الوجه الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
لابد أن يحسه هذا الحس الظاهر أم يكفي إحساس الباطن إياه وشهوده إياه الأول منقوض بأحوالنا الباطنة الجسمانية والنفسانية وأما الثاني فمسلم وقد شهدته بعض القلوب
فعدل عن ذلك وادعى وجود موجود لا يمكن إحساسه وهو الروح وهذا هو قول المتفلسفة المشائين فيها وحجته هذه من جنس حجة أبي عبد الله الرازي لما ادعى جواز وجود موجود لايمكن إحساسه ولا يكون داخل العالم ولا خارجه واحتج على ذلك بقول هؤلاء المتفلسفة ومن وافقهم في العقول والنفوس ويقول بقولهم وقول من وافقهم من متكلمي المسلمين في النفوس الناطقة فجهم أول هؤلاء
ومقدمهم الأول ولهذا ألزمته هذه الحجة أن يصف الرب تعالى وتقدس من الحلول والاتحاد بنحو مما قالته النصارى في المسيح لكن أولئك خصوه بالمسيح والجهمية تطلقه في الموجودات فقولهم في كل مكان نظير قول النصارى أنه حال في المسيح إذا تبين ذلك فنقول المتكلمون والفلاسفة كلهم على اختلاف مقالاتهم هم في قياس الغائب على الشاهد مضطربون كل منهم يستعمله فيما يثبته وينكره فيما ينفيه وإن ذلك فيما ينفيه أولى منه فيما يثبته ويرد على منازعه مااستعمله من ذلك وإن كان قد استعمل هو في موضع آخر ما هو دونه وسبب ذلك أنهم لم يمشوا على صراط مستقيم بل صار قبوله ورده هو بحسب القول لا بحسب ما يستحقه القياس العقلي كما تجدهم أيضًا في النصوص النبوية كل منهم يقبل منها ما وافق قوله ويرد منها ما خالف قوله وإن كان المردود من الأخبار المقبولة باتفاق أهل العلم والحديث والذي قبله من الأحاديث المكذوبة باتفاق أهل العلم والحديث فحالهم في الأقيسة العقلية كحالهم
في النصوص السمعية لهم في ذلك من التناقض والاضطراب ما لايحصيه إلا رب الأرباب وأما السلف والأئمة فكانوا في ذلك من العدل والاستقامة وموافقة المعقول الصريح والمنقول الصحيح بحال آخر فالعصمة وإن كانت شاملة لجماعتهم فآحادهم مع ذلك لا يجترئون في مخالفة النصوص المشهورة والمعقولات المعروفة على ما يجترئ عليه هؤلاء المسفسطون وكانوا يستعملون القياس العقلي على النحو الذي ورد به القرآن في الأمثال التي ضربها الله تعالى للناس فإن الله ضرب للناس في القرآن من كل مثل وبين بالأقيسة العقلية المقبولة بالعقل الصريح من المطالب الإلهية والمقاصد الربانية ما لم تصل إليه آراء هؤلاء المتكلفين في المسائل والوسائل في الأحكام
والدلائل كما قد تكلمنا على ذلك في غير موضع والله تعالى له المثل الأعلى فلا يجوز أن يقاس على غيره قياس تمثيل يستوي فيه الأصل والفرع ولا يقاس مع غيره قياس شمول تستوي أفراده في حكمه فإن الله سبحانه ليس مثلاً لغيره ولا مساويًا له أصلاً بل مثل هذا القياس هو ضرب الأمثال لله وهو من الشرك والعدل بالله وجعل الند لله وجعل غيره له كفوًا وسميًّا وهم مع هذا كثيرو البراءة من التشبيه والذم له وهم في مثل هذه المقاييس داخلون في حقيقة التمثيل والتشبيه والعدل بالله وجعل غيره له كفوًا وندًّا وسميًّا
كما فعلوا في مسائل الصفات والقدر وغير ذلك ولهذا ذكر الوزير أبو المظفر بن هبيرة في كتاب الإيضاح في شرح الصحاح أن أهل السنة يحكون أن النطق بإثبات الصفات
وأحاديثها يشتمل على كلمات متداولات بين الخالق وخلقه وتحرجوا من أن يقولوا مشتركة لأن الله تعالى لا شريك له بل لله المثل الأعلى وذلك هو قياس الأولى والأحرى فكل ماثبت للمخلوق من صفات الكمال فالخالق أحق به وأولى وأحرى به منه لأنه أكمل منه ولأنه هو الذي أعطاه ذلك الكمال فالمعطي الكمال لغيره أولى بأن يكون هو موصوفًا به إذ ليس أعطى وأنه سلب نفسه ما يستحقه وجعله غيره فغن ذلك لا يمكن بل وهب له من إحسانه وعطائه ما وهبه من ذلك كالحياة والعلم والقدرة وكذلك ماكان منتفيًا عن المخلوق لكونه نقصًا وعيبًا فالخالق هو أحق بأن ينزه عن ذلك وقد بسطت هذه القاعدة في غير هذا الموضع
وعلى هذا فجميع الأمور الوجودية المحضة يكون الرب أحقَّ بها لأن وجوده أكمل ولأنه هو الواهب لها فهو أحق باتصافه بها وجميع الأمور العدمية المحضة يكون الرب أحقَّ بالتنزيه منها لأنه عن العدم ابعد من سائر الموجودات ولأن العدم ممتنع لذاته على ذاته وذاته بذاته تنافي العدم وما كان فيه وجود وعدم كان أحق بما فيه من الوجود وأبعد عما فيه من العدم فهذا أصل ينبغي معرفته فإذا أثبتت له صفات الكمال من الحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر وغير ذلك بهذه الطريقة القياسية العقلية التي لله فيها المثل العلى كان ذلك اعتبارًا صحيحًا وكذلك إذا نفى عنه الشريك والولد والعجز والجهل ونحو ذلك بمثل هذه الطرق ولهذا كان الإمام أحمد وغيره من الأئمة يستعملون مثل هذه الطريق في الأقيسة العقلية التي ناظروا بها الجهمية فاستعملوا مثل هذا فيما أثبتوه لله تعالى وفيما نفوه عنه وفيما ردوه من قول الجهمية وإذا كان كذلك فمن المعلوم أن كون الموجود قائمًا بنفسه
أو موصوفًا أو أن له من الحقيقة والصفة والقدر ما استحق به ألا يكون بحيث يكون غيره وأن لايكون معدومًا بل ما أوجب أن يكون قائمًا بنفسه مباينًا لغيره وأمثال ذلك من الأمور الوجودية باعتبار الغائب فيها بالشاهد جَارٍ على هذا الصراط المستقيم فكلما كان اقرب إلى الموجود كان إليه أقرب وكلما كان أقرب إلى المعدوم فهو عنه أبعد الوجه الثاني أن يقال من المعلوم أن لفظ الوجود هو في أصل اللغة مصدر وجدت الشيء أجده وجودًا ومنه قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء [المائدة 6] وقوله حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ [النور 39] وقوله أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى ﴿6﴾ وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى ﴿7﴾ [الضحى 6 , 7] وأمثال ذلك فالموجود هو الذي يجده الواجد فنسبة الموجود إلى الواجد كنسبة المعلوم إلى العلم والمذكور إلى الذكر والمحس أو المحسوس إلى الحس والمشهود إلى الشهود والمرئي إلى الرؤية وهذا الاسم إنما يستحقه من يكون موجودًا لواجد يجده لكن هم في مثل هذا قد يقولون مشهود ومرئي وموجود ونحو ذلك لما يكون بحيث يشهده الشاهد ويراه
الرائي ويجده الواجد وإن تكلموا بذلك في الوقت الذي لا يكون فيه يشهده ويراه ويجده غيره وقد لا يقولون هذا إلا في الوقت الذي يشهده الشاهد ويراه الرائي ويجده الواجد وكثيرًا ما يقصدون به المعنى الأول فيطلقون الموجود على ما هو كائن ثابت لكونه بحيث يجده الواجد وكذلك لفظ الوجود يريدون به تارة المصدر الذي هو الأصل فيها ويريدون به تارة المفعول أي الموجود كما في لفظ الخلق ونحوه وكذلك لفظ الفعل فإنهم يقولون وُجد هذا وهذا صيغة فعل مبني للمفعول فقد يريدون بذلك أنه وجده واجد وقد يريدون بذلك أنه كان وحصل حتى صار بحيث يجده الواجد ثم لما صار هذا المعنى هو الغالب في قصدهم صار لفظ الموجود عندهم والوجود يراد به الثبوت والكون والحصول من غير أن يستشعروا فيه وجود واجد له لا بالفعل ولا بالاستحقاق فهذه ثلاث معان لكن عزوف هذا المعنى عن الذهن إنما كان لما لم يقصد الناطق إلا نفس الكون والثبوت وغن كان المعنى الآخر لازمًا له وحينئذ فنقول اتفاق الناس على استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى دليل على تلازمهما فكما أن كل ماوجده واجد فله
حصول في نفسه فكما له حصول في نفسه فإنه بحيث يجده الواجد ولا يجوز أن يسمى بالموجود ما يكون حيث لا يجده الواجد لأن هذا سلب لمعنى اللفظ الذي به صح إطلاقه على هذا المسمى كما أن اسم الحي والعالم والقادر لما أطلقوه على المسمى باعتبار كونه عالمًا وحيًّا وقادرًا لم يجز أن تخرج هذه المعاني من هذه الأسماء ولهذا كثيرًا ممن أطلق هذا الاسم على الله تعالى لا يريد به إلا ما فيه من معنى الإضافة مثل قول الداعي يامقصود ياموجود وقول المذكر والداعي يا من يجيب من قصده ومن طلب الله صادقًا وجده وعلى هذا دل قوله حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ [النور 39] فإنما دل على هذا المعنى بلفظ الفعل الماضي وهو قوله وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ لكنه عدّاه إلى مفعولين وإذا كان كذلك علم أنه يجب أن يكون بحيث يجده القاصد والطالب ويجده الواجدون وهذا بعينه هو انه بحيث يحسونه فإن وجود الشيء وإحساسه متلازمان بل هو هو ولا يستعمل لفظ موجوده ووجدته فيما لا يحس ولا يمكن الإحساس به البتة وهذا معنى احتجاج المثبتة بهذا كما قال القاضي أبو يعلى حيث قال في قوله الآخر أثبت الجهة بعد أن كان
ينفيها ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية يقولون ليس هو في جهة ولا خارجًا منها وقائل هذا بمثابة من قال إثبات موجود مع وجود غيره ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده قال ولأن العوام لايفرقون بين قول القائل طلبته فلم أجده في موضع ما وبين قوله طلبته فإذا هو معدوم فبينوا أن المستقر في فطر الناس أن قولهم طلبته فلم أجده في موضع ما هو يدل على أنهم لم يحسوه في أين من الأيون هذا بمنزلة قولهم فإذا هو معدوم لأن ضد المعدوم هو ما يكون حيث يجده الواجد
وقولنا بحيث يجده الواجد هو إشارة إلى الأين الذي يوجد فيه فما لا أين له ولا حيث يمتنع أن يجده الواجد وما امتنع أن يجده الواجد لم يكن موجودًا بل كان معدومًا كما بين أن نفي الأين والحيث ونحوهما من الظروف من جميع الوجوه كنفي المقارنة بالقبل والبعد والمع ومعلوم أن هذا لاينطبق إلا على المعدوم فكذلك الآخر والذي يحقق هذا أنك لست تجد أحدًا من أهل الفطر السليمة مع ذكائه وفطنته وجودة تصوره إلا إذا بينت له حقيقة قول السالبة قال هذا لا شيء ولهذا كثر كلام الناس فيهم بالخبر عنهم بأنهم معطلون وأنهم أعدموه وأمثال ذلك وقد استقرأت أنا في طوائف من الآدميين فوجدت فطرهم كلهم على هذا الوجه الثالث أن يقولوا نحن نعلم بالضرورة العقلية أن الموجود إما أن يكون موصوفًا وإما أن يكون صفة أو نعلم أن القائم بنفسه لا يكون إلا موصوفًا وهذا متفق عليه بين
الصفاتية ومن نازع في ذلك قيل له أنت توافقنا على ما هو معلوم بالفطرة من أن الموجود القائم بنفسه لا بد أن يوصف أي يخبر عنه بما هو مختص به متميز به عن غيره إذ الموجود في الخارج لا يكون مرسلاً مطلقًا لا يتميز بشيء بل فساد هذا معلوم بالضرورة باتفاق العقلاء المتفقين على أن الكلي لا يكون في الخارج كليًّا مطلقًا بل لا يكون إلا مخصوصًا معينًا وإذا كان كذلك فلا يُعنى بالموصوف إلا ما يوصف سواء قيل إن الصفة ذاتية أو معنوية كقولنا
الموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وكذلك نعلم أن الموجود إما جسم وإما عرض وغما متحيز وإما قائم بمتحيز وحي وقادر ونحو ذلك وبمثل ما علمنا هذا نعلم أن الموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره لمن كان يفهم معاني هذه العبارات الاصطلاحية فإن من فهم هذا وهذا وهذا وتصوره تصورًا تامًّا حصل له حينئذ العلم البديهي الضروري الفطري فإن العلم البديهي يعنون به ما كان تصور طرفيه كافيًا في التصديق به فعدم التصديق به كثيرًا ما يكون لعدم التصور
الصحيح للطرفين وهذه العبارات المجملة قد لايتصور أكثر الناس مراد أهل الاصطلاح بها فإذا تصوروا معناه ومعنى الموصوف والقائم بنفسه كان علمهم بهذا كعلمهم بهذا كل ذلك فطري ولذلك اتفق على ذلك محققو المثبتة ومحققو النفاة أما النفاة العقلاء من المتفلسفة والقرامطة وأهل الوحدة وأمثال هؤلاء فقد علموا أنهم مضطرون إلى أن يقولوا هو الوجود المطلق وهو لا يتعين ولا يتخصص ولا كذا ولا كذا لعلمهم بأنه متى كانت له حقيقة معينة في الخارج وخاصة تتميز بها لزم أن يكون جسمًا متحيزًا داخل العالم أو خارجه وهم قد يسلمون نفي ذلك فصاروا دائرين بين المعنى الذي سموه تجسيمًا وبين هذا النفي والتعطيل فذهبوا إلى هذا لكنهم ظنوا إمكان وجود ما أثبتوه في الخارج وجميع العقلاء
يعلمون بالفطرة الضرورية استحالة وجود مطلق في الخارج ويعلمون أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الأذهان لا في الأعيان وهؤلاء أيضًا يعلمون ذلك إذا تدبروه ورجعوا إلى ما معهم من العلوم الفطرية الصحيحة العقلية ولهذا لما خاطبت بهذا غير واحد من أفاضل أهل الوحدة الكبار وثبت هذا لهم تبين الأمر وعلموا من أين دخل الداخل على من كانوا عندهم أئمة العالم في التحقيق والعرفان ومن كان حاذقًا في هذه الأمور منهم يقول ثبت عندنا في الكشف ما يناقض صرائح العقول ولذلك عبر هذا بالكشف والذوق والمشاهدة وهذا لايحصل إلا بالرياضة والمجاهدة
والخلوة ونحو ذلك من الطرق العبادية الزهدية الصوفية وقلت لبعض أكابرهم لما خاطبني في هذا وكان مهتما في ذلك وطلب مني ألا أخاطبه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وقال أنا لا أقول إنها خبر والخبر محتمل لكن أمور أخرى وكنت علمت من حاله ما علمت معه ضعف تلك الأدلة في نفسه وكان مخاطبته بالأمور العقلية أيسر عليه وأبين له وإن كان ذلك ما يثبته كتاب الله تعالى الذي ضرب للناس فيه من كل مثل وجعله حاكمًا بين الناس فيما اختلفوا فيه وأمر المؤمنين عند التنازع فِي ظُلُمَاتٍ ولَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ ﴿8﴾ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ ﴿9﴾ وقال فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴿46﴾ [الحج 46] كما قال تعالى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج 46] ونحو ذلك مما يبين أن القول المختلف باطل وذم من لايعقل مثل ذلك ويعمى عن الحق المعقول فقلت له لا نزاع في أنه قد
يحصل من العلم بالكشف والمشاهدة ما لا يحصل بمجرد العقل سواء كان للأنبياء فقط أو للأنبياء والأولياء أو لهم ولغيرهم لكن يجب الفرق بين مايقصر العقل عن دركه وما يعلم العقل استحالته بين ما لا يعلم العقل ثبوته وبين ما يعلم العقل انتفاءه بين محارات العقول ومحالات العقول فإن الرسل صلوات الله عليهم وسلامه قد يخبرون بمحارات العقول وهو ماتعجز العقول عن معرفته ولا يخبرون بمحالات العقول وهو ما يعلم العقل استحالته قلت وهذا بين واضح فلو قال قائل إنه يعلم بالكشف والذوق والمشاهدة أو بالأخبار عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو غير ذلك أن الواحد ليس نصف الاثنين وأن الواجب لذاته يكون ممتنعًا لذاته وأن المخلوق يماثل الخالق في الحقيقة وأن الوجود كله ممكن الوجود ليس في الوجود وجود واجب ولا وجود قديم ونحو ذلك من القضايا التي يعلم العقل وجوبها وامتناعها وإمكانها فمن ادعى أنه يعلم بالكشف والبصر أو بالسماع والخبر عن الأنبياء عليهم السلام ما ينافي هذا كانت هذه الدعوى باطلة
فلما بينت له ذلك اعترف بهذا الأصل وبه يتبين زيف هؤلاء فلما تقرر هذا بينت له أن العقل الصريح يمنع أن يكون في الخارج وجود كلي مطلق بشرط الإطلاق وأن الكليات بشرط إطلاقها أو عمومها إنما وجودها في الأذهان لا في الخارج وكان عارفًا بهذه العلوم وبينت له ما تستلزم أقوالهم من الجموع الكثيرة بين المتناقضات التي هي معلوم استحالتها ببدائه العقول وما كان كذلك فإذا ادعى المدعي أنه عرفه كشفًا وشهودًا وذوقًا علم أنه خيالات فاسدة وأذواق فاسدة وذلك أنه لا بد من أحد أمرين إما أن يكون قد شهد ما وجوده في الأذهان فاعتقد وجوده في الأعيان كما يقع لكثير من الناس ومعلوم أن شهود الشيء غير العلم بكونه في النفس أو الخارج وهؤلاء قد يحصل لهم مجرد الشهود من غير تمييز بين الموجود في النفس أو الخارج وكثيرًا ما يضلهم الشيطان بتخيلات لا حقيقة لها في الخارج وإما أن يكون قد شهد ما وجوده في الخارج فظن انه الخالق وغنما هو مخلوق ليس هو
الخالق فكل شهود وذوق وكشف يُدّعى فيه أن المشهود بالقلب هو الله وذلك مما يناقض المعلوم بصريح العقل ويخالف الكتاب والسنة والإجماع فإنه يكون المشهود به إما في الذهن وإما في الخارج ولكن ليس هو الله ولا هو ما يقال ذاته هو وجوده وبسط الكلام في هذا له موضع آخر فإن المؤسس وأمثاله وإن كانوا هم وهؤلاء يشتركون في إنكار الأصل وهو إنكار حقيقة وجود الله ومباينته لخلقه الذي يستلزم إنكاره هذه المقالات المتناقضة وفي الإقرار بثبوت ما يخالف ذلك من الأمور الممتنعة لكن هو وأمثاله
لا يقولون بهذا ويسلمون أنه ليس وجودًا مطلقًا بل له حقيقة تختص به يمتاز بها عمّن سواه ولكن المقصود بيان أنه هو وأمثاله كما يعلمون بصريح العقل بطلان قول هؤلاء النفاة فالمثبتة يعلمون بصريح العقل امتناع أن يكون موجودًا معينًا مخصوصًا قائمًا بنفسه ويكون مع ذلك لا داخل العالم ولا خارجه وأنه في اصطلاحهم لا جسم ولا عرض ولا جسم ولا متحيز كما يعلمون انه يمتنع أن يقال إنه لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره فإنك إذا استفسرتهم عن معنى التحيز ومعنى الجسم فسروه بما يعلم أنه الموصوف بأنه القائم بنفسه ولهذا لا يعقل احد ما هو قائم بنفسه إلا مايقولون هو متحيز وجسم فدعوى المدعين وجود موجود ليس بمتحيز ولا جسم ولا قائم بمتحيز أو جسم مثل دعواهم وجود موجود ليس قائمًا بنفسه ولا قائمًا بغيره وهذا يتبين بالوجه الرابع وهو أن يقال هم لا ينازعون أن الموجود إما قائم بنفسه وإن نازعوا في وصف غيره بأنه قائم بنفسه
لتنازعهم في أن القائم بنفسه هل يراد به الموجد المستغني عن المحل أو المستغني عن المحل والمخصص والمكان وغير ذلك لكن المقصود هنا أنه لا يعقل ما هو قائم بنفسه بمعنى أنه غير حال في محل إلا ما هو مختص بما يقولون إنه جهة وإن كان حقيقته أمرًا عدميًّا وما تصح عليه المحاذاة على اصطلاحهم وما هو في اصطلاحهم جسم ومتحيز وهو المعلوم في صرائح العقول ومن قيل له هل تعقل شيئًا قائمًا بنفسه ليس في محل وهو مع هذا ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ومع هذا أنه لا يجوز أن يكون فوق غيره ولا تحته ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا أمامه ولا وراءه وأنه لا يكون مجامعًا له ولا مفارقًا له ولا قريبًا منه ولا بعيدًا عنه ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه ولا مماسًا له ولا محايثًا له وأنه لايشار إليه بأنه هنا أو هناك ولا يشار إلى شيء منه دون شيء ونحو ذلك من الأوصاف السلبية التي يجب أن يوصف بها ما يقال إنه ليس بجسم ولا متحيز لقال حاكمًا بصريح عقله هذه صفة المعدوم لا الموجود كما سمعنا ورأينا أنه يقول ذلك عامة من يذكر له ذلك من أهل العقول الصحيحة الذكية وكما يجده العاقل في نفسه إذا تأمل هذا القول
وأعرض عما تلقنه من الاعتقادات السلبية وما اعتقده من يعظمها ويعظم قائلها واعتقاده أنهم حرروا هذه المعقولات فإن هذه العقائد التقليدية هي التي تصد القلوب عما فطرت عليه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ثم إن هذه المقالات السلبية لم يقل شيئًا منها إمام من أئمة المسلمين ولا نطق بها كتاب ولا سنة والطوائف المتكلمون قد أنكرها من حذاقهم من لا يحصيه إلا الله فإن قيل الاستغناء عن المحل وصف سلبي فإذا كان القيام بالنفس وصفًا سلبيًّا لم يدل على معنى ثبوتي وهو كونه
متحيزًا أو مجسمًا قال له منازعه أولاً هذا منقوض بوصف الأجسام والجواهر بأنها قائمة بنفسها غنية عن المحل فإن هذا السلب يستلزم هذا الثبوت وقالوا ثانيًا نحن لم نجعل نفي السلب هو الثبوت وإنما قلنا الشيء الموجود المحكوم عليه المخبر عنه بهذا السلب هو الذي يعلم القلوب أنه محكوم عليه مخبر عنه بهذا الثبوت ونعلم أنه لا يكون هذا السلب عن أمر موجود إلا مع هذا الثبوت وقالوا ثالثًا المستلزم لهذا الثبوت هو الأمر الوجودي المسلوب عنه المحل فهذا الأمر الوجودي هو الذي سموه المتحيز والجسم وقالوا رابعًا وهو الوجه الخامس إن القائم بنفسه لا يقوم بالقائم بنفسه ولا يكونان في حيز واحد بل كل منهما يمتنع أن يكون بحيث يكون هو الآخر وهذا معنى قول المتكلمين إن الأجسام لا تتداخل ولما ذكروا عن النظام أنها تتداخل
قالوا هذا قريب من جحد الضرورة ومن قال تتداخل لم يرد المعنى الذي يعلم بالضرورة بطلانه ولكن النظام جعل أعراض الجسم غير الحركة أجسامًا كاللون والطعن والريح وهذه متداخلة في محل واحد وهذا لا نزاع فيه وإنما النزاع في تسميته أجسامًا فأما الجسم القائم بنفسه فلم يقل أحد إنه يداخل مثله بل إذا تحلل في تضاعيف غيره زاد ذلك الغير في نفس حجمه وإذا كان القائمان بأنفسهما لا يكون أحدهما بحيث الآخر وإن كان القيام بالنفس عبارة عن عدم المحل فمعلوم أن كل واحد منهما له حيث يخصه وهو حيزه أو له قدر يخصه وجسم يخصه ونحو ذلك من العبارات وذلك مانع من المحايثة والمداخلة وإلا فإذا قدر أن كل من الصفتين عدمي فالأمور العدمية لا تكون مانعة من الأمور الوجودية والمتكلمون قد ذكروا تعليل منع كون الجسم بحيث الجسم الآخر فقالت المعتزلة وطائفة من
الصفاتية المانع منه التحيز والموجب لهذا الامتناع والتحيز وعلى هذا فيجب نفي الحكم لانتفاء علته فما لا يكون متحيزًا لا يكون مانعًا مما ذكرناه وقال بعضهم الموجب لذلك تضاد كونيهما وعلى هذا فما لا يكون لا يضاد غيره والأكوان إنما تكون للأجسام باتفاقهم وهو ظاهر وقال بعضهم الاستحالة والامتناع لا يعلل أي هي ثابتة للذات وعلى هذا فالمعلوم أن ذلك ثابت للذوات المتحيزة فما لا يكون متحيزًا لا تعقل فيه هذه الاستحالة وعلى كل تقدير فيجب أن يكون ما ليس بمتحيز إذا كان قائمًا بنفسه أن لا يكون مانعًا لغيره أن يداخله وهذا باطل قطعًا وإذا كانت القلوب تعلم بالضرورة أن القائم بنفسه مانع لغيره من المداخلة وهذا الحكم مختص بالمتحيز علم أنها لا تعلم قائمًا لنفسه إلا المتحيز الوجه السادس أن يقال ما علم به أن الموجود الممكن والمحدث لا يكون إلا جسمًا أو عرضًا أو لا يكون إلا جوهرًا أو جسمًا أو عرضًا أو لا يكون إلا متحيزًا أو
قائمًا بمتحيز أو لايكون إلا موصوفًا أو صفة أو لا يكون إلا قائمًا بنفسه أو بغيره يعلم به أن الموجود لا يكون إلا كذلك فإن الفطرة العقلية التي حكمت بذلك لم تفرق فيه بين موجود وموجود ولكن لما اعتقدت أن الموجود الواجب أو القديم يمتنع فيه هذا أخرجته من التقسيم لا لأن الفطرة السليمة والعقل الصريح مما يخرج ذلك ونحن لم نتكلم فيما دل على نفي ذلك عن الباري فإن هذا من باب المعارض وسنتكلم عليه وإنما المقصود هنا بيان أن ما به يعلم هذا التقسيم في الممكن والمحدث هو بعينه يعلم به التقسيم في الموجود مطلقًا والمعتزلة ومن اتبعهم الذين يخرجون القديم من هذا التقسيم مما اعتقدوه لما اعتقدوه وهذا قول طائفة من الفلاسفة لا جميعهم وكذلك ذاك قول طائفة من المتكلمين لا جميعهم وكما أن قول هؤلاء الفلاسفة لم يكن مانعًا للمتكلمين ومن وافقهم من الفلاسفة من التقسيم فكذلك قول هؤلاء المتكلمين ليس مانعًا لمن خالفوه من جماهير الناس وأهل الكلام والفلسفة من هذا التقسيم
ولهذا قال أئمة المتكلمين من الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية ومن أخذ ذلك عنهم من متكلمي الصفاتية كالأستاذ أبي المعالي إمام الحرمين وأمثاله في تقسيم الموجودات الموجود إما أن يكون له أول وإما أن يكون بلا أول والذي له أول هو الحادث وهذه قسمة بديهية مستندة إلى إثبات ونفي الحوادث إلى المحل قال وهذه القسمة أيضًا تستند إلى نفي وإثبات قال ول قيل هذه القسمة قسمة الموجودات لم يكن بعيدًا غير أن الوجود الأول لابدء له ولا نهاية لوجوده وكذلك أيضًا لا نهاية لذاته ولا نهاية لصفاته وجودًا وحكمًا فكذلك لا يتطرق إلى ذات القديم ولا إلى صفاته الأوهام ولا تجول فيه الأفكار قلت وهذا لا يمنع من التقسيم فإن وصفه بالنهاية وعدمها فيه ماهو معروف في موضعه وهو لا يريد بسلبها أن ذاته لا تتناهى إنما يريد أنها بحيث لا يقال فيها هي متناهية أو
ليست متناهية فهي عنده لا تقبل أحدًا من الوصفين كما لا تقبل الوصف بالمحايثة والمباينة والدخول والخروج ونحو ذلك والخلو عن هذين الوصفين فرع إمكان ذلك أو ثبوته فلا يجعل دليلاً على مايقتضي وجوده إذا الشيء لا يكون دليلاً على نفسه إذا كان مطلوبًا بالدليل فكيف تكون دعوى الإمكان والثبوت دليلاً على وجود الشيء قبل العلم بوجوده وأيضًا فقوله لاتتطرق إليه الأوهام ولاتجول فيه الأفكار إن أراد به لا تحيط به ولا تدركه فهذا حق وإن أراد به لا تثبته ولا تُقِرُّ به فهذا باطل وأيضًا فعدم التناهي وعدم تطرق الأوهام والأفكار لا يمنع صحة التقسيم كما إذا قلنا الموجود إما قائم بنفسه وإما قائم بغيره وإما خالق وإما مخلوق وقد قال أولاً في أقسام الموجودات تنقسم قسمين موجود لاافتتاح لوجوده وهو القديم سبحانه
وصفاته وموجود لوجود افتتاح وهو الحادث قال وهذه قسمة بديهية مستندة إلى إثبات ونفي لأن الموجود إما أن يكون له أول وإما أن لا يكون له أول فإذا كان قد أدخله في تقسيم الموجود إلى قديم ومحدث فكذلك يجب أن يدخله في قسمة الموجود إلى مستقل ومفتقر بل هذا التقسيم أبين وأوضح والعقلاء متفقون عليه فإنه لا نزاع بينهم أن الباري سبحانه هو موجود مستقل وغير مفتقر كما أنهم متفقون على أنه قديم غير محدث لكن العلم باستقلاله وقيامه بنفسه هو أولى به وأبين وأسبق في القلب من كونه قديمًا كما أن العلم بوجوده أولى به من العلم بوجوب وجوده إذ لو لم يكن مستقلاًّ بنفسه غنيًّا عن المحل امتنع أن يكون قديمًا وحده أو واجبًا بنفسه كما أنه إذا لم يكن موجودًا امتنع أن يكون واجبًا بخلاف العكس فإن ما لم يكن قديمًا وحده أو لم يكن واجبًا بنفسه لا يمتنع أن يكون مستقلاًّ أو موجودًا فصار هذا مع هذا كالذات والصفات وأيضًا فإذا كان الموجود الأزلي لا بدء له ولا نهاية لوجوده وذلك لا يمنع من دخوله في تقسيم الموجود إلى قديم
وحادث فكذلك كونه لا نهاية لذاته وصفاته إن صح ذلك لا يكون مانعًا من دخوله في التقسيم إلى مستقل ومفتقر ومما يبين ذلك أن التقسيم الأول بالنسبة إلى الدهر والزمان كالتقسيم الثاني بالنسبة إلى الحيز والمكان والقديم لا تحصره الأزمنة كالمستقل الذي لاتحويه المكنة ثم قال هؤلاء ثم المحدث الذي يستغني عن المحل هو الجوهر في اصطلاح المتكلمين والمفتقر إلى المحل هو العرض ويشتمل القسمين اسم العالم ثم إن طائفة من متكلمة المعتزلة لما أثبتوا أعراضًا لا في محل كالإرادة والكراهة والفناء اتفق سائر العقلاء على أن هذا خروج عن المعقول لكونه أثبت ما لا يقوم بنفسه لا في محل فكذلك من أثبت قائمًا بنفسه ليس مباينًا لغيره فإن علم العقل باستحالة
عرض لا في محل كعلمه باستحالة قائم بنفسه ليس بمباين لغيره أو ليس بجسم فإنه كما أن الأول فيه جمع بين المتناقضين في الحس والخيال والعقل وكذلك في الثاني جمع بين المتناقضين في الحس والخيال والعقل ثم قالوا فإن قيل هل في المقدور حدوث ما يخرج عن القسمين قلنا إنما يوصف الرب سبحانه وتعالى بالاقتدار على الممكنات فإن الذي يحصره ويضبطه الذكر حسًّا أو حكمًا على هذا الحكم قسمان أحدهما موجود وهو جِرم متحيز لو اتصل بمثله اتصل به على طريق المجاورة لا بالمداخلة والحيثية بل ينحاز أحدهما عن الآخر ويختص عنه بجهة ويصير احد جهاته ولو نظر الناظر إليهما أدركهما شيئين متجاورين لكل واحد منهما حظ من المساحة وما هذا وصفه قد يسمى قائمًا بنفسه لاستغنائه عن محل يقوم به فيكون صفة له ومعنى تحيزه شغله الحيز وانه إذا وجد في فراغ أخرجه عن كونه فراغًا وما هذا وصفه يسمى
جوهرًا وأما القسم الثاني وهو الذي لو قدر شيئان منه لايمتنع حصولهما في محل واحد وحيثٍ واحد ولا يتصور ازدحامهما فيه ومن تأمل ما ذكرنا من القسمين وأنصف علم استحالة تقدير قسم ثالث خارج عن القسمين وهذا الكلام يتناول الموجود مطلقًا ويقال فيه مطلقًا ما قاله في المحدث فإن قوله الذي يضبطه الذكر حسًّا أو حكمًا يعم ذلك في الموجود لا يفرق في ذلك بين كونه قديمًا أو محدثًا بل ضبط الذكر حسًّا أو حكمًا لهذين القسمين هو للموجود مطلقًا من غير تقييد بحدوث أو قدم ويبين ذلك أن الذكر يضبط هذين القسمين قبل علمه بانقسام الموجود إلى محدث وقديم وقبل علمه باستحالة وصف القديم بأحدهما أو بهما أو جواز ذلك عليه وبالجملة فحكم الفطرة إن كان مقبولاً في هذا التقسيم فهو مقبولاً مطلقًا وإن لم يكن مقبولاً فليس مقبولاً مطلقًا إذ الفطرة لا تفرق ولهذا كان يقول غير واحد من أفاضل زماننا من الفضلاء العالمين بالفلسفة والشريعة ما ثم إلا مذهب المثبتة أو الفلاسفة وما بينهما متناقض وثبت أن الفلاسفة أكثر
تناقضًا الوجه السابع أن ما به يعلم أنه لابد لكل موجود في الخارج من صفة وخاصة ينفصل بها ويتميز بها عما سواه يعلم به أنه لابد لكل موجود من حد ومقدار ينفصل به عما سواه إذ كل موجود فلابدله من صفة تخصه وقدر يخصه وليس المراد بالحد هنا الحد النوعي فإن ذاك هو القول الدال على المحدود وهو كلي لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه وإذا أريد بالحد نفس المحدود وحقيقته فليس في الخارج محدود كلي بشرط كونه كليًّا بل يقال حقيقة هذا تشبه حقيقة هذا فالحدود على هذا تتشابه وتتماثل إذا عني بها حقيقة الموجودات الخارجية ولا بد لكل موجود من هذه الحدود والحقائق كما ذكرنا وتقدير موجود قائم بنفسه ليس له صفة
ولا قدر هو الذي يراد بالكيفية والكمية كتقدير موجود ليس قائمًا بنفسه ولا بغيره وهو الذي يراد بالعرض والجوهر ولهذا كان السلف والأئمة يقولون إن الكيف غير معقول وغير معلوم ويقولون إن لله عز وجل حدًّا لا يعلمه إلا هو فهم دائمًا ينفون علم العباد بكيفية الرب وكيفية صفاته وبحده وحد صفاته لاينفون ثبوت ذلك في نفسه بل ينفون علمنا به يبين هذا أن الذي قاله أئمة أهل الكلام في الصفة يقال مثله في القدر قال الأستاذ أبو المعالي ذهب قدماء المعتزلة إلى أن حقيقة الإله قدمه وذلك أخص وصفه وقال بعضهم حقيقته وجوب وجوده وقال أبو هاشم
أخص وصف الإله به حال هو عليها يوجب كونه حيًّا عالمًا قادرًا قال فهذا قول مبهم لابيان له قال وأما أصحابنا فقال بعضهم حقيقته تقدسه عن مناسبة الحوادث في جهات الاتصالات وقال بعضهم حقيقته غناه وقال بعضهم حقيقته قيامه بنفسه بلا نهاية قال وهذه العبارات تشير إلى نفي الحاجة وقال الأستاذ يعني أبا إسحاق حقيقة الإله صفة تامة اقتضت له التنزه عن مناسبة الحدثان قال أبو المعالي
وهذا أيضًا فيه إبهام لأنه يلقى من صفة النفي إثباتًا قال وحكى القاضي أبو جعفر السمناني عن القاضي أبي بكر حقيقة الإله لا سبيل إلى إدراكها هذا الأوان قال وسنعود إلى هذا في كتاب الإدراكات قال وكان شيخنا أبو القاسم القشيري يقول هو الظاهر بآياته الباطن فلا سبيل إلى درك حقيقته وقال الأستاذ أبو المعالي لا شك في ثبوت وجوده سبحانه وتعالى فأما الموجود المرسل من غير اختصاص بصفة تميزه عن غيره فمحال لكن ليس يتطرق إليها
العقول ولا هي علم جهمي ولا علم مبحوث عنه إنا لا نقول إن حقيقة الإله لا يصح العلم بها فغنه سبحانه وتعالى يعلم حقيقة نفسه وليس للمقدور الممكن من مزايا العقول عندنا موقف ينتهي إليه ولا يمتنع في قضية العقل مزية لو وجدت لاقتضت العلم بحقيقة الإله قلت المقصود هنا أنه بين امتناع أن يكون وجوده مرسلاً وهو المطلق من غير اختصاص بصفة تميزه عن غيره وانه يعلم تلك الحقيقة وجوز أن يعلمها العباد وأما الذي أحال عليه في كتاب الإدراكات فإنه قال في باب الرؤية فصل قال ضرار بن عمرو إن الباري يستحيل أن يدرك بالحواس الخمس ولكن يجوز أن يخلق الله تعالى لأهل الثواب حاسة سادسة تخالف الحواس الخمس فيدركونه بها
ثم قال هذا الرجل لله عز وجل مائية لا يعلمنا في وقتنا إلا هو ثم تردد فقال مرة لايصح أن يعلم مائية الرب تعالى في الدنيا والعقبى غيره وقال مرة بل يعلمها من يدرك الرب تعالى ويراه وهو سبحانه رائي نفسه عالم بمائيته ونحن إذا رأيناه علمنا مائيته قال القاضي أبو بكر الحاسة قد تطلق والمراد بها الإدراك يقال أحس فلان الشيء إذا أدركه وقد يراد به الجارحة فإن أراد ضرار بالحاسة الجارحة والبنية المخالفة لبقية الحواس شاهدًا فقد سبق الرد على من قال الإدراك مفتقر إلى بنية وإن زعم أن الإدراك هو الذي أثبته خارج من قبيل الإدراكات إلا انه مخالف لها لمخالفة متعلقة متعلق الإدراكات فهذا صحيح ولكنه أخطأ في تسميته سادسًا وإن هو أومى فيما ذهب إليه إلى اختلاف الإدراكات فتخرج الإدراكات شاهدًا عن