الوجه الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
التاسع المؤمن قال تعالى وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات 9] ووصف نفسه تعالى به فقال السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ [الحشر 23] العاشر الحكم فقال أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ [الأنعام 62] ووصفنا به فقال فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا [النساء 35] الحادي عشر الراحم الرحيم وهو ظاهر
الثاني عشر الشكور فقال إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴿34﴾ [فاطر 34] الثالث عشر العلي والإنسان يسمى بذلك منهم علي رضي الله عنه الرابع عشر الكبير قال عن نفسه وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿23﴾ [سبأ 23] وقال إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً [يوسف 78] وقال حكاية عن المرأتين وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿23﴾ [القصص 23] والخامس عشر الحكيم والله تعالى وصف نفسه في كتابه به فقال تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿42﴾ [فصلت 42] السادس عشر الشهيد قال في حق الخلق فَكَيْفَ إِذَا
جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ [النساء 41] وقال في حق نفسه أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿53﴾ [فصلت 53] السابع عشر الحق قال الله تعالى فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ [طه 114] وقال وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء 105] الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ [الفرقان 26] وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ [الفرقان 33] وهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ [الفتح 28] الثامن عشر الوكيل قال تعالى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴿102﴾ [الأنعام 102] وقد يوصف الخلق بذلك فيقال فلان وكيل فلان التاسع عشر المولى قال تعالى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴿11﴾ [محمد 11] ثم قال تعالى في حقنا وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ [النساء 33] والنبي صلى الله عليه وسلم
قال من كنت مولاه فعلي مولاه العشرون الولي قال تعالى إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ [المائدة 55] وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل وقال تعالى وَالْمُؤْمِنُونَ
وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ [التوبة 71] الحادي والعشرون الحي قال الله تعالى اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿2﴾ [آل عمران 2] وقال وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء 30] الثاني والعشرون الواحد قال تعالى قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الأنعام 19] ويقع هذا الوصف على أكثر الأشياء فيقال ثوب واحد وإنسان واحد الثالث والعشرون التواب قال الله تعالى إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴿16﴾ [النساء 16] وسمى الخلق به فقال إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [البقرة 222]
الرابع والعشرون الغني قال الله تعالى وَاللَّهُ الْغَنِيُّ [محمد 38] وقال إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء [التوبة 93] وقال النبي صلى الله عليه وسلم خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم الخامس والعشرون النور قال الله تعالى اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ [النور 35] وقال يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم [الحديد 12]
السادس والعشرون الهادي قال تعالى وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ [القصص 56] وقال إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴿7﴾ [الرعد 7] السابع والعشرون المستمع قال تعالى فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ ﴿15﴾ [الشعراء 15] وقال لموسى فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴿13﴾ [طه 13] الثامن والعشرون القديم قال تعالى حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ﴿39﴾ [يس 39] قال واعلم أنه لانزاع في أن لفظ الموجود والشيء والواحد والذات والمعلوم والمذكور والعالم والقادر والحي والمريد والسميع والبصير والمتكلم والباقي واقع على الحق سبحانه وتعالى وعلى خلقه فثبت بما ذكرناه أن المشابهة من بعض الوجوه لاتوجب أن يكون قائله موصوفًا
بأنه شبه الله بالخلق وبأنه مشبه ونحن لانثبت المشابهة بينه وبين خلقه إلا في بعض الأمور والصفات لأنا نعتقد أنه وإن كان جسمًا إلا أنه بخلاف سائر الجسام في ذاته وحقيقته فثبت أن إطلاق اسم المشبهة على هذه الطائفة كذب وزور وهذا جملة كلامهم في هذا الباب قال واعلم أن حاصل هذا الكلام من جانبنا أنا قد دللنا في القسم الأول من هذا الكتاب على أن الأجسام متماثلة في تمام الماهية فلو كان الباري جسمًا لزم أن يكون مثلاً لهذه الأجسام في تمام الماهية وحينئذ فيكون القول بالتشبيه لازمًا ولما لم يدل الدليل على أن الأشياء المتساوية في
الموجودية والعالمية والقادرية فإنه لا يجب تماثلها في تمام الماهية فظهر الفرق قلت قد ذكر ماذكر في حجج الذين سماهم مجسمة مع تقصير فيها فإنها حجج كثيرة جدًّا ومع هذا فلم يمكنه أن يمنعهم ثبوت التشبيه من بعض الوجوه كما قرره ولا أمكنه أن يمنع أن هذا ثابت بالكتاب والسنة واتفاق المسلمين لكن ادعى أن التجسيم يوجب إثبات مثل لله في تمام ماهيته وذلك ليس تشبيهًا في بعض الأمور بل هوة مماثلة في كمال الحقيقة والماهية قلت ولا ريب أن من أثبت لله مثلاً في كمال حقيقته فهو مشبه بل هو أعظم من أن يقال مشبه بل هو جاعل لله تعالى كفوًا وشبهًا وندًّا قال فالأشياء المشتركة في الموجودية والعالمية والقادرية لايجب تماثلها في تمام الماهية قلت وهذا حق فإن اشتراك الشيئين في كونهما موجودين أو عالمين
أو قادرين لايوجب استواءهما في حقيقتهما والغرض انه في هذا الكتاب أيضًا قد اعترف بأن التشبيه من بعض الوجوه ثابت بالكتاب والسنة واتفاق العقلاء فضلاً عن المسلمين لكن خصومه المجسمة إنما عابهم بإثباتهم المشابهة في تمام الماهية وهذا مورد النزاع بينه وبينهم وسنذكر إن شاء الله تعالى مايجب الحكم بالقسط بينه وبينهم إذا انتهينا إلى ذكر حججه التي أحال عليها ونبين أن الأجسام كلها هل هي مستوية في تمام ماهيتها وكمال حقيقتها أم لا إذ هذا ليس موضع الكلام في ذلك وهذا الفصل وإن كان ذكره في آخر الكتاب فذكرناه في هذا الموضع لنبين اعترافه واعتراف سائر الخلق بما قامت عليه الأدلة الشرعية والعقلية من ثبوت المشابهة من بعض الأمور وأن ذلك لايستلزم التماثل في الحقيقة وظهر بذلك ما في هذا اللفظ من العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والمقصود هنا أن لفظ الشبيه والنظير فيه إجمال كبير واشتراك في اللفظ وإجمال في المعنى فإن أراد بما نفاه بهذه
المقدمة نفي الشبيه من كل وجه فهذا محل وفاق ولاينفعه ذلك وإن أراد به نفي الشبيه من بعض الوجوه فقد ذكر أن هذا متفق على ثبوته فلم يرد نفيه ولم يقم دليلاً على نفيه والقول الذي ذكره عن بعض منازعيه لا يمكننا عقل موجود لامتصل ولا منفصل إلا إذا وجدنا له نظيرًا قد ذكرنا أنه لايقوله من يعلم امتناع موجود لا متصل ولا منفصل ولايقوله من يعلم إمكانه وإنما يقوله الواقف الذي يطلب للشيء نظيرًا وقد ذكر هذا الرازي أنه لايطلب أحد من العقلاء نظيرًا من كل وجه وذكر أن الشبيه من بعض الوجوه ثابت للرب سبحانه وتعالى باتفاق المسلمين فضلاً عن أن يكون ثابتًا لغيره وهذا المنازع له لايطلب إلا نظيرًا من بعض الوجوه فإذا كان مطلوبه حاصلاً باتفاق المسلمين لم يكن قوله فاسدًا فأحد الأمرين لازم إما أن لايكون قال أحد هذا القول أو يكون
هذا القول حقًّا مسلمًا بالاتفاق وعلى التقديرين فلا تصح مناظرة قائله فإن قيل هذا المنازع طلب نظيرًا في مورد النزاع وهو أني لا أثبت موجودًا لاداخل العالم ولا خارجه إن لم يكن له شبيه من هذا الوجه والمخالفون له لايثبتون المشابهة من هذا الوجه قيل هذا حق وهو تشبيه من وجه مخصوص لكن المصنف لم يثبت جواز وجود موجود بدون هذا التشبيه الخاص إذ لو أثبت ذلك لكان قد أثبت جواز موجود لايكون داخل العالم ولاخارجه وذلك لو أثبته كان له مغنيًا عن هذه المقدمة بل ادعى أنه لايجب في الوجود الشبيه والنظير لكل موجود ولفظ الشبيه مجمل كما قد ذكره هو وإذا كانت الدعوى مجملة تحتمل مورد النزاع وما هو اعم منه وما هو أخص منه لم تكن إقامة الدليل عليها دافعة للخصم وهذا بين وأما حججه فإنه قال الحجة الأولى أن بديهة العقل لاتستبعد وجود موجود موصوف بصفات مخصوصة بحيث يكون كل ما سواه مخالفًا له في تلك الخصوصية وإذا لم يكن هذا
مدفوعًا في بدائه العقول علمنا أنه لايلزم من عدم نظير الشيء عدم ذلك الشيء وعلى هذا وجوه الأول إن عدم استبعاد البديهة لايقتضي عدم استبعاد العلم النظري وكذلك كونه غير مدفوع في بديهة العقل لا يقتضي أنه لايكون مدفوعًا في نظره فإن حاصل هذا أنه لا يعلم بالبديهة امتناع هذا وفرق بين أن لايعلم بالبديهة امتناعه وبين أن يعلم بالبديهة إمكانه وإذا لم يعلم بالبديهة امتناعه لم يجز أن يقال فعلمنا أنه لايلزم من عدم نظير الشيء عدم الشيء فإن هذا لم يعلم مما ذكره إنما أفاد ماذكره عدم العلم البديهي بوجود موجود لانظير له لم يعدم وجود علم بإمكانه ولو كان قد قال نعلم بالبديهة أن الشيء قد يكون موجودًا ولا يكون له نظير ونعلم بالبديهة إمكان وجود شيء لانظير له لكان الدليل تامًّا لكن هو لم يذكر إلا الإمكان الذهني دون الخارجي والإمكان الذهني ليس فيه علم لا بالامتناع ولا بالإمكان ولكن العلم بالإمكان الخارجي فيه بالإمكان الثاني أن الذي ادعاه أنه لايستبعد وجود موجود موصوف بصفات مخصوصة بحيث يكون كل ماسواه مخالفًا له في تلك
الخصوصية وهذا إثبات للمخالفة في الخصوصية وإن كانت المشابهة ثابتة في غير الخصوصية بحيث يكون بينهما قدر مشترك وقدر مميز والمنازع له لم ينف وجود هذا بل قد حكى الإجماع على أن أحدًا من العقلاء لم يثبت المشابهة من كل وجه فلا يفيده هذا الوجه الثالث أن المنازع له الذي ذكره في هذه المقدمة طلب إثبات شيء يكون لاداخل العالم ولا خارجه وذكر أنه لا يقر بهذا إلا إذا علم المشابهة في هذا فإن لم يقم دليلاً على أن وجود موجود لايقتضي وجود شبيه له من هذا الوجه إما دليلاً يخص هذا الوجه أو دليلاً يعم هذا الوجه وغيره لم يكن قد استدل وهذا الدليل إنما فيه جواز المخالفة في تلك الخصوصية ولايلزم من جواز المخالفة في تلك الخصوصية جواز المخالفة في كونه لاداخل العالم ولاخارجه ثم قال الحجة الثانية هي أن وجود الشيء إما أن يتوقف على وجود مايشابهه أو لايتوقف والأول باطل لأنهما لو كانا متشابهين وجب استواؤهما في جميع اللوازم
فيلزم من توقف وجود هذا على وجود الثاني توقف وجود الثاني على وجود الأول بل توقف كل واحد منهما على نفسه وذلك محال في بدائه العقول يقال هذه الحجة أفسد من التي قبلها من وجوه أحدها أن هذه إنما تنفي وجوب التشابه الموجب للاستواء في جميع اللوازم وهذا هو التماثل وقد حكى الإجماع على أن أحدًا من العقلاء لايثبت لله مثلاً يشاركه في جميع اللوازم ولا ريب أن انتفاء هذا ظاهر وإذا كان أحدًا من العقلاء لم يقل بهذا لم ينفعه في دفع ماذكره عن منازعه الذي طل التشابه في صفة واحدة لا في جميع اللوازم الوجه الثاني أنه كثيرًا مايحتج بمثل هذه الحجة في كتبه وهي من الأغاليط ولايميز بين دور التقدم والتأخر
وبين دور التفاوت وذلك أنه يمتنع أن يكون كل من الشيئين علة للآخر لأن العلة متقدمة للمعلول فيلزم أن يكون كل منهما علة للآخر ومعلولاً له فيلزم تقدمه عليه وتأخره عنه وذلك يستلزم تقدمه على نفسه بدرجتين وتأخره عن نفسه بدرجتين ويستلزم كونه علة لنفسه ومعلولاً لنفسه لأنه يكون علة علته ومعلول معلوله جميعًا ولايمتنع أن يكون كل من الشيئين مقارنًا للآخر بحيث لايوجد إلا معه كالأمور المتضايقة مثل الأبوة والبنوة ونحو ذلك وهذا دور
الشروط فيجوز أن يكون وجود كل من الأمرين شرطًا في وجود الآخر بحيث لايوجد إلا معه فهذا جائز ليس بممتنع فقوله وجود الشيء إما أن يتوقف على وجود ما يشابهه إن أراد بالتوقف توقف المعي بحيث يكون كل منهما موجودًا مع الآخر فلم قال إن هذا ممتنع قوله لأن التشابه يقتضي الاستواء في اللوازم فيلزم من توقف جود هذا على وجود الثاني توقف وجود الثاني على وجود الأول يقال غايته أنه توقف كل منهما على وجود الآخر وهذا أول المسألة وهو توقف الشيء على وجود مايشبهه فلم قلت إن هذا محال إذا أريد بالتوقف وجوب وجوده معه لا وجوب وجوده به ومعلوم أن هذا لايقتضي وقف الشيء على نفسه وأن هذا ليس بمحال في بدائه العقول بل المحال أن يكون وجود كل منهما بوجود الآخر وفرق بين كون وجوده معه
أو وجوده به فهذه الحجة كما قال الإمام أحمد رحمه الله في هؤلاء يتمسكون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يلبسون عليهم الوجه الثالث أن يقال نختار القسم الثاني وهو أن وجود الشيء لايتوقف على وجود مايشبهه بل يجوز وجوده بدونه لكن لم قلت إذا كان وجوده لايتوقف على النظير أنه لايجب أن يكون له نظير وإن لم يتوقف عليه وجوده كمعلولي العلة الواحدة لا يتوقف أحدهما على الآخر بأن كان وجود احدهما مستلزمًا لوجود الآخر وأيضًا فالمنازع الذي ذكرته لايمكننا أن نعقل وجود موجود لايكون متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه إلا إذا وجدنا له نظيرًا فإنما نفى عقل نفسه فلم قلت إنه إذا جاز وجود هذا الموجود يمكن عقلنا له وهذا لا يحصل إلا إذا ثبت انه يمكن أن يعقل كل ماجاز وجوده وهذا لم تذكر عليه حجة ثم قال الحجة الثالثة هو أن تعين كل شيء من حيث إنه
هو ممتنع الحصول في غيره وإلا لكان ذلك الشيء عين غيره وذلك باطل في بدائه العقول فثبت أن تعين كل شيء من حيث إنه هو ممتنع الحصول في غيره فعلمنا أن عدم النظير والمساوي لايوجب القول بعدم الشيء يقال هذه الحجة أفسد من غيرها وهي أيضًا أغلوطاته فإنه لم يذكر فيها مايدل على مطلوبه لوجوه أحدها أن إثبات نظير الشيء وشبهه ومثله يقتضي أن يكون عين أحدهما ليس عين الآخر إذ لو كانت عينُه عينَه لم يكن مثله ونظيره بل كان هو إياه وإذا كان نفس إثبات النظير يقتضي التغاير في التعيين صار وجود النظير مستلزمًا لامتناع كون احدهما عين الآخر وثبوت اللازم لايقتضي عدم الملزوم فكون عين الشيء يمتنع أن يكون لغيره لايقتضي نفي ذلك كما لايقتضي ثبوته وإذا لم يكن مقتضيًا لثبوت النظير ولا نفيه لم يكن فيه إلا عدم الدليل على وجوب النظير وعدم الدليل ليس دليل العدم فتبين أن ماذكره لايمنع وجوب النظير كما
لايوجب ثبوت النظير ولكن غايته أنه لايدل على ثبوت النظير لكن قد يقول هو إذا كان تعينه يمتنع أن يكون لغيره فلا يقتضي وجود التعين وجوده ولا عدمه فيقال هذه الحجة لم تفد غير ماهو معروف بدونها من أنه يمكن العقل أن يتصور وجود الشيء الذي ليس له نظير وأن ذلك ممكن فإن هذه الحجة ليس فيها إقامة دليل خاص على نفي الحاجة إلى النظير وإنما غايتها وجود عين الشيء من غير نظير ولو قال قائل قد يكون وجود الشيء موقوفًا على نظيره لكون وجوده مشروطًا بوجود النظير أو وجود الغير كالأمور المتضايقة وأنتم لم تقيموا دليلاً على نفي وجوب التلازم فإنه ليس في حجه ماينفي التلازم لكان قوله صحيحًا لكن يقال نحن نتصور إمكان وجوده بدون التلازم فلا حاجة إلى حجته يبين ذلك أنه يكون امتناع كون عين الشيء حاصلاً في غيره يمنع وجوب الشبيه أو النظير فإن ذلك يستلزم أن يكون إثبات الشيء مستلزمًا لعدمه لأن إثبات التشابه والتناظر والتساوي يقتضي ثبوت التغاير في التعيين وأن عين احدهما ليست عين الآخر فلو كان هذا التغاير في التعيين مانعًا من وجوب مشابه لكان لازم الشيء بل بعض معناه مانعًا من وجوبه فإن اللازم
لا يمنع وجوب الملزوم ولا يوجب وجوده الوجه الثاني إن كون تعين الشيء ممتنع الحصول في غيره لايقتضي عدم نظير ذلك التعين في الثاني وإنما يقتضي عدم نفس ذلك التعين في الثاني والمنازع إنما يثبت نظير التعين في الثاني لانفس التعين فلم قلت إن نظير ذلك التعين غير واجب فإن قلت يلزم أن يكون لكل تعين نظيرًا قيل له كل من التعينين نظير الآخر الوجه الثالث أن تعين الشيء في اقتضائه لنفي وجوب المثل كما هو في اقتضائه لنفي وجود المثل ثم من المعلوم أنه إذا كان امتناع حصول التعين في الغير يقتضي نفي المثل وجب أن لايكون لشيء من الأشياء نظير ولا شبيه ولا مثل فإنه ما من شيء إلا له عين مخصوصة يمتنع حصولها في غيره فإن كان عدم حصول عين الشيء في غيره يقتضي عدم مثله ونظيره فليس في الوجود ماله نظير وشبيه وهذا من أبطل الأشياء وإذا لم يكن تعين الشيء مانعًا من وجود النظير لم يكن مانعًا من وجوب النظير فإنه لايدل على هذا ولا هذا
فصل قال الرازي المقدمة الثالثة أن القائلين بأنه تعالى جسم اختلفوا فمنهم من يقول إنه على صورة الإنسان ثم المنقول عن مشبهة الأمة انه على صورة إنسان شاب وعن مشبهة اليهود أنه على صورة إنسان شيخ وهؤلاء لايجوزون الانتقال والذهاب والمجيء على الله تعالى وأما المحققون من المشبهة فالمنقول عنهم أنه على صورة نور من الأنوار قال وذكر أبو معشر المنجم أن سبب إقدام الناس
على اتخاذ عبادة الأوثان دينًا لأنفسهم هو أن القوم في الدهر الأقدم كانوا على مذهب المشبهة وكانوا يعتقدون أن إله العالم نور عظيم فلما اعتقدوا ذلك اتخذوا وثنًا هو أكبر الأوثان على صورة الإله وأوثانًا أخرى أصغر من ذلك الوثن على صورة الملائكة واشتغلوا بعبادة هذه الأوثان على اعتقاد أنهم يعبدون الإله والملائكة فثبت أن دين عبادة الأصنام كالفرع على مذهب المشبهة واعلم أن كثيرًا من هؤلاء يمنع من جواز الحركة والسكون على الله تعالى وأما الكرامية فهم لا يقولون بالأعضاء والجوارح بل يقولون إنه مختص بما فوق العرش ثم
إن هذا المذهب يحتمل وجوهًا ثلاثة فإنه تعالى إما أن يقال إنه ملاق للعرش وإما أن يقال إنه مباين عنه ببعد متناه وإما أن يقال إنه مباين ببعد غير متناه وقد ذهب إلى كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة طائفة من الكرامية واختلفوا أيضًا في أنه تعالى مختص بتلك الجهات لذاته أو لمعنى قديم بينهم اختلاف في ذلك قلت هذا الكلام فيه تقصير كثير في معرفة مذاهب الناس وتحقيقها وذلك أن القائلين بأن الله تعالى فوق العرش والقائلين بالصفات الخبرية وهم السلف وأهل الحديث وأئمة الأمة وجماهيرها وجمهور الصفاتية من الكلابية والأشعرية والكرامية وجمهور المشهورين بالإمامة في الفقه والتصوف في الأمة من جميع الطوائف جمهورهم لايقول هو جسم ولا ليس بجسم لما في اللفظين من الإجمال والاشتراك
المشتمل على الحق والباطل ومنهم طوائف يقولون هو جسم وطوائف يقولون ليس بجسم ثم إن كثيرًا من أئمة السنة والحديث أو أكثرهم يقولون إنه فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه بحد ومنهم من لم يطلق لفظ الحد وبعضهم أنكر الحد وممن ذكر ما عنده في ذلك من مذاهب أهل الحديث والكلام وإن كان بمقالات أهل الكلام أخبر أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين الذي من أول ما ذكره فيه أخذ الرازي وغيره
مذهبه في عدم تكفير أهل الصلاة قال أبو الحسن هذه حكاية قول جملة أصحاب الحديث وأهل السنة جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لايردون من ذلك شيئًا وأن الله سبحانه وتعالى إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا وأن محمدًا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لاريب فيها وأن اله يبعث من في القبور وأن الله على عرشه كما قال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿5﴾ [طه 5] وأن له يدين بلا كيف كما قال خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] وكما قال تعالى بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة 64] وان له عينين بلا كيف كما قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر 14] وأن له وجهًا كما قال تعالى وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن 27] وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة
والخوارج وأقروا أن لله علمًا كما قال أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النساء 166] وكما قال وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فاطر 11] وأثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله تعالى كما نفته المعتزلة وأثبتوا لله تعالى القوة كما قال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت 15] وذكر مذهبهم في القدر إلى أن قال ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في اللفظ والوقف من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم لايقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولايقال غير مخلوق ويقولون إن الله يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون قال تعالى كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿15﴾ [المطففين 15] وأن موسي عليه السلام سأل الله تعالى الرؤية في الدنيا وأن الله تعالى تجلى للجبل فجعل دكا فأعلمه بذلك أنه لايراه في الدنيا بل يراه في الآخرة وذكر مذهبهم في باب الإيمان والوعيد والأسماء
والأحكام إلى أن قال ويقولون إن الله لم يأمر بالشر بل نهى عنه وأمر بالخير فلم يرض بالشر وإن كان مريدًا له وذكر مذهبهم في الصحابة والخلافة والتفضيل ثم قال ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر فأغفر له كما جاء في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر فأغفر له ويأخذون
بالكتاب والسنة كما قال تعالى فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ [النساء 59] ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين وأن لايتدعوا في دينهم ما لم يأذن به الله ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴿22﴾ [الفجر 22] وأن الله تعالى يقرب من خلقه كيف يشاء كما
قال وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴿16﴾ [ق 16] وذكر مذهبهم في الأمراء والصلاة خلفهم وترك الخروج عليهم وأشياء غير ذلك ثم قال وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب ثم قال فأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان يعني ابن كلاب فإنهم يقولون بأكثر مما ذكرناه عن أهل السنة ويثبتون أن الله لم يزل حيًّا عالمًا قادرًا سميعًا بصيرًا عزيزًا عظيمًا جليلاً كبيرًا كريمًا مريدًا متكلمًا جوادًا ويثبتون العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والعظمة والجلال والكبرياء والإرادة والكلام صفات لله تعالى وذكر غير ذلك قال وكان يزعم أن الباري لم يزل ولا مكان ولا زمان قبل الخلق وأنه على ما لم يزل وأنه مستو على عرشه كما قال وأنه فوق كل شيء
ثم قال ذكر قول زهير الأثري فأما أصحاب زهير الأثري فإن زهيرًا كان يقول إن الله تعالى بكل مكان وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف وأنه موجود الذات بكل مكان وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول والمماسة ويزعم أنه يجيء يوم القيامة كما قال وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴿22﴾ [الفجر 22] بلا كيف ويزعم أن القرآن كلام محدث غير مخلوق وأن القرآن يوجد في أماكن كثيرة في وقت واحد وأن إرادة الله ومحبته قائمتان بالله تعالى ويقول بالاستثناء كما يقول أصحاب الاستثناء المرجئة الذين حكينا قولهم في الوعيد ويقول في القدر بقول المعتزلة وذكر قوله في الإيمان أنه موافق لقول المرجئة
قال وأما أبو معاذ التومني فإنه يوافق زهيرًا في أكثر أقواله ويخالفه في القرآن ويزعم أن كلام الله حدث غير محدث ولا مخلوق وهو قائم بالله لا في مكان وكذلك قوله في إرادته ومحبته وقال في باب اختلاف الناس في الباري هل هو في مكان دون مكان أم لا في مكان أم في كل مكان وهل تحمله الحملة أو يحمله العرش وهل هم ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف من الملائكة اختلفوا على سبع عشرة مقالة قد ذكرنا قول من امتنع من
ذلك وقال إنه في كل مكان حال وقول من قال لا نهاية له وأن هاتين الفرقتين أنكرتا القول بأنه في مكان دون مكان قال وقال قائلون هو جسم خارج من جميع صفات الجسم ليس بطويل ولا عريض ولا عميق ولا يوصف بطعم ولا لون ولا مجسة ولا شيء من صفات الأجسام وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له وانه فوق الأشياء وفوق العرش وليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها قال وقال هشام بن الحكم إن ربه تعالى في مكان دون مكان وان مكانه هو العرش وانه مماس للعرش وأن العرش قد حواه وحدَّه وقال بعض أصحابه إن الباري قد ملأ العرش وأنه مماس له قال وقال بعض من ينتحل الحديث إن العرش لم يمتلئ به وأنه يُقْعِد نبيه صلى الله عليه وسلم معه على
العرش قال وقال أهل السنة وأصحاب الحديث ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وانه على العرش كما قال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿5﴾ [طه 5] ولانقدم بين يدي الله تعالى في القول بل نقول استوى بلا كيف وأن له وجهًا كما قال وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴿27﴾ [الرحمن 27] وان له يدين كما قال خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ص 75] وأن له عينين كما قال تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر 14] وانه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال تعالى وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴿22﴾ [الفجر 22] وأنه ينزل إلى سماء الدنيا كما جاء في الحديث ولم يقولوا شيئًا إلا ماوجدوه في الكتاب أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت المعتزلة إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى وقال بعض الناس الاستواء القعود والتمكن
قال واختلف الناس في حملة العرش ماالذي تحمل قال قائلون الحملة تحمل الباري تعالى وأنه إذا غضب ثقل على كواهلهم وإذا رضي خف فيتبينون غضبه من رضاه وان العرش له أطيط إذا ثقل عليه كأطيط الرحل قال الأشعري وقال بعضهم ليس يثقل الباري ولا يخف ولاتحمله الحملة قال وقال بعضهم الحملة ثمانية أملاك وقال بعضهم ثمانية أصناف قال وقال قائلون إنه تعالى على العرش وإنه بائن منه لا بعزلة وإشغال لمكان غيره بل ببينونة ليست على العزلة والبينونة من صفات الذات قال أبو الحسن الأشعري واختلفوا يعني
الأمة في العين واليد والوجه على أربع مقالات فقالت المجسمة له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب ويذهبون إلى الجوارح والأعضاء وقال أصحاب الحديث لسنا نقول في ذلك إلا ماقال الله تعالى أو جاءت به الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقول وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف وقال عبد الله بن كلاب أطلق العين واليد والوجه خيرًا لأن الله تعالى أطلق ذلك ولاأطلق غيره فأقول هي صفات لله تعالى كما قال في العلم والقدرة والحياة إنها صفات وقالت المعتزلة بإنكار ذلك إلا الوجه وتأولت اليد بمعنى النعمة وقوله تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا [القمر 14] أي بعلمنا والجنب بمعنى الأمر وقالوا في قوله تعالى أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ [الزمر 56] أي في أمر الله وقالوا نفس الباري هي هو وكذلك ذاته هي هو وتأولوا قوله الصَّمَدُ ﴿2﴾ [الإخلاص 2] على وجهين أحدهما أنه السيد والآخر أنه المصمود إليه بالحوائج
قال وأما الوجه فإن المعتزلة قالت فيه قولين قال بعضهم وهو أبو الهذيل وجه الله هو الله تعالى وقال غيره معنى قوله وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [الرحمن 27] أي يبقى ربك من غير أن يكون يثبت وجهًا يقال إنه هو الله تعالى أو لا يقال ذلك فيه قال واختلفوا في رؤية الله تعالى بالأبصار على تسع عشرة مقالة فقال قائلون يجوز أن نرى الله بالأبصار في الدنيا ولسنا ننكر أن يكون بعض من نلقاه في الطرقات وأجاز بعضهم عليه الحلول في الأجسام وأصحاب الحلول إذا رأوا إنسانًا يستحسنونه لم يدروا لعل إلههم فيه وأجاز كثير ممن أجاز رؤيته في الدنيا مصافحته وملامسته ومزاورته إياهم وقالوا إن المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك حكي ذلك عن أصحاب مضر
وكهمس وحكي عن أصحاب عبد الواحد بن زيد أنهم كانوا يقولون إن الله تعالى يرى على قدر الأعمال فمن كان عمله أفضل رآه أحسن وقد قال قائلون إنا نرى الله تعالى في الدنيا في النوم فأما في اليقظة فلا وروي عن رقبة بن مصقلة أنه قال رأيت رب العزة في
النوم فقال لأكرمن مثواه يعني سليمان التيمي صلى الفجر بطهر العشاء أربعين سنة
قال وامتنع كثير من القول إنه يرى في الدنيا ومن سائر ما أطلقوه وقالوا إنه يرى في الآخرة قال واختلفوا أيضًا في ضرب آخر فقال قائلون نرى جسمًا محدودًا مقابلاً لنا في مكان دون مكان وقال زهير الأثري ذات الباري في كل مكان وهو مستو على عرشه ونحن نراه في الآخرة على عرشه تعالى وتقدس بلا كيف وكان يقول إن الله تعالى يجيء يوم القيامة إلى مكان لم يكن خاليًا منه وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ولم تكن خالية منه قال واختلفوا في رؤية الله تعالى بالأبصار هل هي إدراك له بالأبصار أم لا فقال قائلون هي إدراك له بالأبصار وهو يدرك الأبصار وقال قائلون يرى الله تعالى بالأبصار ولايدرك بالأبصار واختلفوا في ضرب آخر فقال قائلون نرى الله جهرة ومعاينة