بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 302-342
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الوجه الأول

صفحات 302-342
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

وقد تقدم الكلام عليه ثم قال الرازي وأما تقرير هذا المعنى في الصفات فذلك من وجوه أحدها أنا لانعقل ذاتًا تكون عالمة بمعلومات لا نهاية لها على التفصيل دفعة واحدة

فإنا إذا جربنا أنفسنا وجدناها متى اشتغلت باستحضار معلوم معين امتنع عليها في تلك الحالة استحضار معلوم آخر ثم إنا مع ذلك نعتقد أنه تعالى وتقدس عالم بما لا نهاية له من المعلومات على التفصيل من غير أن يحصل فيه اشتباه والتباس فكان كونه تعالى عالمًا بجميع المعلومات أمرًا على خلاف مقتضى الوهم والخيال والكلام على هذا من وجوه أحدها أن هذا الكلام أن علم الله ليس من جنس علومنا ولا مماثلاً له وأنا لانستطيع أن نعلم كعلم الله تعالى هذا من أوضح الأمور وأبينها عند الخاصة والعامة فإن أحدًا من الخلق كما لا يظن أن ذاته كذات الله تعالى لايظن أن علمه كعلم الله تعالى ومن المعلوم لكل أحد أن الله أكبر وأعظم مما تعلمونه وتقولونه فيه فكذلك علمه وقدرته وسائر صفاته أكبر وأعظم من أن يعلم كنه علمه أو يوصف ولم يقل أحد من البشر إن علم الله تعالى مثل علمنا ولا توهم أحد ذلك ولا تخيله فأي شيء في هذا مما هو على خلاف مقتضى الوهم

والخيال غاية ما فيه أنه ليس مثلما نتوهمه ونتخيله في نفوسنا وهذا لا ريب فيه وهذا يظهر بالوجه الثاني وهو أن الله سبحانه ليس مثل مانعلمه ونعقله ونحسه من نفوسنا فضلاً عن أن يكون مثل ما نتخيله ونتوهمه من نفوسنا فلا اختصاص للوهم والخيال بذلك وإذا كان الله سبحانه ليس مثل ما نحسه ونعلمه ونعقله ونتخيله فينا ولم يكن في ذلك ما يقتضي أن يكون منافيًا لما نعلمه لم يجب أن يكون منافيًا لما نحسه ويقرر هذا بالوجه الثالث وهو أن العلم بامتناع موجود لا داخل العالم ولا خارجه علم فطري ضروري ليس هو من خصائص الوهم والخيال وأما ماذكره من إحاطة علم الله تعالى فليس عندنا اعتقاد ينفي ذلك بحال الوجه الرابع أن كل ما وصف به علم الله ليس عندنا اعتقاد ينفي ذلك لا محسوس ولا متوهم ولا متخيل ولا معقول إلا أن يكون من الاعتقادات الباطلة التي لم تعلم بضرورة ولا نظر ولا ريب أن ذات الله وصفاته على خلاف الاعتقادات الباطلة التي يظن أنها معقولة أو محسوسة أو متخيلة ولكن لا فرق في ذلك بين ما يظن انه معقول معلوم وما يظن أنه محسوس ومتخيل

الوجه الخامس أن قوى بني آدم في العلم متفاوتة تفاوتًا لاينضبط طرفاه أعظم من تفاوتهم في قوى الأبدان ولبعضهم من القوة على استحضار معلومات في وقت واحد ما ليس لبعض وليس لذلك حد معلوم للناس يعتقدون أن أحدًا من البشر لا يمكن أن يكون أقوى من ذلك بل فوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي ذلك إلى الله تعالى كما قال السلف وإذا كان بنو آدم متفاوتين في العلم والقدرة ولم يكن عجز أحدهم عما يقدر عليه الآخر من العلوم والأعمال مانعًا من اعتقاده ثبوت ذلك لغيره مع كونه مجانسًا له مساويًا في الحقيقة فلأن لا يكون عجز أحدهم عما يوصف الله تعالى به من العلم مانعًا من

اعتقاد وجوب ذلك في ربه عز وجل بطريق الأولى والأحرى ولا يكون ذلك معتقدًا ما يخالف محسوسه ولا معقوله الوجه السادس أنه إذا كان الآدمي يعلم من اقتدار غيره على استحضار العلوم المعضلة في زمن واحد ما لايقدر هو عليه كان ذلك دليلاً عنده على أن رب العالمين أولى بأن يكون موصوفًا بالعلم بمعلومات معضلة لايقدر العبد عليها الوجه السابع أن العبد يعلم أن ربه يدبر أمر السموات والأرض في آن واحد لايشغله شأن عن شأن ومعلوم أن التدبير يحتاج إلى قدر زائد عن العلم من القدرة والمشيئة والحكمة مع أن العبد يعلم عجز نفسه عن نظيره من نحو ذلك بأن يكون معتقدًا بأن ربه بكل شيء عليم وإن كان عاجزًا عن ذلك بطريق الأولى والأحرى وبالجملة فهذا الوجه من الوجوه التي ذكرها في تقريره هذه المقدمة وكذلك ما ذكره في قدرة الله تعالى وفي سمعه وفي بصره بعد هذا كما سنذكره

قال الرازي وثانيها أنا نرى أن كل من فعل فعلاً فلابد له من آلة وأداة وأن الأفعال الشاقة تكون سببًا للكلال والمشقة لذلك الفاعل ثم إنا نعتقد أنه سبحانه وتعالى يدبر من العرش إلى ما تحت الثرى مع انه منزه عن المشقة واللغوب والكلال يقال له لاريب أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا [البقرة 255] أي لايكرثه ولا يثقل عليه وقال في كتابه وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ ﴿38﴾ [ق 38] وقد ذُكر أنها نزلت لما قال من قال من اليهود إن الله خلق السموات والأرض ثم استراح يوم السبت فأخبر الله أنه ما مسه من لغوب واللغوب الإعياء وإنما يستريح من

أعيا ومنه قول أبي قتادة في حمار الوحش فسعى القوم حتى لغبوا وقال أهل الجنة وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ

إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴿34﴾ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴿35﴾ [فاطر 34, 35] وهذا مما لايتنازع فيه المسلمون وإذا كان كذلك فالكلام على ماذكرته من وجوه أحدها أن هذا بيان أن قدرة الله تعالى كاملة تامة لانقص فيها ليست مثل قدرة العباد كما ذكرنا في العلم وهذا حق ولم يقل أحد إن هذا مخالف لا للمحسوس ولا للمعقول وإنما هو مخالف لمقدار صفاتنا الثاني أن هذا يُشبه هذا أن المعلوم والمعقول والمحسوس والمتخيل نسبة واحدة فقولك إن ثبوت هذا على خلاف حكم الوهم والخيال كقول القائل إنه ثابت على خلاف

حكم العقل والعلم الثالث أن هذا معناه أن الله ليس مثلنا ولا صفاته كمقدار صفاتنا وقد مضى أن انتفاء مثل الشيء لا يوجب انتفاءه فكيف إذا كان إنما نفى مماثلته لنا فقط وإن كان الله تعالى ليس كمثله شيء وقد قدمنا أنه إن عنى بثبوته على خلاف الحس والخيال عدم النظير فهو حق لكن نفي موجود لا داخل العالم لا خارجه معلوم بالفطرة البديهية لابالقياس ولا بعدم النظير الرابع أن هذه القدرة ليس عندنا اعتقاد بنفيها لا محسوس ولا معقول بخلاف وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه فإن عندنا من العلوم الضرورية والنظرية ما ينفي ذلك الخامس أن قوى بني آدم في العقل مختلفة فإذا كان عجز أحدهم عما يقدر عليه الآخر ليس مانعًا من اعتقاد ثبوت تلك القدرة مع اشتراكهم في الجنس فأن لا يكون عجز أحدهم مانعًا من الإيمان بقدرة خالقه أولى وأحرى السادس أنه إذا كان أحدهم يعلم من قدرة غيره على العمل ما ليس هو عنده ولا يكون ذلك ممتنعًا لا في حسه ولا في

خياله ولا في عقله فأن يعلم من قدرة خالقه ما ليس هو عنده أولى وأحرى قال الرازي وثالثها أنا نعتقد أنه يسمع أصوات الخلق من العرش إلى ما تحت الثرى ويرى الصغير والكبير فوق أطباق السموات العلى وتحت الأرضين السفلى ومعلوم أن الوهم البشري والخيال الإنساني قاصران عن الاعتراف بهذا الموجود مع أنا نعتقد أنه سبحانه وتعالى كذلك يقال له لاريب أنه سبحانه وتعالى كما قالت عائشة رضي الله عنها في الحديث الصحيح سبحان الذي وسع سمعه الأصوات لقد كانت المجادلة تناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جانب البيت وإنه ليخفى على بعض كلامها فأنزل الله تعالى قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [المجادلة 1] وفي

الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال اجتمع عند البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي فتحدثوا بينهم بحديث فقال أحدهم أترون الله يسمع مانقول فقال الآخر يسمع إن أعلنا ولايسمع إن أسررنا فقال الثالث إن سمع منه شيئًا فإنه يسمع كله فأنزل الله تعالى وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا

تَعْمَلُونَ ﴿22﴾ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ ﴿23﴾ [فصلت 22 ¸23] لكن الكلام في سعة سمعه وبصره سبحانه وتعالى كالكلام في سعة علمه وقدرته سواء وليس فيما ذكره إلا أن ذلك ليس مثل سمعنا وبصرنا وثبوت مثل هذا مما لاينازع فيه عاقل ولا ينفيه حس ولا عقل ولا تخيل بل ثبوت مالا نظير له في الخلق

لا ينفيه الحس والعقل فكيف بما ليس له نظير مساو أيضًا فالعقل والحس والخيال والوهم بالنسبة إلى هذا سواء فقوله ومعلوم أن الوهم البشري والخيال الإنساني قاصران عن الاعتراف بهذا الموجود بمنزلة قول القائل إن العقل البشري والعلم الإنساني قاصران عن الاعتراف بهذا الموجود وهو لايقول إن الله ثابت على خلاف حكم العقل والعلم فيلزمه في الحس والوهم والخيال مثل ذلك وأيضًا فقوله على خلاف ذلك إن أراد به أن الوهم والخيال يعجز عن إدراك ذلك لم يضر فإن العجز عن إدراك الشيء من بعض الوجوه لا ينفي القدرة على معرفته من وجه آخر وإن أراد أن الوهم والخيال يدرك ما ينافي ذلك للم يصح ذلك فليس في وهمنا وخيالنا الصحيح ما ينافي ذلك وإن فُرض اعتقاد فاسد ينافي ذلك فهو كالاعتقاد الذي يظن صاحبه أنه معقول أو معلوم وقد قدمنا أن لفظ الوهم والخيال يقال على الباطل تارة وعلى المطابق أخرى فالمطابق لا ينافي ذلك والباطل لا نزاع فيه وأيضًا فاعتقاد امتناع موجود لا داخل العالم ولا خارجه

ثابت بالضرورة الفطرية والمتوهم المتخيل لا يكون ثابتًا بالفطرة الضرورية كما تقدم قال الرازي فثبت أن الوهم والخيال قاصران عن معرفة الله سبحانه وتعالى وصفاته ومع ذلك فإنا نثبت الأفعال والصفات على مخالفة الوهم والخيال وقد ثبت أن معرفة كنه الذات أعلى وأجل وأغمض من معرفة كنه الصفات فلما عزلنا الوهم والخيال في معرفة الصفات والأفعال فلأن نعزلهما في معرفة الذات كان ذلك أولى وأحرى فهذه الدلائل العشرة دالة على أن كونه سبحانه وتعالى منزهًا عن الحيز والجهة ليس أمرًا يدفعه صريح العقل وذلك هو تمام المطلوب قلت قد تقدم الكلام على أصول هذا غير مرة من وجوه متعددة أحدها أن القصور عن معرفة الشيء غير العلم بانتفائه

والمنازع له قال إني أعلم انتفاء موجود لا داخل العالم ولا خارجه لم يقل إني قاصر أو عاجز عن معرفة وجوده الثاني أن قصور الوهم والخيال لا يستلزم قصور العلم والعقل والحس والمنازع له يقول إن ذلك لا يعلم بعقل ولا غيره فإذا كان غيره معقولاً لم يجب أن يكون هذا معقولاً الثالث أن المنازع له قال أنا أعلم بالفطرة الإنسانية التامة امتناع هذا الموجود لا يقول إن ذلك نعتقده بوهمنا وخيالنا دون علمنا وعقلنا الرابع أن جميع ماذكره إنما يدل على ثبوت ما لا نظير له لا يدل على ما نعتقد انتفاءه والأول مسلم ومورد النزاع من الثاني الخامس أن الوهم والخيال المطابق والعلم والعقل والإحساس فيما ذكره سواء كما تقدم بيانه ثم إنه لم يعزل العلم والعقل في معرفة الله تعالى فلا يعزل الحس الصحيح والتخيل الصحيح وأما الفاسد فهو معزول وإن قيل إنه

معقول ومعلوم كما يعزل ما يذكره الجهمية وغيرهم من أهل الإلحاد من الأمور التي يسمونها عقليات وهي جهليات السادس أن المنازع له قد يسلم أن يعزل الوهم والخيال في معرفة أفعال الله تعالى وصفاته وذاته لكن لم يعزل الفطرة الإنسانية والمعارف الضرورية ومسألتنا من هذا الباب ولم يذكر حجة واحدة تنفي كون ذلك معلومًا بالضرورة ولا يقبل الاحتجاج على خلاف ما يعرف بالضرورة السابع أنه إنما أثبت أن أفعال الله تعالى وصفاته ليست مماثلة لأفعالنا وصفاتنا وذلك لايقتضي كونها ثابتة على خلاف الوهم والخيال فإن الوهم والخيال لاينفي ما لم يكن مثاله موجودًا فيه بل غاية ماذكره انتفاء المثل في الوجود والوهم والخيال لاينفي ما لا مثل له بل الوهم والخيال من أعظم الأشياء إثباتًا لما لا نظير له فيما يقدره ويصوره من الأمور التي تكون موجودة فيه وليس لها نظير في الخارج وأما قوله فهذه الدلائل العشرة دالة على أن كونه منزهًا عن الحيز والجهة ليس أمرًا يدفعه صريح العقل وذلك تمام

المطلوب فقد تبين بأدنى نظر أنه ليس فيها وجه واحد يبين إمكان وجود ذلك لا الإمكان الذهني ولا الخارجي أعني لم يثبت أن العقل يعلم إثبات ذلك ولا أنه لا يعلم امتناعه ولو لم يكن عندنا اعتقاد ينفي إمكان ذلك بضرورة أو نظر فكيف إذا كان اعتقاد امتناع ذلك معلومًا بالضرورة وقد تقدم أن ما اعتقد امتناعه بالضرورة وأراد الرجل أن يبين أنه غير ممتنع بالضرورة ولا بالنظر بل هو ممكن في الذهن فلا بد أن يبين أن ما يعلم امتناعه بالضرورة أو النظر ليس هو الذي لا يعلم امتناعه في الذهن ليبقى الإمكان الذهني مع أن الإمكان الذهني لا يستلزم الإمكان الخارجي كما تقدم

فصل ثم إن المنازعين له إذا كانوا يقولون نعلم بالضرورة امتناع ذلك بل وقالوا إن مايقول النفاة إنه الحق الذي يجب وصف واجب الوجود به فإنه ممتنع وجوده معلوم امتناعه بضرورة العقل بل يقولون إنا نعلم بضرورة العقل أن رب العالمين فوق العالم فنحن نعلم بضرورة العقل وجوب ماادعى امتناعه بالنظر وامتناع ماادعى إمكانه بالنظر وقد يقولون نحن نعلم بالفطرة والضرورة أن الموجود أو أن الموجود الذي ليس هو صفة لغيره أو أن واجب الوجود لا يكون إلا قائمًا بنفسه يمتنع غيره أن يكون بحيث هو وأنه ليس خيالاً وشبحًا في النفس بل هو شيء موجود له التحقق والثبوت الذي يعلم بالقلوب أنه تحقق وثبوت وإن سماه المنازع تحيزًا وتجسمًا ونحو ذلك ونعلم بالضرورة والفطرة أن ما لا يكون كذلك لا يكون إلا معدومًا كما نعلم

بالضرورة والفطرة أنه ما من موجودين حيين عالمين قادرين بل ما من موجودين إلا وهما مشتركان في مسمى الوجود والثبوت وإن تميز أحدهما عن الآخر بخاصيته التي تخصه سواء كان واجبًا أو لم يكن وما به الاشتراك ليس هو ما به الامتياز ولا مستلزمًا له وإلا كان أحدهما هو الآخر إذا كان المشترك مستلزمًا للمميز فإنه إذا لم يكن أحدهما مختصًّا بما يميزه بل حيث تحقق المشترك تحقق المميز والمشترك ثابت لهما فإذا كان المميز ثابتًا لهما لم يكن لأحدهما تميز يخصه فلا يكون أحدهما غير الآخر إذ لابد في المعينين من أن يمتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه وإذا كان كل منهما موصوفًا بقدر مشترك والقدر المشترك أن يكون لأحدهما شبه ما للآخر ولو من بعض الوجوه امتنع أن يكون في الوجود موجود لا يشارك الموجودات في شيء من الأمور الوجودية ولا يشابهها في شيء من ذلك ولهذا كان السلف والأئمة يقولون إن العلماء يعلمون بعقلهم انتفاء ذلك كما قال الإمام أحمد رحمه الله في رده

على الجهمية لما ذكر عنهم ما وصفوه من السلوب وأنهم قالوا كل ما خطر على قلبك أنه شيء تعرفه فهو على خلافه وهذا معنى قول المؤسس وذويه إنه على خلاف الحس والخيال أو العقل وقد تقدم ذكر ذلك قال فقلنا هو شيء قالوا هو شيء لا كالأشياء فقلنا إن الشيء الذي لا كالأشياء قد عرف أهل العقل أنه لاشيء فعند ذلك تبين للناس أنهم لايثبتون شيئًا ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون به في العلانية فإذا قيل لهم

من تعبدون قالوا نعبد من يدبر أمر هذا الخلق فقلنا فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق هو مجهول لا يعرف بصفة قالوا نعم فقلنا قد عرف المسلمون أنكم لاتثبتون شيئًا إنما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون فذكر أولاً أن ما يقال إنه شيء ثم يقال إنه لا كالأشياء أي لا يشابهها بوجه من الوجوه بل يخالفها من كل وجه فهذا قد عرف أهل العقل أنه لا شيء لأن العلم بذلك عام في أهل العقل ولما ذكر ثانيًا من يعبدون قالوا نعبد المدبر لهذا الخلق فهذا إخبار عن المعبود الذي تجب عبادته في الدين فلما قالوا هو مجهول لا يعرف بصفة قال قد علم المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا لأن المسلمين يوجبون عبادة الله تعالى فذكر أولاً عن عموم أهل العقل أنهم لا يثبتون شيئًا وذكر ثانيًا عن أهل الدين أنهم لا يعبدون شيئًا ذكر في كل مقام ما يناسبه وذلك لأن المجهول لايعرف فلا يقصد ولا يعبد ومن لا يعرف

بصفة تميزه من غيره لم يكن معلومًا فلا يكون معبودًا فهنا ذكر أن لابد من صفة تميزه عن غيره والنفاة يقولون هذا تجسيم وذكر أولاً أنه يمتنع أن لا يكون بينه وبين شيء من الموجودات قدر مشترك ولا شبه بوجه من الوجوه والنفاة يقولون هذا تشبيه فهم بما عنوه بلفظ التشبيه والتجسيم أوجبوا أن يكون الموصوف بنفي ذلك على المعنى الذي قصدوه معدومًا بل واجب العدم ممتنع الوجود وإن كان اللفظ يحتمل نفي معان باطلة مثل نفي كونه مشابهًا للمخلوقات مماثلاً لها من بعض الوجوه فإن نفي هذا واجب وكذلك نفي كونه يقبل التفريق والتفكيك فلا يكون صمدًا أحدًا هو أيضًا واجب فتكلموا أيضًا باللفظ المجمل المتشابه الذي يحتمل الحق والباطل ولكن قصدوا به ماهو باطل وإن قصدوا به ما هو أيضًا حق أوهموا الناس أنهم لم يقصدوا به إلا نفي ما هو باطل كما قال أحمد رحمه الله يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويوهمون جهال الناس بما يشبهون عليهم

فصل ويقول المنازعون نحن نعلم بالنظر العقلي والاستدلال كما علمنا بالفطرة الضرورية لامتناع وجود ما أثبته المنازع من أنه لا داخل العالم ولا خارجه ونعلم انتفاء ذلك وثبوت ضده بالكتاب والسنة وبالإجماع وبالنقل المتواتر عن الأنبياء المتقدمين وباتفاق أهل الفطر السليمة من جميع العقلاء فصاروا يقولون إن كل واحد من ثبوت ما يقوله ونفي ما يقوله الجاحد المخالف يعلم بالفطرة والضرورة والبديهة والذوق

والوجد ويعلم بالفطرة والأدلة العقلية ويعلم بالأدلة الشرعية الكتاب والسنة والإجماع ويعلم بالنقل المتواتر عن الأنبياء ويعلم باتفاق العقلاء ذوي الفطر السليمة وإذا استدلوا بالنظر والقياس والمعقول والبراهين التي يحتج بنظيرها مخالفوهم بل بالبراهين التي هي أصح من ذلك وهي حق في أنفسها قرروا ذلك من وجوه أحدها وفيه قاعدة جليلة جامعة وهو أن يقال لا ريب أن قياس الغائب على الشاهد يكون تارة حقًّا وتارة باطلاً وهذا متفق عليه بين العقلاء فإنهم متفقون على أن الإنسان ليس له أن يجعل كل ما لم يحسه مماثلاً لما أحسه إذ من الموجودات أمور كثيرة لم يحسها ولم يحس ما يماثلها من كل وجه بل من الأمور الغائبة عن حسه ما لا يعلمه أو مايعلمه بالخبر بحسب ما يمكن تعريفه به كما أن منها ما يعلمه بالقياس والاعتبار على ماشهده وهذا هو المعقول كما أن الأول هو المسموع

والمحسوس ابتداءً هو ما يحسه بظاهره أو باطنه وهذا بين القسم الثاني وهو أنهم متفقون على أن من الأمور الغائبة عنة حسه ما يعلمه بالقياس والاعتبار على ما شهده كما يعلم ما يغيب عنه من أفراد الآدميين والبهائم والحبوب والثمار وأفراد الأطعمة والأشربة واللباس ونحو ذلك فإنما يسميه الفقهاء ونحوهم جنسًا واحدًا أو هو ماله اسم جامع يجمع أنواعًا يميز بينها بالصفات كالحنطة والثمر والإنسان والفرس وهو الذي يسميه المنطقيون النوع وما هو اخص من ذلك وإن كان قد يسمى أيضًا جنسًا أو صنفًا أو نوعًا كالعربي والعبري والفارسي والرومي وكالتمر البرني والمعقلي ونحو ذلك لا ريب أن الإنسان لم يحس جميع أعيانه وأفراده وإنما يعلم غائبها بالقياس على شاهدها فهذا أصل متفق عليه بين العقلاء ومن حكى من أهل الكلام أن من الأمم أمة لا تقر بشيء من المعقولات وإنما تقر بما أحسته ويذكرون ذلك عن

البراهمة السمنية فلا ريب أن هذا النقل وقع فيه غلط من هؤلاء وتغليط من أولئك وقد ذكر الإمام أحمد رحمه الله أصل هذا النقل لما ذكر مبدأ حدوث الجهمية في هذه الملة فقال وكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله أنه كان من أهل خراسان من الترمذ وكان صاحب خصومات

وكلام وكان أكثر كلامه في الله تعالى فلقي ناسًا من المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا بالجهم فقالوا له نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا وإن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا له ألست تزعم أن لك إلهًا قال الجهم نعم فقالوا له هل رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حسًّا قال لا قالوا فوجدت له مجسًّا قال لا قالوا فما يدريك أنه إله فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يومًا ثم إنه استدرك حجة مثل حجة الزنادقة من النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح التي في عيسى صلى الله على نبينا وعليه هي من روح الله تعالى ومن ذات الله

تعالى فإذا أراد أن يحدث أمرًا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهي عما شاء وهو روح غائب عن الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك روحًا قال نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال سمعت كلامه قال لا قال فوجدت له حسًّا أو مجسًّا قال لا قال فكذلك الله لايُرى له وجه ولايُسْمَعُ له صوت ولا تُشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى 11] وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام 3] ولاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام 103] فبنى أصل كلامه كله على هذه الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم أن من وصف

الله بشيء مما وصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كافرًا وكان من المشبهة فأضل بشرًا كثيرًا فقد ذكر بأن السمنية طالبوه بأن يكون إلهه معروفًا ببعض حواسه الخمس وأن ما لا يعرفه هو بشيء من حواسه الخمس فإنه لا يعلمه وهذا يقتضي أن ما لا يحسه الإنسان بشيء من حواسه الخمس فإنه لايعرفه وهذا تغليط منهم فظن أنهم يقولون إن مذهبهم أن الإنسان لايعرف شيئًا إلا ما يحسه ببعض حواسه الخمس ثم إن الجهم أجابهم بدعوى وجود موجود لا يمكن إحساسه أيضًا فقطعهم مع غلطه في المناظرة ومغالطتهم أيضًا ولو كانوا هم لايقرون إلا بما

أحسه أحدهم لم يكونوا قد انقطعوا بمثل هذه المناظرة لأن غايتها إثبات وجود موجود غير محسوس وقياس الرب عليه فلو لم يكونوا يقرون بشيء من القياس العقلي لما سمعوا مثل هذا الكلام ولا أمكن مخاطبتهم به كما لايمكن أن يحتج بقول الأنبياء على كذبهم ولا يقال هو أقام الحجة عليهم ببيان وجود موجود غير محسوس ثم قاس عليه لأنه يقال لو كان من أصلهم أنهم لايقبلون القياس في المحسوس لكانوا لايقبلونه فيما لزمهم القول به من غير المحسوس وكانوا يقولون هذا يعلم وجوده كما ذكرت فمن أين يجب علينا أن نعترف بنظيره إذا كان من أصلهم أن الشيء ر يعرف حكمه من جهة النظير بل الذي يقال إن القوم كانوا يقولون لا يكون شيء موجودًا إلا أن يمكن إحساسه فلا يصدق الإنسان بوجود ما لا يمكن معرفته بشيء من الحواس لايقولون الإنسان المعين لايعلم إلا ما أحسه هو بل ينكر ما أخبره جميع الناس من الأمور التي تماثل ما أحسه وينكر أيضًا وجود نظير ما أحسه أو لا يمكنه الاعتراف بذلك فإن هذا لايتصور أن تقوله طائفة مدنية وقد ذكر هذا المتكلمون فقالوا إن الطائفة التي تبلغ

مبلغ التواتر لايتفقون على إنكار ما يعلم بالضرورة كما ذكر المؤسس في هذا الكتاب أن الطائفة العظيمة من العقلاء لا يجتمعون على إنكار الضروريات فلا ينقلهم ذلك السلب العام عن طائفة من العقلاء ولا يبين به طوائف العقلاء أن يقعوا في شيء من هذا السلب وكلا الأمرين باطل بل التحقيق أن العقلاء لايتفقون على إنكار العلوم الضرورية من غير تواطؤ واتفاق كما لا يتفقون على الكذب من غير تواطؤ ولا اتفاق وذلك أن الله تعالى خلق الإنسان يعلم الأمور الضرورية بغير اختياره كما قد يجهل بعضها وخلقه بفطرته يخبر بما يعلمه إلا لعارض يغيره عن فطرته وكذلك خلقه بفطرته يريد العدل والمصلحة إلا لعارض فهو وإن كان ظلومًا جهولاً فذاك في كثير من الأمور أما أن تكون أمة من الأمم تجهل كل شيء أو تكذب في كل شيء أو تظلم في كل شيء فهذا لا يتفق أبدًا فإن اجتماع بني آدم في الدنيا وهو الاجتماع الفطري الطبيعي الذي لايعيشون بدونه لايتصور مع هذا الإنكار وذلك أنهم لا بد أن يقروا بأن لأحدهم أبًا وأمًّا وأخًا ونحو ذلك ومن المعلوم أنه لم يعرف بحسه إحبال أبيه

لأمه ولا ولادة أمه له وكذلك لم يحس ولادة أهله وأهل مدينته مع أنه لابد من الاعتراف أن هذه أم فلان وهذا ابنها وإنما يشهد الولادة في العادة بعض النساء وكذلك لابد أن يعرفوا أن آباءهم وأمهاتهم مولودون وان أجدادهم ماتوا وأن الناس يموتون في الجملة ولم يحس كل منهم موت من غاب عنه ولا بد أن أحدهم يستعين بالآخر على جلب منفعة ودفع مضرة فيأتيه فيصلح له طعامًا وشرابًا أو لباسًا ويحصل ذلك بأنواع الصناعات والمعاوضات الذي لم يشهد بحسه تفاصيل ذلك بل يستفيده من إخبار المباشرين له وكذلك ما يكون في قريته ومدينته من أحوال أهلها وصناعاتهم وأحوالهم التي تتعلق مصلحته بها لا يعرف كل منهم كل شيء في ذلك بالمشاهدة بل بعضهم يشهد ذلك ويخبر غيره حتى يخبر بعضهم بعضًا بالمدائن القريبة منهم وأحوالها ولا يخفى على سليم العقل أن الطعام الذي يأكله واللباس الذي يلبسه قد أتى به إليه من مكان لم يشهده وصنع بأسباب متنوعة لم يشهد عامتها وكذلك لا بد لكل أمة من رئيس مطاع وكبير منهم

لا يشهدونه وأكثرهم لا يشهدون تفاصيل أحواله التي تتعلق مصالحهم بها وإنما يتسامعون بها ولهذا جاءت الشريعة بقبول شهادة الاستفاضة في هذا وأمثاله كالموت والنسب باتفاق الفقهاء وإن كان لهم فيما يقبل فيه غير ذلك أقوال مختلفة ففي الجملة قبول الأخبار المستفيضة والمتواترة ونحو ذلك فيما يحس جنسه هو من الأمور الفطرية الضرورية لبني آدم كما أن الأكل والشرب والنكاح لهم كذلك فمن قال إن أمة من الأمم عاشت بدون هذه العلوم والأقوال كمن قال إنها عاشت بدون هذه الحسيات وهذه الأفعال ولكن اشتبه النوع بالشخص فلما كان قولهم إن ما لا يعرف بجنس الحواس لم يعترف به اشتبه ذلك بأن كل ما لا يعرفه هذا الجنس المعنى لم يعترف به وبين القولين بون عظيم جدًّا فإن هذا الثاني في غاية الجحد والتكذيب ولهذا اشتد إنكار الناس كلهم لهذا القول وجعل هؤلاء المتكلمون هذا أحد أنواع السفسطة

ولكن غلطهم في تفصيل السفسطة كغلطهم في جملتها فإنهم ذكروا أن من الناس من ينكر جملة العلوم ويجحدها ومنهم من يشك ويقول لا أدري ويسمونهم المتجاهلة واللاأدرية ومنهم من يقول إن الحقائق تتبع العقائد ثم قالوا منهم من يعترف بالحسيات فقط ومنهم من يضم إلى ذلك المتواترات ويقولون إن رئيس هؤلاء شخص يقال له سفسطاء نسبوا إليه كما نسبت المانوية

والجهمية إلى رئيسهم وهذا غلط فإن أمة من الأمم لا يتصور أن تنكر ذلك ولا يتصور أن عاقلاً يصر على إنكار ذلك ولكن قد يعرض للعقل نوع من الفساد كما يعرض للحس فينكر المنكر لذلك ما دام به ذلك المرض والآفة العارضة لعقله أو حسه أما أن يكون ذلك مقالة ومذهبًا يقولها طائفة عقلاء يعيشون بين بني آدم فهذا لايتصور ولكن وقع الاشتباه في هذا النقل فإن هذه الكلمة هي كلمة معربة وأصلها باليونانية سوفسقيا أي حكمة مموهة فإن صوفيا باليونانية هي الحكمة ولهذا يقولون فيلاسوفا أي محب الحكمة وهم قسموا الحكمة القياسية إلى خمسة أنواع

برهانية وخطابية وجدلية وشعرية ومموهة ومغلطية فهذه المموهة المغلطية هي التي تشبه الحق وتوهم أنها حق وهي باطلة قطعًا لايجوز أن يظن صدقها ولا أن تتأثر النفس بها فإن الشعرية قد تتأثر النفس بها كما يتأثر الإنسان بأقوال الشعر التي فيها من المدح والذم ما يجزم عقله بكذبه لكن لما فيها من التخييل والتشبيه يؤثر في النفس وإن علم انها ليست مطابقة وأما هذه المموهة فهي تشبه الحق البرهاني ونحوه مما ينبغي قبوله وهي في الحقيقة باطلة يجب ردها ولكن موهت كما يموه الحق بالباطل فسموها سوفسقيا أي حكمة مموهة ثم إنه لما عربت الكتب اليونانية في حدود المائة الثانية وقبل ذلك وبعد ذلك وأخذها أهل الكلام وتصرفوا فيها من أنواع الباطل في الأمور الإلهية ما ضل به كثير منهم وفيها من أمور الطب والحساب ما لا يضر كونه في ذلك وصار الناس فيها أشتاتًا قوم يقبلونها وقوم يحكون مافيها وقوم يعرضون

ما فيها على أصولهم وقواعدهم فيقبلون ما وافق ذلك دون ما خالفه وقوم يعرضونها على ما جاءت به الرسل من الكتاب والحكمة وحصل بسبب تعريبها أنواع من الفساد والاضطراب مضمومًا إلى ما حصل من التقصير والتفريط في معرفة ما جاءت به الرسل من الكتاب والحكمة حتى صار ما مدح في الكتاب والسنة من مسمى الحكمة يظن كثير من الناس أنه حكمة هذه الأمة أو نحوها من الأمم كالهند وغيرها ولم يعلموا أن اسم الحكمة مثل اسم العلم والعقل والمعرفة والدين والحق والعدل والخير والصدق والمحبة ونحو ذلك من الأسماء التي اتفق بنو آدم على استحسان مسمياتها ومدحها وإنما تنازعوا في تحقيق مناطها وتغيير مسمياتها

فإن كل أمة من أهل الكتب في كثير من ذلك أو أكثره إن تتبع إلا الظن وما تهوى الأنفس ولهذا قال تعالى وتقدس كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ [البقرة 213] فإنما يفصل النزاع بين الآدميين كتاب منزل من السماء ولهذا أمر الله تعالى المؤمنين عند تنازعهم بالرد إليه كما قال تعالى وتقدس يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴿59﴾ [النساء 59] وهذا ونحوه مبسوط في غير هذا الموضع وإنما المقصود هنا أن الناقلين للمقالات وأهل الجدل صاروا يعبرون باللفظة المعربة من سوفسقيا إلى سوفسطا عن هذا المعنى الذي يتضمن إنكار الحق وتمويهه بالباطل وظن من ظن أن هذا قول ومذهب عام لطائفة في كل حق وليس الأمر كذلك وإنما هو عارض لبني آدم في كثير من أمورهم

فكل من جحد حقًّا معلومًا وموّه ذلك بباطل فهو مسفسط في هذا الموضع وإن كان مقرًّا بأمور أخرى وهو معاند سوفسطائي إذا علم ما أنكره قال تعالى وتقدس وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً [النمل 14] فهؤلاء سوفسطائيون في هذا الجحود وإن كانوا مقرين بأمور أخرى وقال تعالى وتقدس فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ ﴿33﴾ [الأنعام 33] ولهذا كان جمهور من يكذب بالحق الذي بعث الله به رسله من ذوي التمييز هم من الجاحدين المعاندين وهم من شر السوفسطائيين فهكذا ماذكروه عن السمنية إنما كان اصل قولهم إن الموجود لابد أن يمكن أن يكون محسوسًا بإحدى الحواس لا أنه لابد لمن أقر به أن يحس به وهذا الأصل الذي قالوه عليه أهل الإثبات فإن أهل السنة والجماعة المقرين بأن الله تعالى يُرى متفقين على أن ما لا يمكن معرفته بشيء من الحواس فإنما يكون معدومًا لا موجودًا

فكان حق الجهم أن يقول لهم إن أردتم أني لابد أن أحس بإلهي فلا يجب عندكم أن ينكر الإنسان ما لم يحسه هو وإن أردتم انه لا بد أن يمكن أن يحس به فإلهي يمكن أن يرى وأن يسمع كلامه وإن أردتم أنه لابد أن يكون قد عرفه بالحس بعض الآدميين فهذا مع أنه غير واجب فقد سمع كلامه من سمعه من الرسل وهو احد الحواس وقد رآه بعضهم أيضًا عند كثير من أهل الإثبات وكان يقول لهم أتريدون أنه

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل