فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
ابن فارس اللغوي ولو صح فلا حجة فيه لما بينا مِن استيلاء من لم يكن مستوليا فنعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة وقائل هذا القول إن إجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية إن أراد به أنهم لا ينفون ما دلت عليه وما ذكر فيها بتأويلات النفاة مثل قولهم العرش والملك أو استوى بمعنى استولى ونحو ذلك فهم ينكرونه فهذا صحيح وإن أراد أن السلف لم يكونوا يعلمون معنى الاستواء ولا فسروه فهذا باطل خلاف المنقول المتواتر عنهم مثل قول ربيعة ومالك لما قيل لهم الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)
[طه 5] كيف استوى فقال مالك الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيف بدعة وذكر البخاري في صحيحه في كتاب التوحيد لما ذكر الاستواء قال أبو العالية استوى إلى السماء ارتفع فسوى خلقهن وقال مجاهد استوى على العرش علا على العرش وهذا مما رواه أهل التفسير فروى ابن أبي حاتم وغيره بالإسناد المعروف عن أبي العالية في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة 29] قال ارتفع قال
وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله وفي قوله تعالى فَسَوَّاهُنَّ [البقرة 29] قال سوى خلقهن وأعاد ذلك في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف 54] وروي عن قتادة أنه قال استوى على العرش في اليوم السابع قال وروي عن محمد بن إسحاق مثل ذلك قلت وكذلك رواه الشافعي في مسنده في فضل يوم
الجمعة أنه اليوم الذي استوى الله فيه على العرش وقال البغوي في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ [البقرة 29] قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف ثم ارتفع إلى السماء وقال البغوي أيضاً في قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الأعراف 54] قال الكلبي ومقاتل استقر وقال أبو عبيدة صعد
وذكر غيره عن الخليل بن أحمد مثل قول أبي عبيدة أنه بمعنى صعد وارتفع وذكر شاهده من كلام العرب وذكروا عن ابن عباس أنه قال استوى استقر وكذلك قال ابن قتيبة وغيره وقد زعم بعضهم أن معنى قولهم الاستواء معلوم أن مجيء لفظ الاستواء في القرآن معلوم وهذا باطل فإن كونه في القرآن أمر ظاهر يعرفه جميع الناس لا يسأل عنه ولكن السائل لما قال كيف استوى سأل عن الكيفية فبينوا له أن الكيفية لا نعلمها نحن ولكن نعلم معنى الاستواء فدل على ثبوت كيفية في نفس الأمر غير معلومة لنا وكذلك قال ابن الماجشون وأحمد بن حنبل وغيرهما ولو قدّر أن الكيفية منتفية فلا تنُفى الكيفية عن معدوم فلو لم يكن أن ثمّ استواء ثابت في نفس الأمر لم يجز نفي الكيفية عنه ولو كان المراد الاستيلاء ونحوه لم يحتج أن يقال في ذلك والكيف مجهول أو معلوم وهذا مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا بيان لفظ التأويل وأن معناه في القرآن وكلام من يتكلم بلغة القرآن غير معناه عند الذين اصطلحوا على
أن جعلوه اسما للمعنى المرجوح في اللفظ ولم يجعلوا معناه المنصوص الظاهر داخلاً في مسمى التأويل فقوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ هو تأويل ما أخبر به هذا التأويل لا يخالف ظاهر اللفظ ولا نصه بل تأويل مطابق لظاهر اللفظ الذي أخبر الله تعالى به فخبر الله عز وجل عما وعد به وأوعد به دل ظاهره على معنى وتأويل الكلام ذلك المعنى الموجود في الخارج وإذا قيل الراسخون في العلم يعلمون تأويله فمعناه أنهم يفهمون ما أخبر به عن التأويل ويتصورون معنى الكلام وهو معرفة تفسيره فهم يفهمون الخبر عن التأويل ويعلمون حقيقة التأويل وإن لم يعلموا كيفيته وكميته ووقته وقد يعلمون بعض ذلك دون بعض كما تعلم الملائكة من حيث الجملة ثم نقول وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر 31] فهو معلوم من وجه دون وجه فإذا قيل يعلمون التأويل فهم يعلمون ما دلهم عليه الخطاب وما أفهمهم إياه كما قال مالك الاستواء معلوم وأما ما وراء ذلك فهو من التأويل الذي لا يعلمونه كمثل كيفية الاستواء التي قال فيها والكيف مجهول ومما يبين معنى التأويل في كلام الصحابة الذين يتكلمون
بلغة القرآن حديث ابن مسعود رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة 105] قال كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوساً فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس حتى ثار كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبد الله ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر فقال آخر إلى جنبه عليك نفسك فإن الله تعالى
يقول يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة 105] قال فسمعها ابن مسعود فقال مه لم يحن تأويل هذه الآية بعد إن القرآن أنزل حيث أنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ومنه ما وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنه آي قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه آي يقع تأويلهن عند الساعة على ما ذكر من أمر الساعة ومنه آي يقع تأويلهن عند الحساب على ما ذكر من أمر الحساب والجنة والنار فما رأيت قلوبكم واحدة وأهواءكم واحدة ولم تلبسوا شيعاً ولم يذق بعضكم بأس بعض فمروا وانهوا فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعاً وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية وروي من حديث عبد الله بن مغفل عن
مكحول أن رجلاً سأله عن قول الله تعالى عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فقال إن تأويل هذه الآية لم يجئ بعد إذا هاب الواعظ وأنكر الموعوظ فعليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت وعن كعب قال إذا هديت فأدى ذلك للغضب فحينئذ تأويل هذه الآية وهذه الآية من آيات الأمر والنهي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب الإمكان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم
يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان فقوله تعالى لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة 105] فمن الاهتداء القيام بما يجب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا قال الصدّيق أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها وإنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده
فالصديق أنكر على من ظن أنها تسقط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكن ذلك واجب بحسب الاستطاعة قال أبو عبيد خاف الصديق رضي الله عنه أن يتأول الناس الآية على غير تأويلها فتدعوهم إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأعلمهم أنها ليست كذلك وابن مسعود وأولئك بينوا أن في زمانهم يمكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان لاجتماع القلوب ووجود الأعوان على ذلك وأنه عند التفرق والاختلاف وعجز الإنسان عن الإنكار باليد واللسان والمقصود أنهم سموا نفس المراد بالآية تأويلاً لها بل الإمساك عما يعجز عنه من الإنكار فإنه من تأويل قوله صلى الله عليه وسلم عليك نفسك ولا يضرك من ضل إذا اهتديت وأما تفسيرها وفهم معناها فقد كان موجوداً في زمانهم وهذا التأويل لا يعجز
عنه أحد ولا يسقط عن أحد ويتبعه الإنكار بالقلب وهو أضعف الإيمان بخلاف ذلك وما قاله ابن مسعود قد جاء مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ثعلبة الخشني قال أما والله لقد سألت عنها خبيراً سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحّاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنياً مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ورأيت أمراً لابد منه فعليك نفسك ودع عنك أمر العامة فإن من ورائكم أيام الصبر فمن صبر فيهن فهو كقبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله وروي خمسين منكم أي مثل ذلك العمل إذا عمل به في زمان
الصحابة لأن العمال كثيرة وكان متيسراً فإذا عمل به في ذلك الزمان ضوعف أجر عمله
وأما مجموع عمل السابقين فلا يقدر أحد على فعله كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لو أنفق لأحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه وإذا عرف معنى لفظ التأويل ظهر فساد احتجاج هؤلاء بقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] فإن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله ليس هو أن لا يفهم أحد شيئاً من اللفظ بل يفهمونه وإن كان تأويله لا يعلمه إلا الله وعامة السلف الذين كانوا يَفْصِلون الآية ويقفون عند قوله تعالى إِلَّا اللَّهُ فسروا التأويل بغير ما يفهم من لفظ
الآية ومنهم غير واحد يقول إنهم يعلمون تأويله بمعنى آخر كما تقدم عن مجاهد والضحاك وقال السدي وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ عواقبه يجيء الناسخ منه فينسخ المنسوخ وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ قال تحقيقه وعن عباد بن منصور سألت الحسن عن قوله
تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] فقال تأويله القضاء به يوم القيامة وقد تقدمت رواية الوالبي عن ابن عباس في قوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ قال تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله
وعن محمد بن إسحاق مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ فيهن حجة الرب تعالى وعصمة العباد ودفع الخصومة والباطل ليس بهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ قال لم يفصّل فيهن القول كما فصله في المحكمات يتشابه في عقول الرجال ويتخالها التأويل فابتلاء الله تعالى فيها العباد كابتلائهم في الحلال والحرام وفي رواية عنه قال متشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران 7] أي ما تحرف منه ومتصرف ابتغاء الفتنة إلى اللبس وابتغاء تأويله وما تأولوا وزينوا من الضلالة ليجيء لهم الذي في أيديهم من البدعة ليكون لهم به حجة على من
خالفهم للتصريف والتحريف الذي ابتلوا به بمثل الأهواء وزيغ القلوب والتنكيب عن الحق الذي أحدثوا من البدعة وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ أي ما يعلم ما صرفوا وتأولوا إلا الله الذي يعلم سرائر العباد وأعمالهم وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ قال لم يكن معرفتهم إياه أن يفقهوه على الشك ولكنهم خلصت الأعمال منهم ونفذ علمهم أن عرفوا الله بعدله لم يكن ليختلف شيء مما جاء به فردوا المتشابه على المحكم وقالوا كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا فكيف يكون فيه اختلاف وإنما جاء يصدق بعضه بعضا وفي الرواية الأخرى قال ثم ردوا تأويل المتشابه
على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويلا واحدا فاتسق بقولهم الكتاب وصدّق بعضه بعضاً فنفذت به الحجة وظهر به العذر وزاح به الباطل ودفع به الكفر يقول الله تعالى وَمَا يَذَّكَّرُ أي في مثل هذا إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ فهو في رواية ابن إدريس عنه لما قال وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلَّا اللَّهُ فسر التأويل مما تأولوه من الباطل فيه وفي رواية سلمة عنه جعل الراسخين في العلم يعلمون من تأويل المتشابه وأنهم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكم الذي لا تأويل لأحد فيه إلا تأويلاً واحدا فابن إسحاق ذكر مثل قول ابن عباس والضحاك وغيرهم الذين يقولون بالقراءتين يقولون له تأويل لا يعلمه إلا الله وتأويل يعلمه الراسخون وكذلك عامة أهل العربية الذين قالوا وما يعلم تأويله إلا الله كالفراء وأبي عبيد وثعلب وابن
الأنباري هم يتكلمون في متشابه القرآن كله وفي تفسير معناه ليس في القرآن آية قالوا لا يعلم أحد تفسيرها ومعناها فيجب أن يكون التأويل الذي اختص الله به عندهم غير ما تكلموا فيه من تفسير الآيات المتشابهة وقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] قد يقال فيه إن المنفي هو عموم السلب لا سلب العموم أي ما يعلم جميع التأويل إلا الله وأما بعضه فيعلمه الراسخون كما قال ابن عباس وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب فقول الجمهور هو القراءة الصحيحة وهو أنه لا يعلم غير الله جميع التأويل كقوله تعالى وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [المدثر 31] أي مجموعهم وإلا فكثير من الناس يعلم بعض جمود ربنا
وبكل حال تفسير معناه ليس داخلاً في التأويل الذي اختص الله به سواء سُمّي تأويلاً أو لم يسم وأما احتجاجهم بالحروف المقطعة فعنه أجوبة أحدها أن هذه ليست كلاماً منظوماً فلا يدخل في مسمى الآيات وعامة الناس أهل مكة والمدينة والبصرة لا يعدون ذلك آية ولكنِ الكوفيون يعدونها آية وبكل حال فهي أسماء حروف يُنْطقُ بها غير معربة مثل ما ينطق بألف با تا وبأسماء العدد واحد اثنان ثلاثة والذي يتبين به المعنى بعد العقد والتركيب بتقدير أن لا يكون لهذه معنى يفهم ولا يلزم أن لا يكون للكلام المؤلف المنظوم الذي هو جملة اسمية أو فعلية معنى يفهم ولكن على هذا التقدير يكون قد أنزلت هذه الحروف بحكم آخر غير الخطاب الجواب الثاني أن السلف قد تكلموا في معانيها وكلامهم في ذلك كثير مشهور عن ابن عباس وغيره وبسطه هنا فتارة يقولون كل حرف يدل على اسم من أسماء الله تعالى
وتارة يجعلون كل حرف من لفظ والمجموع جملة كما روى أبو الضحى عن ابن عباس الم إني أنا الله أعلم وتارة يجعلون اسم الله من عدة حروف كقول من قال الر وحم ون هو اسم الرحمن ومنهم من قال تدل على أسمائه وصفاته مثل آلائه ونعمائه ومنهم من قال هي أسماء القرآن
ومنهم من قال فواتح يُفْتَتحُ بها القرآن ومنهم من يجعلها تدل على ذلك كله كما رواه الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الحروف الثلاثة من التسعة والعشرين أحرف دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلائه وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجالهم وقال عيسى ابن مريم وعجب فقال وأعجب أنهم ينطقون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح اسم الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد والألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله فالألف ستة واللام ثلاثون والميم أربعون
وعن مقاتل بن حيان في قوله تعالى وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ قال يعني فيما بلغنا الم والمص والمر والر فهؤلاء الأربع المتشابهات فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ يعني حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود يتبعون ما تشابه منه ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ قال ابتغاء ما يكون وكم يكون قال وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كم يكون إِلَّا اللَّهُ الجواب الثالث أن يقال نحن نسلم أن كثيراً من الناس
أو أكثرهم لا يعرفون معنى كثير من القرآن فإذا قيل إن أكثر الناس لا يعرفون معنى حروف الهجاء التي في أوائل السور فهذا صحيح لا نزاع فيه وإن قيل إن أحداً من الناس لا يعرف ذلك وأن الرسول نفسه لم يكن يعرف ذلك فمن أين لهم هذا فهذا النفي لابد به من دليل
فصل وأما الحديث الذي احتجوا به وهو قوله صلى الله عليه وسلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل العلم بالله فإذا أمكروا لم ينكره إلا أهل الغرة بالله فهذا حجة عليهم إن كان صحيحاً فإن هذا ليس له إسناد تقوم به الحجة بل قد رواه أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتابه الفاروق بإسناد فيه من
لا يعرف وأبو إسماعيل هو وشيخه يحيى بن عمار وغيرهم يحملون ذلك على أحاديث الصفات الدالة على إثبات الصفات
لله تعالى وأبو حامد يحمل ذلك على ما يذكره في الكتب المضنون بها ونحو ذلك من أقوال الباطنية الملاحدة لكنه رجع عن ذلك في آخر عمره فهذا الحديث إن لم يكن صحيحاً فلا حجة فيه وإن كان صحيحا بتقدير صحته ففيه أن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله فهذا يدل على أن من الناس من يعلم هذا العلم ليس مما استأثر الله به ولكن بعض الناس ينكره فإن كان تأويل المتشابه من هذا كما ادعوه فقد ثبت أن العلماء بالله يعلمون تأويل المتشابه وبطل قولهم وإن لم يكن منه بطلت حجتهم فعللا التقديرين بطل استدلالهم بهذا الحديث ولا ريب أن من العلم ما لا تقبله عقول كثيرة كما قال ابن مسعود ما من رجل يحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم وقال علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله
وقد ذكره البخاري في صحيحه وترجمه باب من خص بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا وذكر حديث معاذ بن جبل لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله إلا حرمه الله على النار قال يا رسول الله ألا أخبر الناس قال إذاً يتكلوا فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً وأما ما ذكره من قياس الأقوال على الأفعال وأن فيها ما هو بعيد
لا يعقل معناه فجوابه من وجوه أحدها أن الأعمال المأمور بها ينتفع بها العامل ويحصل بها المقصود وإن لم يعرف حكمها وأما الأقوال التي يخاطب بها الناس فإن لم يكن معرفة معناها لم ينتفع بها الناس الثاني أنه يجوز أمر الناس بأعمال ينتفعون بها وإن لم يعرفوا حكمتها كما يأمر المؤدب والوالد والطبيب وأما مخاطبة الناس بكلام لا سبيل لهم إلى فهمه فهذا لا يفعله أحد من العقلاء وقوله إن الطاعة فيما لم تعرف حكمته أتم ممنوع بل ما عرفت حكمته التي يحبها الله تعالى لأجل تلك الحكمة التي يحبها الله تعالى فهذا أتم لأن الذي ذكروه متوجه فيما إذا كانت الحكمة غرضا دنيويًّا مثل حفظ الأموال
والأنفس وقهر العدو ونحو ذلك فهنا قد لا يفعله إلا لذلك الغرض الدنيوي وهذا مذموم ولكن الحكمة المتعلقة بالخالق وأنه يحب الفعل ويرضاه يعرفها أهل العلم والإيمان وأما القدرية المجبرة والنافية فلا يعرفونها كما قد بسط في موضعه ومعلوم أنه إذا صلى وسجد لما في السجود من الخضوع لله والتقرب إليه لم يكن رمي الجمار أفضل من هذا وكذلك إذا تصدق ليحسن إلى الخلق ابتغاء وجه ربه الأعلى لا يريد منهم جزاء ولا شكورا وأما قوله إن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به سقط وقعه عن القلب فهذا ممنوع ولكن هذا يختلف باختلاف المعاني فإن كان ذلك المعنى مما لا يعظمه القلب سقط وقعه عن القلب وإن كان المعنى مما يعظمه القلب كان تعظيمه للكلام إذا فهم معناه بحسب عظم ذلك المعنى ولهذا كل من كان للقرآن أفهم
ولمعانيه أعرف كان أشد تعظيماً له من الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني بل كتاب سيبويه في النحو إذا فهمه الإنسان كان لسيبويه في قلبه من الحرمة ما لم يكن قبل ذلك والله تعالى قد أمر العباد بتدبر القرآن والتفكير فيه وتفهمه فكيف يقال إنهم إذا فعلوا ذلك سقط وقعه عن قلوبهم مع أن الأمر بخلاف ذلك وكلما تصور العبد ما في القرآن من الخبر عن الله تعالى وملائكته وأنبيائه وأعدائه وثوابه وعقابه حصل لهم من التعظيم والمحبة والخشية ما لا يعلمه إلا الله قال تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال 2] أفترى الإيمان يزداد بمجرد لفظ لا يفقه معناه وإذا فقه معناه لا يزداد الإيمان بذلك وقال تعالى وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ [فصلت 44] فلو كان الهدى والشفاء يحصل بمجرد اللفظ الذي لا يفقه معناه لحصل به إذا كان أعجميا بطريق الأولى بل الهدى
والشفاء إذا فهم معناه أتم وأكمل بلا ريب وقد قال تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) [محمد 16] فذم الذين لا يعلمون ما قال ووصف الآخرين بأنهم أوتوا العلم وقد قال تعالى هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ [الزمر 9] وأما قوله إنه إذا لم يقف على المقصود مع معرفته بأن المتكلم بذلك أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه ملتفتاً إليه أبدا ومتفكرا فيه أبدا يقال هذا صحيح إذا كان يرجو فهمه وكان فهمه ممكنا عنده أما إذا جزم بأن أحداً من الخلق لا يفهمه صار ذلك مأيوسا منه فر يلتفت قلبه إلى ما يطمع فيه ولا يتفكر فيه بل تبقى همته مصروفة إلى لفظ دون معناه واللفظ تابع
للمعنى فإذا لم يكن ثم معنى يطلب يبقى مجرد لفظ فأفضى به إلى ما يفسد القلب من التشدق والتفيهق وقسوة القلب وغفلته عن الله قوله ولباب التكليف اشتغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه فلا يبعد أن يقال إن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة كبيرة عظيمة له فيقال هذا إنما يكون فيما إذا كان فهمه ممكناً أما إذا جزم العبد بأنه لا سبيل لأحد إلى فهمه فلا يلتفت ذهنه إلى المعنى ولا يشتغل به خاطره ولا يشتغل سره بذكر الله تعالى والتفكير في كلامه من هذه الجهة وإنما يتفكر في كلامه إذا رجا فَهْمه أو فَهِمه وطلب زيادة الفَهْم فأما الكلام الذي يجزم بأنه لا يفهمه أحد فلا يتفكر فيه واشتغال السر بذكر الله تعالى هو بحسب معرفة العبد فإذا كان باب المعرفة مسدودا لم يشتغل السر إلا باللفظ المجرد والقلب لا يزكو بذلك ولا يصلح به ولا يعبد الله ويحبه بمجرد لفظ لا يعرف أحد معناه ولهذا يوجد الذين قد يئسوا من معرفة المعنى قد أعرضوا بقلوبهم عن ذلك لا يذكرونه ولا يتفكرون فيه كإعراض
الإنسان عما يجده مكتوباً بغير الخط الذي يعرفه فإنه لما لم يعرف المكتوب فإنه يجعل الورق غلافاً لغيره ووقاية له كما يفعل الناس في الرقوق التي لا يدرون ما كتب فيها وقد يكون فيها من الكلام ما لو عرفوه لم يفعلوا به ذلك كالكتب المعربة وعدم فهم اللفظ كعدم فهم الخط كلاهما يسقط حرمة الكلام من القلب بخلاف ما إذا كان فهمه ممكنا فإنه إذا اعتقد عظمته تعلقت همته بطلب فهمه واشتغل بذكر ربه والتفكر في كلامه فانتفع بذلك ولهذا يفكر الإنسان فيما أشكل عليه فتكون فكرته فيه سبباً لجمع همته وإقباله على الله تعالى وعلى عبادته واشتغاله بذلك عما تهواه الأنفس ومن الأهواء الرديئة ثم إذا فهم بعض الحق وجد فيه حلاوة وذلك يدعوه إلى طلب الباقي قال تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) [محمد 24] وقال كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) [ص 29] وقال تعالى أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) [الرعد 19] فإن كون الكلام حقًّا أو باطلاً هو
متعلق بمعانيه لا بألفاظه الدالة على معانيه فأما اللفظ الذي لا يعرف له معنى فلا يقال فيه حق ولا باطل فصل قال الرازي الفصل الثاني في وصف القرآن بأنه محكم ومتشابه اعلم أن كتاب الله دل على أنه بكليته محكم ودل على أنه بكليته متشابه ودل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه أما الذي يدل على أنه بكليته محكم فقوله تعالى الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) [هود 1] وقوله الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) [يونس 1] فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه حقًّا في ألفاظه وكونه حقا في معانيه فكل كلام سوى القرآن فالقرآن أفضل منه في لفظه ومعناه وأن أحداً من
الخلق لا يقدر أن يأتي بكلام يساوي القرآن في لفظه ومعناه والعرب تقول في البناء الوثيق والعهد الوثيق الذي لا يمكن حله إنه محكم فهذا معنى وصف كل القرآن بأنه محكم وأما الذي يدل على أنه كله متشابه فهو قوله تعالى كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ [الزمر 23] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن والفصاحة ويصدق بعضه بعضاً وإليه الإشارة بقوله تعالى وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) [النساء 82] أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر ولتفاوت نسق الكلام في الجزالة والفصاحة وأما الذي يدل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه فهو قوله تعالى هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران 7]
قلت هذا الذي ذكر من أن القرآن كله محكم وأنه كله متشابه قد ذكره عامة العلماء والقرآن دل على ذلك كما ذكره وقالوا في قوله تعالى مُتَشَابِهًا ما ذكره أنه متشابه في المعاني والألفاظ قال كثير من المفسرين كالثعلبي والبغوي مثل ما قال متشابهاً يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً وقال أبو الفرج بن الجوزي في المتشابه قولان أحدهما أشبه بعضه بعضاً في الآي والحروف فالآية تشبه الآية والكلمة تشبه الكلمة والحرف يشبه الحرف والثاني أن بعضه يصدق بعضا فليس فيه اختلاف ولا تناقض وتفسير المتشابه بأنه يصدق بعضه بعضاً
معروف عن عامة العلماء وأما القول الأول فهو مأثور عن قتادة قال الآية تشبه الآية والحروف تشبه الحروف ولفظ الحرف في اللغة يراد به الاسم لقوله صلى الله عليه وسلم من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف فلعل قتادة أراد الآية المنظومة والاسم المفرد يشبه بعضه بعضا في اللفظ والمعنى كما قال غيره فالتشابه في المعنى ينفي التضاد والتناقض المعبر عنه