ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
وقد نقل أهل المقالات عن جهم أنه كان يقول إن الله شيء وهذا معنى ما ذكره أحمد فإنهم وإن أطلقوا أنه شيء لا كالأشياء فلم يريدوا أنه ليس بمثل لها فإن ذلك حق ولهذا لم ينكر أحمد قولهم ليس كمثله شيء من الأشياء لكن أرادوا نفي الشبه من كل وجه ومعناه شيء لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه ولهذا قال الإمام أحمد فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لا شيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئاً فبين الإمام أحمد أنه يعلم بالمعقول الصريح الذي يشترك فيه العقلاء أن ما لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه لا شيء كما نقل الناس أن جهماً يقوله ولهذا قال فعند ذلك تبين للناس أنهم لا يثبتون شيئاً أي لجميع العقلاء فإن هذا لا يختص أهل السمع والكتاب بل يشترك فيه العقلاء كلهم فهذا سؤال عن كونه موجوداً ثم سألهم عن كونه معبوداً فإن هذا يختص به من يوجب عبادة الله وهم المسلمون قديماً وحديثاً
قال فإذا قيل لهم من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا هذا الذي يدبر أمر الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم قلنا قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئاً إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فهنا جعل الكلام مع المسلمين الذين يعبدون الله تعالى والعبادة متضمنة لقصد المعبود وإرادته والقصد والإرادة مستلزم لمعرفته والعلم به فلما قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق ثم قالوا هو مجهول لا يعرف بصفة فحينئذ تبين للمسلمين الذين يعبدون الله أنهم لا يثبتون شيئاً يعبدونه وإنما هم منافقون في ذلك لأن ما لا يعرف بصفة يمتنع أن يقصد فيعبد فعرف المسلمون بطلان قولهم أنهم يعبدون الله ويثبتونه كما عرف أهل العقل بطلان كونهم يقرون بوجوده ويثبتونه وهم الذين أنكروا أن يعرف بصفة فأنكروا صفاته مطلقاً وأنكروا أنه يشبه الأشياء بوجه من الوجوه فأنكروا بذلك وجوده
وكذلك ذكر محمد بن جرير الطبري في تاريخه لكن أرسل ذلك والله أعلم بحقيقته أنه لما قرئ على علماء بعداد من المحنة كتاب المأمون الذي دعا الناس فيه إلى التجهم فيه لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه أقر بذلك من أقر ب هواما أحمد فقال لا أقول لا يشبه الأشياء بوجه من الوجوه وهذا يبين كمال علمه ومعرفته بالأقوال المنافية لدين الإسلام واحترازه منها مع أن كثيراً من الناس يطلق هذه العبارة ويريد بذلك نفي المماثلة ومقصوده صحيح وقد يريد به مل يجمع الحق والباطل أو يريد تنزيهاً مطلقاً لا يحصل معناه وهؤلاء لا يريدون حقيقة قول الجهمية ومما يبين ذلك أنه
ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين ولا الأكابر من أتباع التابعين ذم المشبهة وذم التشبيه أو نفي مذهب التشبيه ونحو ذلك وإنما اشتهر ذم هذا من جهة الجهمية كما ذكره الإمام أحمد ثم قابلهم قوم من أهل الإثبات والرافضة وغلاة أهل الحديث فزادوا في الإثبات حتى دخلوا في التمثيل المنفي في الكتاب والسنة وذلك تشبيه مذموم فذم بقايا تابعي التابعين ومن بعدهم من أئمة السنة هذا التشبيه وذموا المشبهة بهذا التفسير فصار لفظ المشبهة مذموماً في كلام هؤلاء كما هو مذموم في كلام الجهمية لكن بين المعنيين فرق عظيم ولهذا كانوا يفسرون مرادهم ويقولون من أغرق في نفي التشبيه وذم المشبهة كان جهميًّا كما ذكره عبد الرحمن بن أبي حاتم وأبو القاسم اللالكائي عن عبد الرحمن بن عمر
الأصبهاني قال سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول لفتى من ولد جعفر بن سليمان مكانك فقعد حتى تفرق الناس ثم قال يا بني تعرف في هذه الكورة من الأهواء والاختلاف وكل ذلك يجري مني على بال وحتى
لا أمرك وما بلغني فإن الأمر لا يزال هيناً ما لم يصر إليكم يعني السلطان فإذا صار إليكم جل وعظم قال يا أبا سعيد وما ذاك قال بلغني أنك تتكلم في الرب تعالى وتصف وتشبه فقال الغلام نعم فأخذ ليتكلم في الصفة فقال رويدك يا بني حتى نتكلم أول شيء في المخلوق فإن عجزنا عن المخلوق فنحن عن الخالق أعجز وأعجز أخبرني عن حديث حدثنيه شعبة عن البناني قال سمعت زرًّا قال قال عبد الله في قوله لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) قال رأى جبريل له ستمائة جناح قال نعم فعرف الحديث فقال عبد الرحمن صف لي خلقاً من خلق الله له ستمائة جناح فبقي الغلام ينظر إليه فقال عبد الرحمن
يا بني فإني أهوِّن عليك المسألة وأضع عنك خمسمائة وسبعاً وتسعين صف لي خلق ثلاثة أجنحة ركب الجناح الثلث منه موضعاً غير الموضعين اللذين ركبهما حتى أعلم فقال يا أبا سعيد نحن قد عجزنا عن صفة المخلوق ونحن عن صفة الخالق أعجز وأعجز فأشهدك أني قد رجعت عن ذلك وأستغفر الله وذكر أيضاً عبد الرحمن بن أبي حاتم قال حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث قال حدثنا سويد بن سعيد
قال حدثنا علي بن عاصم قال تكلم داود الجواربي فضل في التشبيه فاجتمع فقهاء واسط منهم محمد بن زيد وخالد الطحان
وهشيم وغيرهم فأتوا الأمير وأخبروه بمقالته فأجمعوا على سفك دمه فمات في أيامه فلم يصلِّ عليه علماء واسط وذكر عبد الرحمن قال حدثنا أحمد بن سنان قال
سمعت شاذ بن يحيى الواسطي يقول كنت قاعداً عند يزيد بن هارون فجاء رجل فقال يا أبا خالد ما تقول في الجهمية قال يُستتابون لأن الجهمية غلت فتفرعت في غلوها إلى أن نفت والمشبهة غلت فتفرعت في غلوها حتى مثلت فالجهمية يستتابون والمشبهة كذا رماهم بأمر عظيم وروى أبو بكر الخلال في كتاب السنة حدثني أبو بكر ابن صدقة قال سمعت أبا بكر بن أبي
عون يقول سمعت يزيد بن هارون يقول الجواربي والمريسي كافران وسمعت يزيد بن هارون وقد ذكر الجواربي فضربه مثلاً فقال أما داود الجواربي عبر جسر واسط يريد العيد فانقطع الجسر فغرق من كان عليه فخرج شيطان فقال أنا داود الجواربي وذكر عبد الرحمن حدثنا يوسف بن إسحاق حدثنا أحمد بن الوليد عن محمد بن عمرو بن بكيت قال سمعت وكيعاً
يقول وصف داود الجواربي الرب فكفر في صفته فرد عليه المريسي فكفر في رده عليه إذ قال هو في كل شيء وقال عبد الرحمن حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الصدائى قال قال نعيم بن حماد من شبه الله بخلقه فقد كفر ومن انك ما وصف الله به نفسه فقد كفر وليس فيما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه قال عبد الرحمن حدثنا أحمد بن سلمة قال سمعت إسحاق بن إبراهيم بن
راهوية يقول من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلقه فهو كافر بالله العظيم لأنه وصف لصفاته إنما هو استسلام لأمر الله ولما سن الرسول صلى الله عليه وسلم قال وسمعت إسحاق يقول علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة ما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة بل هم المعطلة ولو جاز أن يقال هم المشبهة لاحتمل ذلك وذلك أنهم يقولون إن الرب تبارك وتعالى في كل مكان بكماله في أسفل الأرضين وأعلى السموات على معنى واحد وكذبوا في ذلك ولزمهم الكفر قال عبد الرحمن سمعت أبي يقول علامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة وعلامة القدرية
تسميتهم أهل السنة مجبرة وعلامة المعتزلة تسميتهم أهل السنة حشوية وعلامة الرافضة تسميتهم أهل السنة
ناصبة وقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة أخبرني يوسف ابن موسى أن أبا عبد الله يعني أحمد بن حنبل قيل له ولا يشبه ربنا تبارك وتعالى شيئاً من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه قال نعم وليس كمثله شيء
قال الخلال وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلاً حدثه قال سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى سماء الدنيا وأن الله يرى وأن الله يضع قدمه وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى ولا نرد منها شيئاً ونعلم أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم حق إذا كانت بأسانيد
صحاحا ولا يرد على الله تعالى قوله ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية وليس كمثله شيء
وقال حنبل في موضع آخر قال ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه فقد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء فعبد الله يصف الله غير محدود ولا معلوم إلا بما وصف به نفسه قال الله تبارك وتعالى وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) [الشورى 11] وقال حنبل في موضع آخر فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفاته منه له ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه هذا كله يدل على أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة والتحديد في هذا بدعة والتسليم لله
بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه سميع بصير لم يزل متكلماً عالماً غفوراً عالم الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه صفات وصف بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ كيف شاء المشيئة إليه عز وجل والاستطاعة له لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) [الشورى 11] وهو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير قول إبراهيم لأبيه يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ [مريم 42] فثبت أن الله سميع بصير صفاته منه لا نتعدى القرآن والحديث والخبر يضحك الله ولا يعلم كيف ذلك إلاّ بتصديق الرسول عليه السلام وتثبيت القرآن لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد تعالى الله عما يقول الجهمية والمشبهة وقال لي أبو عبد الله قال لي إسحاق بن إبراهيم لما قرأ
الكتاب بالمحنة تقول ليس كمثله شيء فقلت لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) [الشورى 11] قال ما أردت بهذا قلت القرآن صفة من صفات الله تعالى وصف بها نفسه لا ننكر ذلك ولا نرده قلت له والمشبهة ما يقولون قال من قال بصر كبصري ويد كيدي قال حنبل في موضع آخر وقدم كقدمي فقد شبه الله تعالى بخلقه وهذا يحد وهو كلام سوء وهو محدود
والكلام في هذا لا أحبه قال عبد الله جردوا القرآن وقال النبي صلى الله عليه وسلم يضع قدمه نؤمن به ولا نحده ولا نرده على رسول الله صلى الله عليه وسلم بل نؤمن به قال الله تعالى وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر 7] فقد أمر الله عز وجل بالأخذ بما جاء والنهي عما نهى وأسماؤه وصفاته غير مخلوقة ونعوذ بالله من الزلل والارتياب والشك إنه على كل شيء قدير قال وزاد أبو القاسم الجبلي عن حنبل في هذا الكلام
وقال تبارك وتعالى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ - هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ [الحشر 23] هذه صفات الله عز وجل وأسماؤه تبارك وتعالى والذي جاء به الشرع في هذا النص من قوله خلق آدم على صورته ونحوه فإنه أخص مما يعلم بمجرد العقل من ثبوت القدر المشترك بينه وبين كل موجود أو كل حي فإن هذا المدلول عليه بالنص لا يعلم بالعقل والقياس وإنما يعلم أصل ذلك مجملاً وهذا كما ذكر في مسألة العلو أن العقول يعرف بها أن الله تعالى فوق خلقه وأما استواؤه على العرش بعد خلق السموات والأرض في ستة أيام فهذا إنما يعلم بالسمع هذا مما
اتفق عليه أئمة المسلمين وسائر أهل السنة والجماعة أن العلم بكونه فوق العالم فطري عقلي وأما العلم باستوائه على العرش فسمعي شرعي وكذلك أئمة متكلمة الصفاتية مثل أبي محمد بن عبد الله بن سعيد بن كلاب وأبي العباس القلانسي وغيرهما وكلام الأشعري الذي رأيناه يدل على ذلك أيضاً وإن كان ابن فورك جعل ذلك خلافاً بينه وبين ابن كلاب فقد بينا غلطه في ذلك والمقصود أن العلو عقلي والاستواء سمعي فإن الرسل صلوات الله عليهم وسلامه أخبر الله على ألسنتهم بما تقصر العقول عن دركه وإن كان ذلك من المعروف الذي يعرف
بالمعقول أصله ويعرف على سبيل الإجمال كما أن ما أمروا به كذلك هو معروف في العقول في الجملة لكن تفاصيل المأمور به لا تعرف إلا بالشرع المسموع ومعلوم أن هذا الذي جاءت به السنة من ثبوت هذا الشبه من بعض الوجوه والله هو الذي خلق آدم على صورته هو خير مما ذكره المؤسس واستشهد عليه بما ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله وهو قوله تخلقوا بأخلاق الله فإن هذا من جنس ما يقوله المتفلسفة الصابئون ومن سلك مسلكهم من الإسلاميين من قولهم إن الفلسفة هي التشبه بحسب الطاقة فيثبتون أن العبد يصير شبيهاً بالله تعالى بفعل نفسه ويحتج من اتبعهم على ذلك كأبي حامد وغيره بقوله تخلقوا بأخلاق الله وهذا اللفظ لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من كتب الحديث ولا هو معروف عن أحد من أهل العلم بل هو
من باب الموضوعات عندهم وإن كان قد يفسر بمعنى صحيح يوافق الكتاب والسنة فإن الشارع قد ذكر أنه يحب اتصاف العبد بمعاني أسماء الله تعالى كقول النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جميل يحب الجمال إنه وتر يحب الوتر إنه طيب لا يقبل إلا طيباً
الراحمون يرحمهم الرحمن إنك عفو تحب العفو فاعف عني إن الله نظيف يحب النظافة لكن المقصود أن هؤلاء مع كونهم أظهر الناس تبرُّءاً من التشبيه يزعمون أن كمال الفلسفة عندهم أن يفعل الإنسان ما يصير به مشابهاً لله في الجملة وقد وافقهم عليه بعض المتكلمين وإن كان كثير من المتكلمين يخالفونهم في ذلك
ويقول أخبرهم كالمأزري ليس لله خلق يتخلق به العبد فلأن يكون الله هو القادر على أن يخلق ما يشبهه من بعض الوجوه أولى وأحرى فيكون هذا ثابتاً بخلق الله تعالى وأما الأخلاق والأفعال المناسبة المشابهة لمعاني أسمائه التي يحبها فهي مما أمر به وهو سبحانه له الخلق والأمر الوجه السادس أن يقال المحذور الذي فروا منه لتأويل الحديث على أن الصورة بمعنى الصفة أو الصورة المعنوية أو الروحانية ونحو ذلك يلزمهم فيما أثبتوه نظير ما فروا منه وإن كان مثل هذا لازماً على التقديرين لم يجز ترك مقتضى الحديث ومفهومه لأجله ولم يكن أيضاً
محذوراً بالاتفاق وذلك أن كون الإنسان على صورة الله التي هي صفته أو صورته المعنوية أو الروحانية فيه نوع من المشابهة كما أنه إذا أُقِرَّ الحديث كما جاء فيه نوع من المشابهة غايته أن يقال المشابهة هنا أكثر لكن مسمى نوع من التشبيه لازم على التقديرين والتشبيه المنفي بالنص والإجماع والأدلة العقلية الصحيحة مُنتفٍ على التقديرين وإذا ادعى المنازع أن هذا فيه نوع من التجسيم المقتضي للتركيب فقد تقدم أن ما يسمونه تركيباً لازم على القول بثبوت الصفات بل على القول بنفس الوجود بل هو لازم لمطلق الوجود وقد تقدم بيان ذلك وبينا أن جميع ما يدعى من الأدلة العقلية المانعة من ذلك فإنه فاسد متناقض ومعنى فساده ظاهر ومعنى تناقضه أن ما يدعيه يلزمه من الإثبات نظير ما نفاه فيكون جامعاً بين النفي وإثباته أو إثبات نظيره الوجه السابع أن يقال إذا كان مخلوقاً على صورة الله تعالى المعنوية فلا يخلو إما أن يكون ذلك مقتضياً لكون
صفات العبد المعنوية من جنس صفات الله بحيث تكون حقيقتها من جنس حقيقتها أو لا يقتضي ذلك بل يقتضي المشابهة فيها مع تباين الحقيقتين فإن كان مقتضى الحديث الأول فهو تصريح بأن الله له مثل وهذا باطل وأيضاً فإنه ممتنع في العقل فإن المتماثلين في الحقيقة يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر ويجب له ما يجب له ويمتنع عليه ما يمتنع عليه والمخلوق يجب أن يكون معدوماً محدثاً مفتقراً ممكناً والخالق يجب أن يكون قديماً واجب الوجود غنيًّا فيجب أن يكون الشيء الواحد واجباً ممكناً غنيًّا فقيراً موجوداً معدوماً وهذا جمع بين النقيضين فثبت أن الحديث لا يجوز حمله على هذا
وأيضاً فإنه على هذا التقدير لا يكون في جمله على الصورة الظاهرة محذور وإن لم يكن ذلك مقتضياً لكون صفات العبد من جنس صفات الرب بحيث تكون الحقيقة من جنس الحقيقة مع كون هذا عالماً وهذا عالماً وهذا حيًّا وهذا حيًّا وهذا قادرًا وهذا قادرًا وهذا سميعًا بصيرًا وهذا سميعًا بصيرًا بل هذا موجود وهذا موجود مع كون الحقيقتين والعلم والقدرة متشابهات وكذلك لا يجب إذا كان لهذا وجه وصورة ولهذا وجه وصورة أن تكون الحقيقة من جنس الحقيقة مع تشابه الحقيقتين يوضح ذلك أنه على التقديرين لابد أن يكون بين الذات والذات مشابهة إذا كان على
الصفة المعنوية فإن كون هذا عالماً قادراً وهذا موجوداً وهذا موجوداً وهذا ذاتاً وهذا ذاتاً لها صفات وهذا ذاتاً لها صفات لابد أن يثبت التشابه كما تقدم الوجه الثامن أن الأدلة الشرعية والعقلية التي تثبت بها تلك الصفات تثبت بنظيرها هذه الصورة فإن وجود ذات ليس لها صفات ممتنع في العقل وثبوت الصفات الكمالية معلوم بالشرع والعقل كذلك ثبوت ذات لا تشبه الموجودات بوجه من الوجوه ممتنع في العقل وثبوت المشابهة من بعض الوجوه في الأمور الكمالية معلوم بالشرع والعقل وكما أنه لابد لكل موجود من صفات تقوم به فلابد لكل موجود قائم بنفسه من صورة يكون عليها ويمتنع أن يكون في الوجود قائم بنفسه ليس له صورة يقوم عليها
الوجه التاسع أن هذا المعنى الذي ذكروه وإن كان ثابتاً في نفسه ويمكن أن يكون الحديث دالاًّ عليه باللزوم والتضمن لكن قصر الحديث عليه باطل قطعاً كما تقدم الوجه العاشر ثبوت الوجه والصورة لله قد جاء في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة المتواترة واتفق على ذلك سلف الأمة وسيأتي إن شاء الله تعالى طائفة من النصوص التي فيها إثبات صورة الله تعالى كقوله فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون ونحو ذلك مما هو من الأحاديث التي اتفق العلماء على صحتها وثبوتها فأما لفظ الوجه فلا يمكن استقصاء النصوص المثبتة له فإن قيل قوله صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال له اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة
فسلم عليهم واسمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال فذهب فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال وكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن وهذا الحديث إذا حمل على صورة الله تعالى كان ظاهره أن الله طوله ستون ذراعاً والله تعالى كما قال ابن خزيمة جل أن يوصف بالذرعان والأشبار ومعلوم أن هذا التقدير في حق الله باطل على قول من يثبت له حدًّا ومقداراً من أهل الإثبات وعلى قول نفاة ذلك أما النفاة فظاهر وأما المثبتة فعندهم قدر الله تعالى أعظم وحده لا يعلمه إلا هو وكرسيه قد وسع السموات والأرض والكرسي في العرش كحلقة ملقاة بأرض فلاة
والعرش لا يقدر قدره إلا الله تعالى وقد قال الله تعالى وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [الزمر 67] وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر
وابن مسعود وابن عباس أن الله يقبض السموات والأرض بيديه قال ابن عباس ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهما وما فيهما في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم وإذا كان الأمر كذلك كان أكبر
وأعظم من أن يقدر بهذا القدر وهذا من المعلوم بالضرورة من العقل والدين قيل ليس هذا ظاهر الحديث ومن زعم أن الله طوله ستون ذراعاً وزعم أن هذا ظاهره أو حمله عليه فهو مفترٍ كذاب ملحد فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين كما تقدم ومعلوم أيضاً عدم ظهوره من الحديث فإن الضمير في قوله طوله عائد إلى آدم الذي قيل فيه خلق آدم على صورته ثم قال طول آدم ستون ذراعاً فلما خلقه قال له اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم وهذا منها أيضاً فلفظ الطول وقدره ليس داخلاً في مسمى الصورة حتى يقال إذا قيل خلق الله آدم على صورته وجب أن يكون على قدره وطوله بل من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون
أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقدر ذواتهما وقد تظهر السموات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصغر ويقال هذه صورتها مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم منذ لك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر وكذلك المصور الذي يصور السموات والكواكب والشمس والقمر والجبال والبحار يصور ذلك مع أن الذي يصوره وإن شابه ذلك فإنه أبعد شيء عن حقيقته وعن قدره والإضافة تتنوع دلالتها بحسب المضاف إليه فلما قال في آخر الحديث فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً هذا يقتضي المشابهة في الجنس والقدر لأن صورة المضاف من جنس صورة المضاف إليه وحقيقتهما واحدة وأما قوله خلق آدم على صورته فإنها تقتضي
نوعاً من المشابهة فقط لا تقتضي تماثلاً لا في حقيقة ولا قدر وأما الذين ظنوا أن الضمير في قوله طوله ستون ذراعاً لما كان عائداً إلى آدم فكذلك الضمير في صورته وان المعنى خلق أدم على صورة آدم فقد تقدم الكلام عليهم وأن آدم لم يكن له صورة قبل ذلك يخلق عليها وذكرنا الوجوه المتعددة الدالة على فساد ذلك ولهذا كان بعض المحدثين الذين يريدون أن لا يحدثوا بعض الناس بهذا المعنى يقولون خلق آدم طوله ستون ذراعاً فإذا كان هذا في بيان مقدار صورة آدم التي خلقه عليها لا يقال في مثل ذلك خلق آدم على صورة آدم بل قد يقال خلق على هذه الصورة وعلى هذه الصفة فإن هذا اللفظ ليس فيه إضافة تقتضي تقدم الصورة التي خلق عليها بل فيه تخصيص وبيان للصورة التي كان عليها بعد الخلق مع أن
هذا لا يصلح أن يقال في هذا اللفظ لن قول القائل خلق آدم على صورة آدم أو على الصورة التي كانت لآدم إذا أراد به التقدير وهو كونها ستين ذراعاً فإنه يقتضي كون المخاطبين يعرفون ذلك من تأويل هذا الخطاب فإن الخطاب المعرف بالإضافة أو اللام يقتضي تقدم معرفة المخاطبين بذلك المعرَّف ومعلوم أن المخاطبين لم يكونوا يعلمون طول آدم وهكذا لا يصلح أن يقال في القدر ما ذكر في صورة آدم من كونه لم يمسخ أو كونه خلق ابتداء ونحو ذلك إذ هذا معلوم بخلاف القدر فعلم أن الحديث أخبر فيه بجملتين أنه خلق آدم على صورته وأن طوله ستون ذراعاً ليس هذا التقدير هو تقدير الصورة التي خلق عليها حتى يقال هي صورة آدم
وأما التأويل الثاني وهو تأويل ابن خزيمة أنه إضافة خلق كما في ناقة الله وبيت الله وأرض الله وفطرة الله فالكلام عليه من وجوه أحدها انه لم يكن قبل خلق آدم صورة مخلوقة خلق آدم عليها فقول القائل على صورة مخلوقة لله وليس هناك إلا صورة آدم بمنزلة قوله على صورة آدم وقد تقدم إبطال هذا من وجوه كثيرة الثاني أن إضافة المخلوق جاءت في الأعيان القائمة بنفسها كالناقة والبيت والأرض والفطرة التي هي المفطورة فأما الصفات القائمة بغيرها مثل العلم والقدرة والكلام والمشيئة إذا أضيفت كانت إضافة صفة