بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 202-241
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الثاني

صفحات 202-241
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

وقال الكرسي العلم والعرش الملك والضحك الرضا والاستواء الاستيلاء والنزول القبول والهرولة مثله فشبهوا من وجه وأنكروا من وجه وخالفوا السلف وتعدوا الظاهر وردوا الأصل ولم يثبتوا شيئًا ولم يبقوا موجودًا ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسنة فقالوا لانفسرها نجريها عربية كما وردت وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة أرادوا بهذه المخرقة أن يكون عوام المسلمين أبعد عيابًا عنها وأعيا ذهابا منها ليكونوا أوحش عند ذكرها وأشمس عند سماعها وكذبوا بل التفسير أن يقال وجه ثم لا يقال كيف وليس كيف في هذا الباب من مقال المسلمين فأما العبارة فقد قال الله وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة 64] وإنما قالوها

بالعبرانية فحكاها الله عنهم بالعربية وكان يكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبًا بالعربية فيها أسماء الله وصفاته فيعبر بالألسنة عنها ويكتب إليه بالسريانية فيعبره له زيد بن ثابت رضي الله عنه بالعربية والله تعالى يُدعى بكل لسان باسمه فيجيب

ويحلف بها فيلزم وينشد فيجاز ويوصف فيعرف ثم قالوا ليس ذات الرسول بحجة وقالوا ماهو بعد مامات بمبلغ فلا تلزم به الحجة فسقط من أقاويلهم على ثلاثة أشياء أنه ليس في السماء رب ولا في الروضة رسول ولا في الأرض كتاب كما سمعت يحيى بن عمار رحمه الله يحكم به عليهم وإن كانوا موهوها ووروا عنها أو

استوحشوا من التصريح بها فإن حقائقها لازمة لهم وأبطلوا التقليد فكفروا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم وعوام المسلمين وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم فكفروا السلف وسموا الإثبات تشبيهًا فعابوا القرآن وضللوا الرسول صلى الله عليه وسلم فلا تكاد ترى فيهم رجلاً ورعًا ولا للشريعة معظمًا ولا للقرآن محترمًا ولا للحديث موقرا سلبوا التقوى ورقة القلب وبركة التعبد ووقار الخشوع واستفضلوا الرسول فانظر فلا هو طالب آثاره ولا متتبع أخباره ولا متأصل عن سنته ولا هو راغب في أسوته يتقلد مرتبة العلم وما عرف حديثًا واحدًا تراه يهزأ بالدين ويضرب له الأمثال ويتلعب بأهل السنة ويخرجهم أصلا من العلم لاتنفذ لهم عن بطانة إلا خانتك ولا عن عقيدة إلا رابتك ألبسوا ظلمة

الهوى وسلبوا هيبة الهدى فتنبو عنهم الأعين وتشمئز منهم القلوب وقد ذكر قبل ذلك باب تعظيم إثم من سنّ سنة سيئة أو دعا إليها وذكر الأحاديث في هذا الباب ثم ذكر حديثًا رواه من حديث عثمان بن سعيد حدثنا يحيى بن الحماني حدثنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح حدثني أبو صخر

حميد بن زياد أن نافعًا أخبره عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيكون في أمتي مسخ وذلك في قدرية

وزندقية

قال فلم يكن بدٌّ أن يكون ماقال هو كائن كائنًا فلم يظهر شيء من ذلك حتى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ظلمًا وهي إحدى فتنتي هذه الأمة اللتين لا ثالث لهما توازنهما التي ثانيتهما فتنة الدجال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي في الحديث أنه من نجا من ثلاث فقد نجا موتي وقتل خليفة مضطهد بغير حق والدجال فلما قتل ذو

النورين رضي الله عنه بين ظهراني المسلمين في الشهر الحرام وفي حرم الرسول عليه الصلاة والسلام بأعين المسلمين وانشقت العصا وتفرقت الجماعة تشامست الأعين وتجادلت الأنفس واختلفت الآراء وتباعدت القلوب وساءت الظنون واشتعلت الريب واستقوت التهم وجدت كل فتنة فرصتها فلفظت غصتها واشتغل الرعاء وأسلم

النشأ وتزاحف أئمة الهدى رغبة في زهرة الدنيا فأخذت الغواة أزمة الضلالة فتهوست لها قلوب أهل الغفلة فمما ظهر في المسلمين من زيغ الدين الكلام في التوحيد تكلفًا وهي الزندقة الأولى وهي ثلاث قواعد نجم بعضها على أثر بعض الأولى منها القول بالقدر وهي فتنة البصرة ثم قصب السلف وهي فتنة الكوفة ثم إنكار الكلام لله وهي فتنة المشرق فأما فتنة القدر فأول من تكلم بها معبد الجهني رجل

من البصرة كان عنده سوء حظ من العلم يقال له معبد بن خالد ويقال معبد بن عبد الله بن عويمر مات بعد الهزيمة وكان يومئذ مع ابن الأشعث وأصابته جراحة وهو أول من تكلم بالقدر وهو الذي تبرأ منه عبد الله ابن عمر بن الخطاب فتكلم

عليه عمرو بن عبيد وجادل به غيلان وغيلان هو ابن

أبي غيلان أبو مروان من موالي عثمان بن عفان وكان عنده حظ من العلم تكلم به أمام عبد الملك بن مروان واستتابه عمر بن عبد العزيز ثم ظهر منه تكذيب التوبة فصلب على باب الشام بأخزى حالة لقيها

بشر قصته قد تقصيتها في كتاب تكفير الجهمية وأما عمرو بن عبيد وهو عمرو بن عبيد بن كيسان بن باب مولى بني تميم البصري مات سنة ثلاث وأربعين ومائة في طريق مكة فإنه أول من بسط أساسه فأصبح رأسه ونظم له كلامًا ونصبه إمامًا ودعا إليه ودل عليه فصار مذهبًا يسلك وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأولى ورأس المعتزلة سموا بها لاعتزاله حلقة الحسن

البصري وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي وإمام أهل الرأي النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة وحذر منه إمام أهل المشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي وقد قدمنا أسانيد تلك الأقاويل فسلط الله عليه

وعلى من استتبع واخترع سيفًا من سيوف الإسلام وهو أبو بكر أيوب بن أبي تميمة السختياني واسم أبيه كيسان من أهل البصرة فهتك أستاره واظهر عواره ووسمه باللعنة والحق به بلاء تلك الفتنة وهو الذي يقول قتيبة بن سعيد إذا رأيت الرجل من أهل البصرة يحب أيوب فاعلم أنه على الطريق وقال رجل لأحمد بن حنبل رحمه الله من السني قال من أين أنت قال من أهل البصرة قال أتحب أيوب السختياني قال نعم قال فأنت سني هذه قصة أهل

البصرة أما قصة غيلان فظهرت بليته بالشام وافتتن بها ثور ابن يزيد ومكحول الفقيه وجماعة من أهل العلم بتلك الناحية فسلط الله عز وجل عليهم ريحانة من أهل الشام أبا عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي فلحظهم

بالصغار ووضعهم في المقدار وبسط عليهم لسانًا أعطي بيانًا وضن عليهم ببشاشة الوجه وطلاقة اللقاء حتى ذل به الأعزة في سبيل الضلالة وعز به الأذلة في سبيل السنة بحمد الله رب العالمين ومنه وأما فتنة قصب السلف فإن الكوفة دارها التي خرجتها ثم طار في الآفاق شررها واستطار فيها ضررها وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق وأشربتها قلوب فيها حمق ولها عروق خفية السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها وأربابها أحمق خلق الله تعالى عرضت تساوي بين علي بن أبي طالب وبين أبي بكر وعمر رضي الله

عنهم ثم أخذت تفضله عليهما ثم جعلت توليه عليهما وتخاصمهما له وتظلمهما وتوليه حقهما بالقياس العقلي ترفعه ببنت الرسول صلى الله عليه وسلم وسبب البتول رضي الله عنها ثم جاءت تعدله بالمصطفى صلى الله عليه وسلم وتشركه في وحي السماء ثم خطأت جبريل في نزوله فحلت الأمة من النبوة وأحوجتها إلى علي رضي الله عنه ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها

لولده قال الإمام الشعبي لو كانوا دوابًا لكانوا حمرًا أو كانوا طيرًا لكانوا رخمًا فاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب

القلوب المريضة فتظاهرت على قصب السلف الصالح الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين وديوان الملة فترى أمثلهم طريقة وأصوبهم وثيقة من يتستر بفضائل علي رضي الله عنه ويربأ به عن منزله الذي أنزله الله تعالى من الشرف به ثم روى من طريق العباس بن عقدة حدثني عبد الله بن أحمد بن حنبل قال قرأت على

أبي حدثنا ابن الحباب عن عبد الأعلى هو ابن عامر الثعلبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لاتصلح الصلاة إلا على النبي

صلى الله عليه وسلم فلما

تعادنت أولئك الغواة

بتلك الضلالة وتعاونت عليها قيض الله لها إمامًا خلصه حسامًا وهو أبو محمد عبد الله بن إدريس الأودي فصرح بقدحهم ودفع في نحرهم ونادى على خباياهم وأورى عن خفاياهم فلم تكابد الأمة من شؤم شيء ماكابدت من شؤم تلك الفتنة لم يكد قلب مسلم يسلم من شوب منها إلا من رحم ربك فعصم وأما فتنة إنكار الكلام لله عز وجل فأول من بدعها

جعد بن درهم فلما ظهر جعد قال الزهري وهو أستاذ أئمة الإسلام حينئذ ليس الجعدي من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورواه بإسناده من طريق ابن أبي حاتم فأخذ منه جهم بن

صفوان هذا الكلام فبسطه وطراه ودعا إليه فصار به مذهبًا لم يزل هو يدعو إليه الرجال وامرأته زهرة تدعو إليه النساء حتى استهويا خلقًا من خلق الله كثيرًا فأما الجعد فكان خزري الأصل فيما أخبرنا وأسنده عن قتيبة بن سعيد ولكن جهم بسط ذلك المذهب وتكلم فيه وهو صاحب ذلك المذهب الخبيث وكانوا قد حذروه فيما أخبرناه

وأسند ذلك من طريق ابن أبي حاتم إلى مقاتل بن حيان قال دخلت على عمر بن عبد العزيز فقال من أين أنت قلت من أهل بلخ قال كم بينك وبين النهر قلت كذا فرسخًا قال هل ظهر من وراء النهر رجل يقال له جهم يُهلك

خلقًا من هذه الأمة يدخله الله وإياهم النار مع الداخلين فأما الجعد بن درهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري على رؤوس الخلائق وماله يومئذ من نكير وذلك سنة نيف وعشرين ومائة وأما الجهم وكان

بمرو فكتب هشام بن عبد الملك إلى واليه على خرسان نصر بن سيار يأمره بقتله فكتب إلى سلم بن أحوز وكان على مرو فضرب عنقه بين

نظارة أهل العلم وهم يحمدون ذلك فهذه قصة فتنة أهل المشرق بها بسطت ومهدت ثم سارت في البلاد فقام لها ابن أبي دؤاد وبشر بن غياث فملآ

الدنيا محنة والقلوب فتنة دهرًا طويلاً فسلط الله تعالى عليهم علما من أعلام الدين أوتي صبرًا في قوة اليقين أبا عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني فشد المئزر وأبى الفتنة وجاد بالدنيا وضن بالدين وأعرض عن الغضاضة على طيب العيش ولم يبال في الله خفة الأقران ونسي قلة الأعوان حتى هدّ ماشدوا وقدّ مامدوا فأما قول الطائفة التي قال بالقدر فأرادت منازعة في

الربوبية وقعت فيها فضاهت المجوسية الأولى وهم الزنادقة التي كانت تشوش على الأولين دينهم ولعنهم الله تعالى على لسان سبعين نبيًّا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا آخرهم

وأما الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ فأرادت القدح في الناقل لأن القدح في الناقل إبطال للمنقول فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه تسلحًا وروي عن أبي الربيع الزهراني قال كان من هؤلاء الجهمية عندنا رجل

وكان يظهر من رأيه الترفض وانتحال حب علي رضي الله عنه فقال له رجل ممن يخالطه ويعرف مذهبه قد علمت أنكم لاترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه فما الذي صبّكم على الترفض وحب علي قال إذًا أصدُقَك إنا إذا أظهرنا الذي نعتقده رمينا بالكفر والزندقة وقد وجدنا أقوامنًا ينتحلون حب علي ويظهرونه ويقعون بمن شاؤوا وانتسبوا بذلك إلى الرفض والتشييع ويعتقدون ماشاؤوا ويقولون ما شاؤوا وقد حبس الخليفة رجلاً في الزندقة فدخل عليه رجل فقال له قد كنا نعرفك بسب الصحابة والرفض فما خرج بك إلى الزندقة فقال نايغمائي وما

جنى عليّ أبو بكر وعمر لولا بغض صاحبهما قال وقد صدق مارأيت من رجل يُزَن بشيء من الرفض إلا كانت تخرج من فيه أشياء لاتشبه كلام المسلمين وأما الذين قالوا بإنكار الكلام لله عز وجل فأرادوا إبطال الكل لأن الله تعالى إذا لم يكن على زعمهم الكاذب

متكلمًا بطل الوحي وارتفع الأمر والنهي وذهبت الملة عن أن تكون سمعية فلا يكون جبريل عليه السلام سمع مابلغ ولا الرسول صلى الله عليه وسلم أخذ ما أنفذ فيبطل التسليم والسمع والتقليد ويبقى المعقول الذي به قاموا وهذا قول عثمان بن سعيد إن جهمًا إنما بنى زندقته على نفي الكلام لله عز وجل فهذه القواعد الثلاث أبنية الزندقة الأولى وهم الزنادقة الذكور كما سمعت يحيى ابن عمار يقوله وروى بإسناده عن

زر بن صالح السدوسي قال قلت لجهم بن صفوان هل نطق الرب قال لا قلت فينطق قال لا قلت فمن يقول لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ [غافر 16] ومن يرد عليه لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر 16] فقال لا أدري زادوا في القرآن ونقصوا ثم قال باب ذكر كلام الشعري وذكر ماقدمناه عنه وذكر قبل هذا قال سمعت عدنان بن عمدة النميري يقول سمعت أبا بكر البسطامي يقول كان أبو الحسن الأشعري أولاً ينتحل الاعتزال ثم رجع فتكلم عليهم وإنما

مذهبه التعطيل إلا أنه رجع من التصريح إلى التمويه وقال سمعت أحمد بن أبي نصر يقول رأينا محمد بن الحسين السلمي يلعن الكلابية قال وسمعت

عبد الرحمن بن محمد بن الحسن يقول وجدت أبا حامد الإسفراييني وأبا الطيب الصعلوكي وأبا بكر القفال المروزي وأبا منصور

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل