بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 218-258
أهل الأثرالأرشيف العلمي

فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول

صفحات 218-258
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

أما الآيات فكثيرة وقد ذكر منها أربع عشرة آية أحدها قوله تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) [محمد 24] أمر الناس بالتدبر في القرآن ولو كان القرآن غير مفهوم فكيف يأمرنا بالتدبر فيه الثاني قوله تعالى أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82) [النساء 82] فكيف يأمرنا بالتدبر فيه لمعرفة نفي التناقض والاختلاف مع

أنه غير مفهوم للخلق الثالث قوله تعالى وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) [الشعراء 192-195] ولو لم يكن مفهوماً فكيف يمكن أن يكون الرسول منذراً به وأيضاً قوله بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) [الشعراء 195] يدل على أنه نازل بلغة العرب وإذا كان كذلك وجب أن يكون معلوماً الرابع قوله تعالى لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء 83] والاستنباط منه لا يكون إلا بعد الإحاطة بمعناه قلت هذا الـ مذكور في قوله تعالى وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [النساء 83] ليس المراد به القرآن

الخامس قوله تعالى تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ [النحل 89] ونظيرهما وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ [يوسف 111] وأما قوله تعالى مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ [الأنعام 38] فهو بعد قوله تعالى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) [الأنعام 38] ولهذا قال أكثر العلماء إن الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ وهذا الكلام يقتضي أنه بين لا يقتضي أن كل ما فيه مفهوم فقد يقال إن فيه هذا وفيه هذا لكل يقال لما قصد به بيان كل شيء فبيانه نفسه وفهم معناه مقدم على غيره

قال السادس قوله تعالى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) [البقرة 2] وما لا يكون معلوماً لا يكون هديّ السابع قوله تعالى حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ [القمر 5] وقوله تعالى وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) [يونس 57] وكل هذه الصفات لا تحصل في غير المعلوم الثامن قوله تعالى قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) [المائدة 15] ولا يكون مبينا إلا أن يكون معلوماً التاسع قوله تعالى أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51) [العنكبوت 51] فكيف يكون الكتاب كافياً وكيف يكون ذكرى مع أنه غير مفهوم العاشر قوله تعالى هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ [إبراهيم 52] فكيف يكون بلاغاً وكيف يقع الإنذار به وهو غير معلوم وقوله في آخر الآية وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)

[إبراهيم 52] وإنما يكون كذلك أن لو كان معلوماً الحادي عشر قوله تعالى قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) [النساء 174] فكيف يكون برهاناً ونوراً مبيناً مع أنه غير معلوم الثاني عشر قوله تعالى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) [طه 123-124] فكيف يمكن اتباعه تارة والإعراض عنه أخرى مع أنه غير معلوم الثالث عشر قوله تعالى إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) [الإسراء 9] فكيف يكون هادياً مع أنه غير معلوم للبشر الرابع عشر قوله تعالى آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة 285] والطاعة لا تكون إلا بعد العلم فوجب كون القرآن مفهوماً قلت وفي القرآن مواضع أخرى تدل على هذا المعنى

الأول مثل قوله تعالى وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) [النحل 44] فإنه يدل على أنه يبين للناس جميع ما نُزّل إليهم فيكون جميع المنزل مبيناً عنه يمكن معرفته وفهمه وقوله تعالى وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) [النحل 44] يدل على ذلك فإن التفكر طريق إلى العلم ما لا يمكن العلم به لايؤمر بالتفكير فيه الثاني قوله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (10) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الطلاق 10-11] وما لا يفهم ولا يعلم معناه لا يخرج أحداً من ظلمة إلى نور ومثله قوله تعالى هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) [الحديد 9] الثالث قوله تعالى الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) [إبراهيم 1] فأخبر أنه أنزل إليه الكتاب لهذا الإخراج

والإخراج من الظلمات إلى النور لا يكون إلا بما يفهم ويعلم معناه وما لا يفهم لا يحصل به خروج من الظلمة إلى النور الرابع قوله تعالى يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون 68] وإنما يمكن تدبر القول إذا أمكن معرفته وفهمه الخامس قوله تعالى الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) [يوسف 1-2] وإنما يكون مبيناً سواء أريد مبيناً في نفسه أو أنه مبين لغيره إذا كان مما يمكن معرفته وفهمه ومعرفة معناه السادس قوله تعالى وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) [الأعراف 203] السابع قوله تعالى هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) [الأعراف 203] وقوله تعالى قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا [الأنعام 104] والبصائر جمع بصيرة بمعنى الحجج

والبرهان والبيان واحدتها بصيرة وقال الزجاج معنى البصائر ظهور الشيء وبيانه وقال الجوهري البصيرة الحجة والاستبصار في الشيء قوله تعالى بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) [القيامة 14] ولا حجة ولا برهان ولا بيان ولا ظاهر إلا إذا أمكن فهم معرفته وما لا يمكن أحداً من الخلق فهمه يمتنع أن يكون كذلك الثامن قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) [يونس 42] وقوله تعالى وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً [البقرة 171] وقوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) [محمد 16] وقوله تعالى وَلَا تَكُونُوا

كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) [الأنفال 21] وهذا كله ذم لمن سمع الكلام ولم يفهم معناه ولم يفهمه وإنما يستحق الذم إذا كان الكلام مما يمكن فهمه وفقهه وما لا يكون كذلك لم يستحق به الذم التاسع قوله تعالى اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر 23] وقوله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف 3] وإنما يكون أحسن الحديث وأحسن القصص إذا كان مما يفقه ويعقل وما كان يمتنع فهم معناه كان ما يفهم ويعلم أحسن وأنفع منه العاشر قوله تعالى وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) [القمر 17] في غير موضع قال بعض السلف هل من طالب علم فيعان عليه

وإنما يكون متيسراً للذكر إذا أمكن فهمه ليذكر معناه ويذكّر الناس بما ذُكّر به وما لا يفقه من الكلام ولا يمكن فقهه لا يمكن أن يتذكر به أحد وليس مذكراً فضلاً عن أن يكون متيسراً للذكر الحادي عشر قوله تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم 4] فجعل الرسول بلسان قومه ليبين لهم ما أرسل به ومعلوم أنه لو خاطبهم بلسان آخر وترجمه لهم لحصل المقصود فـ ـكان ذلك أتم في النعمة فكيف يخاطبهم بكلام لا هو يفهم معناه ولا هم يفهمونه ولا يمكن أحداً فهمه وهل الإرسال بمثل هذا إلا من أعظم المعائب التي يجب تنزيه الرب سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً عنها فإنها لا تليق بآحاد الناس سبحانه وتعالى الثاني عشر قوله تعالى فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) [النحل 35] وقوله تعالى وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا

وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) [النور 54] ومعلوم أن البلاغ المبين لا يحصل بكلام لا يمكن أحداً فهمه بل لا يمكن فهمه للرسول ولا للمرسل إليه تعالى الله عن مثل ذلك الثالث عشر قوله تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ [البقرة 213] ومعلوم أن حكم الله بالكتاب أو حكم الكتاب بين المختلفين لا يمكن إلا إذا عرفوا ما حكم به من الكتاب وما تضمنه الكتاب من الحكم وذلك إنما يمكن إذا كان مما يمكن فهم معناه وتصور المراد به دون ما يمتنع ذلك منه الرابع عشر قوله تعالى تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ [النحل 63-64] وبيان ذلك بالكتاب إنما يكون إذا كان فهم الكتاب ممكناً فأما إذا تعذر فهمه فيمتنع أن يحصل به بيان ما اختلف فيه الناس الخامس عشر قوله تعالى وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) [آل عمران 101] ومعلوم أن تلاوة آيات الله إنما

تكون مانعة من الكفر إذا تبين بها الإيمان من الكفر والحق من الباطل وهذا إنما يكون بالكلام إذا كان مما يمكن فهمه ومعرفته دون ما يتعذر ذلك فيه السادس عشر قوله تعالى المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الأعراف 1-3] وقوله تعالى اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأنعام 106] ومعلوم أن اتباع ما أمرهم الله تعالى من الكتاب والحكمة إنما يمكن بعد فهمه وتصور معناه وما كان من الكلام لا يمكن أحداً فهمه لم يمكن اتباعه بل كان الذي يسمعه كالذي لا يسمع إلا دعاء ونداء وإنما الاتباع لمعاني الكلام السابع عشر قوله تعالى وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [فصلت 44] قال المفسرون لو جعله قرآنا أعجميًّا لأنكروا ذلك وقالوا هلا بينت آياته بلغة العرب لنفهمه أقرآن عجمي ورسول عربي فقد بيّن سبحانه وتعالى أنه لو جعله أعجميًّا لأنكروه فجعله عربيًّا ليفهم معناه وليندفع مثل هذا القول ومعلوم أنه لو كان أعجميًّا لأمكنهم التوصل إلى فهمه بأن يترجم لهم مترجم إما أن يسمعه من الرسول ويترجمه أو يحفظوه هم أعجميًّا ثم يترجمه لهم كما أن من العجم من يحفظ القرآن عربيًّا ولا يفهم ويترجم له وأما إذا كان عربيًّا لا يمكن أحداً أن يفهمهم إلا الرسول

ولا المرسل إليهم فإنكار هذا أعظم من إنكار كونه أعجميًّا وإذا كان الله تعالى قد بين أنه لا يفعل الأول فهم أن لا يفعل هذا أولى وأحرى الثامن عشر قوله تعالى كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29) [ص 29] ومعلوم أن تدبر آياته وتذكر أولي الألباب إنما يكون مع إمكان فهمه ومعرفة معناه وأما بدون ذلك فهو متعذر التاسع عشر أن القرآن آيات والآية هي العلامة والدلالة وإنما تكون علامة ودلالة إذا دلت على شيء وأعلمت به وما كان دليلاً ومعلماً وعلامة فإنه يمكن أن يستدل به ويستعلم به ما دل عليه وما لم يمكن ذلك فليس بدلالة ولا كلام فما لا يمكن أن يفهم منه معنى ولا يستدل به عليه فليس في آيات الله ولا يكون في كلامه الذي أنزله العشرون قوله تعالى قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي

بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ [المائدة 15-16] وإنما يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام إذا فهموه وما لم يفهم من الكلام لا يهدى به إلى شيء لاسيما إذا كان لا يفهمه أحد الحادي والعشرون قوله تعالى وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53) [الشورى 52-53] ومعلوم أن الروح الذي أوحاه من الكتاب والإيمان ما يهتدي به من يهتدي من عباده إلا إذا علموا ذلك فإذا كان الكتاب لا يفهم لم يهتد أحد بكلام ولا يفهمه أحد وكذلك قوله تعالى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) [الشورى 52] فإن هدايته إلى ذلك بالكلام الذي سمع منه فإذا كان ما يبلغه هو من الكتاب والسنة لا يفهمه لا هو ولا غيره ولا سبيل لأحد إلى فهمه لم يمكن أن يهدي به أحداً إلى صراط مستقيم الثاني والعشرون قوله تعالى أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ

لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) [هود 1] وما لا يمكن فهمه لم يحكم ولم يفصل الثالث والعشرون قوله تعالى تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) [يونس 1] وقال تعالى تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) [النمل 1] وقال تعالى تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (1) [الحجر 1] وقال تعالى الم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) [لقمان 1-2] وقال تعالى ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) [آل عمران 58] والحكيم فعيل سواء كان بمعنى الفاعل وهو الحاكم أو بمعنى المفعول وهو المحكم فلا يكون حاكما ولا محكماً إلا إذا كان له معنى يمكن فهمه ومعرفته وإلا فاللفظ الذي لا يمكن أحداً فهم معناه ليس بمحكم ولا حاكم ولا محكّم الرابع والعشرون قوله تعالى فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [آل عمران 61] والذي جاءه هو القرآن وإنما يكون علماً إذا كان متضمناً للعلم فيعلم به ما بين فيه واللفظ الذي لا يمكن أحداً فهم معناه ليس بعلم ولا يدل على علم

وليس من العلم بسبيل وإذا كان لا يعلم معناه إلا أنه كامن من علمه الذي استأثر به لم يكن علماً لغيره ولم يكن قد جاء غيره علماً ولا علم أحد به علما الخامس والعشرون قوله تعالى لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء 166] بين أنه أنزل القرآن بعلمه أي متضمناً لعلم فيه يراد فيه علم ليس المراد بذلك وهو يعلم فإن كل الموجودات يعلمها والمقصود مدح القرآن وبيان اشتماله على علم الله تعالى وإذا كان كذلك دل على أن ما فيه من العلم لم يستأثر الله تعالى به بل أنزله إلى عباده وعلمهم إياه وهو من علمه الذي قال فيه وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة 255] وهذا لا يكون إلا إذا أمكن فهم معناه وإلا فاللفظ الذي لا يمكن فهم معناه لا علم فيه لأحد ومثل هذا قوله تعالى فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [هود 14] السادس والعشرون قوله تعالى وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) [طه 133] أي بيان ما في الصحف الأولى وإنما يكون بياناً لما في الصحف إذ بين ذلك ودلّ عليه وعرّف به وهذا إنما يكون بالكلام الذي

يمكن فهمه ومعرفته ومعرفة معناه وما كان ذلك ممتنعاً فيه لم تكن فيه بينة ولا بيان ولا للصحف ولا لغيرها ومثل هذه الأدلة في القرآن كثيرة يطول تتبعها وهذه أربعون وجهاً منها وعند التأمل هي أكثر من ذلك والوجه الواحد يتضمن وجهاً أو وجوهاً والآيات المتماثلة جعلت وجها وكل منها دليل مستقل فتكون الدلائل المذكورة أكثر من مائة دليل وما لم يذكر كثيراً أيضاً

فصل قال الرازي أما الأخبار فقوله صلى الله عليه وسلم إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي وكيف يمكن

التمسك به وهو غير معلوم

قلت لفظ الحديث في صحيح مسلم عن جابر أنه قال في خطبة يوم عرفة وإني قد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله لم يذكر فيه لا عترتي ولا سنتي وكذلك في صحيح البخاري عن ابن أبي أوفى قيل له هل وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لا فقيل له كيف لم يوص وقد كتب على الناس الوصية قال وصى بكتاب الله وكذلك في صحيح البخاري أن عمر خطب الناس من الغد من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به وبه هدى الله محمداً صلى الله عليه وسلم فاعتصموا به تهتدوا بما

هدى الله به محمداً صلى الله عليه وسلم وأما السنة فالقرآن قد أوصى باتباعها في غير موضع يذكر طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في نحو من أربعين موضعاً وذكر إنزال الحكمة في القرآن في خمسة مواضع والذي نزل مع القرآن

هو السنة وأما لفظ العترة ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أنه قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغدي يدعى خمًّا بين مكة والمدينة وقال إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله وحض عليه وقال عترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ففيه أنه أمر باتباع القرآن وأنه وصى الأمة بأهل بيته وأما قوله ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله وعترتي فقد رواه الترمذي وضعفه أحمد

وغيره وقوله كتاب الله وروي في حديث ضعيف قال وعن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عليكم بكتاب الله فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله تعالى ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن خاصم به فلج ومن دعا إليه بعدي دعا إلى هدى وإلى صراط مستقيم

قلت وهذا الحديث رواه الترمذي وغيره ورواه أبو نعيم من طرق وفيه ولا تلتبس به الألسن وليس في رواية الترمذي ومن خاصم به فلج

فصل قال وأما المعقول فمن وجوه الأول أنه لو ورد في القرآن ما لا سبيل لنا إلى العلم به لكانت المخاطبة تجري مجرى مخاطبة العربي بالزنجية وهو غير جائز قلت بل هو أقبح من ذلك لأن العربي أو غيره إذا خوطب بغير لسانه أمكن أن يترجم له ذلك الخطاب بلسانه فيتوصل إلى فهم معناه وأما إذا خوطب بلسانه بكلام لا سبيل لأحد إلى فهم معناه فهذا أقبح من مخاطبة العربي بالعجمية قال الوجه الثاني أن المقصود من الكلام للإفهام ولو لم يكن مفهوماً لكان عبثاً قلت بل هذا أقبح من العبث فإن الإنسان قد يعبث بأفعال يستريح بها ويلهو بها وأما خطاب الناس بكلام لا سبيل لأحد إلى معرفة معناه فهذا لا يفعله أحد من العقلاء ألبتة بل هو مثل

مستقبح باتفاق العقلاء والله تعالى وراء تنزيهه عن مثل ذلك ولكن هذا الوجه والذي قبله لا يصح من مثل هذا الرازي الاحتجاج بمثلها فإنه وأصحابه ينصرون قول الجهمية المجبرة الذين لا ينزهون الرب عن فعل ممكن بل يجوزون عليه فعل كل مقدور ومن المقدور أن يخلق أصواتا مؤلفة من جنس الكلام ولا يكون لها معنى أو يكون لها معنى لا يعلمه غيره والرازي ذكر في محصوله مسألة الأحكام أن يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئا خلافاً للحشوية ثم احتج بأن ذلك عبث والله تعالى منزه عن ذلك وهذا النقل والاستدلال ضعيفان فإنا لا نعلم أحداً من الطوائف قال إن الله تعالى يجوز أن يتكلم بكلام لا يعني به شيئاً وإنما قال من قال إنه

لا يفهم الناس معناه وإن كان قد عنى به هو معنى فهذا القول الذي حكاه عن الحشوية لا يعرف به قائل معين يحكى عنه وسواء عرف أو لم يعرف فالحجة التي ذكرها ضعيفة على أصله فإن النزاع إنما هو في الكلام المؤلف من الحروف وهذا عنده مخلوق وهو يجوز أن يخلق كل شيء لا لحكمة وإن كان هذا مما يعده العقلاء عبثاً فعنده لا ينزه مثل ذلك فكانت الحجة ضعيفة على أصله ولكن العبث على الله ممتنع وأصله المنفي لذلك باطل كما قد بسط في موضعه

فصل قال الرازي الوجه الثالث أن التحدي وقع بالقرآن وما لم يكن معلوماً لا يجوز التحدي به قال فهذا مجموع كلام المتكلمين وبالله التوفيق فيقال هذه الحجج كما أنها دالة على فساد قول من قال إن في القرآن ما لا سبيل لأحد إلى فهمه بل معرفة معناه ممتنع فهي أيضاً دالة على فساد قول هؤلاء المتكلمين نفاة الصفات أو بعضها فهي حجة على فساد قول الطائفتين وذلك أن هؤلاء النفاة يقولون إن التوحيد الحق الذي يستحقه الله تعالى ويجب أن يعرف به ويمتنع وصفه بنقيضه ليس هو في القرآن ولم يدل عليه القرآن ودلالة الخطاب المعروفة لا تفيد اليقين وهو كون الرب ليس بداخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ولا يقرب من شيء ولا يقرب منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا ينزل منه شيء ولا يحجب

العباد عنه شيء ولا عنده شيء دون شيء بل جميع الأشياء سواء ولا يحتجب عنهم بشيء وأنواع ذلك فمن المعلوم أن القرآن لم يدل على شيء من ذلك ولا بينه بل إنما دل على نقيضه وهو إثبات الصفات وأنها تدل على أنه يقرب من غيره ويدنو إليهم ويقرب العبد منه ويدنو إليه وعلى أنه عال على جميع الأشياء فوقها وأنه ينزل منه كلامه وتنزل الملائكة من عنده وتعرج إليه وأمثال ذلك وهم متفقون على أن ظاهر القرآن إنما يدل على الإثبات الذي هو عندهم تجسيم باطل بل كفر وغيرهم يقول بل دلالة القرآن على ذلك نصوص صريحة بل ذلك معلوم بالاضطرار من القرآن والرسول وسيأتي كلامهم في حكمة إنزال هذه الآيات وقد ذكر فيها خمسة وجوه الأول تضعيف الوصول إلى الحق ليعظم الأجر ومعلوم

أن هذا يناقض كونه بياناً وشفاءً وهدى وكونه قد جعله عربيًّا ليعقل ويسره للذكر وغير ذلك مما وصف به في كونه سهلاً لمعرفة الحق وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ونحو ذلك والثالث أنه إذا لم يمكن بيان المقصود افتقر الناس إلى

الأدلة العقلية فيعرف الحق بالعقل ومعلوم أن هذا يناقض ما وصف به ثم إنه على هذا التقدير الذي يدعيه هؤلاء كان أن لا ينزل القرآن ولا يرسل الرسول أصلح للخلق فإن الهدى إنما حصل لهم بعقل لم يحتاجوا فيه إلى الكتاب والرسول لكن الكتاب والرسول عندهم عارض هذا العقل ولهذا قالوا يقدم العقل وما جاء به الرسول إما أن يعرض عنه وإما أن يوضع له محامل يحمل عليها وعلى التقدير فالكتاب والرسول ما حصل بهما بيان وهدى وعلم بل كان عندهم سبباً لضد ذلك وإنما حصل العلم بأصول الدين والتوحيد عندهم معقول يخالف ما جاء به الرسول لم يدل الرسول عليه ولا أرشد إليه وهذا في غاية المناقضة لما احتجوا به من هذه الآيات وكذلك الوجه الرابع وهو أن التأويل يفتقر إلى تحصيل علوم كثيرة والهدى ما حصل بالقرآن لكن بهذه العلوم وضعت له محامل لئلا يضل به الناس وهؤلاء لا يقصدون بتأويل الكلام المتكلم معرفة مراده بل يقصدون بيان ما يحمله اللفظ كيف أمكن ليحمل عليه وإن

لم يعلم ولا يظن أنه أراده بل قد يعلم قطعاً أنه لم يرده ولهذا قالوا إذا اختلف الصحابة على قولين جاز لمن بعدهم إحداث تأويل ثالث بخلاف الأحكام فإنهم لا يجوزون إذا اختلفوا على قولين إحداث ثالث لأن اتفاق الأمة على قولين إجماع على فساد ما عداهما وهذا بعينه وارد في التأويل فإنه إذا قالت طائفة معنى الآية المراد كذا وقالت طائفة معناها كذا فمن قال معناها ليس واحدا منهما بل أمر ثالث فقد خالف إجماعهم وقال إن الطائفتين مخطئون فإن قيل هؤلاء لا يقولون أريد بل يقولون يجوز أن يكون المراد قيل كلام الصحابة لم يكن بالاحتمال والتجويز وبتقدير أن يكون كذلك فالاحتمالات إن كان أحدهما مراداً فلم يجمع على ضلال وإن كان المراد هو الاحتمال الثالث المحدث بعدهم فلم يكن فيهما من عرف مراد الله تعالى بل الطائفتان جوزت أن تريد غير ما أراد الله تعالى وما أراده لم يجوزه وهذا من أعظم الضلال وأما الخامس الذي جعل السبب الأقوى وهو

مخاطبتهم بالتخيل فهو قول الملاحدة كما قد بسط في مواضع إذ المقصود هنا أن ما احتج به المتكلمون النفاة على أن القرآن قد بين الحق وهدى الخلق وأنه ليس فيه ما لا يفهم وهو حجة عليهم فإنه على قولهم لا بين الحق ولا هدى الخلق ولا سيما تأويلاتهم لم تدل عليه ألبتة بل دل على نقيضها كما قد بين وبتقدير أن يقال دل عليها بطريق التأويل فالحق إنما عرف بالمعقول الذي ذكره لا معقول دل عليه القرآن وهذا هو الذي أوجب صرف اللفظ عن مدلوله الظاهر إلى خلافه عندهم فلم يكن في القرآن دلالة على هذا المعنى بل دل على نقيض الحق عندهم لكن قدمت دلالة العقل على دلالته وأولئك الذين قالوا إن فيه ما لا سبيل لأحد إلى فهمه بل هم أيضا منعوا دلالته على الحق وهدايته للخلق وزعموا أن الرسول لم يكن يعرف ما يقرؤه ويبلغه وعلى قولهم فأحاديث الصفات التي قالها كان يقولها وهو لا يدري

معنى ما يقول فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وعلى الوجه الخامس الأقوى كان يقول ذلك ليفهم منه معنى وهو يعلم أن ذلك المعنى باطل فقصد بالخلق أن يفهموا الباطل الذي هو نقيض الحق وأخبر بالحقائق على خلاف ما هي عليه وحقيقة ذلك أنه كذب كذباً يعلم أنه كذب ليعتقد الناس ذلك الكذب والاعتقاد الباطل فينتفعوا به وعلى قول المجهلة الذين يقولون لم يكن يعرف معنى ما يقول ويذكره من آيات الصفات وأحاديثها فكلامه عندهم يجب أن لا خير من خطابهم بذلك لأنه على التقديرين لم يفهمهم حقًّا ولا خاطبهم بما يعلم به حق ولكن إذا كان الكلام أعجميًّا لا يترجم لهم لم يضلوا به كما لم يهتدوا به وأما إذا كان عربيًّا وظاهره الباطل على زعم هؤلاء فإن الناس يفهمون ظاهره فيضلون به فلم يكتفوا به فهو على زعمهم من كونه هو لم يكن يفهم معناه فبخطاب الناس به فهموا منه ما هو كفر وضلال لاسيما ولم ينقل أحد عنه أنه نهى الناس عن اعتقاد

ظاهره وما دل عليه ولا نبههم على دليل عقلي يعرفون به الحق فعلى زعمهم لم يبين الحق لا بديل سمعي ولا بدليل عقلي ولوازم أقوال هؤلاء التي تبين بطلان قولهم كثيرة وكما أن قولهم يستلزم الكفر بالكتاب والرسول وما دل عليه من الأدلة العقلية وما أخبر به من الأدلة السمعية فهو أيضاً في غاية الفساد والبطلان من جهة العقل وهم أنفسهم معترفون في غير موضع بفساد أقوالهم النافية وتناقضها وقد ذكرنا من أقوال الرازي وغيره من ذلك ما تبين به ذلك فهم يشهدون أن عقلياتهم التي عارضوا بها الرسول باطلة والسلف والخلف يشهدون بأن الكلام الذي عارضوا به الكتاب والسنة باطل وأن هؤلاء لم يعرفوا الله وهي عند التأمل والنظر التام فيها تبيين بطلانها وأن القوم ليس عندهم على ما قالوه من النفي لا دليل عقلي ولا سمعي بل هم من جنس أعداء الرسل الذين قالوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) [الملك 10] ومن جنس الذين قال فيهم أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) [الحج 46]

ومن جنس من قيل فيه أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) [الفرقان 44] وبسط هذا له موضع آخر ولكن المقصود هنا التنبيه على أن هذه الأدلة التي احتج بها المتكلمون أدلة صحيحة ولا ريب في صحتها وهي تدل على فساد قولهم وقل الآخرين من وجوه كثيرة

فصل قال الرازي واحتج مخالفوهم بالآية والخبر والمعقول أما الآية فمن وجهين الأول قوله تعالى في صفة المتشابهات وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران 7] والوقف ههنا لازم وسيأتي دليله إن شاء الله تعالى والثاني الحروف المقطعة المذكورة في أوائل السور وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله فإذا نطقوا به أنكره أهل الغرة بالله

وأما المعقول فهو أن الأفعال التي كلفنا بها قسمان منها ما نعرف وجه الحكمة فيه على الجملة بعقولنا كالصلاة والزكاة والصيام فإن الصلاة تواضع وتضرع للخالق والزكاة إحسان إلى المحتاجين والصوم قهر النفس ومنها ما لا نعرف وجه الحكمة فيه كأفعال الحج فإنا لا نعرف وجه الحكمة في رمي الجمرات والسعي بين الصفا والمروة ثم اتفق المحققون على أنه كما يحسن من الحكيم تعالى أن يأمر عباده بالنوع الأول فكذا يحسن بالنوع الثاني

لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرفه بعقله من وجه المصلحة فيه وأما الطاعة في النوع الثاني فإنه يدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم فإنه لما لم يعرف فيه وجه المصلحة ألبتة لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم فإذا كان الأمر كذلك كان في الأفعال فلم لا يجوز أن الأمر كذلك في الأقوال وهو أن القرآن الذي أنزله الله تعالى علينا وأمرنا به وبتعظيمه وقراءته ينقسم إلى قسمين منه ما يعرف معناه

ونحيط بفحواه ومنه ما لا نعرف معناه ألبتة ويكون المقصود من إنزاله والتكليف بقراءته وتعظيمه ظهور كمال العبودية والانقياد لأوامر الله تعالى بل هاهنا فائدة أخرى وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط له سقط وقعه عن القلب وإذا لم يقف على المقصود مع جزمه بأن المتكلم بذلك الكلام أحكم الحاكمين فإنه يبقى قلبه ملتفتاً إليه أبداً ومتفكراً فيه أبداً ولباب التكليف اشتغال السر بذكر الله تعالى والتفكر في كلامه فلا يبعد أن يقال إن في بقاء العبد ملتفت الذهن مشتغل الخاطر بذلك أبداً مصلحة عظيمة له فيتعبد الله تعالى بذلك تحصيلاً لهذه المصلحة قال فهذا ما عندي من كلام الفريقين في هذا الباب

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل