الجزء السادس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
دريد في قوله تعالى وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) [الصافات 173] هم أهل السنة وقال عبد الوهاب الوراق إن لم يكونوا هذه العصابة
فلا أدري أي عصابة هي قال أبو بكر الخلال فهي عصابة أحمد بن حنبل رضي الله عنه الذابون عن السنة المحيون لما أماته الناس من السنن عن أهل الخلاف وإظهار ذلك وإحياء أمر المجانبة لأهل الزيغ والجدال والتمسك بما عليه إمام الناس في زمانه أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأبو حامد كانت مواده في العلوم الإلهية من المتكلمين والفلاسفة والصوفية الذين فهم كلامهم وقد
ذكر في المنقذ من الضلال أن هؤلاء هم والباطنية هم الخائضون في هذا الفن وذكر بعض ما في طريق الباطنية
من الضلال وهو كثيرًا يعيب طريقة المتكلمين والفلاسفة ويذكر أنها لا توصل إلى علم ويقين وكان يؤثر من طريق الصوفية مجملات لم يفصلها ولم تتفصل له بل يحيل على مكاشفات ومشاهدات لا وصل إليها ولا رأى من وصل إليها فأما الطريقة التي لخاصة المسلمين أهل الوراثة النبوية والخلافة الرسالية أهل السنة ظاهرًا وباطنًا المقتبسين من مشكاة الرسالة أهل العلم والإيمان الذين يرون أن ما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق من ربهم الذين قذف الله في قلوبهم من نوره ما أبصروا به وأيقنوا بحقائق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فهؤلاء لم يصل أبو حامد إلى معرفتهم ومعرفة طريقهم وإن كان يومئ إليهم جملة لا تفصيلاً ويشتاق إلى سبيلهم لكونه
كان قليل المعرفة بالحديث والآثار والمعرفة لمعانيها وكان يقول بضاعتي من الحديث مزجاة كما نقل عنه أبوبكر بن العربي أنه سمعه منه ولهذا في كتبه من المنقولات المكذوبة الموضوعة ما شاء الله مع أن تلك الأبواب يكون فيها من الأحاديث الصحيحة ما فيه كفاية وشفاء ومن ذلك هذا النقل الذي نقله عن أحمد فإنه نقله عن مجهول لا يعرف وذلك المجهول أرسله إرسالاً عن أحمد ولا يتنازع من يعرف أحمد وكلامه أن هذا كذب مفترى عليه ونصوصه المنقول عنه بنقل الثقات الأثبات والمتواتر عنه يرد هذا الهذيان الذي نقله عنه بل إذا كان أبو حامد ينقل عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله فكيف ما ينقله عن مثل أحمد ولم يكن ممن يتعمد الكذب فإنه كان أجل قدرًا من ذلك وكان من أعظم الناس ذكاء وطلبًا للعلم وبحثًا عن الأمور ولما قاله كان من أعظم الناس قصدًا للحق وله من الكلام الحسن المقبول أشياء عظيمة بليغة ومن حسن التقسيم والترتيب ما هو به من أحسن المصنفين لكن لكونه لم يصل إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الطرق الصحيحة كان ينقل ذلك بحسب ما بلغه لاسيما مع هذا الأصل الفاسد إذ جعل النبوات فرعًا على غيرها وقد قيل عنه إن كثيرًا مما يذكر في كتبه مما كان يسمعه من بعض القصاص والوعاظ أو
السؤال والشحاذين وبعض العباد والزهاد وقد قال الإمام أحمد أكذب الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم القصاص والسؤال وكذلك أحاديث العباد الذين لا يضبطون مردوده حتى قال يحيى بن سعيد ما رأينا
الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث وقال أيوب السختياني إن لي جيرانًا أرجو بركة دعائهم في السحر ولو شهد أحدهم عندي على جزرة بصل لما قبلت شهادته وقال ملك بن أنس أدركت بهذا المسجد كذا وكذا شيخًا كان يقول حدثني أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهم فضل وصلاح فلم يكن يأخذ عن أحد منهم شيئًا وكان يقدم
ابن شهاب وهو شاب فيردهم على بابه ولهذا لم يذكر أهل الصحيح عن زهاد البصرة وعبادها مثل مالك بن دينار وحبيب العجمي وفرقد
السبخي وثابت البناني إلا لثابت وحده والباقون أبعد الناس عن تعمد الكذب لكن قد لا يحفظونه فأحاديثهم تصلح لأن يستشهد بها ويعتبر لا تصلح للاعتماد مع ما فيهم من الخير والدين والصلاح وما لهم من الكرامات والمقصود أن هذا المنقول عن أحمد كذب عليه ولم يقل أحمد قط إن قوله كُنْ فَيَكُونُ (117) خطاب بحرف وصوت يوجد من الله تعالى في كل لحظة بعدد كل مكون
ولا توجد هذه العبارة في شيء من كلامه ولا من كلام أصحابه وكذلك أحمد لم يحسم التأويل إلا في هذه الأحاديث الثلاثة وقد ذكرنا من كلامه في مسمى التأويل وتأويل الأحاديث في هذا الباب ما فيه كفاية وفي كتاب السنة للخلال وغيره من الكتب من كلام الإمام أحمد ما يعرف به مذهبه وسنبين أن استثناء هذه الأحاديث الثلاثة من التأويل لا يصلح أن يقوله أحد من المنتسبين إلى غلمان أحمد فضلاً عن أن يقول هو وإنما يصلح أن يثبت هذه الأحاديث ويجعلها مما يتأول مثل هؤلاء الذين لا يعرفون الأحاديث الصحيحة من الضعيفة ولا يعرفون دلالة الألفاظ حتى يميزوا ما هو تأويل مخالف للظاهر وما ليس تأويلاً مخالفًا للظاهر فلقلة معرفتهم بأعلام الهدى وهي ألفاظ الرسول صلى الله عليه وسلم ووجه دلالتها يقعون في الحيرة والاضطراب حتى لا يميزوا بين ما يقبل من كلام الفلاسفة والمتكلمين وما يرد بل
تارة يوافقونهم وتارة يخالفونهم وتارة يكفرونهم فهم دائمًا متناقضون في قول مختلف يؤفك عنه من أفك وأبو حامد من خيارهم وأعلمهم وأدينهم وهو مع هذا يكفر الفلاسفة فضلاً عن أن يضللهم تارة وتارة يجعل ما كفرهم به من العلم المضنون به على غير أهله ويضلل المتكلمين تارة ويجعل طريقهم ليس فيها بيان للحق وتارة يجعلها عمدته وأصله الذي يضلل من خالفه وكذلك تارة يقول في الصوفية الأقوال المتناقضة فتارة يجعلهم خاصة الأمة ويفضلهم على الفقهاء وتارة يمنع إعطاءهم الزكاة ويوجب عليهم الاكتساب
مع إباحته إعطاء الزكاة للمتفقهة وإن كان في آخر عمره مال إلى طريقة أهل الحديث وكان كثير المطالعة لصحيح البخاري وبذلك ختم عمله وعليه مات وهو أفضل أحواله والله تعالى يغفر لنا ولسائر إخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا يجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم ومع هذا فأبو حامد لم يعرف في كلامه خروج إلى الشرك وعبادة الأوثان بل غاية ما ينتهي إليه ضلال الصابئين من المتفلسفة ونحوهم
فكيف بمن يخرج إلى الإشراك بالله الصريح والردة إلى الأمر بعبادة الكواكب والأوثان وإن كان قد تاب من ذلك وأسلم بعد ذلك فإنه يكون كالذين ارتدوا على
عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه ثم عادوا مثل الأشعث بن قيس والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن ومن خيار من عاد إلى الإسلام من المرتدين عبد الله بن سعد ين أبي سرح فإنه
كان كاتب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم وارتد ثم أسلم عام فتح مكة الوجه الثالث أما قوله الحجر الأسود يمين الله في الأرض فإنه ليس بثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم بل قد رووه عن ابن عباس ولم يقل أحمد قط إن هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يتأول بل هذا الحديث سواء كان عن ابن عباس أو كان مرفوعًا فلفظه نص صريح لا يحتاج إلى تأويل فإن لفظه الحجر الأسود يمين الله في الأرض فمن استلمه
وقبّله فكأنما صافح الله وقبّل يده وتسمية هذا تأويلاً أبعد من تسمية الحديث الذي فيه جعت وذلك أنه يمين الله في الأرض فقوله في الأرض متصل بالكلام مظهر لمعناه فدل بطريق النص أنه ليس هو يمين الله الذي هو صفة له حيث قال في الأرض كما لو قال الأمير مخاطبًا للقوم في جاسوس له هذا عيني عندكم فإن هذا نص في أنه جاسوسه الذي هو بمنزلة عينه ليس هو نفس عينه التي هي صفة فكيف يجوز أن يقال إن هذا متأول مصروف عن ظاهره وهو نص في المعنى الصحيح لا يحتمل الباطل فضلاً عن أن يكون ظاهره باطلاً وأيضًا فإنه قال من استلمه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يده فجعل المستلم له كأنما صافح الله تعالى ولم يقل فقد صافح الله والمشبه ليس هو المشبه به بل ذلك نص في المغايرة بينهما فكيف يقال إنه مصروف عن ظاهره وهو نص في المعنى الصحيح
بل تأويل هذا الحديث لو كان مما يقبل التأويل أن يجعل الحجر عين يمين الله وهو الكفر الصريح الذي فروا منه قال عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على
المريسي ومتبعيه وروى المعارض أيضًا عن ابن عباس الركن يمين الله في الأرض يصافح به خلقه وروي عن الثلجي يعني محمد بن شجاع الثلجي أنه قال يمين
الله نعمته وبركته وكرامته لا يمين الأيدي قال فيقال لهذا الثلجي الذي يريد أن ينفي عن الله تعالى يديه اللتين خلق يهما آدم ويلك أيها الثلجي إن تفسيره على خلاف ما ذهبت إليه وقد علمنا يقينًا أن الحجر الأسود ليس بيد الله نفسه فإن يمين الله معه على العرش غير باين منه ولكن تأويله عند أهل العلم أن الذي يصافح الحجر الأسود ويستلمه كأنما يصافح الله كقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح 10] فثبت له اليد التي هي اليد عند ذكر المبايعة إذ سمى اليد مع اليد واليد معه على العرش وكقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الصدقة تقع في يد الرحمن قبل يد السائل فثبت بهذا لله اليد التي
هي اليد وإن لم يضعها المتصدق في نفس يد الله وكذلك تأويل الحجر الأسود إنما هو إكرام للحجر الأسود وتعظيم له وتثبيت ليد الرحمن ويمينه لا النعمة كما ادعى الثلجي الجاهل في تأويله وكما يقدر أن يكون مع كل صاحب نجوى وفوق عرشه كذلك يقدر أن تكون يده فوق أيديهم من فوق عرشه وقد ذكر القاضي أبو يعلى هذا الأثر عن أحمد ولم
يذكر عنه فيه كلامًا فرواه مرفوعًا بإسناد ضعيف قال حدثنا أبو القاسم يعني عبد العزيز بن علي الأزجي قال حدثنا القاضي عمر بن سَبَنْك حدثنا أحمد بن القاسم بن نصر ابن زياد حدثنا أبو سالم العلاء بن مسلمة
الرواس قال حدثنا أبو حفص العبدي عن أبان عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر في الأرض يمين الله جل اسمه فمن مسح يده على الحجر فقد بايع الله عز وجل أن لا يعصيه وهذا إسناد ضعيف قال القاضي وروى ابن جريج عن محمد بن عباد
ابن جعفر المخزومي قال سمعت عبد الله بن عباس يقول إن هذا الركن الأسود يمين الله في الأرض يصافح به عباده مصافحة الرجل أخاه وهذا هو المعروف ثم قال القاضي اعلم أن هذا الخبر ليس على ظاهره لأن إضافة الحجر إلى أنه صفة ذات هي يمين تحيل صفاته وتخرجها عما تستحقه لأن الحجر جسم مخلوق حالٌّ
في مخلوق وفي الأرض والقديم سبحانه تستحيل عليه هذه الصفات ويفارق هذا ما تقدم من إثبات اليمين في الخبر الذي قبله وأن ذلك صفة ذات يعني قوله الذي في صحيح مسلم المقسطون عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين لأنه لا يستحيل إضافة
اليمين إليه لأنها غير مستحيلة عليه لأن إضافة اليمين إليه كإضافة اليد إليه وذلك جائز قال ومثل هذا غير موجود هاهنا يبين صحة هذا من كلام أحمد أنه فسر قوله وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] قال معناه هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش قلم يحمل قوله وَفِي الْأَرْضِ على ظاهره بل تأوله وبين أنه على العرش فوجب أيضًا أن يمتنع من إطلاق صفة ذات في الأرض
تلمس في جهة من الجهات وقد قيل في تأويله أوجه أحدها أن هذا على طريق المثل وأصله أن الملك كان إذا صافح رجلاً قبَّل الرجل يده فكأن الحجر لله عز وجل بمنزلة اليمين للملك تستلم وتلثم وقد روي في الخبر أن الله عز وجل حين أخذ الميثاق من بني آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى جعل ذلك في الحجر الأسود وكذلك يقال إيماناً بك ووفاء بعهدك قال وقد قيل فيه وجه آخر وهو أنه يحتمل أن يكون معنى قوله الحجر يمين الله في أرضه إنما إضافة اليد على طريق التعظيم للحجر وهو فعل من أفعال الله تعالى سماه يمينًا
بنسبته إلى نفسه وأمر باستلامه ومصافحته ليظهر طاعتهم بالائتمار وتقربهم إلى الله تعالى فيحصل لهم بذلك البركة والسعادة قال وقيل وجه آخر وهو أن قوله يمين الله أمان الله لأن الحجر من جملة البيت وقد قال سبحانه وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران 97] قال ولا بأس بهذه الوجوه للمعنى الذي بينا من امتناع إضافة ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ويبين صحة ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود من ياقوت الجنة وإنما سودته خطايا بني آدم وأيضًا قول عمر إني لأعلم
أنك حجر لا تضر ولا تنفع وهذا لا يقال في صفات
القديم فالقاضي نفى عنه المعنى الفاسد الذي يقال إنه ظاهره وسمى ذلك ظاهره موافقة لمن جعل ذلك ظاهره وبين امتناع ذلك المعنى بالأدلة الشرعية والعقلية ولم يذكر عن أحمد في ذلك شيئًا وتسميته لذلك ظاهرًا هو موافقة منه لمن سماه ظاهرًا من المتأولين فإنه صنف كتابه على كتاب أبي بكر بن
فورك وكذلك في معناه الوجوه التي ذكرها هؤلاء وهي فاسدة إلا الوجه الأول الذي هو ظاهر الحديث وكذلك إن قوله ‘ن أحمد لم يحمل قوله وَفِي الْأَرْضِ [الأنعام 3] على ظاهره موافقة على تسمية ذلك ظاهر والذي ذكره أحمد في الآية هو ظاهرها كما بيناه في غير هذا الموضع وهذا الذي قاله القاضي من التسمية لا يلزم الإمام أحمد
فإن القاضي واحد أصحابه وهو وغيره من أصحاب أحمد قد يوافقون المثبتة على أشياء من قولهم على أحاديث ضعيفة ودلالات ضعيفة ويوافقون النفاة على أشياء أيضًا من قولهم مثل نفي الأسماء التي يزعمون أن العقل نفاها كالجوهر والجسم ونحو ذلك وليس هذا ولا هذا من قول السلف والأئمة وأصحاب أحمد فيهم من النفي والإثبات ما يوجد في غيرهم لكنهم أقرب إلى الاعتدال في الطريقين وأقل غلوًّا فيهما من غيرهم لأن الإمام أحمد له من تقرير أصول السنة ما لايوجد لغيره فلا يمكن أتباعه أن يغلوا في الانحراف عن السنة والاعتدال كانحراف غيرهم وإن كان يوجد فيهم من قد ينحرف إلى النفي أو الإثبات أو كليهما جميعًا على وجه التناقض أو لاختلاف الاجتهاد ولعل هذا المنقول من أنه لم يتأول إلا كذا أصله عن
القاضي فإن القاضي في كتاب إبطال التأويلات لأخبار الصفات قد يتأول أشياء مثل هذا لكنه مع ذلك يبين أن تأويلها وجب لأن الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة نفت ذلك كما ذكره هنا وكما يأتي كلامه في قوله إني أجد نفس الرحمن من قبل اليمين ولا ريب أن صرف ظاهر النص ينص آخر ليس مما ينازع فيه الفقهاء والذي أنكرناه وهو كون ظاهر القرآن باطلاً وكفراً من غير أن يبين الله تعالى ذلك فهذا مما ينكره علماء الإسلام وقد روى عثمان بن سعيد الدارمي هذا الخبر مرفوعًا في إثبات صفة اليد بلفظ آخر فقال حدثنا الهيثم بن خارجة قال حدثنا إسماعيل بن عياش عن حميد بن أبي
سويد عن عطاء عن أبي هريرة قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من فاوض الحجر فإنما يفاوض كف الرحمن يعني استلام الحجر الأسود
فهذا فيه إثبات وصف صفة الرحمن بمفاوضته كقوله إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح 10] الوجه الرابع أن قوله إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمين فلم أجد عن أحمد فيه كلامًا أيضًا ولا نقل ذلك عن أصحابه الذين تتبعوا نصوصه كالخلال وغيره ولكن تكلم فيه ابن حامد وابن بطة والقاضي وغيرهم
فذكر القاضي ما حدثه به أبوالقاسم الأزجي بإسناده عن أبي بن كعب أنه قال لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن جل اسمه وفي رواية فإنها من نفس الله جل وعز فإذا رأيتموها فقولوا اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به ونعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به
قال وروى ابن بطة في بعض مكاتباته إلى بعض أصدقائه جواب مسائل سأله عنها بإسناده عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الريح فلا تسبوها فإنها من نفس الرحمن تأتي بالرحمة وتأتي بالعذاب فاسألوا الله من
خيرها واستعيذوا بالله من شرها ثم قال القاضي اعلم أن شيخنا أبا عبد الله ذكر هذا الحديث في كتابه وامتنع أن يكون على ظاهره في أن الريح صفة ترجع إلى الذات والأمر على ما قاله ويكون معناه أن الريح مما يفرج الله تعالى بها عن المكروب والمغموم فيكون معنى النفس معنى التنفس وذلك معروف من قولهم نفست عن فلان أي فرجت عنه وكلمت فلانًا في التنفيس عن غريمه ويقال نفس الله عن فلان كربه أي فرج الله عنه وروي في الخبر من نفس عن مكروب كربة نفس الله عنه كربة يوم القيامة
وروي في الخبر أن الله فرج عن نبيه بالريح يوم الأحزاب فقال فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا
[الأحزاب 9] قلت ثم رأيت أبا عبد الله بن حامد ذكر في كتابه في ذلك نزاعًا بين أصحابه فقال فصل وهل يجوز أن يقال بأن الريح من نفس الرحمن فقد ذكر ابن قتيبة في التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن فقال فرأيت بعض أصحابنا يثبتون لله وصفًا في ذاته بأنه يتنفس وقد فصلوا بين الرياح فقالوا ما كان من هذه الرياح الهابة مثل رياح الرحمة والعذاب من الريح العقيم