الجزء الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
الوجه الثاني عشر أن خروج هؤلاء الجهمية عن النقيضين ومنعهم من ثبوت العلو الحقيقي والمباينة الحقيقية هو كخروج سائر إخوانهم من ملاحدة المتفلسفة والقرامطة ونحوهم عن النقيضين ومنعهم من أسمائه الحسنى فقول القائل ليس بداخل العالم ولاخارجه أو لا على العالم ولا فيه أو ليس بمباين للعالم ولا محايث له كقوله لا قائم بنفسه ولابغيره ولامقارن للعالم ولايتقدم عليه ذلك كقولهم ليس بحي ولاميت ولاعالم ولاجاهل ولا قادر ولاعاجز ولامتكلم ولا أخرس ولاسميع ولا أصم ولابصير ولا أعمى ومنعهم من أن يكون له العلو والمباينة الحقيقية كمنع أولئك من أن يكون له التقدم والأولوية الحقيقية أو يكون عالماً أو قادراً أو حيًّا والسؤلات التي يوردها هؤلاء على ثبوت علوه ومباينته كالسؤالات التي يوردها إخوانهم على ثبوت علمه وقدرته وحياته أو على ثبوت كونه عالماً قادراً حيًّا سواء بسواء وإذا كان المؤسس وغيره يعلمون أن قول الملاحدة خروج عن النقيضين فقولُه وقول موافقيه أيضاً خروج من النقيضين جميعاً وهم وإن قرروا بألفاظ النصوص مثل اسمه العلي والظاهر والكبير والمتعالي ونحو ذلك فقد جحدوا حقائقها كما أن إخوانهم الجهمية لما نفوا أن يكون عِلمٌ وقُدرةٌ وحَيَاةٌ فهم في
الحقيقة قد نفوا أن يكون حيًّا عالماً قادراً موافقةً للزنادقة الملاحدة النافين للأسماء كما قال أبو الحسن الأشعري في الإبانة وزعمت الجهمية والقدرية أن الله تعالى لاعلم له ولا قدرة ولا حياة ولاسمع ولابصر وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعَهم من ذلك خوف السيف من إظهار نفي ذلك فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لاعلم ولاقدرة لله عز وجل فقد قالوا ليس بعالم ولاقادر ووجب ذلك عليهم قال أبو الحسن وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم ليس بعالم ولاقادر ولاحي ولاسميع ولابصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت إن الله عز وجل عالمٌ قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن تثبت لله علماً وقدرة أو سمعاً أو بصراً وحقيقتهم القرمطة في السمعيات والسفسطة في
العقليات فهؤلاء بمنزلة الملاحدة من وجهين أحدهما إقرارهم بلفظٍ مع جحدهم بحقيقة معناه كما هو عادة القرامطة الباطنية في تحريف الكلم عن مواضعه وكما ذكره الأشعري عن المعتزلة وه النفاق في القرآن وهو من الإلحاد في أسماء الله وآياته والوجه الثاني السفسطة في العقليات من وجوه منها نفيُهم للنقيضين جميعاً بقولهم ليس بعالم ولاجاهل ولاحي ولا ميت ولاقادر ولاعاجز ومن تدبر هذا وتدبر قول هؤلاء في قولهم ليس فوق العالم ولابداخل العالم أو ليس بمباين للعالم ولامحايث له أو لاداخل العالم ولاخارجه عَلِم أن هذا في العقل مثل الأول بل أبلغ وأبدَهُ للعقل وهو بمنزلة قول القائل لاقائم بنفسه ولابغيره ولامع العالم ولاقبله لأن ذلك نفي للنقيضين في الصفات وهذا في الحقيقة نفي للنقيضين في الذات أو مما هو لزومه للذات ووجوبه لها أعم من وجوب تلك الصفات وأيضاً فهذان النقيضان لايُتصَوَّر أن يخلو عنهما وجود بخلاف تلك الصفات والمرجع في هذا التناقض إلى الفِطَرِ الصحيحة السليمة وكل من أنصف وعلم ما في فطر الخلق وما عليه الموجودات علم هذا يقيناً لاريب فيه ولهذا تجد عامة بني آدم
السليمي الفطرة ينفرون عن نفي هذين النقيضين أعظم من نفورهم عن نفي ذينك النقيضين إذ هو عام لكل موجود بخلاف الصفات المختصة بالكامل من الموجودات والله سبحانه وتعالى أعلم وما يعتذر به هؤلاء من أنه ليس بقابل للدخول والخروج هو من جنس ما يعتذر به القرامطة والفلاسفة من الفرق بين السلب والإيجاب وبين العدم والملكة كقولهم إنه لايقبل
هذه الصفات حتى يقال إنه يلزم من نفي أحد النقيضين إثبات الآخر وإذا كان المسلمون قد بينوا أن واجب الوجود أحق بالصفات الوجودية وبصفات الكمال من سائر الموجودات وأن مَن نفى قبوله لها ألحقه بالمعدوم والموات كان هذا جواباً للفريقين وليس هذا موضع بسط ذلك إذ المقصود هاهنا أنهم من جنس القرامطة الملاحدة في هذا المقام الوجه الثالث عشر أن هؤلاء الجهمية كما نفوا النقيضين جميعاً فإنهم يثبتون النقيضين جميعاً فإنهم يقرون بأنه موجود وبأنه حي عالم قادر ثم يقولون إنه لاعلم له ولاقدرة وهذا نفي لكونه عليماً قديراً ويقولون ليس بداخل العالم ولاخارجه ولامباين ولامحايث ولاجسم ولاجوهر ولايشار إليه ولايجوز أن يُرى ونحو ذلك وهذا نفي لوجوده وهذا بيان لقولهم هو موجود فحقيقة أقوالهم أنه موجود معدوم قائم بنفسه ليس بقائم بنفسه عالم ليس بعالم قادر ليس بقادر حي ليس بحي فقولهم يستلزم الجمع بين النقيضين من هذا الوجه وأحدهما إيمان والآخر كفر فجمعوا في قولهم بين ما يستلزم الإيمان والكفر جميعاً للإقرار بالصانع والإنكار له والنقيضان لايجتمعان ولايرتفعان وهم يجمعون بين النقيضين من هذا الوجه كما يرفعون النقيضين في الوجه الذي قبل هذا
الوجه الرابع عشر من شبههم ادعاء التماثل بين الله وخلقه أن هؤلاء الجهمية مدار جميع حججهم في هذا الباب على التمثيل بين الله تعالى وبين خلقه مثل قولهم لو كان له صفات لكان مثل سائر الموصوفين من الجسام ولو كان مرئيًّا لكان حكمه حكم سائر المرئيات ولو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الأجسام لأن الأجسام متماثلة وكل حجة مبناها على التمثيل بين الله وبين خلقه تحقيقاً أو تقديراً فإنها حجة باطلة لأن هذا منتفٍ في نفس المر والعلم وبانتفائه ضروري فإذا كانت الحجة لا تتم إلا بهذه المماثلة الباطلة كانت باطلة وهم يستعملون التمثيل في حق الله من وجوه أحدها أنهم يجعلون ما يثبتون له من الصفات التي ورد بها الشرع مثل الثابتة للمخلوق ويحكمون عليه بما يحكمون على ذلك ثم ينفون بعد ذلك فيمثلون ويعطلون الثاني أنهم يمثلونه في السلوب والأمور العدمية التي لاتستلزم صفة كمال بالمعدومات الناقصات الثالث أن ما ينفونه عنه يقدرون ثبوته له وأنه إذا ثبت له كان مساوياً لغيره وهذا أيضاً باطل
الرابع أن ما يثبتونه مثل وجوده وكونه عالماً قادراً ونحو ذلك يثبتونه على مماثلته لما يوصف بهذه الأمور الخامس أن ما أقروه من الصفات الشرعية أثبتوا فيه المماثلة فهم يثبتون المقايسة والمماثلة فيما يثبتونه بالعقل وفيما يقرونه من الشرع وفيما ينفونه من الصفات الشرعية ومن الصفات العقلية ويمثلونه أيضاً بالناقصات والمعدومات فهذا عدلهم وإشراكهم بالله من هذه الوجوه الخمسة وأما تعطيلهم فمن وجوه أيضاً أحدها نفي مضمون السماء والصفات الشرعية والثاني نفي الحقائق العقلية والثالث وصفه بالصفات العدمية التي لاتستلزم وجوداً وهذه الصفات لاتكون إلا لمعدوم الرابع جمعهم بين النقيضين وهذا هو صفة المعدوم الممتنع وأما منازعوهم فحجتُهم مبناها على قياس الأَولَى والأحرى وهذه حق في الشرع والعقل فإنهم أوجبوا عُلوَّه ومباينته ومنعوا خُلوَّّه عن النقيضين بقياس الأولى وذلك أن علوه على العالم مع أنه معلوم بالفطرة فهو ثابت أيضاً بالأقيسة العقلية البرهانية التي مبناها على الأولى والأحرى وذلك
كقولهم إن القائم بنفسه لابد أن يكون مبايناً للقائم بنفسه بالجهة وقولهم إن القائم بنفسه المباين للقائم بنفسه لاتكون مباينته له بمجرد الحقيقة والزمان بل بقدر زائد على ذلك وليس إلا الجهة وقولهم إن القائم بنفسه إما أن يكون مماساً لغيره أو مبايناً له وقولهم الموجود هو إما قائم ينفسه أو قائم بغيره وهذا متفق عليه وهو إما مباين لغيره وإما محايث له وإما داخل في غيره وإما خارج عنه وهو مباين لغيره إما بالحقيقة أو المكان أو الزمان وأمثال هذه المقاييس التي هي عندهم من البراهين العقلية التي يثبتون بهام باينته وعلوه ووجوب ذلك له وأما ما يثبتون به امتناع ما تقوله النفاة فمثل قولهم إثبات موجود لامباين لغبره ولامحايث له ممتنع في البديهة وهو إثبات موجود لا قائم بنفسه ولا قائم بغيره وكذلك قولهم لاداخل العالم ولاخارجه وعلى هذا فمن فسَّر الجوهر بالقائم بنفسه والعرض بالقائم بغيره وادعى وجود موجود ليس بجوهر ولا عرض فقد ادعى ما يعلم فساده بالبديهة ثم إنهم يقولون ما وجب للقائم ينفسه أو للموجود من وجوب المباينة لغيره الذي يقتضي عدم المحايثة وكونه فيه فاللهُ أحق به وأولى لأن الله تعالى هو القيوم الغني فهو أحق بما يستوجبه القيام والغنى ويقولون ما امتنع على الموجود من كونه غير قائم بنفسه ولاقائم بغيره ولامحايثاً ولامبايناً أو لاداخل العالم ولاخارجه فإنما امتنع المنافي
لعدمه وأن هذه صفة المعدوم وكل أمرٍ منه الوجود واختص به المعدوم فوجودُ الرب أحق بمنعه والله أحق بالتنزيه عنه من غيره من الموجودات والله سبحانه ابعد عن كل ما ينافي الوجود ويمانعه ويعارضه ويختص بالمعدوم إذ وجوده هو الوجود الواجب الذي ينافي العدم من كل وجه فتبين أن هؤلاء لما رأوا نوع كمالٍ وغنىً يجب للمخلوقات علموا أن الخالق أحق به ولما رأوا نوع عدم يمتنع على الموجودات ويتنزَّه عنه علموا أن تنزيه الخالق أحق بذلك وهو عن ذلك أبعد وهذا من أحسن النظر والاعتبار العقلي الموافق للعقل الصريح وبهذا جاء كتاب الله في غير موضع فيما ضربه من القياس والمثال كقوله سبحانه حيث نفى عن نفسه الشريك والولد في مواضع مثل قوله في سورة النحل وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [الآيات 57-60] وكقوله وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) [النحل 71] وقوله تعالى ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ
فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ [الروم 28] وكقوله تعالى وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) [الإسراء 39-42] وكقوله سبحانه فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (149) [الصافات 149] وقوله تعالى وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) [الزخرف 15-19] وقال تعالى أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) [النجم 19-22] وقال وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) [الأنعام 136] وقال وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) [يس 78-81] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) [الروم 27] وقال تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) [الأحقاف 33] وقال إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) [غافر 56-57] وليس هذا الموضع موضع استقصاء الكلام في هذا كله وإنما نبهنا على جماع ذلك وأصله
فصل وأما قول الرازي في الجواب الثاني عن حجة الامتناع وهو أن يمتنع أن يكون لا داخل العالم ولاخارجه كما يمتنع أن يكون لا مع العالم ولا متقدماً عليه لا قديماً ولا محدثاً قال وأيضاً فالعقل يأبى إثبات موجود في جهةٍ لايمكن أن يُنسب إلى موجود في جهة أخرى بأنه يساويه أو أنه أصغر منه أو أعظم منه وأنتم تمنعون أن يقال الباري مساوٍ للعرش أو أعظم منه وأنت تمنعون أن يقال الباري مساوٍ للعرش أو أعظم منه أو أصغر منه فإن التزموا ذلك لزمهم انقسام ذاته فالكلام على هذا من وجوه أحدها أن يقال له هذا من الأجوبة القياسية الإلزامية وأنت قد قرَّرت في أول نهايتك أن مثل هذا الكلام باطل لا ينفع في النظر ولا يقبل في المناظرة كما تقدم نظير ذلك غير مرة
إذ حاصله الاستدلال بخطأ المنازع في موضع على صواب المستدل في موضع آخر فمضمونه بيان تناقض المنازع فإنه يقول له كما قلت ذلك فقل هذا لازمٌ له فيقول المنازع أنا اعتقدت عدم التلازم فإن كان اعتقادي صحيحاً لم يلزم وإن لم يكن صحيحاً فقد يكون خطئي في نفس اللازم لا في إثبات الملزوم الذي تنازعنا في ثبوته وبيان ذلك هنا أن الذين قالوا هو فوق العرش وهو مع ذلك يمتنع أن يكون اكبر منه أو أصغر منه أو مساوياً له إما أن يكون العقل يأبى قولهم كما يأبى وجود موجود لاداخل العالم ولاخارجه أو لا يأباه فإن كان يأباه فهذا العلم الضروري حجة في الموضعين عليهم وعلى غيرهم ولا إجماع في ذلك بل قد تقدم بعض ما في ذلك من النزاع وإن لم يكن العقل يأبى ذلك لم يصلح معارضتهم بذلك ولم يكن هذا الكلام لازماً لهم فهذا في النظر أما في المناظرة فإنهم يقولون نحن فرَّقنا بين الموضعين لأنا نعتقد أن
الموجود الخارج عن العالم يمكن أن يكون لا أكبر ولا أصغر ولا مساوياً لأن هذه التقادير من عوارض التركيب والتقسيم وهو ليس بمركب ولامنقسم وأما كونه موجوداً لا بخارج العالم ولا داخله فهو معلوم الامتناع بالبديهة فإما أن يكون هذا الفرق صحيحاً أو باطلا فإن كان صحيحاً حصل الجواب وإن كان باطلاً فنحن نمنع الحكم في صورة الإلزام ونقول إنه أكبر من العرش وقوله يلزم انقسام ذاته فقد تقدم جوابه الوجه الثاني أن يقال أما كونه فوق العرش فهو قول سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل الإثبات للصفات كالكرامية والكُلابية والشعرية وأئمتهم وقدمائهم وعامة أئمة الفقهاء والحديث والتصوف ثم من هؤلاء من قال إنه ليس بجسم ولا يكون
مقدراً ولا له حَدّ فيمتنع أن يُقال هو أكبر أو اصغر أو مساوٍ لأن الاتصاف بقدر دون قدر من لوازم كونه في نفسه له قدر وحد فإذا لم يكن له في نفسه قدر ولا حدّ لم يَجُز أن يوصف بما يستلزم ذلك من كونه أكبر أو اصغر أو مساوياً وهذا قول الكُلابية والأشعرية وطوائف من أهل الفقه والحديث والتصوف فإما أن يكون قول هؤلاء حقًّا أو باطلاً فإن كان حقًّا اندفع الإلزام وإن كان باطلاً لزم بطلان إحدى مقالتيه لا بعينها إما مقالته التي وافقكم عليها وهي نفي الجسم المستلزم لنفي الحد والقدر وإما في مقالته التي وافق عليها أهل الإثبات وهو كونه فوق العرش خارج العالم فإذا كان خطؤه إنما يستلزم بطلان إحدى المقالتين لا بعينها لم يكن لكم أن تجعلوا المقالة الباطلة هي القول الذي نخالفكم فيه دون الذي نوافقكم عليه إلا بحجة وأن لم تذكر هنا حجة توجب ذلك بل جعلت ما يلزمهم بموافقتكم معارضة محضة وقد تقدم الكلام على ما ذكروه في نفي الانقسام الوجه الثالث أن الذي خالفكم فيه هؤلاء قد تقدم قول المحتج فيه أنه معلوم بالاضطرار والبديهة فإن البديهة تنكر وجود موجود لا داخل العالم ولاخارجه كما تنكر وجود موجود لا قائم بنفسه ولا بغيره ولا مع العالم ولا قبله ولا قديم ولا محدث والقول الذي وافقكم عليه من نفي الحد
والقدر وملازم ذلك لم يذكر أحد أنه معلوم بالضرورة أو البديهة أكثر ما يقال أنه ثابت بالقياس العقلي وأنت قد ذكرت أن المعلوم بالضرورة ثبوت ذلك بتقدير ثبوت الأول وإذا كان كذلك لنم يصح أن تقدح في قولهم الذي يقولون إنه معلوم بالضرورة بقولهم الذي يقولون إنه معلوم بالنظر لأن القدح في الضرورة بالنظر باطل كما تقدم بل إذا كان ما ألزمتهم لازماً ضروريًّا وقد ادعوا أن الملزوم ضروري كان كلاهما ضروريًّا فلا يقدح فيه النظري بحال إذ الضروري أصل النظري فالقدح في الضروري بالنظري يستلزم القدح فيهما الوجه الرابع إذا أنهم خالفوا موجب العقل في هذا الموضع لم يكن ذلك عذراً لهم في مخالفته في موضع آخر بل يكون ذلك زيادة في ضلالهم والإنسان لايسوغ له في عقل ولا دين أن ينتقل عن ضلال قليل إلى ضلال كثير بل بقاؤه على قليلِ ضلال خير من الانتقال إلى كثيره وإنما هذا بمنزلة شخص احتج على شخص في مسألة بنص أو إجماع فقال أنا وأنت قد خالفنا النص والإجماع في نظير هذه المسألة فنخالفه فيها ومعلوم أن هذا كلام فاسد أو رجل طلب من يشهد له بالزور في قضية أخرى لأنه شهد له بالزور في قضية أو أن يفعل محرماً
ل أنه فعل محرماً آخر وأمثال ذلك من الإلزامات الباطلة وإن كان ذلك إذا وقع كان جزءاً للموافقة على الباطل أولاً الوجه الخامس أنه ليس إنكار العقل لوجود موجود فوق العالم لايوصف بكونه أكبر منه أو أصغر مثل إنكاره لوجود موجود لايكون داخل العالم ولا خارجه فإن هذا الثاني مثل إنكار لوجود موجود لا قائم بنفسه ولابغيره ولامباين لغيره ولامحايث له وذلك إنكار للمساواة وعدمها والمساواة وعدمها من عوارض المقدار والمباينة وعدمها من عوارض نفس الحقيقة ومعرفة الفطرة بنفس الموجودات قبل معرفتها بأقدارها وأيضاً فإنهم مفطورون على الإقرار بأن ربهم فوق السموات وإنكار هذا إنكار للعلم الضروري الفطري الذي فُطِر عليه بنو آدم وأما كونه مساوياً أو غير مساوٍ فليس هو في فطرتهم مثل ذلك وإذا لم يكن إنكار العقل لهذا كإنكار العقل لهذا لم يكن المنازع في الأدنى كالمنازع في الأعلى ولم يَجُز إلزام المقر بالأعلى أن يقر بالأدنى لكونه مثله الوجه السادس أن يقال ما ذكرته من كون العقل يوجب
أن يكون مساوياً أو زائداً أو ناقصاً يوجب عليهم وعليك الإقرار به إذا كان مبايناً للعالم فكيف إذا كانت مباينته ضرورية وإلا فالجواب عنه بجواب سديد وأنت لم تجب عنه بجواب سديد بل قلت ذلك يستلزم انقسام ذاته وهذا قد تقدم الجواب عنه بما في لفظ الانقسام من الاشتراك وأن الانقسام المعروف غير لازم بالاتفاق وأمّا ما سميته أنت انقساماً فقد تقدم أنه لازمٌ لكل موجود وأنه لامحذور فيه وإن كان كذلك كان العقل مطابقاً لما دل عليه بالنص والإجماع من أن الله سبحانه وتعالى أكبر من كل شيء وأعلم من كل شيء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعديّ بن حاتم يا عدي ما يُفِركَ أيُفِرُّكَ أن يقال لا إله إلا الله فهل تعلم من إله إلا الله يا عدي ما يُقِرُّكَ أن يقال الله أكبر فهل تعلم شيئاً أكبر من الله رواه احمد والترمذي وقد تقدم
حديث أبي رزين العقيلي المشهور في سنن أبي داود وابن ماجة قلت يارسول الله أَكُلُّنا يرى ربه مخلياً به يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين ألي كلكم يرى القمر ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال فإنما هو من خلق الله فالله أعظم
وقال ابن عباس أو عكرمة لمن سأله عن قوله تعالى لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ألست ترى السماء قال بلى قال أفكلها ترى قال لا قال قال فالله أعظم الوجه السابع أن يقال العلم بنفي الانقسام على الوجه الذي ادعيته يخالفك فيه أكثر العقلاء ومثبتوه واختلفوا في طرق إثباته ولم يتفقوا على طريق واحد بل كل منهم أبطل طريق صاحبه ومنازعوهم أبطلوا طرقهم ولاخلاف أنها نظرية دقيقة خفية وأما العلم بالمباينة ولوازمها فهو ضروري فطري فإذا نفيت ما زعمته من الانقسام على هذه الطريق ونفيت لوازمه
المعلومة بالفطرة والضرورة وباقيه واضح من تلك الأقيسة ومنازعوك وأثبتوا ما يُعلَم بالفطرة والضرورة والأقيسة الواضحة وشاهده الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة كان معلوماً عند كل عاقل لأن ما فعلوه هو الحق دون ما فعلته
فصل ثم ذكر الرازي في نهايته الحجة الثالثة لمثبتي الجهة وهي الاستدلال برفع الأيدي في الدعاء وقد تقدم ذكرها ثم قال ورابعها التمسُّك بظاهر الآيات كقوله تعالى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)، يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وقوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وقوله تعالى تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ وقوله تعالى وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ قال ومما تمسكوا به على اختصاصه بجهة فوق خاصة بعد أن بينوا كونه في الجهة هو أن فوق اشرفُ الجهات فيجب أن يكون مختصاً به
قال والجواب عما تمسكوا به رابعاً أنا نعارضهم بقوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وبقوله تعالى مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا وبقوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) وبقوله إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) قال وأما التفصيل في تأويل كل واحدة من الآيات فقد صنفوا فيه كتباً فلا حاجة بنا إلى ذكره قلت والكلام على ما ذكره من وجوه أحدها أن الذي ذكره لايصلح أن يكون معارضاً وإنما يعارض بمثل ذلك من لايعلم حقيقة المعارضة وذلك أن المعارضة نوعان معارضة في الحكم ومعارضة في الدليل
فالمعارضة في الحكم نفي قول المستدل أو إثبات نقيضه بدليل آخر والمعارضة في الدليل بيان انتقاضه أو انتقاض مقدمة من مقدماته ويقال هذا معارضة في مقدمة الدليل وما ذكره ليس بمعارضة في الحكم ولامعارضة في الدليل وذلك أن المعارضة في الحكم المعارض به هو الذي يدل على نقيض قول المستدل أو على مثل قول المعارض فإنه إذا ثبت قول المعترض نفى قول منازعه الذي يناقضه ومتى نفى قول المستدل حصل مقصود المعترض وذلك يستلزم صحة قوله الذي يناقضه وهذه الآيات لاينازع هذا المؤسس وموافقوه أنها لاتنفي أن يكون الله فوق العرش ولا هي أيضاً دالة عندهم على أن الله بذاته في كل مكان حتى يقال يلزم من ذلك نفي كونه فوق العرش بل المنازع وذووه لايستريبون أنها لا تدل على شيء من ذلك ومن ادَّعى دلالتها على أن الله تعالى بذاته في كل مكان فهو مبطل سواء قيل إن ظاهرها يقتضي ذلك أو لايقتضيه فإن أكثر ما يقال إن ظاهرها يقتضي أنه في كل مكان لكنْ المؤسسُ وموافقوه
لاينازعون لأولئك في أنها لاتدل على ذلك ولم يُرد بها ذلك وأنه لايجوز أن يستدل بها على ذلك وإذا كانوا متفقين على عدم جواز الاستدلال بها على أن الله في كل مكان وعلى أن ذلك لم يُرد بها ولم تدل عليه لم تكن منافية ومعارضة لما استدل عليه به المثبتون بتلك الآيات وإذا لم تكن معارضة لها لم تكن المعارضة بها معارضة صحيحة وهذا بيِّنٌ لما يقابله فإن الاتفاق إذا حصل من الخصمين على أن قوله تعالى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] وعلى أنها لم تدل على أن ذات الله في الأرض بل معناها أنه إلهُ مَن في السماء ومن في الأرض ونحو ذلك كانت الآيات الدالة على أنه الله فوق وأنه فوق العرش لا تعارضها هذه الآيات فإن كونه فوق العرش لايعارضه كونه معبوداً في السماء والأرض وكونه مع الخلق بعلمه وقدرته ونحو ذلك بل الذين يقولون ليس هو فوق العرش يوافقون المثبتة على أن معنى هذه الآيات فتعيَّن التأويل لهما أو لأحدهما ويجعل هذا معارضة في الدليل لا في الحكم أي أن التمسك بالظاهر يقتضي الجمع بين هذا وهذا وذلك ممتنع فتكون دلالة الإثبات منتقضة وهذه المعارضة باطلة فإن الأدلة على أنه مباين للعالم فوق العرش نصوصٌ كثيرة قطعية يعلم بالضرورة
مضمونها ويعلم ذلك أيضاً بأدلة كثيرة ويعلم بالسنة المتواترة ويعلم بإجماع سلف الأمة وأئمتها ثم إنه موافق للفطرة الضرورية والبراهين العقلية وأما ما يظن أنه يدل على أنه في العالم فيقال أولاً لا نسلِّم أن شيئاً من الآيات ظاهر ة في ذلك ولو سلم ظهوره فمعه قرائن لفظية تبين المراد به فلا يكون ذلك مراداً ومع القرائن اللفظية لايبقى ظاهراً في المحايثة ثم إنه قد ثبت تفسيره باتفاق سلف الأمة بما ينفي المحايثة ويُعلم بالحس والعقل ضرورة ونظراً انتفاءُ ما يتوهم فيه من المحايثة ومع ذلك من ظن أنه دالٌ على المحايثة يكون ضالاً من جهة نفسه لا من جهة الآيات ثم يقال ليس هذا معارضة في الدليل بأن تكون قدحاً من آيات تدل على أنه فوق مثل هذه الآيات ولم يُرد بها أنه فوق فيبقى اللفظ محتملاً للتعيين ونقض دلالاته وأما ما يدل على نفي الفوقية فهذه معارضة في الحكم حينئذٍ فيقال لهم ليس للمعترض أن يعارضه بظاهر يوافق خصمه على عدم منافاته لمذهبه وأيضاً فإذا قدر تعارضهما في الظاهر كان ذلك محوجاً إلى تأويل أحدهما فلماذا يجب تأويل
الصنفين جميعاً بل لو قال لهم القائلون إنه بذاته في كل مكان نحن نقول بنصوص المحايثة ونتأوَّل نصوص المباينة لكانوا أقرب إلى اتباع النصوص منهم ف إنه من المعلوم أن صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح الذي يسميه المتأخرون التأويلَ على خلاف الأصل وما كان على خلاف الأصل فتكثيره على خلاف الأصل فيكون مثبتو المحايثة أقل مخالفة للنصوص من نفاة المحايثة والمباينة ولهذا كان عوامهم وعبادهم إنما يفهمون من قولهم المحايثة استدلالاً يهدم الشبهات الوجه الثاني أن يقال ظاهر هذه الآيات إما أن يقتضي أنه بذاته في كل مكان أو لا يقتضي فإن اقتضى الأول وجب القول بمضمون الصنفين جميعاً فيقال إنه فوق العرش وإنه بذاته في كل مكان كما تقوله طائفة من الجهمية المجسمة وغير المجسمة كما تقدم ذكره فكان على هذا المؤسس أن يقول
بقول هؤلاء إن كانت هذه الآيات تقتضي أنه في كل مكان بذاته ويحتاج أن يجيب إخوانه هؤلاء الجهمية عن دلالة الصنفين من الآيات على مذهبهم وإن لم تكن هذه الآيات تقتضي أنه بذاته في كل مكان وهو الذي تقوله الجماعة لم يصلح لمعارضة ما دل على أنه فوق العرش فقد ظهر على التقديرين بطلان قوله وهو أنه لاداخل العالم ولاخارجه فإنه سواء كانت هذه الآيات دالة على أنه في كل مكان أو لم تكن دالة فإن القرآن يدل على بطلان قولهم إنه لا داخل العالم ولا خارجه إذ مضمون القرآن على أحد التقديرين أنه خارج العالم وعلى التقدير الآخر الذي عارض به المنازع أنه داخله والقول بمضمونها قد قاله القوم وعلى التقديرين فقولُ المؤسس باطل يقرر هذا الوجه الثالث أنه إن لم تكن هذه الآيات دالة على أنه داخل العالم فلا تصلح المعارضة بها وإن كانت دالة كان في القرآن ما يدل على أنه خارج العالم وفيه ما يدل على انه داخل ومن المعلوم أن النصوص إذا تعارضت فالواجب استعمالها جميعاً أو ترجيح أحد النصين وتأويل الآخر فأما ترك العمل بجميع النصوص فلا يقوله أحد ولا يستحلُّه مسلم فكان الواجب حينئذٍ أن نقول إنه خارج العالم وتأويل ما دل على داخله أو نقول إنه داخله ويتأول كما دل على أنه خارجه أو نقول بمجموع
النصين وهو أنه داخله وخارجه والأقوال الثلاثة قد قال بها طوائف فأما قوله وقول ذويه من أنه لاداخل العالم ولاخارجه فهو خلاف النصوص جميعاً وتركُ لاتباعِ جميع آيات القرآن ومعلوم أن هذا باطل بالضرورة من دين المسلمين ودين كل من آمن بالرسل فيكون فسادُ قوله معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام يوضِّحه الوجه الرابع وهو أن يقال لاريب أن نصوص العلو والفوقية كثيرة جدًّا في القرآن وهذه الآيات القليلة قد يزعم من يزعم أنه تدل على أنه في داخل العالم فإن كان الواجب اتباع هذا وتأويل هذا أو بالعكس أو اتباعهما جميعاً كان ذلك مما قد يقال إنه يسوغ أما إذا كان الحق خلاف ما يُعرَف ويفهم من الآيات كلها وهذا الحق وهو أنه لاداخل العالم ولاخارجه لم يدل عليه الكتاب لا نصًّا ولا ظاهراً كان الكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس قد أكثر فيه من الآيات التي لا هدى فيها بل ظاهرها الإضلال والكفر والحق الذي يجب اعتقاده لم تذكره قط فيه ومعلوم أن من تكلم كلاماً كثيراً بما يظهر منه نقيض الحق ولم يتكلم بكلام يظهر فيه الحق لم يكن هادياً إلى الحق
ولا مبيناً له ولا دالاً على الحق بل كان سكوته عما يدل على الباطل كما سكت عما يدل على الحق خيراً مما يتكلم بما يدل على الباطل ويسكت عما يدل على الحق وهذا مقتضى قول المؤسس وموافقيه وحينئذٍ يكون عدم الكتاب والرسول في هذا الباب الذي هو من أعظم أصول الدين على قولهم خيراً وأنفع للخلق من وجود الكتاب والرسول فإن الكتاب والرسول على قولهم لم يهدهم إلى الحق في ذلك ولا بيَّنه ولا سكت أيضاً عما يدل على الباطل حتى يكونوا كما كانوا عليه في الجاهلية بل تكلم بكلام كثير يدل على الباطل عندهم ومعلوم أن هذا القول كفرٌ بصريح الكتاب والرسول وكل قول يستلزم الكفر فهو من أعظم الباطل والضلال بل هو كفر وهذا لازم لهؤلاء لزوماً لا محيدَ عنه وإن كان منهم من لايهتدي إلى هذا الضلال الذي وقعوا فيه وهذا الكفر الذي لزمهم ولو اهتدى إلى ذلك لرجع عن قوله ولهذا لم يُحكم بكفر من يتكلم بنا هو كفر إن لم تقم عليه الحجة البلاغية إذ قد لا يكون عَلِمَ ما جاء به الرسول في ذلك ومن هؤلاء من قد يظن أن قوله حزبه عليه دليل من كتاب أو سنة أو أثر عن بعض السلف فإذا عرف أن هذا القول الذي يقولونه من أنه ليس فوق العرش ولا فوق العالم لم يدل عليه الكتاب ولا السنة ولا قاله أحد من سلف الأمة وأئمتها أهل القرون الثلاثة الفاضلة بل نطقوا بنقيض ذلك كما هو معروف في موضعه تبين لهم أنهم ضلال مخالفون لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المؤمنين السابقين ومن علم أن قولهم مخالف لذلك
واتبعه كَفَرَ كما كَفَّرهم السلف والأئمة الوجه الخامس أن هذه الآيات إنما يعارض بها الجهمية الذين يقولون إنه في كل مكان كما ذكر ذلك الأئمة وإن كان كثير من هؤلاء ملبِّساً كما لَبَّس هذا المؤسس لايقول بموجب الآيات ولابموجب هذه وإنما يذكر هذه ليدفع بها في الظاهر دلالة تلك الآيات وهي عنده لا تدفع دلالتها كما ذكرناه وهؤلاء الجهمية إذا قالوا إنه في كل مكان بذاته فقد لزمهم من المحاذير والمناقضات التي فروا إليه من كونه فوق العرش أكثر مما فروا منه وإذا كان كذلك لم يكن لهم حجة عقلية يحتجون بها في تأويل تلك الآيات دون هذه فيكون احتجاجهم بهذه الآيات باطلاً كاحتجاج إخوانهم فظهر فساد المعارضة بها من الطائفتين جميعاً وذلك أن المعارض بها إذا قال إنه في كل مكان بحيث يماس الجسام ويكون محدوداً بها أوقال إنه داخل العالم وخارجه وهو جسم محدود ففي هذه الأقوال من الفساد ما ليس في قول من يقول إنه فوق العرش وهو جسم كما تقدم وإذا كان كذلك لم يكن كما تقدم له القول فيما ادعاه من موجب هذه الآيات لاقتران الدليل العقلي بها دون تلك بل الأدلة العقلية على موافقة تلك الآيات أدل منها على هذه كما
تقدم بيانه وإن قال إنه في كل مكان بلا مماسة أو أنه داخل العالم وخارجه وليس بجسم أو أنه ذاهب في الجهات إلى غير غاية وليس بجسم ونحو ذلك فمن المعلوم أن هذا أبعد عن المعقول وأعظم إحالة من كونه فوق العرش وليس بجسم ومن المعلوم أيضاً أن هذه الآيات التي ذكرها لا تدل على ذلك فحينئذ لا يكون قد قال بموجب هذه الآيات ولابموجب تلك بل ترك النصين جميعاً مع مخالفته للمعقول وهذا كله يبين أن هذه الآيات لا تصلح أن يعارض بها أحد ممن يقول إن الله ليس فوق العرش الوجه السادس أن هذه الآيات ليس فيها ما يعارض تلك الآيات بوجه من الوجوه كما تقدم حكاية أقوال الأئمة وكما سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام مفصلاً إذا ذكرنا قوله مبسوطاً فإن قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] ليس ظاهرها أن ذاته في السموات والأرض فإنه لم يقل وهو في السموات وإنما قال وَهُوَ اللَّهُ فالظرف متعلق باسم الله فيكون بمنزلة قوله وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف 84] وأما آيات المَعِيَّة فنحن نعلم بالاضطرار من لغة العرب أنها لا تقتضي أن الله تعالى مختلط بالخلق ممتزج بهم
بل عامة ما استعمل فيه لفظ مع في القرآن لايدل على ذلك لا في الله تعالى ولا في حق المخلوق وإنما يدل على المقارنة والمصاحبة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أنت الصاحب في السفر وكون الشيء مقارناً لغيره أو مصاحباً له لايمنع أن يكون فوقه ولا يجب أن تكون ذاته مختلطة ممتزجة بذاته وإذا لم يكن لفظ مع في جميع القرآن يدل على الممازجة والمخالطة علم أن ذلك ليس مدلول هذه الكلمة بل كون الشيء مع الشيء على أي وجهٍ قيل لا يمنع أن يكون فوقه ولا يجب أن يكون تحته وإذا لم يكن بين الآيات تنافٍ لم تصلح المعارضة بها وأما قوله تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) فلا منافاة أيضاً بين علوه وبين قربه إن أريد بهذه الآية الله سبحانه وتعالى وأما إن أريد بها الملائكة اندفعت المعارضة من كل وجه وقد تكلمنا على قربه في جواب الأسولة المصرية
كلاماً مبسوطاً وحينئذ فلا حاجة إلى تأويل شيء من هذه الآيات الوجه السابع أنا لو فرضنا الحاجة إلى التأويل فلا ريب أنه على خلاف الأصل وما كان على خلاف الأصل فتكثيره على خلاف الأصل فإذا كان أحد القولين مستلزماً لتأويل آيات قليلة اثنتين أو ثلاث أو عشر فالقول الآخر يستلزم مع تأويل هذه أو مع ترك تأويلها تأويل نحو خمسمائة موضع لم يكن هذا القول مثل ذاك بل كان كل قول أقرب إلى تقرير النصوص خيراً من القول المقتضي تأويلها الوجه الثامن أن تلك الآيات نصوص لاتحتمل التأويل كما سنقرره إن شاء الله الوجه التاسع أن الظواهر إذا تعاضدت على مدلول واحد صار قطعيًّا كأخبار الآحاد إذا تواردت على معنى واحد صار تواتراً فإن الظنون إذا كثرت وتعاضدت صار بحيث تفيد العلم اليقيني وهذه النصوص كذلك
الوجه العاشر أن كل من تدبر هذه النصوص بلا هوى ونظر فيما جاء عن السلف في تفسيرها وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جنسها أفاده ذلك علماً ضروريًّا من أقوى العلوم الضرورية على أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بمضمونها وأن الله فوق العالم والعمل الضروري لا يندفع بالتأويلات وبسط هذه الأجوبة وغيرها له موضع آخر ثم قال الرازي والجواب عما تمسكوا به خامساً من أن الفوق أشرف الجهات فيجب أن يكون الباري مختصاً به إذ من يقول الأرض كُرَيَّةٌ يقول إن جهات الفلك كلها فوق
لأنه لو كان بعض الحيوان تحت أرجلنا ورأسه مسامِتاً لأخمصنا إذا كان قائماً لكان الفوق عنده ما سامت رأسه وإذا كانت الجهات كلها فوق فكيف قلتم إنه يجب حصوله تعالى في بعضها لأنه أشرف مما عداه ولأنا لو تصورنا أنفسنا إذا ضممنا رؤوسنا إلى جهة الأرض وكانت الأنوار في هذه الجهة وجهة فوق مظلمة لتصورنا أن الأرض هي الشريفة ولأنه لا حيِّزَ إلا ويُفرض فوقه حيز آخر فإذاً لاحيز إلا بالقياس إلى ما فوقه أسفل فوجب أن لايحصل في شيء من الجهات والكلام على هذا من وجوه9 الأول أن قولـ ـه من يقول إن الأرض كُرَيَّةٌ يقول إن جهات الفلك كلها فوق يُشعر أن الفلك جهات متعددة عند من يقول ذلك وليس الأمر كذلك باتفاق علماء المسلمين الذين يقولون الفلك مستدير وباتفاق علماء الهيئة الذين يقولون
بكُرِية الأرض واستدارة الفلك فإن العلو عندهم جهة واحدة لاجهاتٍ متعددة وليس للعالم عندهم إلا جهتان جهة السفل وهو المركز في جوف الأرض وأسفلها وجهة العلو وهي جهة السماء وهي جهة المحيط فقولُه جهات الفلك كلها فوق كلامٌ لا حقيقة له فإذًا لاجهة للفلك إلا جهة واحدة وهي جهة فوق فلا جهات هنالك عند هؤلاء الوجه الثاني أنه إذا كان الفلك عالياً من جميع جوانبه وهو في العلو والأرض هي السفلى وجوفها هو المركز وهو أسفل سافلين وليس للعالم إلا جهتان العلو والسفل كان قولُهم إن الله في العلو وفوق العرش تخصيصاً له بالجهة العالية دون السافلة وذلك تخصيص له بالجهة الشريفة فظهر بذلك شرف العالية الفوقانية على السفلى التحتانية
الوجه الثالث أن كونه فوق العالم أمرٌ يلزم كونه خارج العالم على قول هؤلاء وكل ما كلن خارج العالم كان فوقه بالضرورة إذ لايمكن أن يكون شيء خارج العالم ولا يكون فوقه إذ المحيط بالعالم هو أعلى شيء فيه من جميع النواحي وإذا كان كذلك كان كونه فوق العالم من لوازم كونه خارج العالم وكونه خارج العالم من لوازم ذاته وكونه قائماً بنفسه كما تقدم ذلك فصار كونه فوق العالم من لوازم وجود نفسه الوجه الرابع أن قوله إذا كانت الجهات كلها فوق فلما قلتم إنه يجب حصولها في بعضها لأنه أشرف مما عداه يقال له كونها كلها فوق هو وصف لها في نفسها وهيمن ذلك الوجه جهة واحدة لا جهات لايتصور أن يكون في بعضها دون بعض بل يجب أن يكون في تلك الجهة وهي الجهة العالية بالذات على العالم وأما كونها جهات ست فهو بالإضافة إلى الحيوان إذ يسمّى ما يسامت رأسه فوق وما يسامت رجليه تحت وما يحاذي بيمينه يميناً وما يحاذي شماله يساراً وما يحاذي وجهه أماماً وما يحاذي قفاه خلفاً لأنه يؤم هذا ويقصده ويخلف هذا وهذه أمور إضافية فأمام هذا يكون خلفاً لغيره وخلفاً له أيضاً إذا استدار وكذلك ما يكون يميناً له يكون يساراً لغيره وله أيضاً إذا انفتل ومن المعلوم أن ما كان أعلى كان
أشرف مما كان أسفل والحيوان حيث كان من الأرض فالسماء فوق رأسه والأرض تحت رجليه فلا تكون قط السماء إلا من الجهة التي تحاذي رأسه وهي الجهة الشريفة فإذا قيل إن الباري يختص بالجهة الشريفة بالنسبة إلينا فذاك تخصيص له بالجهة التي استحقها بنفسه وهي الجهة العليا الخارجة عن العالم فصار استحقاقه لها لوجهين أحدهما لوجوب كونه مبايناً للعالم خراجاً عنه ولايكون كذلك إلا إذا كان فوق العالم ولوجوب كونه العلي الأعلى على كل شيء فيجب أن يكون فوق العالم ولكونه من العالم بأشرف جهاتهم الإضافية ناحية العلو وهي ناحية السماء منهم حيث كانوا فهذه ثلاثة أوجه متناسبة متوافقة ليست مختلفة كما زعمه المؤسس الوجه الخامس قوله ولأنا لو تصورنا أنفسنا إذا ضممنا رؤوسنا إلى جهة الأرض وكانت النوار في هذه الجهة وجهة فوق مظلمة لتصورنا أن الأرض هي الشريفة فمضمونه أن جهة السماء هي بنفسها الجهة العليا الواسعة سواء كنا موجودين أو معدومين وجهة الأرض هي جهة السفلى الضيقة والرب يمتنع أن يكون فيها لأن أسفل الأرض ضيق سافل وذلك يستلزم أن يحيط بالله أقل
شيء وأسفله وأضيقه وأيضاً فإنه يجب مباينته للعالم وذلك يستلزم كونه فوق العالم وأيضاً فما ذكره من تقدير رؤوسنا والنور من الجهة السافلة تقدير خلاف الواقع وإذا كان تقديراً لاحقيقة له كان الحكم اللازم له حكماً لاحقيقة له كما لو قال قائل لو كان العرش في جوف الأرض ولو كانت الأرض فوق السماء ونحو ذلك ولاريب أنه لو اختلفت صفات الأجسام ومقاديرها وحقائقها لاختلفت أحكامها لكن بكل حال يجب أن يكون الله مبايناً للعالم وأن يكون هو العلي الأعلى وذلك يمنع أن يكون في الجهة السفلى الضيقة سواء على أي وجه قُدِّر وهو المطلوب الوجه السادس قوله لاحيز إلا ويُفرض فوقه حيزٌ آخر يقال له المفروض هو تقدير الذهن وتخيُّله وذلك لايستلزم تحقق هذا المقدار في الخارج بل تقدير أحياز بعضها فوق بعض بمنزلة تقدير أجسام لا نهاية لها وذلك تقدير لاحقيقة له في الخارج فقوله ولا حيز إلا وهو بالنسبة إلى ما فوقه أسفل يوجب ألا يحصل في شيء من الجهات إنما يصح لو كان فوقه شيء لا يلزم إذا قَدَّر الذهن شيئاً لاحقيقة له في الخارج كما لا يلزم إذا قُدِّر أجسام لا نهاية لها أن يكون مداخلاً للأجسام وكما لا يلزم إذا قُدِّر هناك عالم آخر أن يقال لايكون فوق هذا العالم بل فوق ذلك بل إذا قدر الذهن حيزاً فوق حيز قدر أيضاً فوق الأسفل وهكذا كلما زاد الذهن في هذا التقدير زِيدَ في