الجزء الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
هو باقٍ على معناه في اللغة ولا منها لفظ إلا وهو مجمل متشابه يحتمل المعنيين المختلفين ويكون أحد المعنيين مما يجب تنزيه الرب تعالى عنه عند أهل الإيمان وفي صريح العقل كما يجب تنزيهه عن مماثلة المخلوقات وعن أن يكون يفتقر إلى غيره أو مفعولاً لغيره حتى يركبه أو يؤلفه أو غير ذلك من المعاني ويكون المعنى الآخر مما أثبته القرآن والعقل أو مما لا يُعلم نفيه أو مما يقتصر العقل على دَرْكه أو هو معنى دقيق يحتاج إلى نظر طويل وعلوم كثيرة فيطلقون نفي ذلك اللفظ المشترك مقروناً بالتنزيه والتعظيم فيقوم الاشتباه في ذهن المستمع حتى يظن ابتداءً أن المنفي هو المعنى الذي نفاه القرآن والعقل ثم لايميز بين هذا وذاك فينفي المعنيين جميعاً بغير حجة ويقع في القياس الفاسد بسبب اشتراك اللفظ ولهذا ذم السلف والأئمة هؤلاء المتكلمين الجهمية وأخبروا أن من وافقهم على ما ابتدعوه من الألفاظ والمعاني فإنه لابد أن يتجهم كما رواه الخلال عن أبي داود السجستاني
سمعت أبا ثور قال قال لي الشافعي يا أبا ثور ما رأيت أحداً ارتدى شيئاً من الكلام فأفلح وعن أبي يوسف قال العلم بالكلام يدعو إلى الزندقة وعن أبي عمر الضرير
قال العلم بالكلام بمنزلة العلم بالتخنث كلما كان صاحبه يزداد علماً كان أشد لفساده وعن عبد الملك بن الماجشون أنه أوصى رجلاً فقال إياك والكلام فإن لأوله آخر سوء وعن يزيد بن هارون قال لو تكلمت ما أمِنت أن أبتدع وقال من تكلم ابتدع ولو سكتت المرجئة لم يبتدعوا وقال إن المرجئة كانت لسان أهل السنة حتى غَلَوا نسأل الله العافية والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
فرغ من تعليقه أبو بكر بن المجد بن ماجد المقدسي بتاريخ العشرين من شهر جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة بالقاهرة المصرية وحسبنا الله ونعم الوكيل
فصل قال الرازي القسم الثاني من هذا الكتاب في تأويل المتشابهات من الأخبار والآيات والكلام فيه مرتب على مقدمة وفصول فيقال مقصوده بذلك الآيات والأخبار التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله التي يجب عنده نفي دلالتها على شيء من الصفات التي ينفيها وتسمية هذه الآيات والأحاديث كلها متشابهات واعتقاد أن المتشابه من ذلك له معنيان أحدهما حق والآخر باطل وأن ظاهرها باطل أمرٌ لم يذهب إليه من سلف الأمة وأئمتها فإن الله سبحانه وتعالى قد قال في كتابه مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ
مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران 7] وهذا حق وسنتكلم إن شاء الله على الآية حيث تكلم هو عليها لكن المقصود هنا أن تعيين هذه الآيات والأخبار بأنها من المتشابهات هو قوله ورأيه ورأي من يوافقه وكذلك كل طائفة من أهل الكلام والأهواء والبدع يجعلون ما خالف مذهبهم من القرآن والحديث متشابهاً وما وافقه محكماً والجهمية والمعتزلة لايجعلون المتشابه ما ذكر هو فقط بل عندهم ما دلَّ على أن الله يُرى وان لله علماً أو قدرة أو مشيئة أو وجهاً أو سمعاً أو بصراً أو أنه يتكلم بنفسه أو غير ذلك فهو عندهم من المتشابه والقرامطة والغالية والفلاسفة عندهم أسماء الله الحسنى هي من جملة المتشابه وكذلك عندهم ما أخبر الله به من أمور الآخرة هو من المتشابه
وغرضهم بذكر لفظ المتشابه أن لا يؤمن بما دل عليه اللفظ بل إما أن يعرض عنه وإما أن يحال إلى معنى آخر بعيد عن دلالة اللفظ وكذلك القدرية من المعتزلة وغيرهم عندهم آيات القدر كلها متشابهة والمحكم آيات الأمر وإذا كانت كل طائفة تقول إنه متشابه ما تقول الأخرى إنه محكم كان تسميته لذلك متشابهاً من جملة دعاويه ولم يكن بُدٌّ من الفرق بين المحكم والمتشابه وهو قد ذكر ذلك فيما بعد فيؤخر الكلام عليه إلى موضعه إذ المقصود هنا أن لا يُسلم له تسميته جميع هذه الآيات
والأخبار متشابهة فإن ذلك دعوى لم يذكر هنا حجتها
فصل ثم قال أما المقدمة فهي في إثبات أن جميع فرق الإسلام مقرون بأنه لابد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار ثم ذكر تسعة عشر وجهاً بعد ما ذكره من النصوص الدالة على نفي الجسم وكلامه في الموضعين متقارب وقد ادعى هنا الإجماع على تأويل بعض الظواهر ومقصوده بذلك أن التأويل مما أجمعوا عليه في الجملة فمن نفاه مطلقاً كان مخالفاً للإجماع ومن أثبته في الجملة كان له حجة فأما لفظ التأويل فمرادُه به صرف اللفظ عن دلالته الظاهرة إلى غيرها بدليل
وسنتكلم إن شاء الله على لفظ التأويل ومعانيه في القرآن والسنة وكلام المفسرين والفقهاء والمتكلمين وغير ذلك فإن لفظ التأويل في هذا الاصطلاح أخصُّ من لفظ التأويل في كلام كثير من السلف وأهل التفسير والأئمة وهو غير معنى لفظ التأويل في القرآن وذلك أن لفظ التأويل في كلامه وكلام كثير من متأخري المتكلمين والفقهاء وأهل الأصول والجدل معناه هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر بدليل ولهذا يقولون التأويل على خلاف الأصل ويقولون التأويل يحتاج إلى دليل ويتكلمون في التأويلات وانقسامها إلى مقبول ومردود وعلى هذا الاصطلاح فإقرار الكلام على معناه الظاهر وتفسيره بما يوافق معناه الظاهر ليس بتأويل وهذا اصطلاح خاص وإن كان قد شاع في عُرْفِ المتأخرين من هؤلاء وأما لفظ التأويل في كلام أكثر المتقدمين من السلف والأئمة
من أهل الفقه والحديث والتفسير فإنهم يعنون بلفظ التأويل نظير ما يعنى بلفظ التفسير ويقول المصنف منهم في تفسير القرآن قد اختلف أهل التأويل في معنى هذه الآية كما يقال اختلف المفسرون في هذه الآية وهذا الاصطلاح أعم من الذي قبله وأما لفظ التأويل في القرآن فالمراد به حقيقة المعنى الذي يُؤوَّل إليه اللفظ وهو الحقيقة الموجودة في الخارج فإن الكلام قسمان خبر وأمر فتأويل الخبر هو الحقيقة المخبر عنها وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود به والمتوعَّد به وتأويل ما أخبر الله به من صفاته نفس حقيقته وما هو عليه وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها كما قال تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ [الأعراف 53] وقال تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس 39] وقال يوسف عليه السلام يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ [يوسف 100] وقال تعالى فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) [النساء 59] وقد بسطنا الكلام في ذلك في القواعد وغيرها
وسنتكلم إن شاء الله على ذلك إذا تكلمنا على ما ذكر في قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] وأما لفظ الظاهر فينبغي أن يُعرف أن الظاهر قد يراد به نفس اللفظ لظهوره للسمع أو لظهور معناه للقلب وقد يراد به المعنى الذي يظهر من اللفظ للقلب وقد يراد به الأمران ويعلم أن الظهور والبطون من الأمور النسبية فقد يظهر لشخص أو طائفة ما لا يظهر لغيرهم تارة لأسباب تقترن بالكلام أو المتكلم وتارة لأسباب تكون عند المستمع وتارة لأسباب لأُخَر ويعلم أن ظهور المعنى من اللفظ لايجب أن يكون لمجرد الوضع اللغوي المفرد بل قد يكون من جهة الحقيقة اللغوية أو العرفية أو الشرعية وقد يكون من جهة المجاز الذي اقترن باللفظ من القرائن اللفظية والحالية ما جعله هو ظاهر اللفظ عند من يسميه مجازاً وأما من يمنع تسميته مجازاً إما في القرآن أو
مطلقاً فلا يسمون ذلك مجازاً ويعلم أن وضع اللفظ حال الإفراد قد يخالف وضعه حال التركيب بل غالب الألفاظ كذلك وهذه مقدمات تحتاج إلى بسط ونحن نذكر ذلك في موضعه وإنما المقصود هنا التنبيه على أن كثيراً من الناس يدعي أن ظاهر القرآن والأخبار شيء إما موافق له وإما مخالف له ليتأوله وتكون دعواه باطلة فيجب الاعتناء أولاً بذلك فإنه مَقامٌ مهم ضلَّ وزلَّ فيه طوائف وهم الذين ينفي أهل العلم قولهم كما ورد في الحديث يحمل هذا العلمَ من كل خَلَفٍ عدولهُ وينفون عنه تحريف العالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين
وهؤلاء إما أنهم ضلوا معتقدين أنهم متبعون القرآن وإما أنهم جعلوا ظاهر القرآن ضلالاً لا هدىً للناس ونذكر مقدمة مختصرة فنقول قول القائل إقرار الطوائف بأنه لابد من التأويل في بعض ظواهر القرآن والأخبار يقتضي أن إقرار بعض ظواهر الكتاب والسنة ضلال باتفاق الأئمة فبقال له أتقول حيث كان الظاهر ضلالاً غير مراد للمتكلم إن الله لم يبين ذلك في كتابه وعلى لسان رسوله أو أنه لابد من بيان ذلك بالنصوص فإن أراد الأول كان مضمون كلامه أن من الآيات والأحاديث ما ظاهره ضلال وباطل إما كفر وإما ما دون الكفر وأن الله لم يبين ذلك ولا ذكر المراد الحق ولا ما ينفي المراد الباطل وعلى هذا فلا يكون القرآن كله هدى للناس ولا بياناً للناس ولا يكون الرسول بلَّغ البلاغ المبين ولا يكون الله قد بين للناس ما يتقون بل ضلوا بكلامه قبل أن يبين لهم ما يتقون ولايكون الناس مأمورين بتدبر القرآن كله ولا مأمورين باتباعه كله فإنه إذا كان بعض القرآن دلالته باطلة مضلة ولم يبين في القرآن ما يزيل هذا الضلال الباطل لزم من اتباعه الضلال
وأما إن قال ما لم يُرَد ظاهره فإنه قد بين بخطاب آخر ما يبين المراد أو ينفي الباطل لم ينازعه عامة العلماء في هذا فإنه بالجمع بين النصوص من الآيات والأخبار يكون البيان من الله ورسوله حاصلاً وتقوم الحجة على الناس بالرسالة إذ على الناس أن يؤمنوا بالكتاب كله ولايؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض وللإمام أحمد رحمه الله في هذا رسالة معروفة في الرد على من تمسك ببعض الظواهر دون ما يفسره من الآيات والأخبار لكن هذا ما ينفعه في باب الصفات كما سنبينه إن شاء الله تعالى ونحن لا نقصد الكلام في إثبات التأويل في الجملة ولا نفيه ولا وجوب موافقة الظاهر مطلقاً ولا مخالفته إذ في هذا تفصيل وكلام على الألفاظ المشتركة كما قد تكلمنا على ذلك في جواب الاعتراضات المصرية على الفتوى الحموية وفي غير ذلك وإنما المقصود تعقب كلامه بما يجب من ردٍّ أو قبول ونبهنا على أنه ليس كل ما يدعي المدعي أنه ظاهر اللفظ يكون
كذلك سواء وافق ذلك الظاهر أو خالفه وهذا الغلط ما زال ولا يزال في الناس حتى أنه كان منه قطعة في الصدر الأول مثل ما ظن بعضهم أن ظاهر قوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ [البقرة 187] أن يتبين لهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود فكان يعمد أحدهم فيربط في رجليه حبلين ففي الصحيحين عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال أُنزلت وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل مِنَ الْفَجْرِ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله بعد مِنَ الْفَجْرِ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار
وفي الصحيحين عن الشعبي عن عدي بن حاتم قال لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ عمدت إلى عقال أسود وعقال أبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر من الليل فلا يتبين لي فغدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار وفي رواية قال إن وسادك إذا لعريض وهذه الحال جرت لبعض الناس الذين شهدناهم ولا ريب أن هؤلاء غلطوا فيما ظنوه الظاهر لا لقصورٍ في بيان اللفظ ودلالته ولكن لقصورٍ في فهمهم فإن الله تعالى قال حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ فذكر خيطين مفردين مُعرَّفَيْن باللام واللام تصرفهما إلى الخيط المعروف
المعهود والخيط إنما يقال للشيء الدقيق دون الغليظ وقوله حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ يقتضي أن الخيطين المعروفين يتناولهم كلهم فمن جعل ذلك عُقُلاً لكل الناس عقالان يختصان بهما ويختلفون في التبيّن بحسب المكان الذي هم فيه فإنما أُتي من نفسه قال الإمام أحمد أكثر ما يغلط الناس من جهة التأويل والقياس فالتأويل كحال هؤلاء الذين تأولوا القرآن على غير تأويله والمراد بالتأويل المعنى العام كما سنذكره إن شاء الله والتأويل في الألفاظ المسموعة كالقياس في المعاني المعقولة مثل ما ظن بعضهم لمَّا سمع أن الجنب يتيمم بالصعيد أن البدل يكون مثل المبدل منه فقاس التراب على الماء فَتَمَعَّكَ كما تتمعك الدابة ليوصِّل التراب إلى جميع البدن بحسب الإمكان كما وصل الماء
قال الرازي أما في القرآن فبيانه من وجوه الأول وهو أنه ورد في القرآن ذكر الوجه وذكر الأعين وذكر الجنب الواحد وذكر الأيدي وذكر الساق الواحد فلو أخذنا بالظاهر يلزمنا إثبات شخص له وجه وعلى ذلك الوجه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيدٍ كثيرة وله ساق واحد ة ولا نرى في الدنيا شخصاً أقبح صورة من هذه الصورة المتخيلة ولا أعتقد أن عاقلاً يرى بأن يوصف ربه بهذه الصفة
يقال قد ادعى في هذا الوجه أن ظاهر القرآن الذي هو حجة الله على عباده وهو خير الكلام وأصدقه وأحسنه وهو الذي هدى الله به عباده وجعله شفاءً لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ادعى أن ظاهر كلامه أنه شخص له وجه فيه أعين كثيرة وله جنب واحد وعليه أيدٍ كثيرة وله ساق واحد فقد ادعى أن ظاهر ما وصف الله به نفسه في كتابه أنه على هذه الصورة الشنيعة القبيحة فلا يكون الله كما وصف به نفسه إذ قد وصف نفسه بأقبح الصفات في ظاهر خطابه
ويكفي المرءَ المؤمن أن يعلم أن هؤلاء يجعلون القرآن بهذه الصفة فهل هذا إلا من جنس قول الذين جعلوا القرآن عضين فعضوه بالباطل وقالوا هو شعر أو سحر أو مفترى بل هذا أقبح من ذلك فإن أولئك اتفقوا على عظمة الكلام وارتفاع قدره لفظاً ومعنى ولم يدَّعوا أن ظاهره وصف الخالق بما لا توصف به القردة والخنازير ولو كان هذا ظاهر القرآن لكان هذا من أقوى الوجوه للذين جعلوا القرآن عضين نبين أن هذا ليس هو ظاهر القرآن من وجوه أحدها أن الله تعالى إنما قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر 14] وقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس 71] فدعوى المدعي أن ظاهره أعينٌ كثيرة وأيدٍ كثيرة فِريةٌ ظاهرة إذ لفظ الجمع لا يدل بمطلقه على الكثرة أصلاً الثاني دعواه أن ظاهر القرآن أن لله جنباً واحداً عليه أيدٍ كثيرة باطلٌ أيضاً فأين في القرآن أن الأيدي في الجنب غايته
أن يجعل بالقياس على بني آدم وهذا ليس من ظاهر الخطاب وكذلك جعله للأعين الكثيرة في الوجه الواحد ليس في ظاهر القرآن ما يدل على هذا وإنما قالع بالقياس على عيون بني آدم التي في وجوههم الثالث أنه من أين في ظاهر القرآن أنه ليس لله إلا ساق واحد وجنب واحد فإنه قال أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر 56] وقال يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم 42] وعلى تقدير أن يكون هذا من صفات الله فليس في القرآن ما يُوجِب أن لايكون لله إلا ساق واحد وجنب واحد فإنه لو دل على إثبات جنب واحد وساق واحد وسكت عن نفي الزيادة لم يكن ذلك دليلاً على النفي إلا عند القائلين بمفهوم الاسم واللقب لأنه متى كن للتخصيص بالذكر سبب غير الاختصاص بالحكم لم يكن المفهوم مراداً بلا نزاع ولم يكن المقصود بالخطاب في الآيتين إثبات الصفة حتى يكون المقصود تخصيص أحد الأمرين بالذكر بل قد يكون المقصود حكماً آخر مثل بيان تفريط العبد وبيان سجود العباد إذا كشف عن ساق وهذا الحكم قد يختص بالمذكور دون غيره مثل أن
يقال هب أنه أخبر أنه يكشف عن ساق واحدة فمن أين في الكلام أنه ليس له إلا ساق واحدة والقائل إذا قال كشفت عن يدي أو عن عيني أو عن ساقي أو قدمي لم يكن ظاهر هذا أنه ليس له إلا واحد من ذلك بل قد يقال إنه لم يكشف إلا عن واحد فدعواه النفي في ظاهر القرآن دعوى باطلة وهو ممن لايقول بمفهوم الصفة فكيف بما ليس من باب المفهوم بحال فكيف وليس في القرآن ما يقتضي إثبات الوحدة العينية وذلك أن قوله يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر 56] اسم جنس مضاف ومثل هذا إما أن يكون ظاهره العموم على القول المختار كالمعرَّف باللام عند الجمهور وإما أن يكون العموم كثيراً فيه كقوله لَيْلَةَ الصِّيَامِ [البقرة 187] وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا [إبراهيم 34] ولو كان هذا صفة لكان بمنزلة قوله بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك 1] وبِيَدِكَ الْخَيْرُ [آل عمران 26] ووَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) [طه 39] الوجه الرابع أنه يقال من أين في ظاهر القرآن إثبات جنب واحد صفة لله ومن المعلوم أن هذا لا يثبته جميع مثبتة الصفات الخبرية بل كثير منهم ينفون ذلك بل ينفون قول أحدٍ
منهم بذلك قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في النقض على المريسي ومتبعيه وادعى المعارض زوراً على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله تعالى يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [الزمر 56] قال يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو وليس على ما يتوهمون قال فيقال لهذا المعارض ما أرخص الكذب عندك وأخفه على لسانك فإن كنت صادقاً في دعواك فَأَشِر بها إلى أحد من بني آدم قاله وإلا فَلِمَ تُشَنِّع بالكذب على قوم هم أعلم بالتفسير منك وأبصر بتأويل كتاب الله منك ومن إمامك إنما تفسيرها عندهم تحسُّر الكافرين على ما فرَّطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله واختاروا عليها الكفر والسخرية بأولياء الله فسمّاهم الساخرين
فهذا تفسير الجنب عندهم فمن أنبأك أنهم قالوا جنب من الجُنوب فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين فضلاً عن علمائهم وقد قال أبو بكر الصديق الكذب مجانبٌ للإيمان وقال ابن مسعود لايجوز من الكذب جد ولا هزل وقال الشعبي من كان كذاباً فهم منافق فاحذر أن تكون منهم وتوجيه ذلك أن الله تعالى قال أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (59) [الزمر 56-59] فهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الموصوفة بما وصفت به
وعليه هذه النفوس لاتعلم أن الله جنباً ولا تقرّ بذلك كما هو الموجود منها في الدنيا فكيف يكون ظاهر القرآن أن الله أخبر عنه بذلك وقد قال في كلامهم يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ فجعلوا التفريط في جنب الله والتفريط فعل أو ترك فعل وهذا لايكون قائماً بذات الله لا في جنب ولا في غيره بل يكون منفصلاً عن الله وهذا معلومٌ بالحس والمشاهدة فظاهر القرآن يدل على أن قول القائل يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ليس أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله تعالى وأبعاضه فأين في ظاهر القرآن أنه ليس لله إلا جنب واحد بمعنى الشق لكن قد يقال القرآن فيه إثبات جنب الله تعالى وفيه إثبات التفريط فيه فثبوت نوع من التوسع والتجوز فيما جعل فيه لا يوجب ثبوت التوسع والتجوز فيه كما في قوله تعالى بِيَدِهِ الْمُلْكُ [الملك 1] فإن هناك شيئين اليد وكون الملك فيها ولهذا تنازعوا في إثبات ذلك صفة لله
قال القاضي أبو يعلى فأما قوله تعالى يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ الآية فحكى شيخنا أبو عبد الله في كتابه عن جماعة من أصحابنا الأخذ بظاهر الآية في إثبات الجنب صفة لله تعالى قال ونقلت من خط أبي حفص البرمكي قال ابن بطة قوله بذات الله أمر الله كما تقول في جنب الله يعني في أمر الله قال القاضي وهذا منه يمنع أن يكون صفة لذات وهو الصحيح عندي وأن المراد بذلك التقصير في طاعة الله تعالى والتفريط في عبادته لأن التفريط لا يقع في جنب الصفة وإنما يقع في الطاعة والعبادة وهذا مستعمل في كلامهم فلان في جنب فلان يريدون بذلك في طاعته وخدمته والتقرب منه ويبين صحة هذا التأويل ما في سياق الآية مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58)، لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) وهذا كله راجع إلى الطاعات
قال وقد اعتبر أحمد القرائن في مثل هذا فقال في قوله مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة 7] قال المراد به علم الله لأن الله افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم وقد يقال من يثبت ذلك من الصفات يحتاج إلى استنباط يثبت ذلك بأن يقول الجنب الجانب والناحية وهو الجهة أي على ما فرطت في جهة الله وجانبه وناحيته كما تقول أعيش في جنب الله وجانبه وجهته وكما يقال أعرضت عن جانبي وجنبي وجهتي ويميل على جوانبه ثم يقولون وهذا إنما يقال لما له جانب هو حدُّه ونهايته فيدل بطريق الاستلزام على أن له جنباً هو حدُّه ونهايته كما قد يقال في قوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ [البقرة 115] إنه وإن كان المراد قبلة الله كما قال مجاهد والشافعي وغيرهما لأن الذي
بالمكان الذي يتولاه أي يستقبله إنما هو نفس تضمن الجهة والمكان لا شيء من الله تعالى لكن كونه أضيف إلى الله فقيل وجه الله أي جهة الله وقبلة الله فإنه يدل على أن له وجهاً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله قِبَلَ وجهه وأنه يستقبل الله بوجهه والغرض هنا أن المثبتة للصفة في هذا النص يستنبطونه بطريق آخر غير ظاهر النص وليس الغرض تقرير طريقهم الوجه الخامس أن يقال هب أن ظاهره أو مستنبطه إثبات جنب واحد لله فالجنب أعم من أن يكون أحد شِقّي الشيء بل يطلق على جوانبه كلها فيقال جوانب الشيء وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب
ومعلوم أن قوله على جنب لم يدل على أنه ليس لعمران إلا شق واحد بل المراد جميع جنوبه كما قال تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران 191] وقال فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ [النساء 103] وذلك يدخل فيه المستلقي على ظهره الوجه السادس أنه من أين في ظاهر القرآن لله ساقٌ وليس معه إلا قوله يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ [القلم 42] والصحابة قد تنازعوا في تفسير الآية هل المراد به الكشف عن الشدة أو المراد به أنه يكشف الرب عن ساقه ولم يتنازع الصحابة والتابعون في ما يذكر من آيات الصفات إلا في هذه الآية بخلاف قوله لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن 27] ونحو ذلك فإنه لم يتنازع
فيها الصحابة والتابعون وذلك أنه ليس في ظاهر القرآن أن ذلك صفة لله تعالى لأنه قال يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ولم يقل عن ساق الله ولا قال يكشف الرب عن ساقه وإنما ذكر ساقاً منكَّرة غير معرَّفة ولا مضافة وهذا اللفظ بمجرده لا يدل على أنها ساق الله والذين جعلوا ذلك من صفات الله تعالى أثبتوه بالحديث الصحيح المفسر للقرآن وهو حديث أبي سعيد الخدري المخرج في الصحيحين الذي قال فيه فيكشف الرب عن ساقه وقد يقال إن ظاهر القرآن يدل على ذلك من جهة أنه أخبر أنه يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود والسجود لايصلح إلا لله فعلم أنه هو الكاشف عن ساقه وأيضاً فحَمْلُ ذلك على الشدة لا يصحّ لأن المستعمل في الشدة أن يقال كشف الله الشدة أي أزالها كما قال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) [الزخرف 50] وقال فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ [الأعراف 135]
وقال وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) [المؤمنون 75] وإذا كان المعروف من ذلك في اللغة أنه يقال كشف الشدة أي أزالها فلفظ الآية يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وهذا يراد به الإظهار والإبانة كما قال كَشَفْنَا عَنْهُمُ وأيضاً فهناك تحدث الشدة ولا يزيلها فلا يكشف الشدة يوم القيامة لكن هذا الظاهر ليس ظاهراً من مجرد لفظ ساق بل بالتركيب والسياق وتدبر المعنى المقصود الوجه السابع أن دعواه أن ظاهر القرآن أن لله أعيناً كثيرة وأيدياً كثيرة باطلٌ وذلك أنه وإن كان قد قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر 14] وقال وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود 37] وقال وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور 48] وقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا [يس 71] فقد قال في قصة موسى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ [طه 39-40] فقد جاء هذا بلفظ المفرد في موضعين فلم يكن دعواه الظهور في معنى الكثرة لكونه جاء بلفظ الجمع بأولى من دعوى غيره الظهور في معنى الإفراد لكونه قد
جاء بلفظ المفرد في موضعين بل قد ادعى الأشعري فيما اختاره ونقله عن أهل السنة والحديث هو وطوائف معه إثبات العينين لأن الحديث ورد بذلك وفيه جمع بين النصين
كما في لفظ اليد بل لو قال قائل الظاهر في العين للمفرد أو المثنى دون المجموع لتوجَّه قوله وذلك أن قوله بِأَعْيُنِنَا في الموضعين مضاف إلى ضمير جمع والمراد به الله وحده بلا نزاع ومثل هذا كثير في القرآن يسمي الرب نفسه من الأسماء المضمرة بصيغة الجمع على سبيل التعظيم لنفسه كقوله إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) [الفتح 1] وقوله نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف 32] فلما كان المضاف إليه لفظه لفظ الجمع جاء المضاف كذلك فقيل بِأَعْيُنِنَا وفي قصة موسى لما أفرد المضاف إليه افرد المضاف فقيل وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي [طه 39] ومعلوم أن هذا هو الأصل والحقيقة فإن الله واحد سبحانه ومن احتج بما ذكره الله تعالى عن نفسه بلفظ الجمع على العدد فهو ممن تمسك بالمتشابه وترك المحكم كما فعل
نصارى نجران الذين قَدِموا على النبي صلى الله عليه وسلم وناظروه في أمر المسيح وذكروا أن صدر آل عمران أُنزلت بسببهم إذ عامته في ذكر المسيح واتّباعهم للمتشابه أن قالوا ألم يقل في كتابك إنا ونحن فهذا يدل على أن الآلهة ثلاثة فتركوا المحكم في كتاب الله كقوله وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [البقرة 163] وقوله لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ [المائدة 73] واتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهكذا قد يقال فيمن عمد إلى لفظ أعيننا وترك لفظ عيني أنه اتبع المتشابه دون المحكم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وقد ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يا عائشة إذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه
فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم وهذا الكلام يقال في لفظ أيدينا مع قوله مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] وقوله بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة 64] فإن صيغة المضاف إليه هناك صيغة جمع بخلاف صيغة المضاف إليه في بقية الآيات فجاء على لفظ المضاف إليه ومما يوضح الأمر في ذلك أن من لغة العرب الظاهرة التي نزل بها القرآن استعمال لفظ الجمع في موضع التثنية في المضاف إذا كان متصلاً بالمضاف إليه والمعنى ظاهر كقوله تعالى إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ [التحريم 4] وليس لكل منهما إلا قلب فالمعنى قلباكما لكن النطق بلفظ الجمع أسهل والمعنى معروف أنه ليس لكل منهما إلا قلب وكذلك قوله وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [المائدة 38] والمعنى فاقطعوا أيمانهما إذ لا يقطع من كل
واحد إلا يده اليمنى لكن وضع الجمع موضع التثنية لسهولة الخطاب وظهور المراد وفي قراءة عبد الله فاقطعونا أيمانهما حتى أن التعبير في مثل هذا بلفظ التثنية عدول عن أفصح الكلام وغن كان جائزاً كما قال ظهراهما مثل ظهور الترسين وقد جاء مثل الأول في المضاف المنفصل وهو قليل كقوله وضعا رحالهما
وإذا كان كذلك قيل لفظُ بأعيننا ولفظ أيدينا مع كون المضاف إليه ضمير جمع أولى بالحسن مما إذا كان المضاف إليه ضمير تثنية فإذا كان من لغتهم ترك استحسان قلباكما ويديهما فلأن يكون في لغتهم ترك استحسان بعيننا أو بعينينا ومما عملت يَدُنَا أو يدانا أولى وأحرى ويكون المضاف مفرداً أو مثنى والمضاف إليه مجموعاً وهذا خروج عن المطابقة وعدول عن الحسن أعظم من ذلك بل هنا يقبح مثل هذا اللفظ فإنه إذا عبر عن نفسه بصيغة الجمع تعظيماً وتفخيماً فالتعبير مع ذلك عما أضيف بما لا تعظيم فيه تناقض في البيان وتناسب الكلام ويوضح ذلك أنه في الصورة المستشهد بها كقوله صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وفَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا يعلل بأنـ ـه حسن العدول عن المثنى بأن صيغة الجمع واحدة معربة
بالحروف فهي أخف من صيغة التثنية التي تختلف في النصب وفي الرفع والخفض إذ يحتاج أن يقول صيغ قلباهما وقلب الله قلبيهما وزيّن الإيمان في قلبيهما وعلى المعروف يقال صغت قلوبهما وقلب الله قلوبهما وزيّن الإيمان في قلوبهما فهذا أخف وأسهل وأحسن فإذا قال مما عملت يدانا وخلقنا بيدينا وبسطنا بيدينا كان هذا بخلاف ما لو قيل عملت أيدينا وخلقنا بأيدينا وبسطنا أيدينا كان هذا أخف وأسهل وأحسن من الأول فكيف وفي هذه الصور المضاف إليه لفظه لفظ الجمع فإذا كانوا يعدلون عن إضافة المثنى إلى المثنى فيجعلون المضاف بلفظ الجمع فلأن يعدلوا عن إضافة المثنى إلى الجمع ويجعلوا المضاف بلفظ الجمع أولى وأحرى الوجه الثامن أن