بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 594-634
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم

صفحات 594-634
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

التناقض ومخالفة الفطرة والضرورة العقلية أعظم مما فر منه مع ما في ذلك من مخالفة القرآن والسنة وما اتفق عليه سلف الأمة وإن كان قد يضطر إلى نوع باطل في الأول فإنه بمنزلة قول الواقف في الرمضاء أناأجد حرارتها وألمها فيقال له النار التي فررت إليها أعظم حرارة وألمًا وإن كنت لا تجد حين وقوفك على الرمضاء بل تجدها حين تباشرها فيكون قد فر من نوع تناقض وخلاف بعض الضرورة فوقع في أنواع من التناقضات ومخالفة الضرورات وبقي ما امتاز به الأول في كلامه من الزندقة والإلحاد ومشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتباع غير سبيل المؤمنين زيادة على ذلك ولهذا كان من هؤلاء المثبتة ممن له في الأمة من الثناء ولسان الصدق ما ليس لمن هو من أولئك وإن كان قد يذمه من وجه آخر فليس الغرض بيان صوابهم مطلقًا ولكن بيان أن طريقهم أقل

خطأ وطريق الأولين أعظم ضلالة فهذا أحد المقامين وقد تقدم بيانه فلا نعيده وأما المقام الثاني فهو مقام من يسلم له أنه فوق العرش وهو متحيز وله حد ونهاية ويطلق عليه أيضًا لفظ الجهة فإن أهل الإثبات متنازعون في إثبات لفظ الجهة وفي ذلك نزاع بين أصحاب الإمام أحمد وغيرهم كما أنهم متنازعون في اسم الحد أيضًا وفي ذلك نزاع بين أصحاب الإمام أحمد وغيرهم فنقول وعلى هذا التقدير فالكلام على هذا من وجوه الأول أن كلام هذا وغيره في حيز هل هو أمر وجودي أو عدمي أو إضافي مضطرب متناقض فإنه وإن كان قد قرر هنا أنه وجودي فقد قرر في غير هذا الموضع أنه عدمي ويكفي نقض كلامه بكلامه فإنا قد اعتمدنا هذا مرات فإن هذا موجود

في عامة هؤلاء تحقيقًا لقوله تعالى وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً [النساء 82] بخلاف الحق الذي يصدق بعضه بعضًا فقد ذكر في البرهان الرابع بعد هذا نقيض هذا فقال الوجه الرابع فيه أنا نعلم بالضرورة أن الأحياز بأسرها متساوية لأنها فراغ محض وخلاء صرف وإذا كانت بأسرها متساوية فيكون حكمها واحدًا وذلك يمنع من القول بأنه تعالى واجب الاختصاص ببعض الأحياز على التعيين وقال فإن قيل لم لا يجوز أن يكون اختصاصه بجهة فوق أولى قلنا هذا باطل لوجهين أحدهما أن قبل خلق العالم ما كان إلا الخلاء

الصرف والعدم المحض فلم يكنْ هناك فوق ولا تحت الثاني أنه لو كان الفوق متميزًا عن التحت بالتميز الذاتي لكانت أمورًا موجودة قابلة للانقسام وذلك يقتضي قدم الجسم لأنه لا معنى للجسم إلا ذلك فهذا تصريح بأنها مختلفة في الحقائق وأنها خلاء صِرْف وفراغ محض وهذا يناقض ما ذكره هنا ومن لم يكنْ لسانه وراء قلبه كان كلامه كثير التقلب والتناقض وذكر في نهايته في مسألة حدوث العالم لما ذكر نزاع المنازع في أن الكون والحصول في الحيز أمر زائد على ذات الجسم وذكر أسئلتهم على دليله ثم قال وإن سلمنا أن ما ذكرتموه يدل على أن الحصول في الحيز زائد على ذات الجسم لكن معنا مايدل على نفي ذلك وهو أمور ثلاثة

الأول وهو أن الحصول أمر نسبي والأمور النسبية تستدعي وجود أمرين لتتحقق بينهما تلك النسبة فلو كان الحصول في الحيز أمرًا ثبوتيًّا للزم أن يكون الحيز أمرًا ثبوتيًا وهو باطل لأنه لو كان موجودًا لكان إما أن يكون حالاً في الجسم أو لا يكون حالاً فيه فإن كان حالاً في الجسم لم يكن الجسم حالاً فيه فلا يكون حيزًا للجسم وإن لم يكن حالاً فيه فإما أن يكون ذا حيز أو لا يكون والأول يقتضي التسلسل ثم ذكر الثاني والثالث وليس هذا ذكر موضعهما ثم إنه في الجواب سلَّم أن الحيز ليس أمرًا وجوديًّا وأجاب عما ذكروه فقال قوله الحصول في الحيز أمر نسبي

فوجوده في الخارج يستدعي وجود الحيز في الخارج قلنا هذا باطل بالعلم فإنه نسبة أو ذو نسبة بين العالم والمعلوم ثم إنا نعلم به المحالات ولا وجود لها في أنفسها مع أن النسبة المسماة بالعلم حاصلة موجودة فعلمنا أن وجود النسبة لا يقتضي وجود كل واحد من المنتسبين وقال في نهايته في آخر هذه الطريقة واعلم أن هذه الطريقة مبنية على جواز خروج كل جسم عن حيزه وقد دللنا على ذلك بما مر ويمكن أن يستدل عليه بوجوه أُخر منها أن نقول لو وجب حصول جسمين في حيز لكان الحيز الذي حصل فيه الجسم الآخر إما أن يكون مخالفًا للحيز الأول أو لا يكون فإن كان مخالفًا له كان أمرًا ثبوتيًّا لأن العدم الصِّرْف والنفي المحض لا يتصور فيه الاختلاف لأن المعقول في الاختلاف أن تكون حقيقته غير قائمة مقام الحقيقة الأخرى وذلك يستدعي حقائق متعينة في أنفسها وذلك في العدم محال ولما بطل ذلك ثبت أن الأحياز لو كانت

متخالفة لكانت أمورًا وجودية وهي إما أن يكون مشارًا إليها أو لا يكون والقسم الأول على قسمين إما أن تكون حالة في الأجسام فحينئذ يستحيل حصول الجسم فيها وإلا لزم الدور أو لا تكون حالة في الأجسام مع أنه يمكن الإشارة إليها وذلك هو المتحيز فيكون الحيز متحيزًا وكل متحيز فله حيز وللحيز حيز آخر ولزم التسلسل وإن لم يكن الحيز مشارًا إليه استحال حصول الجسم المشار إليه فيه قال فثبت أن الحيز نفي محض وأنه إذا كان كذلك استحال أن يخالف حيزًا وقال أيضًا في نهايته في الحجة الثانية على حدوث العالم وهو أنه ممكن وكل ممكن محدث وقرر إمكانه بوجوه منها الكلام الذي حكيناه عنه قبل هذا في تقرير أن

واجب الوجود لا يقال لا ينفي في ضمن الكلام على حجته على نفي الجسم وكون كل حيز هل يكون واجب الوجود أم لا فهي طريقة الفلاسفة التي قررها واستضعفها وفي ضمنها سؤال أورده وهو أنالا نسلم أن الوجوب أمر ثبوتي فيقال في الجواب قوله لا نُسلّم أن الوجوب أمر ثبوتي قلنا يدل عليه أمران وذكر أحدهما ثم قال الثاني أن المعقول من الوجوب استحقاق الوجود والعلم الضروري حاصل فإن استحقاق الوجود وصف ثبوتي كما أن العلم الضروري حاصل فإن حصول الجسم في الجهة أمر ثبوتي بل هاهنا أولى لأن حصول الجسم بالجهة عبارة عن انتساب مخصوص للجسم إلى الجهة والجهة أمر تقديري

لا وجود له فإذا كان العلم الضروري حاصلاً هناك مع هذا الإشكال فهاهنا مع عدم ذلك الإشكال أولى وقال أيضًا في نهايته في مسألة الجهة بعينها ما سنذكره عنه في آخر هذه الحجج وهو قوله لو كان الله حاصلاً في الحيز لكان إما أن يكون واجبًا أو غير واجب والأول باطل إذ لو صح حصوله في ذلك الحيز وامتنع حصوله في سائر الأحياز كان حقيقة ذلك الحيز مخالفة لحقيقة سائر هذه الأحياز ولو كان كذلك لكانت الأحياز أمورًا وجودية لأن العدم الصرف يستحيل أن يخالف بعضه بعضًا ولو كانت الأحياز أمورًا وجودية لكان إما أن تُمْكن الإشارة الحسية إليها أو لا يمكن فإن أمكن فذلك الشيء إما أن يكون منقسمًا فيكون الباري الحال فيه منقسمًا أو لا يكون منقسمًا فيكون ذلك

الشيء مختصًّا بجهة دون جهة فيكون للحيز حيز آخر ويلزم التسلسل وإن لم يمكن الإشارة الحسية إليه أي الحيز الذي حصل الباري فيه وجب استحالة الإشارة الحسية إلى الباري لأنا نعلم بالضرورة أن ما لا يمكن الإشارة الحسية إلى جهته استحالت الإشارة الحسية إليه وكذلك قال في التأسيس في هذه الحجة الوجه الثاني أن يقال لا نسلم أن كلَّ ما يسمى حيزًا وجهة فهو أمر وجودي بل قد يقال إن المسمى بالجهة والحيز منه ما يكون وجوديًّا وهو الأمكنة الوجودية مثل داخل العالم فإن الشمس والقمر والأفلاك والأرض والحجر والشجر ونحو هذه الأشياء كلها في أحياز وجودية ولها جهات وجودية

وهو ما فوقها وما تحتهاونحو ذلك ومنه ما يكون عدميًّا مثل ما وراء العالم فإن العالم إذا قيل إنه في حيز أو جهة فليس هو في جهة وجودية وحيز وجودي لأن ذلك الوجودي هو من العالم أيضًا والكلام في جهة جميع المخلوقات وحيزها ولأن ذلك يفضي إلى التسلسل وهو لم يقم دليلاً على أن كل ما يسمى حيزًا وجهة فهو أمر وجودي وإذا لم يثبت ذلك لم يجب أن يقال إن الباري إذا كان في حيز وجهة كان في أمر وجودي وذلك لأن الأدلة التي ذكرها إنما تدل لو دلت على وجود تلك الأمور المعينة المسماة بالحيز والجهة فلم قلت إن كل ما يسمى بالحيز أو الجهة يكون موجودًا الوجه الثالث أن يقال لا نسلم أن الحيز لا يطلق إلا على المعدوم ولا يطلق على الموجود بحال وهذا قول كثير من المتكلمين الذين يفرقون بين الحيز والمكان ويقولون

العالم في حيز وليس في مكان وما في العالم في مكان والحيز عندهم هو تقدير المكان بمنزلة ما قبل خلق العالم ليس بزمان ولكنه تقدير الزمان وإذا كان أمرًا مقدورًا ومفروضًا لا وجود له في نفسه بطل ما ذكره لكن يحتاج على الجواب عن وجوهه الثلاث فأما الوجه الأول فإنه احتجاج بقول المنازع له إنه يجب أن يكون الله في جهة الفوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات فإن كان قول المخالف حقًّا فقد صح مذهبه الذي تستدل على إبطاله ولم تسمع منه الدلالة على ذلك وإن كان باطلاً لم يدل على أن الحيز أمر وجودي فعلى التقديرين لا تكون هذه الحجة مقبولة لأنها إما أن تكون باطلة أو تكون مستلزمة لصحة قول المنازع فإن قال أنا ألزم المنازع بها قيل له فغاية ما في الباب أن تكون حجة جدلية احتججت فيها بكذب خصمك وهذا لا يكون برهانًا قاطعًا على أن الحيز أمر وجودي ثم يقال لك أنت من أين تعلم أو تفيد الناس الذين يسترشدون منك ولا يتقلدون مذهبًا أن الحيز أمر وجودي فإن

كنت تعلم ذلك وتعلمه لقول خصمك لزم صحته وبطل مذهبك وإن لم تحتج بقول خصمك الذي تدفعه عنه بَطُلَتْ هذه الحجة أن تكون طريقًا لك إلى العلم أو إلى التعليم والإرشاد وكان غايتها ذكر تناقض الخصم وللخصم عنها أجوبة لا نحتاج إلى ذكرها هنا وأما قوله في الوجه الثاني أن جهة الفوق متميزة عن جهة التحت في الإشارة فيقال له إن كانت الإشارة إلى ما فوقنا من العالم وما تحتنا منه فلا ريب أن هذا موجود لكن ليس ذلك هو مسمى الحيز والجهة الذي ينازعونك في أن الله فيه فإنهم لم يقولوا إن الله في جوف العالم وإنما قالوا هو خارج العالم فإن كانت الإشارة إلى ما فوق العالم وماتحته فلا نسلم أن أحدًا يشير إلى ما تحت العالم أصلاً وأما ما فوق العالم فالله هو الذي فوق العالم فالإشارة إلى ماهناك إشارة إليه سبحانه وتعالى ولا نسلم أنه يشار إلى شيء موجود فوق العالم غير الله تعالى فلم تحصل إلى شيء معدوم بحال ولم يشر أحدٌ إلى جهة عدمية بحال بل المشار إليه ليس هو الجهة التي ينازع فيها المنازعون وأما قوله في الوجه الثالث إن الجوهر إذا انتقل من حيز

إلى حيز فالمتروك مغاير لا محالة للمطلوب فيقال إن كان الانتقال في أجسام العالم الموجودة فهذه أمور وجودية وإن كان فيما ليس كذلك فلا نسلم أن هناك شيئاً يكون متروكًا ومطلوبًا أصلاً بل الأحياز الموجودة قد لا يكون المنتقل فيها طالبًا لحيز دون حيز بل قصده شيء آخر فكيف يجب أن يكون كل منتقل ومتحرك طالبًا لحيز وجودي يكون فيه وتاركًا لحيز وجودي انتقل عنه الوجه الرابع أن يقال لا ريب أن الجهة والحيز من الأمور التي فيها إضافة ونسبة فإنه يقال هذا جهة هذا وحيزه والجهة أصلها الوجه الذي يتوجه إليها الشيء كما يقال عِدَة ووعد وزِنَة ووزن وجهة ووجهة والوجهة من ذلك كما قال تعالى وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة 148] وأما الحيز فإنه فيعل من حازه يحوزه إذا جمعه وضمه وتحيز تفعيل كما أن يحوز يفعل كما قال تعالى وَمَن

يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ [الأنفال 16] فالمقاتل الذي يترك مكانًا وينتقل إلى آخر لطائفة تفيء إلى العدو فاجتمع إليها وانضم إليها فقد تحيز إليها وإذا كان كذلك فالجهة تضاف تارة على المتوجه إليها كما يقال في الإنسان له ست جهات لأنه يمكنه التوجه إلى النواحي الست المختصة به التي يقال إنها جهاته والمصلي يصلي إلى جهة من الجهات لأنه يتوجه إليها وهنا تكون الجهة ما يتوجه إليها المضاف وتارة تكون الجهة ما يتوجه منها المضاف كما يقول القائل إذا استقبل الكعبة هذه جهة الكعبة وكما يقول وهو بمكة هذه جهة الشام وهذه جهة اليمن وهذه جهة المشرق وهذه جهة المغرب كما يقال هذه ناحية الشام وهذه ناحية اليمن والمراد هذه الجهة والناحية التي يتوجه منها أهل الشام وأهل اليمن فأما الحيز فلفظه في اللغة يقتضي أنه ما يحوز الشيء ويجمعه ويحيط به ولذلك قد يقال على الشيء المنفصل عنه كداره وثوبه ونحو ذلك وقد يقال لنفس جوانبه وأقطاره إنها

حيزه فيكون حيزه بعضًا منه وهذا كما أن لفظ الحدود التي تكون للأجسام فإنهم تارة يقولون في حدود العقار حده من جهة القبلة ملك فلان ومن جهة الشرق ملك فلان ونحو ذلك فهنا حد الدار هو حيزها المنفصل عنها وقد يقال حدها من جهة القبلة ينتهي إلى ملك فلان ومن جهة الشرق ينتهي إلى ملك فلان فحدها هنا آخر المحدود ونهايته وهو متصل ليس منفصلاً عنه وهو أيضًا حيزه وقد جاء في كتاب الله تعالى في موضع تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا [البقرة 187] والحدود هنا هي نهايات المحرمات وأولها فلا يجوز قربان شيء من المحرم وفي موضع تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا [البقرة 229] والحدود هنا نهايات الحلال فلا يجوز تعدي الحلال

وإذا كان هذا هو المعروف من لفظ الجهة والحيز في الموجودات المخلوقة فنقول إذا قيل إن الخالق سبحانه في جهة فإما أن يراد في جهة له أو جهة لخلقه فإن قيل في جهة له فإما أن تكون جهة يتوجه منها أو جهة يتوجه إليها وعلى التقديرين فليس فوق العالم شيء غير نفسه فهو جهة نفسه سبحانه لا يتوجه منها إلى شيء موجود خارج العالم ولايتوجه إليها من شيء موجود خارج العالم وليس هناك شيء موجود غير نفسه يتوجه منه ولا يتوجه إليه ومن قال إن العالم هناك ليس في جهة بهذا الاعتبار فقد صدق ومن قال إنه جهة نفسه بهذا الاعتبار فقد قال معنى صحيحًا ومن قال إنه فوق المخلوقات كلها في جهة موجودة يتوجه غليها أو يتوجه منها خارجة عن نفسه فقد كذب وإن أريد بما يتوجه منه أو يتوجه إليه ما يراد بالحيز الذي هو تقدير المكان فلا ريب أن هذا عدم محض وأما الحيز فقد يحوز المخلوق جوانبه وحدود ذاته وقد يحوزه غيره فمن قال إن الباري فوق العالم كله يحوزه شيء موجود ليس هو داخلاً في مسمى ذاته فقد كذب فإن كل ما هو خارج عن نفس الله التي تدخل فيها صفاته فإنه من العالم ومن

قال إن حيزه هو نفس حدود ذاته ونهايتها فهنا الحيز ليس شيئًا خارجاً عنه وعلى كل تقدير فمن قال إنه فوق العالم لم يقل إنه في حيز موجود خارج عن نفسه ولا في جهة موجودة خارجة عن نفسه وإذا كان صاحب المذهب يصرح بنفي ذلك فالاحتجاج على أنه ليس في حيز موجود احتجاج في غير محل النزاع فلا يضر ذلك المنازع الوجه الخامس قوله الأحياز الفوقانية مخالفة بالحقيقة للأحياز التحتانية بدليل أنهم قالوا يجب أن يكون الله مختصًّا بجهة فوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات والأحياز أعني التحت واليمين واليسار ولولا كونها مختلفة في الحقائق والماهيات لامتنع القول بأنه يجب حصوله في جهة الفوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات يقال له الذي اتفق عليه أهل الإثبات أن الله فوق العالم ويمتنع أن لا يكون فوق العالم سواء قدر أنه في التحت أو غير

ذلك بل كون الله تعالى هو العلي الأعلى المتعالي فوق العالم أمر واجب ونقيضه وهو كونه ليس فوق العالم ممتنع فثبوت علوه بنفسه على العالم واجب ونقيض هذا العلم ممتنع هذا هو الذي اتفق عليه أهل الإثبات من سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل الفطر السليمة المقرة بالصانع وأما ما ذكره من قول القائل يجب أن يكون مختصًّا بجهة فوق ويمتنع حصوله في سائر الجهات والحياز فهؤلاء يريدون بذلك أنه يجب أن يكون فوقنا ويمتنع أن يكون تحتنا أو عن يميننا أو عن شمائلنا وهم لا يعنون بذلك أنه يكون متصلاً برؤوسنا بل يعنون أنه فوق الخالق فالعبد يتوجه إليه هناك لا يتوجه إليه من تحت رجليه أو عن يمينه أو عن شماله وقد قلنا إن الجهة فيها معنى الإضافة فالعبد يتوجه إلى ربه بقلبه إلى جهة العلو لا إلى جهة السفل واليمين واليسار كما قال ابن عباس وعكرمة في قوله تعالى عن إبليس ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴿17﴾ [الأعراف 17] قال ولم يقل من فوقهم لأنه علم أن الله من فوقهم

وهم لا يريدون بذلك أنه من جهة العلو الموجودة في العالم دون جهة اليمين واليسار والتحت بل ليس هو فيما على رأس العبد من الأجسام ولا فيما عن يمينه ولا فيما عن شماله فهذه الأجسام المختلطة بالعبد من جهاته الست ليس شيء منها مما يجب أن يكون الله فيه وما أعلم أحدًا قط يقول إنه يجب أن يكون في شيء موجود منفصل عنه سواء كان ذلك فوق العبد أو تحته فالرب يجب عندهم أن يكون فوق العالم وهي الجهة التي هي فوق ولايجوز أن يكون فوق العالم وغيره بالنسبة إليه سواء

وأما أن القوم يثبتون وراء العالم أمورًا وجودية يقولون يجب أن يكون الله في واحد منها دون سائرها فهذا ما علمنا أحدًا قاله وإن قاله أحد تكلم معه بخصوصه ولا يجعل هذا قول أهل العلم والإيمان الذين يقولون إن الله فوق العرش ولكن منشأ غلط كثير من الناس هنا أن الجهة نوعان إضافية متغيرة وثابتة لازمة حقيقة فالأولى هي بحسب الحيوان فإن كل حيوان له ست جهات جهة يؤمها هي أمامه وجهة يخلفها وهي خلفه وجهة تحاذي يمينه وجهة تحاذي يساره وجهة فوقه وجهة تحته وهذه الجهات تتبدل وتتغير بحسب حركته وليس لها صفة لازمة ثابتة وإنما الجهة اللازمة الثابتة الحقة هي جهتا العلو والسفل فقط فالعلو مافوق العالم والسفل سجين وأسفل السافلين وهو أسفل العالم وقعره وجوفه وإذا كان الأمر كذلك لزم من مباينة الله للعالم أن يكون

فوقه وليس هناك شيء آخر يجوز أن يكون جهة لله تعالى لا يمين العالم ولا يساره ولا تحته وكلام هؤلاء خارج باعتبار جهاتهم الإضافية المتنقلة لا باعتبار الجهة اللازمة الحقة الوجه السادس أن يقال هَبْ أن وراء العالم ست جهات وقالوا يجب اختصاصه بالعلو دون غيره كما أنه يجب أن يكون فوقنا فالاختصاص في الأمور النسبية والإضافية قد يكون لمعنى فيه وفي العالم أو لمعنى فيه لا في العالم أو في العالم لا فيه لا لمعنى في أمر وجودي غيرهما وقوله يمتنع أن يكون في سائر الجهات والحياز المعنى فيه سبحانه وهو أنه العلي الأعلى وهو الظاهرالذي لا يكون فوقه شيء فالحاصل أن وجوب علوه هو لمعنى فيه سبحانه يستحق به أن يكون هو الأعلى الظاهر الذي لا يكون فوقه شيء فلا يجوز أن يكون في جهة تنافي علوه وظهوره وذلك لا يوجب أن تكون الجهة وجودية لأن العلو والظهور نسبة بينه وبين الخلق فإذا قيل يجب أن يكون فوقهم وأن يكون عاليًا

عليهم ولا يجوز غير ذلك لم يكن فيما يقتضي أن يسبق ذلك ثبوت محل وجودي له بحيث لو فرض أن وراء العالم ست جهات وأن العالم كالإنسان الذي له ست جهات لكان إذاقيل يجب أن يكون الله فوقه ولا يكون عن يمينه ولا عن يساره إنما هو إيجاب لنسبة خاصة وإضافة خاصة له إلى العالم لا يقتضي ذلك أن يكون هناك أمور وجودية فضلاً عن أن تكون مختلفة الحقائق الوجه السابع أن وجود كونه فوق العالم أمر مشروط بوجود العالم فإنه قبل خلق العالم لا يقال إنه فوقه ولا إنه ليس فوقه إذ العلو والفوقية هي من الأمور التي فيها نسبة وإضافة وإن كان الناس قد تنازعوا هل علوه وفوقيته واستواؤه على العرش من الصفات الذاتية التي وجبت له بنفس ذاته وإن كان

فيه إضافة ظهر حكمها بخلق العالم والعرش كما يقولون في المشيئة والعلم أو هو من الصفات الفعلية وأنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويًا عليه أو هو إضافة محضة بينه وبين العرش أم متضمن لأمرين من ذلك أو للأمور الثلاثة فلا ريب أن وجود العلو على العرش الاستواء عليه

إنما هو بعد خلقه ولو قدر أن العالم أو العرش خلق في حيز آخر لكان الله سبحانه وتعالى عاليًا عليه ومستويًا عليه حيث خلق كما أنه سبحانه إذا كان مع عبده بعلمه وقدرته أو نصره وتأييده وغير ذلك فحيث كان العبد كان مع الله وإذا كان كذلك لم يكن لبعض الأحياز حقيقة يتميز بها عن حيز آخر لأجلها يستحق أن يكون الله فيه وإنما وجوب اختصاصه هو تابع لوجوب علوه ولاستوائه وعلوه واستواؤه على عرشه ينافي أن لا يكون عاليًا عليه فما يفرض من سفول وتياسر ونحو ذلك مما ينافي العلو كان منتفيًا لأن أحد النقيضين ينفي الآخر لا لصفة ثابتة لأحد الحيزين دون الآخر الوجه الثامن قوله ولولا كونها مختلفة في الحقائق والماهيات وإلا لامتنع القول بأنه يجب حصوله تعالى في جهة الفوق يقال لا نسلم ذلك ولم يذكر على ذلك حجة فالمنع المجرد يكفي هذه الدعوى ثم يقال اختصاص الشيء بوجوب كونه فوق الآخر دون كونه عن يمينه ويساره قد يكون لمعنى في الأعلى أو لمعنى في الأسفل أو لمعنى فيهما وهكذا كل أمر فيه إضافة بين أمرين

كالحب والقدرة ونحو ذلك قد يكون لمعنى في المضاف وقد يكون لمعنى في المضاف إليه وقد يكون لمعنى فيهما كالحب والقدرة ونحو ذلك يقتضي معنى في المحب والمحبوب وكذلك القدرة ولذلك يختصان بشيء دون شيء وأما العلم فيقتضي معنى في العالِم لا يقتضي معنى في المعلوم فإن العلم يتعلق بكل شيء لا يختص بموجود دون معدوم ولا بممكن دون ممتنع فالاختصاص فيه إنما هو في العالم لا في المعلوم وكذلك القول ونحوه وأما العلو فقد يكون لمعنى في العالي كصعود الإنسان على السطح فإنه هو الذي تحرك حركة أوجبت علوه والسطح لم يتغير فالرجل يكون تارة فوقه وتارة تحته لتحوله هو دون السطح والطير إذا حاذى الإنسان وكان فوق رأسه ثم نزل حتى صار تحت مكان هو فيه كان الطير فوقه تارة وتحته أخرى لتحول الطير دون تحوله هو وإذا كانت الأمور الإضافية لاتستلزم وجود معنى في غير المضاف والمضاف إليه وإن جاز وجود ذلك لكن نفس المعنى في أحدهما قد يكفي في الصفات الذاتية التي فيها إضافة عارضة لها فكيف يكون في الإضافات المحضة فالعلو سواء كان صفة ثبوتية مستلزمًا للإضافة أو كان فعلاً مستلزمًا للإضافة أو كان فيه الأمران أو كان إضافة محضة يكفي في تحققه وجود معنى في العالي تارة وفي السافل أخرى من غير

اختلاف في حقيقة الأحياز يوضح هذا الوجه التاسع أن الأحياز التي لا ريب في وجودها كالهواء والسطوحات ونحوها قد يعلو عليها الحيوان وتعلو عليه أخرى وتكون تارة عن يمينه وتارة عن شماله مع أن حقائقها في جميع هذه الأحوال سواء لم يتجدد لها باختلاف الحال في كونه عالية وسافلة ومتيامنة ومتياسرة صفة أصلاً فإذا كانت الأحياز التي عُلِمَ وجودها ولا يزال حكم الجهات يختلف فيها بكونها عالية وسافلة ومتيامنة ومتياسرة وهي مع ذلك لا يحدث فيها شيء من التغير فكيف يقال إنه لولا كون الأحياز التي هي الفوق والتحت واليمين واليسار مختلفة في الحقائق والماهيات وإلا لامتنع القول بأنه يجب حصوله في جهة فوق ومما يوضح ذلك الوجه العاشر وهو أن رأس الإنسان ينبغي أن يكون مختصًّا بجهة فوق بالنسبة إلى سائر بدنه ويده اليمنى يجب أن تكون مختصة بجهته اليمنى ويده اليسرى يجب أن تكون مختصة بجهته اليسرى وصدره وبطنه يجب أن بجهة أمامه وظهره يجب أن يختص بجهة خلفه وأسفل قدميه يجب أن يختص بجهة تحته ومع هذا الوجوب المعلوم بالإحساس ليس ذلك لاختلاف حقائق الجهات التي اختصت بها

هذه الأعضاء ولا لاختلاف صفاتها بل هذا الاختصاص لا يؤثر في الجهات شيئًا أصلاً وإنما الاختصاص لمعنى في الإنسان نفسه لا لمعنى في الجهات الوجه الحادي عشر أنه إذا قدر أن الحيز والجهة أمر موجود لم نسلم المقدمة الثانية وهو قوله إن المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه والذي يكون مختصًّا بالحيز والجهة يكون مفتقرًا إلى الحيز والجهة فإن الشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقلاً حصوله لا مختصًّا بالجهة وذلك أن وجود موجود مستغن عن الله ممتنع فإن كل ما سواه مفتقر إليه وهو خالق كل شيء وربه ومليكه وقوله إن المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه قياس شمول عام عدل الله فيه بأحقر المخلوقات فإن الأجسام الضعيفة من المواد والحيوان كالحجر والمدر والبعوضة ونحوها إذا كانت في مكان أو حيز فلا ريب

أنها قد تكون محتاجة إليه وهو مستغن عنها لكن قياس الله الخالق لكل شيء الغني عن كل شيء الصمد الذي يفتقر إليه كل شيء بالمخلوقات الضعيفة المحتاجة عدل لها برب العالمين ومن عدلها برب العالمين فإنه في ضلال مبين وذلك أن أعظم الأمكنة العرش ولا خلاف بين المسلمين الذين يقولون إنه مستو عليه أو مستقر أو متمكن عليه والذين لا يقولون ذلك أن العرش مفتقر إلى الله والله غني عن العرش ولا يقول أحد ممن يتظاهر بالإسلام أن الله يفتقر إلى العرش أو إلى غير العرش بل هم متفقون على أن الله بقدرته الذي يمسك العرش وحملة العرش وسائر المخلوقات هذا مع ما جاء في الآثار من إثبات مكانه تعالى كالحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان قال وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب تعالى وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروني

وفي شعر حسان تعالى علوًا فوق عرشٍ إلهنا وكان مكان الله أعلى وأرفعا

فقوله إن الحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه قضية عامة ضرب بها مثلاً في قياس شمولي ليس معه فيه إلا مجرد تمثيل الخالق بالمخلوق الضعيف الفقير وإن كان من الجنس الحقير وهؤلاء الجهمية دائمًا يشركون بالله ويعدلون به ويضربون له الأمثال بأحقر المخلوقات بل بالمعدومات كما قدمنا التنبيه عليه غير مرة فلما رأوا أن المستوي على الفلك أو الدابة أو السرير يستغني عن مكانه قالوا يجب أن يكون الله أيضًا يستغني عن مكانه تشبيهًا له بهذا المخلوق العاجز الضعيف ولما رأوا أن الحجر والمدر والشجر والأنثى والذكر يستغني عنه حيزه ومكانه قالوا فرب الكائنات مُشَبَّه بهذه المتحيزات في افتقاره إلى ما هو مستغن عنه تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا ثم يقال له في الوجه الثاني عشر إن كثيرًا مما سمى مكانًا وحيزًا وجهة للإنسان يكون مفتقرًا إليه بل ولغير الإنسان أيضًا فمن قال إن المكان هو السطح الباطن من الجسم الحاوي

الملاقي للسطح الظاهر من الجسم المحوي كبطانة قميص اللابس كان كثير من الأمكنة محتاجًا إلى الممكن كاحتياج القميص إلى لابسه واستغناء صاحبه عنه وكذلك الحيز قد ذكرنا أنه يراد به حدود الشيء المتصلة به التي تحوزه وهو جوانبه وتلك تكون داخلة فيه فلا تكون مستغنية عنه مع حاجته إليها وقديرا دبه الشيء المنفصل عنه الذي يحيط به كالقميص المخيط وهذا قد يكون مفتقرًا إلى الإنسان كقميصه وقد يكون مستغنيًا عنه وإن كان مستغنيًا عن الإنسان لكن الإنسان لا يحتاج إلى حيز معين خارج عن ذاته بحال بل وكذلك جميع الموجودات حيزها إما حدودها المحيطة بها ونهاياتها وهي منها فتلك لا توصف بالاستغناء عنها وإما ما يحيط بها منفصلاً عنها فليس في المخلوقات مايحتاج إلى حيز بعينه وأما الجهة فهي لا تكون جهة إلا بالتوجه فهي مفتقرة في كونها جهة إلى المتوجه والمتوجه لا يفتقر إلى جهة بعينها

بحال وإذا كانت المخلوقات لا تفتقر إلى حيز موجود وجهة موجودة أو مكان موجود بعينه وإن كان فيها ما يفتقر إلى نوع ذلك على البدل وما يسمى لها مكانًا قد يفتقر إليها وكذلك ما يسمى حيزًا لها متصلاً أو منفصلاً قد يكون مفتقرًا إليها وكذلك الجهة مفتقر إليها في معنى كونها جهة كان دعوى افتقار المتحيزات للحيز مع استغناء الحيز عنه في حق المخلوقات ليس على إطلاقه بل إطلاق ذلك دعوى باطلة فكيف في حق الخالق الغني عن كلما سواه المفتقر إليه كل ما سواه الوجه الثالث عشر قوله والشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقلاً حصوله لا في الجهة يقال له الأجسام كلها حاصلة في الحيز كما ذكرته أفتقول إنه يستحيل عقلاً حصول كل جسم في غير جهة وجودية فهذا لا يقوله عاقل بل يعلم ببديهة العقل أن كل جسم يمكن حصوله في غير جهة وجودية منفصلة كما أن العالم حاصل في غير جهة وجودية وما علمنا عاقلاً قال إن كل جسم يجب أن يكون

حاصلاً في حيز وجودي منفصل عنه وإذا كان كذلك كان قوله والشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقلاً حصوله لا في جهة التي قد قدم إنها وجودية قول معلوم الفساد ببديهة العقل متفق على فساده بين العقلاء وهذا ليس مما يخفي على من تأمله وإنما الرجل غلط أو خالط في المقدمتين فإنه قد سمع وعلم أن الجسم لا يكون إلا متحيزًا فلابد لكل جسم من حيز ثم سمى حيزه جهة وقد قرر قبل هذا أن الجهة أمر وجودي فركب أن كل جسم يفتقر إلى حيز وجودي منفصل عنه وهذا الغلط نشأ من جهة ما في لفظ الحيز والجهة من الإجمال والاشتراك فيأخذ أحدهما بمعنى ويسميه بالآخر ثم يأخذ من ذلك الآخر المعنى الآخر فيكون بمنزلة من قال المشترى قد قارن زحل وهذا هو المشترى الذي اشترى العبد وقد قارن البائع فيكون البائع هو زحل أو يقول هذه

الثريا والثريا قد نكحها سهيل وقارنها فتكون هذه الثريا قد قارنها سهيل ونحو ذلك ومن المعلوم أن الجهة التي نصر أنها وجودية وهي مستغنية عن الحاصل فيها ليست هي الحيز الذي يجب لكل جسم يوضح ذلك الوجه الرابع عشر وهو أنه قال إن

المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه وأما الذي يكون مختصًّا بالحيز والجهة فإنه يكون مفتقرًا إلى الحيز والجهة فإن الشيء الذي يمكن حصوله في الحيز مستحيل عقلاً حصوله لا مختصًّا بالجهة وذلك يقتضي أن الشيء الذي يمكن حصوله في الحيز يستحيل عقلاً حصوله في غير حيز وجهة فيكون محتاجًا إلى الحيز والجهة وقد قرر أن المسمى بالحيز والجهة أمر مستغن في وجوده عما يتمكن ويستقر فيه فيكون الحيز والجهة مستغنيًا عن الحيز المتوجه وذلك يقتضي أن المتحيزات بأسرها مفتقرة إلى أحيازها وأن أحيازها التي يستحيل عقلاً حصولها في غيرها مستغنية عنها ومن المعلوم لكل عاقل أن تحيز الجسم أمر قائم به محتاج إليه ليس هو مستغنيًا عن الجسم وهذا هو الذي يستحيل عقلاً حصول المتحيز بدونه فإنه يستحيل حصول متحيز بدون تحيز وكل جسم متحيز وحصول المتحيز بدون التحيز محال وهو مثل حصول الجسم أو حصول المقدور بدون تَقَدُّر أو حصول المميز بدون التميز وأما كون المتحيز يستحيل عقلاً حصوله في غير حيز وراء هذا التحيز فالعقل يعلم

خلاف ذلك فيعلم أن المتحيز لا يفتقر إلى حيز وجهة غير هذا التحيز الذي قام به فظهر أنه ناقض مايعلم بالعقل خلافه بأن العقل يعلم افتقار المتحيز إلى حيز منفصل عنه بل يفتقر إلى حيز هو نهايته التي تُحيط به فقلب القضية وجعل الحيز المنفصل الذي هو للجهة مستغنيًا عن المتحيز والمتحيز يستحيل عقلاً حصوله بدونه وظهر ببطلان المقدمتين بطلان المقدمة الأولى من الحجة وهو قوله لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا إلى غيره ونتكلم على الثانية فنقول الوجه الخامس عشر قولك لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا إلى غيره لفظ مجمل قد تقدم الكلام على نظيره غير مرة وهو أن لفظ الغير عند كثير من الصفاتية أو أكثرهم منهم أصحابك هو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان أو مكان أو وجود أو ما جاز وجود أحدهما دون الآخر وعند كثير من نفاة الصفات ومثبتيها ما جاز العلم

بأحدهما دون الآخر فما الذي تريد بلفظ الغير في قولك لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا إلى غيره إن أردت به لكان مفتقرًا إلى ما يجوز وجوده دونه فهذا باطل فليس في الموجودات ما يجوز وجوده دون الله وعلى هذا التقدير فيمتنع افتقار الله إلى غيره لامتناع الغير الذي يجوز وجوده دونه كما يمتنع افتقاره إلى مثله لامتناع مثله ويمتنع خوفه من نده لامتناع نده فالفقر والحاجة إلىما يستغنى عنه محال هذا إن أراد وجود ذلك الغير دونه وإن أراد وجود الله دون ذلك الغير فيكون المعنى أنه مفتقر إلى الغير الذي يجوز وجود الله دونه وهذا جمع بين النقيضين فإنه إذا كان هو سبحانه موجودًا دونه لم يكن مفتقرًا إليه وإذا كان مفتقرًا إليه لم يكن سبحانه موجودًا دونه فقول القائل

إنه مفتقر إلى الغير الذي يوجد دونه مثل قوله مفتقرًا إلى ما هو سبحانه وتعالى مستغن عنه وذلك مثل قول القائل يفتقر لا يفتقر ويستغني لا يستغني وكذلك إن أراد بالغير ما يجوز مفارقته لله بزمان أو مكان أو وجود فالحيز الذي هو من لوازم وجوده كالصفة الذاتية اللازمة له لا يفارقه في زمان ولا مكان وقد ذكرنا أن الحيز الوجودي يراد به حد الشيء المتحيز الذي يحوزه ويراد به شيء منفصل عنه يحوزه والله ليس هو بل ولا غيره من المخلوقات مفتقرًا إلى حيز وجودي بالمعنى الثاني وأما الحيز الوجودي بالمعنى الأول فهذا لايجوز أن يفارق المتحيز لا في زمان ولا في مكان ولا وجود إلا إذا فرق ذلك المتَحيز وحينئذ فلا يكون هو إياه مع أن الله سبحانه صمد لا يجوز عليه التفرق والانقسام فإن أراد بالغير هذا المعنى كان التقدير لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا في وجوده إلى ما هو لازم لذاته لا يجوز مفارقته له ولا انفصاله عنه وهكذا حكم جميع الصفات الذاتية فيكون المعنى كما لو قيل لو كان له صفة ذاتية لكان مفتقرًا إليها افتقار الموصوف إلى الصفة وهذا من

شبه نفاة الصفات التي يبطلها هذا المؤسس نفسه كما تقدم الكلام عليه وهذا أحد الوجوه التي ذكرها في حجة نفاة الصفات في نهايته فقال الثالث أن عالمية الله وقادريته لو كانت لأجل صفات قائمة به لكان الباري محتاجًا إلى تلك الصفات لكن الحاجة على الله محال فبطل القول باتصاف ذاته بالصفات فقوله لو كان مختصًّا بالحيز والجهة لكان مفتقرًا في وجوده إلى ذلك مثل هذه سواء إذا فهم أن الحيز الذي يلزم المتحيز هو أمر لازم له ليس شيئًا منفصلاً عنه وأن المتحيز لا يفتقر إلى حيز موجود منفصل عنه بضرورة العقل والحس واتفاق العقلاء وقد تقدم الكلام على مثل هذه الحجة غير مرة وهي مثل قولهم يستلزم التركيب والكثرة الموجبة لافتقاره إلى أجزائه

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل