أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
منفصل عن الله كالعرش والغمام وقد يراد به ما ليس منفصلاً عنه كما ذكرنا أن لفظ الحيز والحد في المخلوقات يراد به ما ينفصل عن المحدود ويحيط به ويراد به نهاية الشيء وجوانبه فإن كلاهما يجوزه وقد يراد بالحيز أمر عدمي وهو ما يقدر فيه الأجسام وهو المعروف من لفظ الحيز عند المتكلمين الذين يفرقون بين لفظ الحيز والمكان فيقولون الحيز تقدير المكان وكذلك الجهة قد يعني بها أمر وجودي منفصل عنه فقد يعني بها ما لا يقتضي موجوداً غيره بل يكون إما أمراً عدميًّا وإما نسبيًّا وإضافيًّا وإذا كان في الألفاظ اشتراك فمن مسمى ذلك ما يكون واجباً ومنه ما يكون جائزاً والاستفصال يكشف حقيقة الحال وحينئذ فالكلام عليها من وجوه الأول أن يقال ما تعني بقولك لو حصل في شيء من الجهات والأحياز لكان إما أن يحصل مع الوجوب أو مع عدم الوجوب أتعني بالحيز ما هو من لوازم المتحيز وهي نهايته وحده الداخل في مسماه أم تريد بالحيز شيئاً موجوداً
منفصلاً عنه كالعرش وكذلك الجهة أتريد بالجهة أمراً موجوداً منفصلاً عنه أم تريد بالجهة كونه بحيث يشار إليه ويمكن الإحساس به وإن لم يكن هناك موجود غيره فإن أراد بالحيز المعنى الأول وهو ما هو من لوازم كل متحيز وإن أراد بالجهة كونه يشار إليه من غير وجود شيء منفصل عنه لم نسلم أن ذلك غير واجب وبهذا التفصيل يظهر الجواب عما ذكره من الوجوه أما قوله لايجب في سائر الذوات حصولها في ذلك الحيز فكذلك هذا فيقال له بل يجب في سائر الذوات المتحيزة أن يكون لكل منها تحيز يخصه وهو قدره ونهايته التي تحيط به ويلزمه الحيز الذي هو تقدير المكان وهوعدمي لكن لا يجب أن يكون عين تحيز هذا وعين حيزه الذي هو نهايته كما لا يجب أن يكون عين هذا هو عين الآخر فإن حيزه بهذا التفسير داخل في مسمى ذاته ونفسه وعينه والشيئان المتماثلان لا يجب أن يكون أحدهما عين الآخر فإن هذا لا يقوله عاقل وهذا معلوم بالاضطرار لا نزاع فيه هذا لو سلم أن الأجسام متماثلة فكيف وقد تقدم أن هذا قول باطل
وكذلك قوله في الثاني لو وجب حصوله في تلك الجهة لكانت مخالفة لغيرها فتكون موجودًا فيكون مع الله قديم آخر يقال له ثبوت صفة قديمة ليس ممتنعًا على الله كما اتفق عليه الصفاتية أو لا نسلم أنه ممتنع والقدر الحيز الداخل في مسمى المتحيز الذي هو من لوازمه أبلغ من صفاته الذاتية فإن كل موجود متحيز بدون الحيز الذي هو جوانبه المحيطة به يمنع أن يكون هو إياه والقديم الذي يمتنع وجوده مع الله ما يكون شيئًا منفصلاً عنه بل القديم شيء يكون داخلاً في مسماه ليس خارجًا عنه وقوله في الوجه الثالث لو جاز دعوى وجوب اختصاص شيء بجهة معينة جاز أن يدعى في بعض الأجسام حصوله في حيز بعينه على سبيل الوجوب وحينئذ لا يتمشى
دليل حدوث الأجسام بل يلزمه تجويز قدم بعضها يقال له كل جسم فإنه مختص بحيز وحيزه الذي هو جوانبه ونهايته وحدوده الداخلة في مسماه وأما اختصاصه بحيز وجودي منفصل عنه فذاك شيء آخر لا يلزم كما قد بيناه فعلم أن ذلك لا ينافي ما ذكروه من دليل حدوث الأجسام مع أن ذلك الدليل لا نرتضيه لا لهذا لكن لمعانٍ أُخَر ومع أن المنازعين له الذين يقولون هو جسم أو له حد وقدر ينازعونه في حدوث كل ما كان جسمًا أوله حد فقد يقولون دعوى حدوث جميع هذا مثل دعوى حدوث كل ذات أو كل موصوف أو كل صفة وموصوف أو حدوث كل قائم بنفسه أو كل موجود ونحو ذلك وقوله في الوجه الرابع الأحياز متساوية وذلك يمنع الاختصاص ببعضها على التعيين يقال له الأحياز
المتساوية التي تدعي فيها التساوي هي ماكانت منفصلة عن المتحيز كما ذكر من الخلاء والفراغ وأما الحيز الذي هو داخل في مسمى المتحيز وهو جانبه وحده ونهايته فهذا تابع للمتحيز وهذه الأحياز مختلفة باختلاف المتحيزات فحيز كل متحيز وهو حده ونهايته وجانبه يتبع حقيقته وهذا ظاهر فحيز الذهب ذهب وحيز الفضة فضة بهذا الاعتبار وقوله في الوجه الخامس المختص بحيز معين يكون كالمربوط المفلوج يقال له هذا إنما يقال إذا كان في حيز وجودي منفصل عنه أما ما هو داخل في مسمى نفسه وهو حده ونهايته فلا يلزم ذلك فيه كما لا يلزم في سائر المتحيزات وهذا ظاهر بل عدم هذا يستلزم العدم في سائر المتحيزات وهذا ظاهر بل عدم هذا يستلزم عدم بعض الشيء الوجه الثاني أن يقال إذا أراد القائل بأنه متحيز وأراد بالحيز
أمرًا موجودًا منفصلاً عنه كالغمام والعرش فإنه قد يقول حصوله فيه على سبيل الجواز وبذلك يظهر الجواب عن قوله ذلك الاختصاص لا يكون إلا بجعل جاعل هو الفاعل المتقدم على التخصيص فيلزم أن لا يكون ذات الله في الحيز أزليًّا فإن هذا يسلم على هذا التقدير بأن حصول ذاته فوق العرش ليس أزليًّا بل كان الله قبل أن يكون مستويًا على العرش سواء قيل أن الاستواء أمر نسبي إضافي أو قيل إنه من صفات الأفعال وأنه استوى على العرش بعد أن لم يكن مستويًا عليه فعلى التقديرين إنما حصل الاستواء بخلقه للعرش وخلقه للعرش بمشيئته واختياره وأما قوله إذا كان في الأزل مبرءًا عن الموضع والحيز امتنع أن يصير بعد ذلك مختصًّا بالحيز وإلا لزم الانقلاب في ذاته يقال له هذا ممنوع فإنه إذا كان في الأزل مبرءًا عن حيز وجودي كالعرش والغمام ثم صار بعد أن
خلق العرش والعالم فوقه لم يكن ممتنعاً فإن تجدد النسب والإضافات عليه جائز باتفاق العقلاء وأما إن قيل إن الاستواء فعل وأنه استوى عليه بعد أن لم يكن مستويًا كما هو المعروف من مذاهب السلف وأهل الحديث فهذا مبني على مسألة الحركة وحلول الحوادث وقد تقدم كلامه بأن هذا لم يقم دليل عقلي على نفيه وأن جميع الطوائف يلزمهم القول به وليس ذلك انقلاب في ذات الله بحال كما تقدم وهو إنما ادعى لزوم الانقلاب لأنه أخذ لفظ الحيز بالاشتراك فقدر أنه يصير متحيزًا بعد أن لم يكن متحيزًا ومعلوم أن هذا يوجب انقلاب ذاته فإن ضرورة صير المتحيز متحيزًا توجب الانقلابات لكن هذا التحيز هو القسم الأول وهو التحيز اللازم للمتحيز الذي يمتنع انفصاله عنه والمراد بالحيز في هذا المتحيز إماأمر عدمي أو إضافي أو المراد به جوانب المتحيز ونهايته فلو كان في الأزل مبرءاً عن هذا ثم صار موصوفًا به لزم الانقلاب ونظيره في المخلوقات أن يصير ما ليس بجسم جسمًا وهذا عند قوم ممتنع وعند قوم قد
يقلب الله الأعراض أجسامًا وذلك انقلاب بلا نزاع أما إذا أريد بالحيز أمرًا موجودًا منفصلاً عنه فلا يلزم بكونه فوقه وعليه أن تنقلب ذاته بوجه من الوجوه فإن الناس في كونه فوق العرش والعالم قولان مشهوران لعامة الطوائف من المتكلمين وأهل الحديث والفقهاء والصوفية من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم أحدهما أنه مجرد نسبة وإضافة بين المخلوق والخالق أو بين العرش والرب تجددت بخلقه للعرش من غير أن يكون هو في نفسه تحرك أو تصرف بنفسه شيئًا وهذا قول من يقول يمتنع حدوث الحوادث بذاته وتمتنع الحركة عليه والقول الثاني هو المشهور عن السلف وأئمة أهل الحديث وكثير من أهل الكلام والفقهاء والصوفية من الطوائف الأربعة وغيرهم أنه استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض كما دل عليه القرآن فيكون قد استوى عليه بعد أن لم يكن مستويًا عليه وكذلك استواؤه إلى السماء ومجيئُهُ وإتيانه كما وردت بذلك النصوص المتواترة الصحيحة وعلى هذا التقدير فليس في ذلك انقلاب لذاته بل قد ذكر هو أن ليس في الأدلة
العقلية ما يحيل ذلك الوجه الثالث أن يقال تحيزه واجب ويجزم بذلك بناءً على أن نقس العرش ليس بحيز بل الحيز تقدير المكان ومن قال بذلك فهم في جواز الحركة عليه على قولين فمن قال بالامتناع يقول إنه لما خلق العرش تجددت بينه وبين العرش نسبة ولم يتغير عما كان موصوفًا به إن وصفه بأنه متحيز فإنا قد ذكرنا للقائلين بأنه على العرش في ذلك قولان وقد يقول إن حصوله في الحيز المعين واجب ومن قال ذلك يجيب عن أوجهه الخمسة أما الوجه الأول فمبني على تماثل المتحيزات وقد تقدم أن هذا باطل وأما قوله في الوجه الثاني أنه لو وجب حصوله في الجهة وامتنع حصوله في غيرها لكانت تلك الجهة مخالفة لغيرها في الحقيقة فتكون موجودة فيكون مع الله قديم غيره تعالى يقال له هؤلاء لا يقولون إن الحيز الذي يجب لله أمرًا
موجودًا منفصلاً عنه بل هو عندهم أمر عدمي بينه وبين الله نسبة وإضافة إذ هو تقدير المكان وذلك لا يقتضي وجود موجود غيره كما أنه لما كان في الأزل لا في زمان لا في تقدير الزمان لم يقتضِ ذلك وجود قديم آخر مع الله ومن قال إن تقدير الزمان وتقدير المكان وجوديان قال بقدمهما جميعًا كما يقول ذلك طائفة من الصابئة ومن اتبعهم ثم قد يقولون إن ذلك لازم لواجب الوجود نفسه وقد يقولون عن القدماء خمسة الزمان والمكان والنفس والهيولى وواجب الوجود
بنفسه كما يقول ذلك بعض الصابئين ومن اتبعهم كديمقراطيس والغرض أن المسلمين الذين يقولون ليس مع الله قديم منفصل عنه موجود لا يقولون إن الحيز موجود وقد تقدم
الدليل على ذلك وقد قال هو بعد هذا إنه قل خلق العالم ما كان إلا الخلاء الصرف والعدم المحض وذلك ينافي قوله إن الأحياز وجودية وأما قوله ما سبب الاختصاص بهذا الأمر العدم فسيأتي الكلام عليه وهؤلاء يقولون قوله في الوجه الثالث لو جاز في شيء مختص بجهة معينة أن يقال اختصاصه بتلك الجهة واجب جاز أيضًا ادعاء أن بعض الأجسام حصل في حيز معين على سبيل الوجوب وعلى هذا لا يتمشى دليل حدوث العالم فثبت أن القائل بهذا القول لا يمكنه الجزم بحدوث كل الأجسام بل يلزمه تجويز أن يكون بعضها قديمًا فهم يجيبون بجوابين أحدهما أن الأجسام مختلفة بالحقيقة فلا يلزم من اختصاص بعضها بصفة معينة أن يكون غيره مختصًّا بمثل تلك الصفة كما أنه عندهم إذا اختص بسائر صفاته الذاتية لم يلزم أن يكون غيره مختصًّا بغيره
الثاني أنهم إذا قالوا بأن بعض الأجسام الباقية مختص بحيز معين إنما يبطل الدليل الذي ذكره منازعوهم ولا ريب في بطلان هذا الدليل عندهم كما اتفق السلف والأئمة على أنه من الكلام المنهي عنه ومن قال من هؤلاء إنه جسم لم ينكر أن الأجسام كلها ليست محدثة كما لا ينكر أن القائمات بأنفسها كلها ليست محدثة وأن الموصوفات كلها ليست محدثة بل يضلل من يطلق العموم بحدوث الأجسام كما يضلل من أطلق القول بحدوث الموصوفات والقائمات بأنفسها أو الموجودات ويقولون قوله في الوجه الرابع إنا نعلم بالضرورة أن الأحياز بأسرها متساوية لأنها فراغ محض وخلاء صرف وذلك يمنع وجوب الاختصاص ببعضها فهم يقولون ليس الاختصاص لمعنى فيها بل هو لمعنى في نفسه وهو امتناع الحركة عليه الانتقال عنه كما يوافقهم هو على ذلك وأيضًا فالعالم مختص بحيزه لمعنى فيه لا في حيزه وأما السؤال الذي أوردهم من جهتهم لم لا يجوز أن يكون اختصاصه بجهة فوق أولى وجوابه بأنه قبل خلق العالم
ما كان إلا الخلاء الصرف وبأنه لو كان الفوقاني متميزًا عن التحتاني لكانت وجودية فإنهم يقولون كونه فوق العالم إنما يظهر إذا خلق العالم فإنه لما خلقه وهو على علو يستحقه بنفسه وخلق العالم بصفة التحت وجب أن يكون فوق العالم لمعنى في نفسه وفي العالم لا لمعنى وجودي في الحيز وإن لم يكن قبل خلق العالم ولا فوق العالم إلا العدم المحض والخلاء الصرف فالاختصاص بالحيز لامتناع الحركة عليه عندهم ووجوب علوه لمعنى في نفسه وفي العالم وكذلك قوله في الثالث لو جاز اختصاص ذات الإله ببعض الجهات على سبيل الوجوب مع كون الأحياز متساوية يلزم استغناؤها عن الصانع فيقولون هذا بناء على أن الأحياز أمور وجودية وليس الأمر كذلك بل هي أمور عدمية
وقوله في الخامس أنه يكون كالمفلوج الذي لا يمكنه الحركة وهو نقص وهو على الله محال فيقال أنت تقول إن نفي النقص عن الله لا يعلم بالعقل وأنت أيضًا تقول لا يجوز عليه الحركة وقد تقدم الكلام على هذا في آخر حجة من نفي الجسم وهو برهان الحركة وبينا أن ما وصف به قول منازعيه يلزمه مثله أو أكثر الوجه الرابع قول من لا يوجب حصوله في حيز معين خارج عنه وجوديًّا كان أو عدميًّا بل ذلك عنده على سبيل الجواز مطلقاً وهو قول كل من يقول إنه استوى على العرش بعد أن خلق السموات والأرض بعد أن لم يكن مستويًا عليه ويقول إنه استوى إلى السماء وأنه يجيء يوم القيامة ويأتي إلى سائر ما جاءت به النصوص من ذلك وعلى قول هؤلاء لا يجب حصوله في حيز معين وتكون ذاته مستلزمة للحيز المطلق لا لحيز معين وإذا حصل في حيز معين جاز أن يكون حاصلاً
فيه ولم يجب وأما قوله إن هذا محال لأنه لو كان كذلك لما ترجح وجود ذلك الاختصاص إلابجعل جاعل وتخصيص مخصص وما كان كذلك فالفاعل متقدم عليه فيلزم أن لا يكون حصول ذات الله في الحيز أزليًّا لأن ما تأخر عن الغير لا يكون أزليًّا يقال له أما اختصاصه بحيز دون حيز فهو الذي يفتقر إلى جعل جاعل وأما أصل التحيز فمن لوازم ذاته كالقدرة والفعل فإن القدرة على كل شيء من لوازم ذاته وأما تخصيص بعض المقدورات فتتبع مشيئته واختياره وعلى هذا فنقول حصوله في حيز معين دون غيره بمشيئته واختياره وذلك لأن هذا هو الفعل والتصرف والحركة كما يقولون إنه ما زال متكلمًا إذا شاء كذلك يقولون ما زال فاعلاً بنفسه إذا شاء وعلى هذا فحصول ذاته في الأزل يكون أزليًّا لأنه من لوازم ذاته لكن تعيين حيز دون حيز هو تابع لمشيئته واختياره وذلك أن الأحياز ليست أمورًا
وجودية بل هي أمور عدمية فليس الأمر إلا مجرد كونه يفعل بنفسه ويتصرف وتقدم الفاعل على هذا الفعل بقدم الذات كتقدم حركة اليد على حركة الخاتم لا يوجب ذلك تقدمًا بالزمان وعلى هذا فيقال الوجه الخامس قولك لو حصل في شيء من الأحياز والجهات لكان إما أن يحصل مع وجوب أن يحصل فيه أو لا مع الوجوب فيقال أتريد بالوجوب وجوب الحيز المطلق أو وجوب حيز معين فإن أردت الأول فالوجوه الخمسة المذكورة لا تنفي ذلك وإن أردت الثاني فقوله إن هذا يلزم أن لا يكون حصول ذات الله في الحيز أزليًّا يقال هذا ممنوع قوله ما ترجح وجود ذلك الاختصاص إلا بجعل جاعل وكل ما كان كذلك فالفاعل متقدم عليه وما تأخر عن الغير لا يكون أزليًّا يقال له التقدم في مثل هذا
لا يوجب أن يكون بزمان يفصل بين الفعل والفاعل كما تقول حركت يدي فتحرك ثوبي أو تحرك خاتمي ونحو ذلك فحركة اليد متقدمة على حركة الخاتم والكم ومع هذا فزمانهما واحد فكذلك إذا كان هذا التخصيص جائزًا وهو بمشيئته واختياره لم يمنع ذلك أن يكون متقدمًا على فعله تقدمًا بغير الزمان وهذا القدر وإن كان الفلاسفة يقولونه في تقدمه على العالم فهؤلاء لم يقولوه في ذلك بل قالوه في تقدمه على هذا الفعل القائم بنفسه والتحيز المعين وهم يقولون ذلك في سائر ما يضاف إليه من أعيان الأقوال وأعيان الأفعال القائمة بنفسه التي يمكن أن يقول ويفعل غيرها مما يكون بمشيئته واختياره وهذا قول طوائف كثيرة من منازعيه معروف عنهم من أهل الكلام وأهل الحديث والصوفية وغيرهم
المملكة العربية السعودية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الأمانة العامة
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني (ت 728هـ)