بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 375-414
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب

صفحات 375-414
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

الأمة على تبليغه وتصديقه وإنما دخلت الشبهة في الحديث لتفريق ألفاظه فإن من ألفاظه المشهورة إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته وهذا فيه حكم عملي يحتاج إليه الفقهاء وفيه الجملة الثانية الخبرية المتعلقة بلا وكثير من الفقهاء روى الجملة الأولى فقط وهي قوله فإذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه ولم يذكر الثانية وعامة أهل الأصول والكلام إنما يروون الجملة الثانية وهي قوله خلق الله آدم على صورته ولا يذكرون الجملة الطلبية

فصار الحديث متواتراً بين الطائفتين وصاروا متفقين على تصديقه لكن مع تفريق بعضه عن بعض وإن كان محفوظاً عند آخرين من علماء الحديث وغيرهم وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء في إخباره بخلق آدم في ضمن حديث طويل إذا ذكر على وجهه زال كثير من الأمور المحتملة ولكن ظهر لما انتشرت الجهمية في المائة الثالثة جعل طائفة الضمير فيه عائداً إلى غير الله تعالى حتى نقل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة في عامة أمورهم كأبي ثور

وابن خزيمة وأبي الشيخ الأصبهاني وغيرهم ولذلك لأنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة وذلك مثل ما ذكره أبو بكر بن خزيمة في كتاب التوحيد فإنه ذكر الاحتمالات الثلاثة ذكر عود الضمير إلى المضروب وذكر عوده إلى آدم وتأول عوده إلى الله على إضافة الخلق فقال باب ذكر أخبار رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم تأولها بعض من لم يتبحر العلم على غير تأويلها ففتن عالماً من أهل الجهل والعناد حملهم الجهل بمعنى الخبر على القول بالتشبيه جل وعز عن أن يكون وجه خلق من خلقه مثل

وجهه الذي وصفه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه حدثنا الربيع بن سليمان المرادي قال حدثنا شعيب يعني ابن الليث حدثنا الليث عن محمد بن عجلان عن

سعيد بن لأبي سعيد المقبري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يقولن أحدكم لأحد قبح الله وجهك ووجهاً أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا يحيى بن

سعيد عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه ولا يقل قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله خلق آدم على صورته وحدثنا بندار حدثنا يحيى بن سعيد حدثني ابن عجلان قال حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه ولا يقل قبح الله وجهك بمثل حديث أبي

موسى حدثنا أبو موسى قال حدثنا يحيى عن أبي عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه قال أبو بكر بن خزيمة ليس في خبر ابن عجلان أكثر من هذا ومعنى هذا أن يحيى بن سعيد القطان الإمام رواه عن ابن عجلان عن المقبري كما رواه الليث وغيره ورواه أيضاً عنه عن أبيه عن أبي هريرة لكن يذكر إحدى الجملتين فقط وكان عند ابن عجلان الحديث عن المقبري وعن أبيه وقد رواه البخاري في صحيحه من طريق

مالك عنه مختصراً فقال البخاري باب إذا ضرب العبد فليتجنب الوجه حدثنا محمد بن عبيد الله قال حدثنا ابن وهب حدثني مالك بن أنس قال وأخبرني ابن فلان عن

سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البخاري وحدثني عبد الله بن محمد قال حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه

وقد روى البخاري ومسلم الحديث في خلق آدم بطوله ثم قال ابن خزيمة توهم بعض من لم يتبحر العلم أن قوله على صورته يريد صورة الرحمن عز وجل عن أن يكون هذا معنى الخبر بل معنى قوله خلق آدم على صورته الهاء في هذا الموضع كناية عن اسم المضروب والمشتوم أراد أن الله خلق آدم على صورة هذا المضروب الذي أمر الضارب باجتناب وجهه بالضرب والذي قبح وجهه فزجر صلى الله عليه وسلم أن يقول ووجه من أشبه وجهك لأن وجه آدم شبيه وجوه بنيه فإذا قال الشاتم لبعض بني آدم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك كان مقيحاً وجه آدم صلوات الله عليه الذي وجوه بنية شبيهة بوجه أبيهم فتفهموا رحمكم الله معنى الخبر لا تغلطوا ولا تغالطوا فتضلوا عن سواء السبيل وتحملوا على القول بالتشبيه

الذي هو ضلال قال وقد رويت في نحو هذا لفظة أغمض من اللفظة التي ذكرناها في خبر أبي هريرة وهو ما حدثنا يوسف بن موسى حدثنا جرير عن الأعمش عن

حبيب بن أبي ثابت عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن قال وروى الثوري هذا الخبر مرسلاً غير مسند حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى

قال حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن عطاء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبح الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن قال أبو بكر وقد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء عالم ممن لم يتبحر العلم وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في ذلك غلطاً بيناً وقالوا مقالة شنيعة مضاهية لقول المشبهة أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم قال والذي عندي في تأويل هذا الخبر إن صح من

جهة النقل موصولاً فإن للخبر عللاً ثلاثاً إحداهن أن الثوري قد خالف الأعمش في إسناده فأرسل الثوري ولم يقل عن ابن عمر والثانية أن الأعمش مدلس لم يذكر أنه سمعه من حبيب ابن أبي ثابت والثالثة أن حبيب بن أبي ثابت أيضاً مدلس لم يعلم أنه سمعه من عطاء سمعت إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد يقول حدثنا أبو بكر بن عياش عن

الأعمش قال قال حبيب بن أبي ثابت لو حدثني رجل عنك بحديث لم أبال أن أرويه عنك يريد لم أبال أن أدلسه قال أبو بكر ومثل هذا الخبر لا يكاد يحتج به علماؤنا من أهل الأثر لاسيما إذا كان الخبر في مثل هذا الجنس فيما يوجب العلم لو ثبت لا فيما يوجب العمل لما قد يستدل على صحته وثبوته بدلائل من نظر وتشبيه وتمثيل معين من سنن

النبي صلى الله عليه وسلم قال فإن صح هذا الخبر مسنداً بأن يكون الأعمش قد سمعه من حبيب بن أبي ثابت قد سمعه من عطاء بن أبي رباح وصح أنه عن ابن عمر على ما رواه الأعمش فمعنى هذا الخبر عندنا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر إنما هو من إضافة الخلق إليه لأن الخلق يضاف إلى الرحمن إذ الله خلقه وكذلك الصورة تضاف إلى الرحمن لأن الله صورها ألم تسمع قوله عز وجل هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان 11] فأضاف الله الخلق إلى نفسه إذ الله تولى خلقه وكذلك قوله تعالى هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فأضاف الله الناقة إلى نفسه وقال تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وقال أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً

فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [النساء 97] وقال إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ [الأعراف 128] فأضاف الأرض إلى نفسه إذ الله تولى خلقها وبسطها وقال فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم 30] فما أضاف الله على نفسه على معنيين أحدهما إضافة الذات والآخر إضافة الخلق فتفهموا هذين المعنيين لا تغالطوا قال فمعنى الخبر إن صح من طريق النقل مسنداً فإن ابن آدم خلق على الصورة التي خلقها الرحمن حين صور آدم ثم نفخ فيه الروح قال الله جل وعلا وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ [الأعراف 11] والدليل على صحة هذا التأويل أن أبا موسى محمد بن المثنى حدثنا قال حدثنا أبو عامر عبد الملك بن

عمرو قال حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن

أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال خلق الله آدم على صورته وطوله ستون ذراعاً حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما أنبأنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر أحاديث كثيرة وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال له اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحيونك

فإنها تحيتك وتحية ذريتك قال فذهب فقال السلام عليكم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله فزادوه ورحمة الله قال فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن قال أبو بكر فصورة آدم هي ستون ذراعاً التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن آدم خلق عليها لا على ما توهم بعض من لم يتبحر العلم فظن أن قوله على صورته على صورة الرحمن صفة من صفات ذاته عز وجل عن أن يوصف بالذرعان والأشبار قد نزه الله

نفسه وتقدس عن صفات المخلوقين وقال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى 11] وهو كما وصف نفسه في كتابه على لسان نبيه لا كصفات المخلوقين من الحيوان ولا من الموتان كما شبه الجهمية معبودهم بالموتان لا ولا كما شبه الغالية من الرافضة معبودهم ببني آدم قبح الله هذين القولين وقائلهما حدثنا أحمد بن منيع

ومحمود بن خداش قالا حدثنا أبو سعد الصاغاني قال حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن

أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [الإخلاص 1-4] قال ولم يكن له شبيه ولا عدل وليس كمثله شيء وقال ابن خداش في حديثه فالصمد الذي لم يلد ولم يولد لأنه ليس شيء يولد

إلا سيموت وليس شيء يموت إلا سيورث وأن الله لا يموت ولا يورث والباقي مثل لفظ ابن منيع هذا مجموع ما ذكره ابن خزيمة قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه الفصول في الأصول عن

الأئمة الفحول إلزاماً لذوي البدع والفضول ذكر فيه الأئمة الاثنى عشر المتبوعين في العلم وهم الشافعي ومالك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل والبخاري وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك والأوزاعي والليث بن

سعد وإسحاق بن راهوية وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان

وقد ذكر في ترجمة سفيان بن سعيد الثوري أنه سئل عن قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد 4] قال علمه ثم ذكر في أثناء الترجمة فإن قيل فقد منعتم من التأويل وعددتموه من الأباطيل فما قولكم في تأويل السلف وما وجهه نحو ما يروى عن ابن عباس في معنى اسْتَوَى أي استقر وما رويتم عن سفيان في قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ قال علمه الجواب قلنا لعلتين لا ثالث لهما على أن الجواب عن السؤال أن يقال إن كان السلف صحابيًّا فتأويله مقبول

متبع لأنه شاهد الوحي والتنزيل وعرف التفسير والتأويل وابن عباس من علماء الصحابة وكانوا يرجعون إليه في علم التأويل وكان يقول أنا من الراسخين في العلم إذ كان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ظهراني الأئمة الأربعة وسائر المشايخ من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين يدأب ليلاً ونهاراً في البحث والتسآل عن النساء والرجال الذين عرفوا تأويل ما لم يعرفه في صغره وشاهدوا تنزيل ما لم يشاهده في حاله من كبره وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعرفة التأويل وكان رديفاً له فقال اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين

وكان لعمر مجلسان في كل يوم مجلس لكبار الصحابة ومشايخهم ومجلس لشبانهم وكان يأمر ابن عباس أن يحضر مع كبار الصحابة مجلسه فكانت إذا ألقيت عليهم مسألة يجيبون فيها قال لابن عباس غص يا غواص دس يا دواس إذا أجاب ابن عباس بجواب صوبه وقرره وإذا تقرر أن تأويل الصحابة مقبول فتأويل ابن عباس أولى بالاتباع والقبول فإنه البحر العباب وبالتأويل أعلم الأصحاب فإذا صح عنه تأويل الاستواء بالاستقرار وضعنا له الحد بالإيمان والتصديق وعرفنا من الاستقرار ما عرفناه من الاستواء وقلنا إنه ليس باستقرار يتعقب تعباً واضطراباً بل هو كيف شاء وكما يشاء والكيف فيه مجهول والإيمان به

واجب كما نقول في الاستواء سواء فأما إذا لم يكن السلف صحابيًّا نظرنا في تأويله فإن تابعه عليه الأئمة المشهورون من نقله الحديث والسنة ووافقه الثقاة الأثبات تابعناه وقبلناه ووافقناه فإنه وإن لم يكن إجماعاً حقيقة إلا أن فيه مشابهة الإجماع إذ هو سبيل المؤمنين وتوافق المتفقين الذين لا يجتمعون على الضلالة ولأن الأئمة لو لم يعلموا أن ذلك عن الرسول والصحابة لم يتابعوه عليه فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول وإن صدر ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث خلق الله آدم على صورته فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل ولم يتابعه عليه من قبله من أهل الحديث لما روينا عن أحمد رحمه الله تعالى ولم يتابعه أيضاً من بعده حتى رأيت في كتاب الفقهاء

للعبادي الفقيه أنه ذكر الفقهاء وذكر عن كل واحد منهم مسألة تفرد بها فذكر الإمام ابن خزيمة وأنه تفرد بتأويل هذا الحديث خلق الله آدم على صورته على أني سمعت عدة من المشايخ رووا أن ذلك التأويل مزور مربوط على ابن خزيمة وإفك افتُرى عليه فهذا وأمثال ذلك من التأويل لا نقيله ولا يُلتفت إليه بل نوافق ونتابع ما اتفق الجمهور عليه

وكذلك في تأويل الشيخ أبي أحمد محمد بن علي الفقيه الكرجي الإمام المعروف بالقصاب للآيات والأخبار الواردة في إحساس الميت بالعذاب وإطنابه في كتابه المعروف بـ نكت القرآن وذهابه إلى أن الميت بعد السؤال لا يحس طول لبثه في البرزخ ولا بالعذاب فنقول هذا تأويل تفرد به ولم يتابعه الأئمة عليه والقول ما ذهب إليه الجمهور وتفرده بالمسائل لا يؤثر ولا يقدح في درجاتهم وعذر كل من تفرد بمسألة من أئمتنا من عصر الصحابة والتابعين إلى زماننا هذا أن يقال لكل عالم هفوة ولكل صارم نبوة ولكل جواد كبوة وكذلك عذر كل إمام ينفرد بمسألة على ممر الأعصار والدهور غير أن المشهور ما ذهب إليه الجمهور

وأما قول سفيان في قوله تعالى وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد 4] وقوله إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة 7] أنه علمه وكذلك قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] أنه علمه فاعلم أن هذا في الحقيقة ليس بتأويل بل هو المفهوم من خطاب الأعلى مع الأدنى فإن في وضع اللغة إذا صدر مثل هذه اللفظة من السادة مع العبيد لا يفهم إلا التقريب والهداية والإعانة والرعاية كما قال تعالى لموسى وهارون اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) [طه 43-44] فقال موسى لهارون رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) [طه 45] فقال لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) [طه 46] ومعلوم أن هذا الخطاب لا يفهم منه إلا الإعانة والرعاية والهداية كما قال صلى الله عليه وسلم لسعد إرم وأنا معك

نعم إذا صدر الخطاب من الأدنى مع الأعلى نحو العبد إذا قال لسيده إني معك يُفهم الصحبة والخدمة ولا يفهم الإعانة والرعاية قال ثم إن قلنا إن قول سفيان في الآية تأويل فهو تأويل يروى عن ابن عباس وتأويل الصحابة مقبول لما ذكرناه وإن كان تأويل سفيان إلا أنه تابعه عليه الأئمة على ما رويناه عن مالك وسفيان بن عيينة وكذلك عن الشافعي وأحمد وغيرهم فإن قولهم إن الله على عرشه بائن من

خلقه وعلمه محيط بكل مكان موافقة منهم لما قاله سفيان وقد ذكرنا أن التأويل إذا تابع عليه الأئمة فهو مقبول فإن قيل فهلا جوزتم التأويل على الإطلاق اعتباراً بتأويل السلف قلنا معاذ الله أن يجوز ذلك إذ ليس الأصول تتلقى من الرأي حتى يقاس عليه ويقال لما جاز للسلف التأويل جاز للخلف فإنا قد بينا أن تأويل السلف إن صدر من الصحابة فهو مقبول لأنهم سمعوه من الرسول وإن صدر من غيرهم وتابعهم عليه الأئمة قبلناه وإن تفرد نبذناه وأعرضنا عنه إعراضنا عن تأويل الخلف قلت فقد ذكر الحافظ أبو موسى المديني فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل

ابن محمد التيمي صاحب كتاب الترغيب والترهيب قال سمعته يقول أخطأ محمد بن خزيمة في حديث

الصورة ولا يطعن عليه بذلك بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب قال أبو موسى أشار بذلك أنه قل من إمام وإلا وله زلة فإذا تثرك ذلك الإمام لأجل زلته ترك كثير من الأئمة وهذا لا ينبغي أن يفعل قال وقد كان في شدة تمسكه بالسنة وتعظيمه للحديث وتحرزه من العدول عنه ما تكلم فيه من حديث نعيم بن حماد الذي رواه بإسناده في النزول

بالذات وكان من اعتقاد الإمام إسماعيل أن نزول الله بالذات وهو مشهور من مذهبه قد كتبه في فتاوى عدة وأملى فيه أمالي جمة إلا أنه كان يقول هذا الإسناد الذي رواه نعيم إسناد مدخول وفيه مقال وعلى بعض رواته مطعن لا تقوم به الحجة ولا يجوز نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كنا نعتقد ذلك إلا بعد أن يرد بإسناد صحيح

قال وسألت الإمام أبا القاسم إسماعيل بن محمد يوماً وقلت له أليس قد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله اسْتَوَى قعد قال نعم قلت له يقول إسحاق بن راهوية إنما يوصف بالقعود من يمثل القيام فقال لا أدري أيش يقول إسحاق قال وهذا من تمسكه بالسنة وتركه الالتفات مع ثبوت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقول الصحابة إلى غير ذلك وقد ذكر أبو بكر الخلال في كتاب السنة ما ذكره إسحاق بن منصور الكوسج في مسائله

المشهورة عن أحمد وإسحاق أنه قال لأحمد لا تقبحوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته أليس تقول بهذه الأحاديث قال أحمد صحيح وقال إسحاق صحيح ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي وذكر أيضاً عن يعقوب ابن بختان أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل سئل عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم خلق الله آدم على صورته فقال لا تفسره ما لنا أن نفسره كما جاء الحديث

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل