الوجه الأول
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه الكذب فإذا كان أهل الكتاب الذي أنزله الله تعالى والذي وجب علينا أن نؤمن بما فيه ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم وقال قولوا آمنا بالله ورسله إذا رووا لنا شيئًا من ذلك لم نصدقه إن لم نعلم من غير ذلك الوجه أنهم صادقون وهم يقرؤون ذلك بلسان الأنبياء ثم يترجمونه لنا بالعربية فهؤلاء الذين قرؤوا كتب الصابئة من الفلاسفة وغيرهم بلغتهم اليونانية وغيرها ثم ترجموها بالعربية كيف نقبل ذلك منهم والمنقول عنهم ليسوا أنبياء ولا ممن يصدقون لو
شافهونا ولو كانـ ـوا من علماء أهل الكتابين لم يقبل ما يقولونه فكيف وهم من الصابئة المبدلين المتكلمين في العلم الإلهي بما يخالف ما جاءت به الرسل عليهم السلام وهم أشد تبديلاً وتغييرًا من أهل الكتابين بشيء كثير فكيف في كلام مرسل لم يوجد في كتبهم وإنما نقل عنهم نقلاً مطلقًا الوجه الرابع أن جميع العقلاء الذين خبروا كلام أرسطو وذويه في العلم الإلهي علموا أنهم من أقل الناس نصيبًا في معرفة العلم الإلهي وأكثر الناس اضطرابًا وضلالاً فإن كلامه وكلام ذويه في الحساب والعدد ونحوه من الرياضيات مثل كلام بقية الناس والغلط في ذلك قليل نادر وكلامهم في الطبيعيات دون ذلك غالبه جيد وفيه باطل وأما كلامهم في الإلهيات ففي غاية الاضطراب مع قلته فهو لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيُرتقى ولا سمين فينتقل
هو قليل كثير الضلالة عظيم المشقة يعرفه كل من له نظر صحيح في العلوم الإلهية فكيف يستدل بكلام مثل هؤلاء في العلم الإلهي وحالهم هذه الحال وهذا المصَنّّف هو القائل لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية فما رأيتها تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن
هذا بمنزلة أن يستدل الرجل في مسائل الحلول والتثليب بكلام بطرس صاحب
الرسائل التي عند النصارى وهو ممن غير دين المسيح وبدله وقد اعترف أساطين الفلسفة بأن العلم الإلهي لاسبيل لهم إلى العلم واليقين فيه وإنما يؤخذ فيه بالأولى والأخلق الأحرى وممن ذكر ذلك عنهم صاحب هذا الكتاب أبو عبد الله
الرازي في كتابه الذي سماه المطالب العالية فإذا كانوا معترفين بأنه ليس عندهم علم ولا يقين في العلم الإلهي كيف يستدل بكلامهم فيه الوجه الخامس أن يقال له لم تقبل هذه الوصية التي نقلتها عن الذي ائتممت به من أئمة الضلال وذلك أنه قال من أراد أن يشرع في المعارف الإلهية فليستحدث لنفسه فطرة
أخرى وهذا يناسب ترتيب تعاليمه حيث ينقل أتباعه من درجة إلى درجة كما ينقلهم من المنطق والرياضي إلى الطبيعي ثم إلى الإلهي الذي لهم فجعل ذلك معلقًا على إرادة الشرع في المعارف الإلهية وأنت جعلت ما تذكره من النفي في هذا الباب اعتقادًا واجبًا على جميع المسلمين خاصتهم وعامتهم بل كفّرت في الكتاب من خالفك فلو تركت الماس على ما هم عليه إلا من أراد أن يشرع في معارفك لكنت متابعًا لهذا الإمام المضل لكنك ابتدأت بخطاب ذلك الملوك والعامة وغيرهم ممن لم يُرد الشروع في معارفك الإلهية
الوجه السادس أن يقال ما معنى قوله فليستحدث لنفسه فطرة أخرى وهم مع ذلك قد نصوا على أن روم نقل الطباع من ردي الأطماع شديد الامتناع فكيف يحدثون فطرة أخرى والفطرة هي الخلقة التي فطر الله عباده عليها أتريد أن يبدل خلقته وما فيها من قوى الإدراك والحركة فهذا غير مقدور للبشر فإن الله تعالى فطر عباده على ذلك أم تريد أن يترك ما فطر عليه من المعارف والعلوم ويستحدث لنفسه معارف تخالف ذلك وهذا هو الذي يصلح أن يريده فهذا أمر تبديل فطرة الله التي فطر عليها عباده وهي طريقة المبتدعة المبدلين لفطرة الله وشرعته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه فأهل الكتاب المنزل بدلوا وحرفوا من كتاب الله تعالى مابدلوه وحرفوه وهم مع الصابئين والمشركين القائمين بالنظر العقلي بدلوا من فطرة الله تعالى التي فطر عباده عليها وغيروا منها ما
غيروا ولهذا قيل إن أرسطو هذا بدل طريقة الصابئة الذين كانوا قبله والذين كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر الذين أثنى عليهم القرآن فهذا الكلام المنقول عنه يوافق ذلك وهؤلاء المحرفة المبدلة في هذه الأمة من الجهمية وغيرهم اتبعوا سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى وفارس والروم فغيروا فطرة الله تعالى وبدلوا كتاب الله والله سبحانه وتعالى خلق عباده على الفطرة التي فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فصلاح العباد وقوامهم بالفطرة المكملة بالشرعة المنزلة وهؤلاء بدلوا وغيروا فطرة الله وشرعته خلقه وأمره وأفسدوا اعتقادات الناس وإراداتهم إدراكاتهم وحركاتهم قولهم وعملهم من هذا وهذا كما بدل الذين ظلموا من بني إسرائيل القول الذي أمروا به والعمل الذي أمروا به ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل لهم وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ [البقرة 58] فدخلوا الباب يزحفون على
أستاهم وقالوا حبة في شعرة وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن مبدأ التجهم في هذه الأمة كان أصله من المشركين ومبدلة الصابئين من الهند واليونان وكان من مبدلة أهل الكتاب من اليهود وأن الجعد ابن درهم ثم الجهم بن صفوان ومن اتبعهما أخذوا ذلك
عنهم وأنه بعد ذلك أواخر المائة الثانية وقبيلها وبعدها اجتلبت كتب اليونان وغيرهم من الروم من بلاد النصارى وعربت وانتشر مذهب مبدلة الصابئة مثل أرسطو وذويه وظهر في ذلك الزمان الخرمية وهم أول القرامطة الباطنية الذين كانوا في الباطن يأخذون بعض دين الصابئين المبدلين وبعض دين المجوس كما أخذوا عن هؤلاء كلامهم في العقل
والنفس وأخذوا عن هؤلاء كلامهم في النور والظلمة وكسوا ذلك عبارات وتصرفوا فيه وأخرجوه إلى المسلمين وكان من القرامطة الباطنية في الإسلام ما كان وهم كانوا كثيرًا يميلون إلى طريقة الصابئة المبدلين وفي زمنهم صنفت رسائل إخوان الصفا وذكر ابن
سينا أن أباه كان من أهل دعوتهم من أهل دعوة المصريين منهم وكانوا إذ ذاك قد ملكوا مصر وغلبوا عليها قال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في الفلسفة لكونهم كانوا يرونها وظهر في غير هؤلاء من التجهم ما ظهر وظهر بذلك تصديق ما اخبر به النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا يارسول الله اليهود والنصارى قال فمن وروى
البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لاتقوم الساعة حتى تأخذ أمتي ما أخذ القرون شبرًا بشبر وذراعًا بذراع فقيل يارسول الله كفارس والروم قال فمن الناس إلا أولئك
ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى والنبوة كلما ظهر نورها انطفت البدع وهي في أول الأمر كانت أعظم ظهورًا فكان إنما يظهر من البدع ما كان أخف من غيره كما ظهر في أواخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج
والتشيع ثم في أواخر عصر الصحابة ظهرت القدرية والمرجئة ثم بعد انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم وكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان مع ما أظهروه من التشيع وكانت قرامطة البحرين أعظم تعطيلاً وكفرًا كفرهم من جنس كفر
فرعون بل شر منه الوجه السابع أن يقال هذه الوصية مخالفة لما بعث الله تعالى به رسله وأن يقروهم على فطرتهم التي فطروا عليها وبذلك جاءتهم الرسل لم يأمروهم باستحداث فطرة غير الفطرة التي فطروا عليها ولا بتغيير تلك الفطرة كما أمرهم هؤلاء المبدلون لفطرة الله تعالى وكتبه والله سبحانه وتعالى قد فطر عباده على الإقرار به وعبادته وحده قال تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿30﴾ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿31﴾ مِنَ الَّذِينَ
فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴿32﴾ [الروم 30 - 32] وهؤلاء الصابئة المبدلون ومن بدل دينه من اليهود والنصارى وسائر المشركين هم مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ وهم من الذين اختلفوا من بعد ما كانوا امة واحدة كما قال تعالى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [البقرة 213] ولهذا يوجد بين هؤلاء الصابئة المتفلسفة وغيرهم من الاختلاف والافتراق في أصول الدين أعظم مما يوجد بين اليهود والنصارى لأن أهل الكتاب اقرب إلى الهدى من الصابئين فمبتدعتهم دون مبتدعة الصابئين والتفرق والاختلاف في الصابئين أكثر ولهذا فيهم من عبادة الأصنام والكواكب والشرك ما لا يوجد منه في أهل الكتابين وإن كان قد وجد فيهم من الشرك ما وجد فهو في أولئك أعظم وهؤلاء وأمثالهم هم الذين بدلوا وغيروا ما فطر الله تعالى عليه عباده وأرسل به رسله وصار فيهم من الاستكبار وطلب العلو ودعوى التحقيق في العلوم
والمعارف وعلو الهمة في الأعمال ماهم في الحقيقة متصفون به كما قال تعالى فيهم إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ [غافر 56] وقال تعالى وتقدس فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون ﴿83﴾ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴿84﴾ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا [غافر 83 - 85] وقال تعالى وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ ﴿124﴾ [الأنعام 124] وبالجملة فهؤلاء وأشباههم أعداء الرسل وسوس الملل وخطاب القرآن لهم كثير جدًّا فإنهم أئمة لأتباعهم وهم من السادة والكبراء الذين قال الله تعالى في أتباعهم إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ﴿64﴾ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴿65﴾ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا ﴿66﴾ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا ﴿67﴾ رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ﴿68﴾ [الأحزاب 64- 68] وكان
فرعون موسى من أكابر ملوك هؤلاء وقد ذكر الله تعالى في قصته في القرآن مافيه عبرة وكذلك مشركو قريش الذين كفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً كان فيهم الشبه بهؤلاء أن يكونوا أئمة من كفر بعدهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الناس تبع لقريش في هذا الشأن مؤمنهم تبع لمؤمنهم وكافرهم تبع لكافرهم وكان من أئمة الكفر الوحيد الذي قال الله تعالى فيه
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ﴿11﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً ﴿12﴾ وَبَنِينَ شُهُوداً ﴿13﴾ إلى قوله تعالى إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿18﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿19﴾ [المدثر 11 - 19] فاستعمل نظر أهل المنطق من التفكير الذي يطلب به الحد الأوسط ثم التقدير الذي هو القياس الذي ينتقل فيه من الحد الأوسط إلى المطلوب وكذب بكون القرآن كلام الله تعالى وجعله كلام البشر وهذا في الحقيقة قول هؤلاء المتفلسفة كما قد بيناه في غير هذا الكتاب فأمر الأمة بقبول وصية أمثال هؤلاء دون أن يذكر في ذلك ما أوصى الله تعالى به عباده وما وصت به رسله والوصية متضمنة تبديل فطرة الله تعالى بفطرة أخرى من أعظم تبديل الفطرة في العلوم والأعمال وذلك من تبديل دين الله
فصل قال أبو عبد الله الرازي المقدمة الثانية اعلم أنه ليس كل موجود يجب أن يكون له نظير وشبيه وأنه ليس يلزم من نفي النظير والشبيه نفي ذلك الشيء واحتج عليه بثلاث حجج ثم قال فظهر فساد قول من يقول لايمكننا أن نعقل وجود موجود لايكون متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه إلا إذا وجدنا له نظيرًا فإن عندنا الموصوف بهذه الصفة ليس إلا الله سبحانه وتعالى وبينا أنه لا يلزم من عدم النظير والشبيه عدم الشيء فثبت أن هذا الكلام ساقط بالكلية قلت نفي النظير والمثل الكفء والسمي ونحو ذلك عن
الله سبحانه وتعالى متفق عليه بين المسلمين الذين يؤمنون بالقرآن وقد بينا فيما تقدم بالدلائل القاطعة الشرعية والعقلية أنه يمتنع أن يكون لله مثل بوجه من الوجوه وبَيَنَّا أن التماثل بينه وبين خلقه ممتنع لذاته وانه يستلزم كون الشيء الواحد موجودًا معدومًا قديمًا محدثًا خالقًا مخلوقًا واجبًا ممكنًا والحجج الثلاثة التي ذكرها الرازي في هذا المطلوب ضعيفة كما سنبينه إن شاء الله وإن كانت هذه المقدمة في نفسها حقًّا إذا فسرت بما يوافق الكتاب والسنة والعقل الصريح فإن هذا الرجل كثيرًا مايقول الحق ولكن تكون الحجج التي يقيمها عليه ضعيفة وكثيرًا مايقول ماليس بحق وكثيرًا ما يتناقض وهو في هذه المقدمة لم يثبت نفي الشبيه والنظير عن الله تعالى ولكن أراد أن يثبت أنه لايجب أن يكون لكل موجود نظير وشبيه فأثبت سلب هذا العموم لم يثبت نفي النظير عن الله تعالى ومتى ثبت نفي المثل عن الله تعالى ثبت سلب هذا العموم لانتقاض هذه
القضية العامة الكلية ولايلزم من ثبوت نقيض هذه القضية وسلبها ثبوت نفي المثل عن الله فإنه إذا لم يجب أن يكون لكل موجود نظير لم يلزم من ذلك عدم وجود النظير لكل موجود إذ نفي الوجوب لاينفي الوجود ولو ثبت أن في الموجودات ما لانظير له بل ما يجب نفي النظير عنه لم يثبت بمجرد هذا الإبهام أنه الله إلا بدليل آخر فكيف إذا لم يثبت إلا مجرد عدم وجوب النظير لكل موجود وإذا عرف مضمون هذه المقدمة فإنما استفاد بها قوله فثبت فساد قول من يقول إنه لايمكننا أن نعقل وجود موجود لايكون متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه إلا إذا وجدنا له نظيرًا وإذا كان هذا هو الذي استفاده بهذه المقدمة فينبغي أن يعلم أن هذا الكلام لايقوله من يجزم بقول ولا يقوله أحد من أهل الأقوال المعتبرة وما أعلم أحدًا يقوله ممن يذكر له قول لكن لعله قد قاله بعض الجهال بالمذاهب والدلائل وأهل الريب والشك في ذلك وذلك أن المنازعين له عندهم يُعلم بضرورة العقل ونظره امتناع وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه وإذا كان هذا ممتنعًا عندهم لم يجز أن يكون لهذا الممتنع نظير
ولم يجز أن يقول عاقل إن هذا الممتنع لا أعقله إلا إذا كان له نظير فإن هذا يكون تعليقًا لعقله على وجود نظيره ويكون عاقلاً له إذا كان له نظير ومتى جوز وجود نظيره لم يكن هو في نفسه ممتنعًا عنده والقائل لهذا إن كان يعتقد امتناع هذا لم يجوز أن يكون له في نفسه وجود فضلاً عن أن يجوّز وجود نظير له وغن كان يعتقد إمكانه لم يحتج عقله له إلى وجود نظير لكن قد يقول هذا من لايعلم امتناعه ولا إمكانه ويقول أنا لا أعقل شيئًا إلا شيئًا له نظير فهذه المقدمة تبطل هذا القول لو كان أقام حجة صحيحة عليها وتحقيق الأمر أن لفظ النظير إن أراد به هذا القائل أني لا أعقل شيئًا إن لم يكن له نظير من كل وجه فهذا لا ينفعه فإنه يسلم أن الله تعالى ليس له نظير من كل وجه وإن قال إن لم يكن له نظير من بعض الوجوه بمعنى أن يكون بينه وبين غيره مشابهة في شيء فالرازي لم يقم دليلاً على إفساد هذا بل قد سلم في كتبه أن هذا يقوله كل أحد قال في كتابه نهاية العقول وهو اجل ماصنفه في الكلام في المسألة الثالثة في
أن مخالف الحق من أهل الصلاة يكفر أولا قال قال أبو الحسن الأشعري في أول كتاب مقالات الإسلاميين اختلف المسلمون بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشياء ضلل بعضهم بعضًا فصاروا فرقًا متباينين إلا أن الإسلام يجمعهم ويعمهم قال فهذا مذهبه وعليه أكثر الأصحاب ومن الأصحاب من كفر المخالفين قال فأما الفقهاء فقد نقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال لاأرد شهادة كل أهل الأهواء والأقوال إلا الخطابية فإنهم يعتقدون حل
الكذب وأما أبو حنيفة فقد حكى الحاكم صاحب
المختصر في كتاب المنتقى عن أبي حنيفة أنه لم يكفر أحدًا من أهل القبلة وحكى الرازي عن الكرخي
وغيره مثل ذلك قال وأما المعتزلة فالذين كانوا قبل أبي الحسين تحامقوا وكفروا أصحابنا في إثبات الصفات وخلق الأعمال قال وأما المشبهة فقد كفرهم مخالفوهم من أصحابنا ومن المعتزلة وكان الأستاذ أبو إسحاق يقول أكفر من يكفرني فكل مخالف يكفرنا نكفره وإلا فلا قال والذي نختاره أنا لا نكفر أحدًا من أهل القبلة وهذا الذي اختاره آخرًا خلاف ماذكره في تأسيسه ومحصله من
تكفير المجسمة دون غيرهم والمقصود هنا أنه ذكر حجج من كفر المشبهة وتكلم عليها فقال وأما تكفير المشبهة فقد كفرهم أصحابنا والمعتزلة من وجوه إلى أن قال ورابعها أن الأمة مجمعة على أن المشبه كافر ثم المشبه لا يخلو إما أن
يكون هو أن يذهب إلى كون الله تعالى وتقدس مشبهًا لخلقه من كل الوجوه أو ليس كذلك والأول باطل لأن أحدًا من العقلاء لم يذهب إلى ذلك ولايجوز أن يجمعوا على تكفير من لاوجود له بل المشبه الذي يثبت الإله على صفة يشبهه معها بخلقه والمجسم كذلك لأنه إذا أثبت جسمًا مخصوصًا بحيزٍ معين فإنه يشتبه عليه بالأجسام المحدثة فثبت أن المجسم مشبه وكل مشبه كافر بالإجماع فالمجسم كافر ثم قال في الجواب عن هذا قوله المجسم مشبه والمشبه كافر قلنا إن عنيتم بالمشبه من يكون قائلاً بكون الله تعالى وتقدس شبيهًا بخلقه من كل الوجوه فلا شك في
كفره لكن المجسمة لايقولون بذلك فلا يلزم من قولهم بالتجسيم قولهم بذلك ألا ترى أن الشمس والقمر والنمل والبق أجسام ولايلزم من اعترافنا باشتراكهما في الجسمية كوننا مشبهين للشمس والقمر بالنمل والبق قال وإن عنيتم بالمشبه من يقول بكون الله تعالى شبيهًا بخلقه من بعض الوجوه فهذا لايقتضي الكفر لأن المسلمين اتفقوا على أن الله موجود وشيء وعالم وقادر والحيوانات أيضًا كذلك وذلك لايوجب الكفر وإن عنيتم بالمشبه من يقول الإله جسم مختص بالمكان فلا نسلم انعقاد الإجماع على تكفير من يقول بذلك بل هو دعوى الإجماع في محل النزاع فلا يلتفت إليه قلت هذا الكلام منه تسليم لأن كون الله شبيهًا بخلقه من بعض الوجوه متفق عليه بين المسلمين لاتفاقهم على أن الله تعالى موجود وشيء وعالم وقادر وعلى هذا فما من موجود إلا وله شبيه من بعض الوجوه لاشتراكهما في الوجود
والشيئية فقوله بعد هذا لايجب أن يكون لكل موجود نظير وشبيه إن عنى به شبيهًا به من كل وجه فقد ذكر أن أحدًا من العقلاء لم يذهب إلى ذلك وإن عنى به شبيهًا من بعض الوجوه فقد ذكر أن هذا محل وفاق بين المسلمين وإن أراد نوعًا من التشبيه فهو لم يذكر في هذه المقدمة تفصيلاً ولم يوضح سبيلاً ومن العجب انه ذكر في نهايته على لسان منازعيه إجماع المسلمين على تكفير المشبهة وأنه ليس هو الذي يذهب إلى كون الله تعالى وتقدس شبيهًا بخلقه من كل الوجوه فإن هذا لم يذهب إليه عاقل فتعين أن يكون هو الذي يثبت الإله على صفة يشبهه معها بخلقه ثم ذكر هو إجماع المسلمين على كون الله شبيهًا بخلقه من بعض الوجوه
فالذي ذكر أولئك إجماع المسلمين على تكفير قائله ذكر هو إجماع المسلمين على القول به وهذا الذي قرره في نهاية العقول في علم الأصول الذي صنفه بعد هذا الكتاب وقرر في أوله أن علم أصول الدين أجل العلوم وأشرفها وأعلاها وأنهاها قال ثم إن جماعة من الأفاضل الذين لايوجد أمثالهم غلا على تباين الأعصار ونوادر الأدوار لما طال اقتراحهم لدي وكثر إلحاحهم علي في تصنيف كتاب في أصول الدين يشتمل على نهايات الأفكار العقلية وغايات المباحث العلمية صنفت هذا الكتاب بتوفيق الله تعالى على نحو ملتمسهم وأوردت فيه من الدقائق والحقائق ما لا يكاد يوجد في شيء من كتب الأولين والآخرين والسابقين واللاحقين من الموافقين
والمخالفين وإن كتابي يتميز على سائر الكتب المصنفة في هذا المعنى بثلاثة أمور أحدها الاستقصاء في الأسئلة والأجوبة والتعمق في بحار المشكلات على وجه ربما يكون انتفاع صاحب كل مذهب بكتابي هذا أكثر من انتفاعه بالكتب التي صنفها أصحاب ذلك المذهب فإني أوردت من كل كلام زبدته ومن كل بحث نقاوته حتى إني إذا لم أجد لأصحاب ذلك المذهب كلامًا يعول عليه ويلتفت إليه في نصرة مذهبهم وتقرير مقالتهم استنبطت من نفسي أيضًا ما يمكن أن يقال في تقرير ذلك المذهب وتحرير ذلك المطلب وإن كنا نرد بالعاقبة كل رأي ونزيف كل رؤية سوى مااختاره أهل السنة والجماعة ونبين بالبراهين الباهرة والأدلة القاهرة أن ذلك
الذي يجب له الانقياد بالسمع والطاعة وثانيهما استنباط الأدلة الحقيقية والبراهين اليقينية المفيدة للعلم الحقيقي واليقين التام لا الإلزامات التي منتهى المقصود من إيرادها مجرد التعجيز والإفحام وثالثها الترتيب العجيب والتلفيق الأنيق الذي يوجب التزامه على ملتزمه إيراد جميع مداخل الشكوك والشبهات والاجتناب عن الحشو والإطناب وهذا كله لايعلمه إلا من تقدم تحصيله لأكثر كلام العلماء وتحقق وقوعه على مجامع مباحث العقلاء من المحققين والمبطلين والموافقين والمخالفين حتى يمكن بعد ذلك فهم مافيه من الأدلة العقلية والشكوك العويصة القوية فإني قلما تكلمت في المبادئ والمقدمات بل أكثر العناية كان مصروفًا إلى
تلخيص النهايات والغايات قال ولما خرج الكتاب على هذا الوجه سميته نهاية العقول في دراية الأصول ليكون الاسم موافقًا للمسمى واللفظ مطابقًا للمعنى وجعلته خالصًا لوجه الله تعالى الكريم وطلب مرضاته والفوز العظيم بثوابه والهرب من اليم عذابه وسألت الله تعالى أن يعظم لي الانتفاع به وللمسلمين في الدارين ويجعله سبب السعادة في المنزلتين إنه قريب مجيب فهذا وصفه لكلامه في هذا الكتاب الذي صنفه بعد هذا وقد نقض فيه ماذكر في هذا الكتاب في اسم المشبهة وتكفيرهم وذكر اتفاق المسلمين على إثبات التشبيه من بعض الوجوه وإذا كانوا متفقين عليه كيف يكون صاحبه هو المشبه المذموم في قول
المسلمين وذكر أن القائلين بالجسم واختصاص الله تعالى بالمكان وإن غناهم متكلم بلفظ التشبيه فلا حجة على تكفيرهم وقد ذكر في هذا الكتاب ضد هذين القولين في اسم التشبيه وفي تكفير المشبه مع أن الحجج التي ذكرها في هذا الكتاب من جانب منازعه قوية عظيمة توافق مارجع إليه في نهايته فقال في القسم الرابع وقد جعله ثلاثة فصول قال الفصل الثاني في أن المجسم هل يوصف بأنه مشبه أم لا قال المجسمة إنا وإن قلنا إنه جسم مختص بالحيز والجهة غلا أنا نعتقد أنه بخلاف سائر الأجسام في ذاته وحقيقته وذلك يمنع من القول بالتشبيه فإن إثبات المساواة في بعض الأمور لايوجب إثبات التشبيه ويدل على ذلك أنه تعالى صرح في كتابه بالمساواة في الصفات الكثيرة ولم يقل أحد بأن ذلك يوجب التشبيه فالأول قال سبحانه وتعالى في صفة نفسه إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴿46﴾ [طه 46] وقال في صفة الإنسان
فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴿2﴾ [الإنسان 2] والثاني قال وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا [هود 37] وقال في الإنسان تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ [المائدة 83] والثالث قال بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة 64] وفي الإنسان ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ [الحج 10] وقال في نفسه مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً [يس 71] وفي الإنسان يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح 10] الرابع قال الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴿5﴾ [طه 5] وقال في الإنسان لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف 13] الخامس قال في صفة نفسه الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ [الحشر 23] ووصف الخلق بذلك فقال إخوة يوسف يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ [يوسف 78] وقال كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴿35﴾ [غافر 35]
السادس سمى نفسه بالعظيم ثم وصف العرش به فقال رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴿26﴾ [النمل 26] السابع وصف نفسه بـ الحفيظ العليم ووصف يوسف نفسه بهما فقال إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴿55﴾ [يوسف 55] وقال فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴿101﴾ [الصافات 101] وقال في آية أخرى بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ﴿28﴾ [الذاريات 28] الثامن سمى تحيتنا سلامًا فقال تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ [الأحزاب 44] وسمى نفسه سلامًا وكان يقول صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من الصلاة اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ياذا الجلال والإكرام