بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 42-81
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الأول

صفحات 42-81
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ} [النساء: 108] يقول: بعلمه فيهم.
وقال: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) ﴾ [الشعراء: 61-62] يقول: في العون على فرعون» . قال: «فلما ظهرت الحجة على الجهمي فيما ادعى على الله أنه مع خلقه [قال: هو] في كل شيء غير مماس للشيء ولا مباين منه، فقلنا: إذا كان غير مباين أليس هو مماس؟ قال: لا.
قلنا: فكيف يكون في كل شيء غير مماس ولا مباين؟ فلم يحسن الجواب.
فقال: بلا كيف.
يخدع الجهال بهذه الكلمة وموه عليهم.
فقلت له: إذا كان يوم القيامة، أليس إنما هو الجنة والنار والعرش والهواء؟ قال: بلى.
قلنا: فأين يكون ربنا؟ قال: يكون في الآخرة في كل شيء، كما كان حيث كان في الدنيا في كل شيء.
قلنا: فإن مذهبكم أن ما كان من

الله على العرش [فهو على العرش] ، وما كان من الله في الجنة فهو في الجنة، وما كان من الله في النار فهو في النار، وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء.
فعند ذلك تبين للناس كذبهم على الله» . وسيأتي ما ذكره «أبو بكر بن فورك» عن «أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب» إمام المتكلمة الصفاتية من الأشعرية ونحوهم، مثل

قوله: «وأخرج من النظر والخبر قول من قال: لا هو في العالم ولا خارج منه، فنفاه نفيًا مستويًا، لأنه لو قيل له: صفه بالعدم، ما قدر أن يقول فيه أكثر منه، وردَّ أخبار الله نصًّا، وقال في ذلك بما لا يجوز من خبر ولا معقول، وزعم أن هذا هو التوحيد الخالص، والنفي الخالص عندهم، هو الإثبات الخالص، وهم عند أنفسهم قياسيون» . قال: «فإن قالوا: هذا إفصاح منكم بخلوّ الأماكن منه، وانفراد العرش به.
قيل: إن كنتم تعنون بخلوّ الأماكن من تدبيره، وأنه عالم بها فلا، وإن كنتم تذهبون إلى خلوه من استوائه عليها، كما استوى على العرش، فنحن لا نحتشم أن نقول: استوى الله على العرش، ونحتشم أن نقول: استوى على الأرض، واستوى على الجدار، وفي صدر البيت» .

وقال أيضًا أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، فيما حكاه عنه ابن فورك: «يقال لهم: أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا: نعم.
قيل: ما تعنون بقولكم أنه فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة.
قيل لهم: ليس عن هذا سألناكم.
وإن قالوا: المسألة خطأ.
قيل: فليس هو فوق.
فإن قالوا: نعم ليس هو فوق.
قيل لهم: وليس هو تحت.
وإن قالوا: ولا تحت.
أعدموه لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، وإن قالوا: هو تحت وهو فوق.
قيل لهم: فوق تحت وتحت فوق» . وذكر عنه أنه قال في كتاب «التوحيد» في مسألة الجهمية: «يقال لهم: إذا قلنا: الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان، فهذا محال.
فلا بد من نعم، قيل لهم: فهو لا مماس ولا مباين.
فإذا قالوا: نعم.
قيل لهم: فهو بصفة المحال من المخلوقين، الذي لا يكون ولا يثبت [إلا] في الوهم.
فإن قالوا: نعم.
قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من كل جهة، كما كان بصفة المحال من هذه الجهة.
وقيل لهم: أليس لا يقال [لما] ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين.
فإذا قالوا: نعم.
قيل: فأخبرونا عن معبودكم، مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما.
قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون: عدم، كما

تقولون الإنسان عدم، إذا وصفتموه بصفة العدم.
وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجودًا له، وكان العدم وجودًا.
كان الجهل علمًا والعجز قوة» . وبهذا احتج القاضي «أبو يعلى» في أحد قوليه، قال في كتاب «إبطال التأويل» : «فإذا ثبت أنه على العرش، والعرش في جهة، وهو على عرشه وقد منعنا في كتابنا هذا في غير موضع إطلاق الجهة عليه، والصواب جواز القول بذلك، لأن «أحمد» قد أثبت هذه الصفة، التي هي الاستواء على العرش، وأثبت أنه في السماء، وكل من أثبت هذا أثبت الجهة، وهم أصحاب «ابن كرَّام»

و «ابن منده الأصبهاني» المحدث، والدليل عليه أن العرش في جهة بلا خلاف، وقد ثبت بنص القرآن أنه مستو عليه، فاقتضى أنه في جهة، لأن كل عاقل من مسلم أو كافر إذا دعا فإنما يرفع يديه ووجهه إلى نحو السماء، وفي هذا كفاية، ولأن من نفى الجهة من المعتزلة والأشعرية، يقول: ليس هو في جهة ولا خارجًا منها، وقائل هذا بمثابة من قال بإثبات موجود مع وجود غيره، ولا يكون وجود أحدهما قبل وجود الآخر ولا بعده، ولأن العوام لا يفرقون بين قول القائل: طلبته فلم أجده في موضع ما، وبين قوله: طلبته فإذا هو معدوم.

وقد احتج ابن منده على إثبات الجهة، بأنه لما نطق القرآن بأن الله على العرش وأنه في السماء، وجاءت السنة بمثل ذلك، وبأن الجنة مسكنه، وأنه في ذلك، وهذه الأشياء أمكنة في نفسها فدل على أنه في مكان» آخر كلام القاضي.
فصل قال «الرازي» : «واعلم أنه لو ثبت كون هذه المقدمة بديهية، لم يكن الخوض في ذكر الدلائل جائزًا، لأن على تقدير أن يكون الأمر على ما قالوه، كان الشروع في الاستدلال على كون الله تعالى غير حال في العالم ولا مباين عنه بالجهة إبطالًا للضروريات، والقدح في الضروريات بالنظريات يقتضي القدح في الأصل بالفرع، وذلك يوجب تطرق الطعن إلى الأصل والفرع معًا، وهو باطل، بل يجب علينا بيان أن هذه المقدمة ليست من المقدمات البديهية، حتى يزول هذا الإشكال» . قلت: ما ذكره على التقدير حق، كما ذكره، ولهذا يوجد عامة أهل الفطر الصحيحة، ممن عرف هذا وأمثاله، من العلوم البديهية والضرورية والفطرية، إذا سمع كلام المتكلمين، وجدال المجادلين، الداعين للنظر والاستدلال، في دفع هذه الضرورة،

لم يلتفتوا إلى كلامهم، بل هم أحد رجلين؛ إما رجل عارف بحل شبههم وبيان تناقضها، وإمّا رجل معرض عن ذلك إما لعجزه عن حَلِّه، وإمَّا لاشتغاله بما هو أهم عنده من ذلك، وإمَّا حسمًا لمادة الخوض في مثل كلامهم الباطل، وهذه طريقة أهل العلم والإيمان، فيمن يجادل بالباطل، المخالف للفطرة والشرعة، وهذا هو الصواب، دون ما عليه مخالفوهم، من أنهم يخالفون الفطرة والكتاب، بأنواع من الحجج المدَّعاة، ثم يزعمون أنها قواطع مخالفة للشرع، وأنها أصل الشرع، فالقدح فيها قدح في الشرع، فإن هؤلاء بدلوا الأمر وقلبوه، كما بيناه في موضعه بخلاف من قرر العلوم الفطرية البديهية، والعلوم السمعية الشرعية، وما وافق ذلك، دون ما خالف ذلك من الحجج القياسية، وإذا كان هؤلاء قد سلكوا السبيل الحق، كما ذكره على ذلك التقدير، لمن يكره ما ذكره، دافعًا لهم، لا دافعًا للناظر في نفسه، ولا للمناظر مع غيره، فقوله: «يجب علينا أن نبين [أن] هذه المقدمة، ليست من المقدمات البديهيات حتى يزول الإشكال» ليس بقول سديد، ولا ينفعه ولاينفع غيره، سواء كان ناظرًا أو مناظرًا، لأن الناظر الذي بَدَه قلبه العلم بهذه المقدمة، واضطر إلى الإقرار بها، وقد فطر عليها، كيف يزول ذلك عنه بالنظر والجدل، وهو قد سلم أن القدح في الضروريات بالنظريات لا يجوز.
قال الحافظ أبو منصور بن الوليد البغدادي في رسالته التي كتبها إلى «الفقيه محمود الزنجاني» أن «أبا محمد الحافظ الحراني» يعني: «عبد القادر الرهاوي» أنا الحافظ

«أبو العلاء» يعني: الهَمْداني أنا «أبو جعفر» الحافظ سمعت «أبا المعالي الجويني» ، وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ﴾ [طه: 5] . وقال: كان الله ولا عرش، وجعل يتخبط في الكلام، فقلت: يا هذا قد علمنا

ما أشرت إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة، فقال: ما تريد بهذا القول، وما تعني بهذه الإشارة، فقلت: ما قال عارف قط يا رباه، إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة، يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فبينه لنا لنتخلص من الفوق، وبكيت وبكى الخلق، فضرب بكمه على السرير، وصاح بالحيرة، وخرق ما كان عليه وانخلع وصارت قيامة في المسجد، وترك ولم يجبني إلا بيا حبيبي الحيرة، والدهشة الدهشة، وسمعت بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيرني «الهمداني» . ولهذا روى عنه «أبو الفتح محمد بن علي الطبري» الفقيه قال: دخلت على الإمام «أبي المعالي الجويني» الفقيه، نعوده

في مرضه الذي مات فيه بنيسابور، فأقعد.
فقال لنا: «اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وإني أَموت على ما يموت عليه عجائز نيسابور» رواها عنه «الحسن بن العباس الرستمي الأصبهاني» مفتي أصبهان ومحدثهم، قال حدثنا «أبو الفتح» فذكرها كما ذكرها «ابن الوليد» فلما تكلم «أبو المعالي» على منبره، في نفي علو الله على

العرش، بأن الله كان قبل العرش، ولم يتجدد له بالعرش حال، قام إليه هذا الشيخ «أبوجعفر الهمداني» الحافظ، فقال: قد علمنا ما أشرت إليه، أي: دعنا من ذكر العرش، فإن العلم بذلك سمعي عقلي، ودعنا من معارضة ذلك بهذه الحجج القياسية، فهل عندك للضرورات من حيلة، أي: كيف تصنع بهذه الضرورة الموجودة في قلوبنا؟ ما قال عارف قط: يا رباه إلا قبل أن يتحرك لسانه، قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة، يقصد الفوق، فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة، فبينها نتخلص من الفوق والتحت، قال: فصاح «أبو المعالي» وضرب على السرير، وخرق ما كان عليه، ولم يجبه إلا بقوله: الحيرة الحيرة، الدهشة الدهشة، وكان يقول: حيرني الهمداني.
وذلك لأن العلم باستواء الله على العرش بعد خلق السموات والأرض، إنما علم بالسمع، أمَّا العلم بعلو الله على العالم فهو معلوم بالفطر الضرورية وعند الاضطرار في الحاجات لا يقصد القلب إلا ما يعلم كما يعلم، فقال لأبي المعالي: ما تذكره من الحجج النظرية، لا تندفع به هذه الضرورة، التي هي ضرورة في القصد، المستلزم للضرورة في العلم، فعلم أبو المعالي أن هذه معارضة صحيحة، فقال: حيرني الهمداني، لأنه عارض ما ذكره من النظر، بما بينه من الضرورة، فصرخ حائرًا، لتعارض العلم الضروري والنظري، ولأن هذه الضرورة الموجودة

الموجودة في القلوب علمًا وقصدًا، ولا يمكن أحدٌ نزعها إلا بإحالة الفطر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء؟» وأما المناظر، فإذا قال لمنازعه هذا، إن ما علمه بالضرورة والبديهة، أو هذه المقدمة بديهية أو ضرورية عندي، لم يكن له أن يناظره ببيان ما ينافي الأمر الضروري، كما ذكره، فإن غايته في ذلك أن يستدل بمقدمات، يسندها إلى مقدمات ضرورية، فلو قدر أن البديهيات تتعارض، أو تعارضت عند شخص لم يكن دفعها هذا البديهي، لهذا البديهي، بأولى من العكس، فكيف إذا كان المعارض لها

أمورًا نظرية، مستندة إلى بديهية؟ فلا ينقطع المناظر بمثل هذا، فلا ينتفع به الراد عليه، ولاينتفع به الناظر كما تقدم، ولكن إذا ادعى شخص في مقدمة أنها فطرية، فإما أن يعتقد كذبه أو يعتقد صدقه، فإن اعتقد أنه كاذب، عومل بما يعامل به مثله من الكذابين الجاحدين، على ما وردت به الشريعة، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14] . وعامة الكفار من هذا النوع، وإن اعتقد أنه صادق فيما يخبر به عن نفسه، ولكنه مخطئ، لاشتباه معنى عليه بمعنى آخر، [أ] واشتباه لفظ بلفظ، أو غير ذلك، أو لخلل وقع في إدراك حسِّه وعقله، أو لنوع هوى خالط اعتقاده، فهذا طريقه أن يبين له ما يزيل الاشتباه، حتى يتميز له أن الذي اضطر إليه من العلم ليس هو الذي نوزع فيه، بل هو غيره أو يصلح إدراكه بإزالة الهوى، [أ] والاعتقاد الفاسد، الذي جعله يظن ما ليس بضروري ضروريًّا، كما قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110) ﴾ [الأنعام: 110] وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5] وقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (155) ﴾ [النساء: 155] وقال تعالى:

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) } [الأعراف: 179] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) ﴾ [محمد: 24] وقال تعالى: ﴿إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) ﴾ [محمد: 16] وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: 44] فالمقصود أن هذا النوع من السفسطة، فإن دعوى العلم الضروري فيما ليس كذلك، بمنزلة إنكار الضروري، فيما هو ضروري، فصاحب هذا إمَّا متعمد للكذب، وإمَّا مخطئ، والخطأ في أسباب العلم: إمَّا لفوات شرط العلم، من فساد قوى الإدراك وضعفها، أو عدم التصور التام لطرفي القضية، التي يحصل العلم بالتصديق عند

تصور طرفيْها، أو لوجود مانع من الأهواء الصاد [ة] عن سبيل الله، فإذا كان كذلك فلا تحصل معرفة الحق إلا بوجود شروطه وانتفاء موانعه، وإلا فمع عدم هذين قد تنكر العلوم الضرورية، أو يجعل ما ليس بضروري ضروريًّا، والمثبتون يقولون للنفاة: أنتم في نفي هذا العلم الضروري، لا تخرجون عن هذه الأقسام، التي لا يخرج عنها مسفسط.
والنافون يقولون للمثبتة: بل أنتم المدعون للعلم الضروري مع انتفائه، والمؤسس في مقام بيان أنه ليس عند منازعيه علم ضروري بما ذكروه، وهو لا يمكنه نفي ذلك، وليس فيما ذكره ما ينفي ذلك، فظهر انقطاعه وانقطاع نظرائه معه في أوّل مقام.

فصل قال «الرازي» : «فنقول الذي يدل على أن هذه المقدمات ليست بديهية، وجوه: الأول: أن جمهور العقلاء المعتبرين، اتفقوا على أنه تعالى ليس بمتحيز، ولا مختص بشيء، من الجهات، وأنه تعالى غير حال في العالم، ولا مباين عنه في شيء من الجهات، ولو كان فساد هذه المقدمات معلومًا بالبديهة لكان إطباق أكثر العقلاء على إنكارها ممتنعًا، لأن الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز إطباقهم على إنكارالضروريات، بل نقول: الفلاسفة اتفقوا على إثبات موجودات ليست بمتحيزة، ولا حالة في المتحيزة، مثل العقول والنفوس والهيولي، بل زعموا أن الشيء الذي يشير إليه كل إنسان بقوله: أنا موجود، ليس بجسم ولا جسماني، ولم يقل أحد بأنهم في هذه الدعوى منكرون للبديهيات، بل جمع عظيم من المسلمين اختاروا مذهبهم مثل «معمر بن عباد السلمي» من المعتزلة، ومثل «محمد بن نعمان» من الرافضة، ومثل «أبي القاسم الراغب» و «أبي حامد الغزالي» من أصحابنا، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن أن يقال بأن القول بأن الله تعالى ليس بمتحيز، ولا حال في المتحيز، قول مدفوع في بداية العقول» .

قلت: الكلام على هذا من وجوه: أحدها: أن ما ذكره من المقالات بمبلغ علمه، وما عرفه من الرجال، وأقوالهم، وعامة ما عنده ما بلغه من أقوال طوائف من المتكلمين والمتفلسفة، مثل طوائف من المعتزلة والرافضة، وطوائف من متفلسفة الإسلام، وطوائف من متأخري أتباع الأشعري، ثم إنه جعل هؤلاء جمهور العقلاء المعتبرين.
وأما مقامات سائر أهل الملل من اليهود وأصنافهم والنصارى وأنواعهم فهو من أقل الناس معرفة بها، كما تدل عليه كتبه، مع أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المشركين

والصابئين، فله نوع خبرة بكثير من مقالات المشركين، الذين صنفوا على طريقتهم، في السحر وعبادة الكواكب والأصنام، وبكثير من مقالات الصابئين من المتفلسفة ونحوهم، ما ليس له من الخبرة بمقالات اليهود والنصارى، الذين هم أقرب إلى الهدى، وأبعد عن الضلال من المشركين والصابئين، ودينهم

خير من دين المشركين، والمجوس، والصابئين، باتفاق المسلمين، ومن المعلوم أن هذه المسألة هي من أعظم مسائل أصول الدين، التي يتكلم فيها عامة طوائف بني آدم، فمن لم يكن له خبرة بمقالات بني آدم، كيف يحكم على جمهور العقلاء المعتبرين؟ وهو لم يعرف من مقالات عقلاء بني آدم إلا مقالات طوائف قليلة بالنسبة إلى هؤلاء، فأمَّا أئمة الإسلام من الصحابة والتابعين وتابعيهم، فلا خبرة له ولا أمثاله بمقالاتهم في هذا الباب، كما تشهد به مصنفاته، ومصنفات أمثاله، وكذلك لا خبرة له بمقالات أئمة الفقهاء، وأئمة أهل الحديث والتصوف، وكذلك لا خبرة له بمقالات طوائف من متقدمي أهل الكلام ومتأخريهم، من المرجئة

والشيعة وغيرهم، ممن قد حكى أقوالهم طوائف «كالأشعري» وغيره، فإن كتبه تدل على أنه لم يعرف مقالات

أولئك، بل لا خبرة له أيضًا بحقائق مقالات أئمة أصحابه «كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاّب» و «كأبي العباس القلانسي» وأمثالهم، بل لا خبرة له بحقائق مقالات «الأشعري» التي ذكرها في نفس كتبه، ولهذا لا ينقل شيئًا من كلام «الأشعري» نفسه من كتبه «كالموجز» و «المقالات» و «الإبانة» و «اللمع» وغير ذلك، بل كثير من مقالات أئمة الأشعرية في هذا الباب وغيره، من مسائل الصفات، وفي مسائل القدر وغير ذلك، لم يكن يخبرهـ[ـا] كما تدل عليه مصنفاته، وهو أيضًا إنما يخبر من مقالات غير الإسلاميين، ما يخبره من مقالات الفلاسفة

المشائين ونحوهم، ممن توجد مقالته في كتب ابن سينا، وأمثاله (من الدهرية، والثنوية، والمجوس وغيرهم، أو يخبر ما يجده في كتب أبي الحسين وأبي المعالي، ونحوهما من الإسلاميين، وأما سائر مقالات الفلاسفة الأوائل والأواخر فلا يخبرهـ[ـا] وهذا تفريط) في العلم والصدق في القول، والاطلاع على أقوال أهل الأرض في مقالاتهم ودياناتهم.
فيقال له: قولك إن جمهور العقلاء اتفقوا على أنه ليس بمتحيز ولا مختص بشيء من الجهات، وأنه تعالى غير حال في العالم ولا مباين عنه في شيء من الجهات، وتصورك بذلك أنه ليس على العرش، ولا فوق العالم ليس بصحيح، إذا أراد بالعقلاء المعتبرين من يستحق هذا الاسم، وذلك أن هذا القول لا يعرف عن أحد من أنبياء الله ورسله، وهم أكمل الخلق وأفضلهم عقلًا وعلمًا، فلا يوجد في كتب الله المنزلة عليهم، ولا في شيء من الآثارة المأثورة عنهم، لا عن خاتمهم ولا عن أنبياء بني إسرائيل

ولا عن غيرهم، بل الموجود عن جميع الأنبياء ما يخالف هذا القول، وهو في ذلك إما نص وإما ظاهر، وأنت تسلم أن هذا القول لا يؤثر عن الأنبياء، وإنما يستنبط من أمور سنتكلم عليها إن شاء الله، وهذا القول أيضًا لا يؤثر عن أحد من أئمة الإسلام في القرون الفاضلة، التي أثنى عليها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» ولا قاله أحد من أئمة المسلمين، الذي لهم لسان صدق في أصناف الأمة، الذين اتخذوهم أئمة في العلم والدين، لا من أئمة العلم والمقال، ولا من مشايخ العبادة والحال، ولا هو قول عوام المؤمنين الباقين على فطرتهم، ولا يعرف هذا القول إلا عمن هو مجروح بنقص العقل والدين، معروف بكثرة

التناقض والتهافت في مقاله، ولهذا يشهدون على أنفسهم بالحيرة، ويرجعون عما يعتقدونه إلى دين العجائز، ولا يعرف فيمن قال هذا القول، إلا من يشهد عليه بتوحّشه، بأنه يجحد بعض العلوم الضرورية العقلية، وهذا موجود في مناظرة بعضهم، دع كون القائلين بمثل هذا القول، ليس فيهم إلا من له في الإسلام مقالة، نسب لأجلها إلى ردة أو نفاق، أو جهل أو تقليد، وإن كانوا قد تابوا من ذلك، وهذا القدر معروف عند أهل النظر، واعتبر ذلك بما ذكره «أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاّب» الذي هو إمام المتكلمين الصفاتية، وهو الذي سلك سبيله وائتم به «أبو الحسن الأشعري» و «أبو العباس القلانسي» ونحوهم من المتكلمة أهل الإثبات الصفاتية، وقد ذكر ذلك الأستاذ «أبو بكر بن فورك» في كتابه الذي سماه «مقالات الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن سعيد» وقد قال في كتابه بعد الخطبة التي مضمونها حمد الله على أن قام من أهل ولايته، من يبين الحق بدلائله، ويدحض شبه الباطل، ثم قال: «ثم من أجل الله قدره» يعني: أبا عبد الله العصمي، وأثنى عليه ثناءً كثيرًا «أحبَ -لما هو عليه من إظهار كلمة المحقين، ونشر أصول دين المتدينين، بالتمسك بالسنة الظاهرة، والجماعة القاهرة، يدًا

ولسانًا، وحجة وبيانًا- أن أجمع [له] ، متفرق مقالات شيخ أهل الدين، وإمام المحقين، المستنصر للحق وأهله، والمبين لحجج الله الذاب عن دين الله، بما عرفه الله سبحانه من معالم طرق دينه الحق وصراطه المستقيم، السيف المسلول على أهل الأهواء والبدع، الموفق لاتباع الحق، والمؤيد بنصرة الهدى والرشد، من فتح الله سبحانه وتعالى بفضله لأهل السنة والجماعة، بما وفقه له من البيان [لـ] طرق الإيضاح عن حجج المحقين في حقهم، واستنصروا به، وأباح لهم بما سدده فيه من مرسومه في كتبه، وجدده في تصانيفه، الكشف عن السبيل التي منها توصل إلى معرفة طرق التفصيل، ويهتدي بها إلى مقام الدلائل، بالحجج التي بها يدفع وساوس المبتدعين، وتهاويس الضالين، عن طريق الحق والدين المبين، فصار بيانه نورًا وسيفًا لأهل السنة، وخسارًا وغيظًا لأهل البدعة، عظمت منة الله على أهل السنة والحق بمكانه، وجلت نعمه لديهم بما سربلهم من تباينه، وهو «أبو محمد عبد الله بن سعيد القطان» رضي الله عنه وأثابه على عظيم ما أنعم عليه، وبه عليهم عود فضل منه، على بدء فضل، إنه القريب المجيب، وكذلك على أثر ما جمعت من متفرق مقالات شيخنا «أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» رضي الله عنه للتقريب على من يريد الوقوف على جملة مذاهبه، وأصوله وقواعده ومبانيه، وما رتب عليه كلامه مع المخالفين، من صفوف المبتدعة وفرق الضلالة، وتسهيلًا على طالبه وتيسيرًا له، ليقع له الغنية عن طلبه في متفرقات كتبه، ما يعز وجوده منها وما يشتهر ويكثر، ولم أخلط بما جمعته في ذلك مقالات غيره، من أصحابنا المتقدمين، ومشايخنا المتأخرين، طلبًا لإيراد مقالاته فقط، فإنه رضي الله عنه لكثرة مصنفاته وتوسعه في كلامه، وانبساطه في كل باب من أبواب الخلاف مع المخالفين، ومصادفة أيامه كثرة أباطيل الضالين، وشبه المبتدعين، ونصرته في الرد على كل فريق بغاية البيان، وبلوغ الإمكان، كثرت مقالاته واتسعت» قال: «ولما كان الشيخ الأول، والإمام السابق «أبو محمد عبد الله بن سعيد» رضي الله عنه، الممهد لهذه القواعد، المؤسِّس لهذه الأصول والمقاصد، بحسن بيانه، بين حجج الحق وشبه الباطل، المنبه على طرق الكلام فيه، والدال على موضع الوصل والفصل، والجمع والفرق، الفاتق لرتق الأباطيل،

والكاشف عن لبس ما حرفوا وموّهوا، فهدى الله بذلك وأرشد، ورأى حذّاق المخالفين من المبتدعة بيانه لهم واضحًا، وكلامه ظاهرًا لافحًا، فجدوا في طلب كتبه، وتصانيفه فحرفوها، وغسلوها لئلا يبين عوار بدعهم، وينكشف قبيح بواطن شبههم، فتتبعوها وبذلوا فيها الأموال، حتى اجتهدوا في التقليل منها، فعزّت وقلت، ولكن ما حفظ الله من ذلك لأهل الحق، فيه البيان الكاشف، والنور الساطع، فاكتفوا بما وجدوا في التنبيه عما فقدوا، وتتبعت عند ذلك فيما وجدت من كتبه، وما وجدت المشايخ حكوا عنه، وما انتشر من مذاهبه، فجمعت جميع ذلك ورتبته على الأبواب، ونسبت كل ذلك إلى كتبه رحمه الله، وإلى كتب أصحابنا ومشايخنا رضي الله عنهم، وأجبت في بعض الفروع المتفرعة على أصول المذهب بعده، على مجرى أصوله وقواعده المشهورة، واستوفيت في بعض الفصول كلامه فيه، فأومأت إلى نكت في الباب، تنبيهًا على طرقه في الاستدلال، والاحتجاج للحق، ليجمع إلى تعريف مذاهبه، تعريف طرقه في بعض المسائل، في اللجاج للحق،

والرد على المبطلين، خاصة في مسألة القرآن، فإنه أورد فيها كلامًا ظاهرًا جليًا، وبدأت قبل كل شيء بما حكاه شيخنا «أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري» رضي الله عنه، من جمل مذاهبه في الكتاب الذي جمع فيه مقالات أهل القبلة، وكان غرضي في ذلك أن يعلم أن طريقة مشايخنا رضي الله عنهم مقنعة في إبانة حجج دين الله الحق، وإبانة أباطيل المبتدعين، والكشف عن شبه الزائغين عن الحق، وأن قواعد دينهم وطرائقهم متساعدة غير مختلفة، وأن ليس بينهم خلاف، يبرأ بعضهم من بعض لأجله، أو يكفر أو يفسق بعضهم بعضًا، وأكثر ذلك إنما يرجع إلى تقييد مطلق، لرفع إبهام ولبس، أو إطلاق مقيد كل شبهة، ورفع تهمة، وأكثرها يؤول إلى خلاف في عبارة، وما ضر نفسه في المعنى والتحقيق، يؤول فيه إلى طريق صاحبه في التفصيل، ولم أشتغل في هذا الكتاب بإظهار وجه الجمع بين المقالات في المعنى، وإبانة أنـ[ـها] ترجع إلى اختلاف عبارات، وإطلاق بعضهم لعبارة منعها الآخرون، من غير أن يكون فيها نقض أصل، أو حلّ عقد، يوجب التضليل والبراءة، وذلك أعظم شاهد، على أنهم هم المعصومون، وأنهم هم الطائفة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تزال ظاهرة بالحق،

لا يضرهم من ناوأهم فإن الكتاب يطول بذلك وسنفرد في آخر هذا الكتاب فصلًا نفصل فيه؛ وجوه الخلاف بينها، ونبين وجه الاتفاق في القواعد والأصول، وأن الخلاف فيما اختلفوا فيه يجري المجرى الذي ذكرناه، وفيما أحكيه الآن قبل كل شيء، من كلام شيخنا «أبي الحسن» رحمه الله في كتاب مقالات أهل القبلة ما يدل على ما أقول، وأن مذهب الشيخ الإمام الأوحد «أبي محمد عبد الله بن سعيد» رضي الله عنه، هي مذاهب مشايخ أهل الحديث، وأئمتهم في الأصول والفروع المتعلقة بها، وأنه كان مؤيدًا من بين الجماعة، بمعونة خاصة من الله تعالى، في إبانة آيات الله وحججه، وإظهار دليله وتباينه، فكان بين أيديهم مرتقًى لهم، ينفي عن أهل السنة والجماعة تحريف المبتدعة، ويكشف عن تبديل الفرق المبطلة، ويوضح عن حكم التمسك بالكتاب والسنة، ومجانبة الهوى والبدعة، وأن شيخنا «علي بن إسماعيل الأشعري» إنما بنى على ما أسسه، ورتب الكلام على ما هذّبه، وفرع على ما أصّله، غير ناقض منه أصلًا،

ولا حال منه عقدًا، فوفقه الله بفضله لنشر ذلك وبسطه، وتكثيره وترتيبه، يقرب المستبعد، ويوضح المشكل، ويحصر المنتشر، حتى بلغه الله ما أراد، وتم توفيقه لما قصده، فرحمة الله عليهم أجمعين، وجعلنا بآثارهم مقتدين، ولما سنوا متبعين، وبما بنوا وقاسوا وأرشدوا إليه عاملين، وفيه مستبصرين، إنه ولي ذلك» . ثم قال: «الفصل الأول في ذكر ما حكى شيخنا «أبو الحسن» رضي الله عنه في كتاب «المقالات» من جمل مذاهب أصحاب الحديث وقواعدهم وما أبان في آخره؛ أنه يقول بجميع ذلك، وأن الشيخ «أبا محمد عبد الله بن سعيد» وأصحابه بذلك يقولون، وبأكثر منه، حتى يعلم أن الأصل في العقود واحد، تصديقًا لما قلنا، وتأييدًا لما إليه أومأنا، وشاهدًا لما ذكرنا من نص قوله وصريح بيانه، قال شيخنا «أبو الحسن» في كتاب «المقالات» بعد ذكره مقالات الإمامية

والخوارج، والمعتزلة والنجارية، في جليل الكلام، قال: «هذا حكاية قول أصحاب الحديث وأهل السنة، قال اعلموا أن جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله عز وجل»

إلى قوله: «ويجتنبون قول الزور والمعصية والفخر والكبر، والإزراء على الناس والعُجْبِ، ويرون مجانبة من يدعو إلى بدعة، والتشاغل في قراءة القرآن، وكتابة الآثار والنظر في الفقه، مع التواضع والاستكانة، وحسن الخلق، وبذل المعروف وكف الأذى، ويرون اجتناب الغيبة والنميمة والسّعاية، ويتفقدون المآكل والمشارب، ويجتنبون المحرمات والشهوات» [ثم] قال شيخنا «أبو الحسن» رحمه الله عند انتهاء حكايته ذلك عنهم: «وهذه جملة ما يؤمنون به ويستعملونه» قال بعد ذلك:

«وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نميل ونذهب وبالله توفيقنا» قال: «فحقق قواعد ذلك من ألفاظه رحمة الله عليه، أنه معتقد لهذه الأصول، التي هي أصول [أهل] الحديث وأساس توحيدهم، ومهاد دينهم، وأنه إنما سلك بما صنف إظهار حجج الله تعالى في دينه الذي وصفه وأبان خطأ المبتدعين، وإبطال أباطيلهم، ليعرف قوة الحق والسنة، وضعف الباطل والبدعة، لا أنه ابتدع من عند نفسه مقالة، لم يسبقه إليها أئمة الحديث من أهل السنة والإجماع، وإنما أطلق وقيد اللفظ في مواضع، لرفع إبهام، أو لإظهار قوَّة في حق، ولإبانة حجة، وكشف شبهة، وكذلك قصد الشيخ «أبي محمد» رضي الله عنه، وقد كان أوحد في معرفة الحديث، والعلم بالرجال، وطرق الحديث، وهو في شدة تمسكه بذلك، يرى أن متشابه الأحاديث لفظًا في التوحيد، كمتشابه آي القرآن في مثل ذلك، وأنه يحمل على الوجه الصحيح، الموافق لحكم الكتاب والسنة، ولم يكن غرضهم [إلا] الإبانة، عن حجج الله تعالى، وإظهار وجوه الدلالات منها على الحق، وكشف تأسيس

المبتدعين المبطلين، المدعين على أهل السنة الباطل والبهتان» . ثم قال ابن فورك: «فصل ثم قال شيخنا «أبو الحسن» -رحمه الله- في «المقالات» بعد حكايته جملة ما عليه أصحاب الحديث، على الألفاظ التي ذكرناها، حاكيًا عن «عبد الله بن سعيد» -رحمه الله تعالى- بالألفاظ التي نذكرها الآن، فقال -رحمه الله-: «وأما عبد الله بن كلاب -رحمه الله- وأصحابه -رضي الله عنهم- فإنهم يقولون بأكثر مما ذكرنا عن أهل السنة، ويثبتون أن الله عز وجل لم يزل متكلمًا جوادًا» وأعاد عند ذلك بعض ما جرت حكايته جملة، تحقيقًا وتأكيدًا، فقال: «وهم يقولون -يعني: عبد الله بن كلاب وأصحابه-: إن لله عَزَّ اسمه عِلمًا وقدرة، وحياة وسمعًا، وبصرًا وعظمة، وجلالًا وكبرياء، وكلامًا وإرادة، صفات لله تعالى لم يزل بها موصوفًا ولايزال بها موصوفًا، ويقولون: أسماء الله تعالى وصفاته لا يقال: هي هو كما قال بعض المعتزلة، ولا يقال: هي غيره كما قالت الجهمية، ولا يقولون: العلم هو القدرة، ولا يقولون: إنه غير القدرة،

ويزعمون أن الصفات قائمة بالله عز وجل، وأن الله تعالى لم يزل راضيًا عمن يعلم أنه يموت مؤمنًا، وساخطًا على من يعلم أنه يموت كافرًا، وكذلك قولهم في الولاية والعداوة والبغض والمحبة، وكان يقول في القدرة كما حكيناه عن أهل السنة والحديث، وكذلك قوله في أهل الكبائر، وكذلك قوله في رؤية الله تعالى بالأبصار، وكان يقول: إن الله لم يَزَلْ، ولا زمان ولا مكان قبل الخلق، وأنه على ما لم يزل عليه،

وهو مستو على عرشه كما قال عز وجل، وأنه فوق كل شيء، لا بحد ولا مماسة، أو مفارقة بعزلة وتحيز» . ثم قال «أبو بكر بن فورك» : «فصل، وهذا آخر ما حكاه شيخنا «أبو الحسن» -رحمه الله- من مقالات أصحاب الحديث، ومقالة الشيخ «أبي محمد عبد الله بن سعيد» ومقالات أصحابه، وقال: إنه بجميع ذلك يقول وإليه يذهب، وقال في الجملة: إن أصحاب عبد الله بن كلاب بأكثر من ذلك يقولون، فكشف جملة ما حكيناه، أن الأمر على ما رتبناه عند مشايخنا، وأن بعضهم يتولى بعضًا، وأن ليس بينهم خلاف، يقتضي عند واحد منهم التكفير والتضليل، وأنهم يعتقدون بأصل واحد، مهتدون بطريقة واحدة، هي ماصححه كتاب الله، وشهدت له سنة رسول الله، وعمل به السلف الصالح رضي الله عنهم، وأنهم لم يبتدعوا مقالة، ولا أحدثوا مذهبًا، لا يترتب على أصل من هذه الأصول، وهذه الجملة مفيدة في هذا الباب، التي يذكر [فيها] على التفصيل مسائل الخلاف، ويبين مراتبها، ويذكر ترتيب الكلام فيها، وأنها في الحقيقة، كما أومأنا إليه، في أنه

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل