإمام أحمد رحمه الله تعالى ممن آتاه الله من الصبر واليقين بآيات الله ما استحق به الإمامة حتى اشتهر ذلك عند الخاصة والعامة فصار لفظ الإمامة مقرونًا باسمه أكثر وأشهر مما يقترن باسم غيره
قال أبو بكر الخلال في أثناء كتاب السنة قال أبو بكر المروذي قال وقال ابن