المراد بالنفس هو الذات
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
وهذا الذي ذكره المؤسس في احتجاج المشبهة باسمه الصمد بأنه الذي لا جوف له على قولهم بأنه جسم هو من الحجج المشهورة في كلام المتقدمين والمتأخرين ونفاة الجسم ومثبتته كانوا يجعلون ذلك من حجج المثبتة كما ذكره المؤسس ثم منهم من ينفي هذا التفسير ولا يذكر في تفسير الصمد إلاَّ أنه السيد فقط كما فعل أبو حامد في شرحه
للأسماء الحسنى ومنهم من يذكر القولين ويرجح تفسيره بأنه السيد إما لاعتقاده أن ذلك هو الموافق للغة أو لنفي ذلك المعنى كما رجح الخطابي أن الصمد الذي يُصمد إليه في الأمور ويقصد في الحوائج والنوازل وأصل الصمد القصد يقال للرجل اصمد صمد فلان أي اقصد قصده قال الخطابي وأصح ما قيل فيه ما يشهد له الاشتقاق وذكر أبو بكر ابن الأنباريّ في كتاب الزاهر أنّ هذا قول أهل اللّغة أجمعين وقال القشيريّ في شرح الأسماء هو
الصحيح قلت دعوى المدّعي أنّ هذا التفسير هو الموافق للّغة والاشتقاق دون الأوّل قالوه بمبلغ علمهم لمّا سمعوا الأبيات المنشدة والذي قالوه باطل قطعًا بل تفسير الصّمد يقتضي الاجتماع وعدم التَّفرُّق في ذاته وكونه لا جوف له أو لى باللغة والاشتقاق من كونه صمدًا في صفاته أي حليمًا أو معطيًا بحيث يُعطي النّاس حتّى يصمدوا إليه لأنّ أصل الصّمد الاجتماع كما تقدم فثبوت هذا المعنى في ذات المسمّى أولى من ثبوته في صفاته وأيضًا فإنّ كل ما يذكر من ثبوت معنى الصّمد في صفاته أو أفعاله وأفعال الخلق معه فهو مستلزم ثبوت المعنى في ذاته أيضًا وإن كان ثبوت المعنى في ذاته يستلزم ثبوت صفاته فالتلازم ثابت من الطرفين لكن جهة الذّات مُقدَّمة على غيرها ثم كيف يقال عكس غيره وهذا هو التفسير الثابت عن أئمة الصحابة والتابعين بالنقل المتواتر الذي نقله أئمة الأمّة
وهذا وإن كان قد قالوه فقد قالوه على قلة ليس قولهم في الكثرة قوّة مثل هذا فكيف يكون ما تواتر عن العالِمين بتفسير القرآن وأسماء الله تعالى العالِمين بلغة العرب أبعد في لغة العرب من ذاك هذا لا يقوله من يُقدِّر قدر السَّلف ثم كيف إذا كان هذا التفسير هو المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّا احتجاج المشبهة للجسم به فمن المشهور عند المتكلمين حتّى ذكره أبو الحسن الأشعري في مقالات مثبتة الجسم وهذا ما نقله الأشعري في كتاب المقالات فقال وقال داود الجواربيّ ومقاتل بن سليمان إنَّ الله جسم وإنّه جثَّة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم له جوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان ورأس وعينين وهو مع
ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره قال وحكي عن داود الجواربي أنّه كان يقول عن الباري إنّه أجوف من فيه إلى صدره ومُصمت ما سوى ذلك قال الشعري وكثير من النّاس يقولون هو مصمت ويتأولون قول الله الصمد المصمت الّذي ليس بأجوف وأمَّا الأئمة كالفُضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وغيرهما كانوا إذا ذُكر لفظ الجسم وما يشبه ذلك قرأوا هذه الآية كما قال الإمام أحمد لمّا ذكر له أبو عيسى برغوث أمر الجسم فلم يجبهم أحمد على إثباته ولا إلى نفيه ثم قال اعلم أنّه أحد صمد لم يلد ولم يولد
ولم يكن له كفوًا أحد وما علمت من متقدمي أهل الكلام ولا من غيرهم من جعل تفسير الصّمد بذلك يستدل به على نفي الجسم لكن من المتأخّرين طائفة ذكرت ذلك حتّى صار تفسيره بذلك مشترك الدلالة قال الزجاجي لمّا ذكر التفسير بأنّه الذي لا جوف له قال فكأنّه ذهب إلى نفي التجسيم والتحديد عنه جل وعزّ فتكون الدال على هذا التقدير مبدلة من تاء في تقدير العربيَّة وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ الصّمد
المصمد الذي هو شيء واحد لقرب صمد من صمت فإنّ الصّمد القصد ويقال نبّه على صمات ذلك أيْ على قصده لأنّ التاء والدّال حرفا بدل يبدل كل واحد منهما من الآخر وقال ابن الحصّار الصّمد الذي لا يتبعّض وكنّى عنه المفسّرون وأهل اللّغة الّذي لا جوف له وإنّما هو معنى نفي التركيب وعدم التبعيض مطلقًا وقد تقدم أنَّ التركيب يكون باجتماع الجواهر وقد يكون باعتبار اجتماع
الجوهر والعرض فإنّه مركّب يلحقه العدد ليتميّز كل واحد منهما عن الآخر بخاصّة أو زمان والتركيب أيضًا يعتبر في الأنواع والأجناس والصمدية مُشعرة بنفي ذلك كله قلت أمّا استدلال المجسِّمة الذين يقولون إنَّ الله لحم ودم وعظم ونحو ذلك أو الذين يجعلون البارئ من جنس شيء من الأجسام المخلوقة بهذا الاسم فباطل لوجوه أحدها أنّ اللفظ لا يدل على ذلك بشيء من تفاسيره فإن كونه لا جوف له أو كونه مصمتًا أو غير ذلك لا يقتضي أن يكون من جنس شيء من المخلوقات أصلاً فضلاً عن أن يقال إنه لحم ودم وعظم كالحيوان الثاني أن الملائكة موصوفة بأنها صمد والجسام المصمتة موصوفة بأنها صُمد وليست لحمًا ودمًا فكيف يقال إن البارئ إذا وصف بأنه صمد لا جوف له يقتضي ذلك
الثالث أن سبب نزول هذه الآية سؤال من سأل عن الرب تعالى أهو من ذهب أو فضة أو من كذا فأنزل الله تعالى هذه الآية بين فيها أنه ليس من جنس شيء من المخلوقات الرابع أنه أخبر في هذه السورة بأنه أحد وأنه ليس له كفوا أحد وهذا يمنع أن يكون من جنس شيء من المخلوقات الخامس أنه أخبر في السورة بأنه الصمد ولم يقل إنه صمد إذ كل ما سواه يجوز عليه التفرق والتبعيض وهو الصمد الذي لا يجوز عليه أن يتبعض ويتفرق بوجه من الوجوه وأما استدلال هؤلاء المتأخرين بذلك على نفي الجسم والحد فباطل أيضًا بل هو قلب لـ ـلدلالة فإن كون الموصوف مصمتًا لا يمنع أن يكون جسمًا أو محدودًا كسائر ما وصف بأنه صمد فإن الملائكة توصف بأنها صمد وكذلك الأجسام المصمتة فكيف يقال إن كونه صمدًا أو مصمتًا ولا جوف له ينافي أن يكون جسمًا محدودًا هذا قلب اللغة وتبديلها
وأما قول القائل إن الصمد المصمت الذي هو شيء واحد فهذا يقوله المثبت ويقوله النافي فإن كونه لا يتبعض مُجمل يراد به أنه لا ينفصل منه شيء وهو التفسير المأثور عن السلف ويراد به الذي لا يُعلم منه شيء دون شيء وهو مراد نفاة الجسم وكذلك نفي التركيب مجمل يقوله المثبت والنافي فإن التركيب يراد به التركيب المعروف في اللغة وهو أن يكون قد ركب الشيء والشيء كما قال الله تعالى فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) [الانفطار 8] والله عز وجل مقدس عن أن يكون ركَّبه مركِّب أو أن تكون ذاته كانت أجزاء متفرقة فاجتمعت وتركبت ويراد بالتركيب أنه لا يُعلم منه شيء دون شيء فنفاة الصفات من الفلاسفة والمعتزلة يقولون ثبوت الوجه واليدين تركيب وهؤلاء يقولون ثبوت الوجه واليدين تركيب وعدد ومعلوم أن هذا الاسم لا ينفي هذا المعنى وإنما ينفي
الأول لأن الصمد يتضمن معنى الاجتماع وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه هو الصمد بصيغة الحصر ليبين أنه الكامل في الصمدية المستحق لها على الحقيقة والكمال دون غيره إذ كل ما سواه يقبل التفريق والتبعيض وهو سبحانه الصمد الذي يجب له ذلك ويمتنع عليه ضد ذلك من الافتراق وأما كون الصمد يتضمن معنى الاجتماع وأنه مصمت ونحو ذلك يقتضي تعدد الصفات إذ الاجتماع لا يكون إلاَّ فيما له عدد فلو لم يكن منه وله صفات تقتضي التعدد لامتنع أن يقال له صمد أو مصمت أو يكون التصمد يقتضي معنى الاجتماع فاسم الصمد بأي شيء فُسر يوجب وجود صفات واجتماعها له والدليل على ذلك أن غاية ما يفسرونه به من نفي الصفات أنه هو المصمود إليه كما قال القرطبي الخلق كلهم متوجهون إلى الله ومجتمعون بجملتهم في قضاء حوائجهم وطلبها من الله فهو الصمد على الإطلاق والقائم بسد مفاقر الخلق
فيقال كون الخلق يقصدونه ويسألونه هذا أمر حسي إذ القصد والسؤال قائم بهم فهو لا يستحق الاسم بمجرد فعل غيره بحيث لو قدر أنهم لم يسألوه لم يكن صمدًا بل لابد أن يقال هو المستحق لذلك في نفسه كما تقدم عن الحليمي وغيره وأيضًا فإن كونهم يقصدونه ويحتاجون إليه يقتضي أمرًا ثبوتيًّا في ذاته لأن الأمور العدمية تمتنع أن تكون مقصودة أو قاضية للحوائج فعلم أن كونه صمدًا بمعنى مقصود مصمود إليه يقتضي ثبوت أمور وجودية بها يستحق أن يكون صمدًا وبها أمكن أن يكون مقصودًا معطيًا وليس ذلك لـ ـمجرد موجود وإلاَّ لوجب أن يكون كل موجود هو الصمد ولا لمجرد أمر يتصف به المخلوق لأنه لو كان هو الصمد لمعنى يقوم بالمخلوق لكان المخلوق هو الصمد أيضًا وقد بينا أن قوله هو الصمد يبين أنه المستحق لهذا الاسم على الكمال والحقيقة وأيضًا فلو فرض أنه صمد وغيره
صمد فغيره لم يكن صمدًا إلاَّ بأمور وجودية أيضًا فهو أحق بأن لا يكون صمدًا إلاَّ بأمور وجودية لا عدمية إذ هو أحق بالكمال من كل موجود فعلم أن الصمدية توجب أمورًا وجودية على غاية الكمال ولهذا فسر الصمد بأنه الكامل في كل شيء كما قيل العظيم الذي كمل في عظمته والحليم الذي كمل في حلمه والغني الذي كمل في غناه والجبار الذي كمل في جبروته والعالم الذي كمل في علمه والحكيم الذي كمل في حكمته وهو الذي كمل في أنواع الشرف والسؤدد وهو الله تعالى هذه صفته التي لا تنبغي إلاَّ له وقد تقدم ذكر ذلك في تفسير الوالبي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ومعلوم أن هذه صفات متعددة ونفاة الصفات يسمون ذلك تركيبًا وأجزاء ويقولون إن البارئ منزه عن التركيب والأجزاء ونحو ذلك فعلم أن الاسم يدل على ثبوت ما ينفونه وكذلك من قال إنه لا يُرى بعضه دون بعض أو لا يحجب العباد عنه حُجُب ونحو ذلك لأن ذلك عنده تجسيم وتركيب
وتبعيض فهذا الاسم لا يدل على قوله بل ينفي قوله لأن قوله الصمد المصمت يقتضي الاجتماع الذي ينفيه هذا السالب وينفي جواز التفرق عليه وهذا السالب يقول لا يوصف باجتماع ولا افتراق والغير إن نفى الافتراق لم ينف الاجتماع الواجب له قال الرازي الفصل الخامس في لفظ اللقاء قال الله تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ [البقرة 46]
المملكة العربية السعودية وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الأمانة العامة
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
تأليف شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني (ت 728هـ)