بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 427-466
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المراد بالنفس هو الذات

صفحات 427-466
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

وهذا هو الصواب فإن طائفة من متأخري أهل الإثبات جعلوا النفس في هذه النصوص صفة لله زائدة على ذاته لما سمعوا إدخال المتقدمين لها في ذكر الصفات ولم يكن مقصود المتقدمين ذلك وإنما قصدهم الرد على من ينكر ذلك من الجهمية وزعموا أن ذلك هو ظاهر النصوص وليس الأمر كذلك وقد صرح أئمة السنة بأن المراد بالنفس هو الذات وكلامهم كله على ذلك كما في كلام الإمام احمد فيما خرجه من الرد على الجهمية قال ثم إن الجهمي ادعى أمرًا آخر فقال أخبرونا عن القرآن هو شيء قلنا نعم هو شيء قال إن الله خالق كل شيء فلم لا يكون القرآن مع الأشياء المخلوقة وقد أقررتم انه شيء فلعمري لقد ادعى أمرًا أمكنه فيه الدعوى ولبس على

الناس بما ادعى فقلنا إن الله تبارك وتعالى لم يُسم كلامه في القرآن شيئا إنما سمى شيئا الذي كان بقوله ألم تسمع إلى قوله إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) [النحل 40] فالشيء ليس هو قوله إنما الشيء الذي كان بقوله وقال في آية أخرى إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) [يس 82] فالشيء هو أمره إنما الشيء الذي كان بأمره قال ومن الأعلام والدلالات أنه لا يعني بكلامه مع الأشياء المخلوقة قول الله جل ثناؤه للريح التي أرسلها على عاد تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [الأحقاف 25] وقد أتت تلك الريح على أشياء لم تدمرها منازلهم ومساكنهم

والجبال التي كانت بحضرتهم قد أتت عليها تلك الريح ولم تدمرها وقد قال تعالى إنها تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا [سورة الأحقاف الآية 25] فكذلك إذا قال اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فلا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة وقال تعالى لملكة سبأ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل 23] وقد ملك سليمان شيء لم تؤته فكذلك إذا قال خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يعني به كلامه مع الأشياء المخلوقة

وقال الله تعالى لموسى صلى الله عليه وسلم وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] وقال وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28-30] وقال تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقال عيسى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] وقال كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] فقد عرف من عقل عن الله تعالى أنه لا يعني نفسه مع الأنفس التي تذوق الموت وقد ذكر الله كل نفس فكذلك إذا قال خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا يعني نفسه ولا علمه ولا كلامه مع الأشياء المخلوقة ففي هذا دلالة وبيان لمن عقل عن الله عز وجل وهذا من كلامه يبين أن مسمى لفظ النفس عنده هي ذات الله تعالى أخبر أنها لا تدخل في عموم قوله تعالى خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ كما لم يدخل في عموم قوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ

ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [سورة آل عمران 185] مع إخبار أن له نفسًا كما تلاه من الآيات ومعلوم أن قوله كُلُّ نَفْسٍ ليس المراد به صفة من صفات الإنسان بل المراد به هو نفسه فعلم أن قوله تعالى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي ونظائر ذلك ليس هو صفة للرب بل هو الرب نفسه وكذلك قال الإمام أحمد بن حنبل في أثناء كلامه بل نقول إن الله جل ثناؤه لم يزل متكلمًا إذا شاء ولا نقول إنه قد كان ولا يتكلم حتى خلق كلامًا ولا نقول إنه قد كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم ولا نقول إنه قد كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة ولا نقول إنه قد كان ولا نور له حتى خلق لنفسه نورًا ولا نقول إنه قد كان ولا عظمة له حتى خلق لنفسه عظمة فقالت الجهمية لنا لما وصفنا من الله من هذه الصفات إن زعمتم أن الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين

زعمتم أن الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته فقلنا لا نقول إن الله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره ولكن نقول لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر وهذه ألفاظ صريحة في أن مسمى النفس هو ما يقوم به الصفات وهو مسمى الله وليس مسمى النفس صفة من الصفات وكذلك قال ويقال للجهمي إذا قال إن الله معنا بعظمة نفسه إلى أن قال وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس الله كان ولا شيء فيقول نعم فقل له حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل لابد له من واحد منها إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه

فقد كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء وإن قال خالقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة وكذلك قال زعمت الجهمية أن الله في القرآن إنما هو اسم مخلوق فقلنا قبل أن يخلق هذا الاسم ما كان اسمه قالوا لم يكن له اسم فقلنا وكذلك قبل أن يخلق العلم كان جاهلاً لا يعلم حتى خلق لنفسه علمًا وكان لا نور له حتى خلق لنفسه نورًا وكان لا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة فعلم الخبيث أن الله قد فضحه وأبدى عورته حين زعم أن الله جل

ثناؤه في القرآن إنما هو اسم مخلوق وقال عثمان بن سعيد الدارمي ثم عاد المعارض إلى أسماء الله تعالى ثانية فادعى أنها محدثة كلها لأن السماء هي الألفاظ ولا يكون لفظ إلا من لافظ إلاَّ أن في معانيها ما هي قديمة ومنها حديثة وقد فسرنا للمعارض تفسير أسماء الله تعالى في صدر كتابنا هذا واحتججنا عليه بما تقوم به الحُجة من الكتاب والسنة فلم نُحب إعادتها ها هنا ليطول به الكتاب غير أن قوله هي لفظ اللافظ يعني أنه من ابتداع المخلوقين وألفاظهم ل أن الله تعالى لا يلفظ بشيء في دعواهم ولكن وصفه بها المخلوقون وكلما حدث لله تعالى فعل في دعواه أعاره العباد اسم ذلك الفعل يعني أنه لما خلق سمَّوه خالقًا وحين رزق سمَّوه رازقًا وحين خلق الخلق

فملكهم سمَّوه مالكًا وحين فعل الشيء سمَّوه فاعلاً وكذلك قال منها حديثة ومنها قديمة فأما قبل الخلق فبزعمهم لم يكن لله اسم وكان كالشيء المجهول الذي لا يُعرف ولا يُدرى ما هو حتى خلق فأحدثوا أسماءه ولم يعرفُ الله في دعواهم لنفسه أسماء حتى خلق الخلق فأعاروه هذه الأسماء من غير أن يتكلم الله بشيء منها فيقول أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [القصص 30] وأنا الرحمن الرحيم وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) [البقرة 160] فنفوا كل ذلك عن الله تعالى مع نفي الكلام عنه حتى ادعى جهم أن راس محنته نفي الكلام عن الله فقال متى نفينا عنه الكلام فقد نفينا عنه جميع الصفات من النفس واليدين والوجه والسمع والبصر لأن الكلام لا يكون إلاَّ لذي نفس ووجه ويد وسمع وبصر ولا يثبت كلام لمتكلم إلاَّ من قد اجتمعت فيه هذه الصفات وكذب جهم وأتباعه فيما نفوا عنه من الكلام وصدقوا فيما ادعوا أنه لا يثبت الكلام

إلاَّ لمن اجتمعت فيه هذه الصفات فقد اجتمعت في الله على رغم أعداء الله وإن جزعوا منه بلا تكييف ولا تمثيل وهو الذي أخبر عنه بأسمائه في محكم كتابه المنزل على رسوله ووصف بها نفسه وقوله ووصفه غير مخلوق على رغم الجهمية غير أن الوصف من الله على لونين أما ما وصف به نفسه فالوصف والموصوف غير مخلوق وأما ما وصف به خلقه من السموات والأرض والجبال والشجر والجن والإنس والأنعام وسائر الخلائق فالوصف منه غير مخلوق والموصوفات مخلوقات

كلها قال وادعى المعارض أيضًا أن الله تعالى لا يوصف بالضمير والضمير منفي عن الله وليس هذا من كلام المعارض وهي كلمة خبيثة قديمة من كلام جهم عارض جهم بها قول الله تعالى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] يدفع بذلك أن يكون الله سبق له علم في نفسه بشيء من الخلق وأعمالهم قبل أن يخلقهم فتلطف بذكر الضمير ليكون أستر له عند الجهال فرد على جهم بعض العلماء قوله هذا وقال له كفرت بها يا عدو الله من ثلاثة أوجه أنك نفيت عن الله العلم السابق في نفسه قبل حدوث الخلق وأعمالهم والوجه الثاني أنك استجهلت المسيح صلى الله عليه وسلم أنه وصف ربه بما لا يوصف به بأن له خفايا علم في نفسه إذ يقول له وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116]

والوجه الثالث أنك طعنت به على محمد صلى الله عليه وسلم إذ جاء به مصدقًا بعيسى فأفحم جهمًا قال وقول جهم لا يوصف الله بالضمير يقول لم يعلم الله في نفسه شيئًا من الخلق قبل حدوثهم وحدوث أعمالهم وهذا أصل كبير في تعطيل النفس والعلم السابق والناقض عليه بذلك قول الله تعالى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] فذكر المسيح أن لله علمًا سابقًا في نفسه يعلمه الله ولا يعلمه هو وقال الله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28-30] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خلق الله الخلق كتب في كتابه بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي

وأسند حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه

قال فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يخفي ذكر العبد في نفسه إذا أخفى ذكره ويعلنه إذا أعلن هو ذكره ففرق بين علم الظاهر والباطن والجهر والخفي فإذا اجتمع قول الله وقول الرسولين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم فمن يكترث لقول جهم والمريسي وأصحابهما فنفس الله هو الله والنفس تجمع الصفات كلها فإذا نُفيت النفس نُفيت الصفات وإذا نُفيت الصفات كان لا شيء قال وحدثنا محمد بن كثير حدثنا سفيان عن زيد بن جبير سمعت أبا البختري قال لا يقولن

أحدكم اللهم أدخلني مستقر رحمتك فإن مستقر رحمته نفسه قال فقد أخبر أبو البختري أن رحمة الله في نفسه وكذلك قال الله تعالى إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا [طه 15] فحدثنا ابن نمير حدثنا محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح الحنفي أكاد أخفيها

قال من نفسي فأي مسلم سمع بما أخبر الله به عن نفسه في كتابه وما أخبر عنه الرسول ثم يلتفت إلى أقاويلهم إلاَّ كل شقيٍّ غويٍّ إلى أن قال ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات غير أنا نقول لا نحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب لكن تُصرف معانيها إلى الأغلب من كلام العرب حتى يأتوا ببرهان أنّه عُني بها الأغرب وهذا هو

المذهب الذي هو الإنصاف والعدل أقرب لا أن تُعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فتصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر ويرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تصرف معانيها إلى العموم حتى يأتي متأول ببرهان يبين أنها أريد بها الخصوص لأن الله تعالى قال وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) [النحل 103] فأثبته عند العلماء أعمه وأشد استفاضة عند العرب فمن ادخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين فمراد جهم من قوله لا يوصف الله تعالى بالضمير يقول لا يوصف بسابق علم في نفسه والله تعالى يكذبه بذلك ثم رسوله إذ يقول سبق علم الله في خلقه فهم صائرون على ذلك ثم أسند حديثًا عن العلاء بن

عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة وعن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول جف القلم على علم الله

وأسند عن القاسم بن أبي بزة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أول شيء خلقه الله القلم فأمره فكتب كل شيء يكون قل فهل جرى القلم إلاَّ بسابق علم الله في نفسه قبل حدوث

الخلق وأعمالهم والله ما درى القلم بماذا يجري حتى أجراه الله بعلمه وعلمه ما يكتب مما يكون قبل أن يكون وقال النبي صلى الله عليه وسلم كتب الله مقادير أهل السموات والأرض قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة فهل كتب ذلك إلاَّ بما علم فما موضع كتابه هذا عن لم يكن علمه في دعواهم وأسند الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي عبد الرحمن الحُبليّ عن عبد الله بن عمرو قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كتب الله مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة قال والأحاديث عن

النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان بسابق علم الله كثيرة تطول عن ذكرناها وفيما ذكرنا من ذلك ما يبطل دعوى جهم في أغلوطته التي توهم على الله تعالى في الضمير قلت فهذا الكلام عن عثمان بن سعيد يبين أن مُسمى النفس عند السلف وهو الذات كما قال فنفس الله هو الله والنفس تجمع الصفات كلها فإذا نفيت النفس نفيت الصفات وكذلك قوله فأخبر أبو البختري أن رحمة الله في نفسه لأن الصفة قائمة بالموصوف فهذا ونحوه يبين مرادهم وأنهم قصدوا رد ما أنكرته الجهمية من ذكر إثبات مسمى النفس لله وقيام العلم بها كما يذكر عن ثمامة بن أشرس أنه قال ثلاثة من

الأنبياء مشبهة موسى حيث قال إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ [الأعراف 155] وعيسى حيث قال تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] ومحمد حيث قال ينزل ربنا كل ليلة وبذلك يتبين ما ذكره عثمان بن سعيد حيث قال حتى ادعى جهم أن رأس محنته نفي الكلام فقال متى نفينا عنه الكلام فقد نفينا عنه جميع الصفات من النفس واليدين والوجه والسمع والبصر لأن الكلام لا يثبت إلاَّ لذي نفس ووجه ويد وسمع وبصر وقال عثمان كذبوا فيما نفوا عن الله من الكلام وصدقوا فيما ادعوا أنه لا يثبت الكلام إلاَّ لمن اجتمعت فيه هذه الصفات وقد اجتمعت في الله عز وجل على رغم أنفسهم فإدخاله النفس هنا في الصفات وقوله إن الكلام

لا يثبت إلاَّ لذي نفس ووجه ويد وسمع وبصر قد يشعر ظاهره أن مسمى النفس صفة لصاحبها لأنه أضافها إليه وقرنها بالوجه واليد وليس كذلك فإن إضافتها إليه كإضافتها في قوله تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] وفي قوله رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقد قال بعد هذا فنفس الله هي نفس الله والنفس تجمع جميع الصفات كلها فإذا نفيت النفس نفيت الصفات فهذا يبين أنه أراد الذات التي تقوم بها الصفات كالعلم القديم كما ذكره فينبغي أن يكون لله نفس ويكون فيها علم كما قال تعالى تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي [المائدة 116] فقوله إن الكلام لا يثبت إلا لذي نفس يشبه قوله إلاَّ لذي حقيقة وماهية ونحو ذلك لكن لفظ النفس والله أعلم يقتضي

حياة المسمى بها وقيامه بنفسه بخلاف لفظ حقيقته وماهيته وذاته فمسمى لفظ النفس أخص وهي التي جاء بها الكتاب والسنة ولم يجئ فيهما ذكر لفظ حقيقته ونحو ذلك في أسماء الله ولا لفظ ذات في الأحاديث الثابتة وكذلك قال أبو بكر بن خزيمة باب ذكر البيان من خبر النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات النفس لله عز وجل على مثل موافقة التنزيل وذكر قوله فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وقوله سبحان الله رضا نفسه وقوله كتب في كتابه

على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي وفي رواية أخرى لما خلق الله الخلق كتب بيده على نفسه إن رحمتي تغلب غضبي قال أبو بكر فالله أثبت في كتابه أن له نفسًا وكذلك قد بين على لسان نبيه أن له نفسًا كما أثبت في كتابه قال وكفرت الجهمية بهذه الآي وهذه السنن وزعم بعض جهلتهم أن الله إنما أضاف النفس إليه على معنى إضافة الخلق إليه وزعم أن نفسه غيره كما خلقه غيره قال وهذا لا يتوهمه ذو لُبٍّ وعلم فضلاً عن أن يتكلم به قد أحكم الله في مجمل تنزيله أنه كتب على نفسه الرحمة أفيتوهم مسلم أن الله كتب على غيره الرحمة وحذر الله العباد

نفسه أفيحل لمسلم أن يقول إن الله حذر العباد غيره أو يتأول قوله لكليمه وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] فيقول معناه واصطنعتك لغيري من المخلوقين أو يقول أراد روح الله بقوله وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] أراد ولا أعلم ما في غيرك هذا لا يتوهمه مسلم ولا يقوله إلاَّ معطل كافر فهذا أيضًا يبيّن أنهم قصدوا الرد على الجهميَّة حيث منعوا ثبوت النفس لله حتى جعلوا مسامها غيره حتى ذكر القاضي أبويعلى في بعض تأويلاتهم قول بعضهم في قوله تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك أنَّ نفسك ترجع إلى نفس عيسى وأضاف نفسه إلى الله من طريق الملك والخلق فيكون معناه لا أعلم ما في ملكك مما خلقته إلاَّ ما أعلمتني وهذا لأنَّ مسمّى النفس أخصّ من مسمّى الذات والعين والحقيقة والماهيَّة ونحو ذلك فإنَّها لا تقال إلاَّ لما هو

حيّ كما في مثل قوله كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] لو كان معنى كل ذات وكل حقيقة لدخل في ذلك الجمادات وكذلك يستلزم أن يكون لها قول وعمل وأن تكون قائمة بذاتها قائمة بها الصّفات فلمّا كان اسم النفس مستلزمًا لإثبات ما تنكره الجهميّة من الصفات أنكروه فردّ عليهم السلف والأئمة ذلك ولم يقصدوا بالرد أنَّ نفس الله صفة ليست هي ذاته كما ذهب إليه طائفة من المتأخرين فهذا القول ضعيف وإن كان قول الجهمية أضعف منه قال القاضي أبويعلى في كتاب إبطال التأويل في هذا الخبر من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي اعلم بأنَّ الله يوصف بأنَّ له نفسًا وقد أومأ إليه أحمد فيما خرّجه من الرد على الجهمية فقال إذا أردت أن تعلم أن الجهميّ كاذب على الله تعالى حين زعم أنَّه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس كان الله ولا شيء فيقول

نعم فقل له حين خلق الشيء أخلقه في نفسه أو خارجًا من نفسه فإنّه يصير إلى ثلاثة أقاويل لابد له من واحد منها إن زعم أنَّ الله خلق الخلق في نفسه فقد كفر حين زعم أنَّه خلق الجن والشياطين في نفسه وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنَّه دخل في كل مكانٍ وحشٍ قذر رديء وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السُّنَّة قال وهذا من كلام أحمد يدلُّ على إثبات النفس لأنَّه جعل ذلك حجة عليهم ولو لم يعتقد ذلك لم يحتج به وقد أخبر الله تعالى بذلك في آي من كتابه مثل قوله تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] وقوله تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] وقوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] ولأنَّه ليس في

إثبات النفس ما يحيل صفاته ولا يخرجها عمّا تستحقه لأنّا لا نثبت نفسًا منفوسة مجسَّمة مركّبة ذات روح ولا نثبت نفسًا بمعنى الدّم على ما تقوله العرب له نفس سائلة وليست له نفس سائلة ويريدون بذلك الدم لأنَّه سبحانه وتعالى يتعالى عن ذلك بل نثبت نفسًا هي صفة زائدة على الذات كما أثبتنا له حياة وبقاءً فقلنا هو حيّ بحياة وباق ببقاء وإن لم تكن حياته وبقاؤه عرضين كحياتنا وبقائنا كذلك في النفس قال فإن قيل فأثبتوا له روحًا لأنَّه قد وصف روحه بذلك فقال تعالى وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر 29] قيل لا نثبت له ذلك لأنَّ السمع لم يرد بذلك على وجه الصفة للذات وقوله وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ص 72] المراد به أمره لقيام الدليل على أنَّ صفات ذاته لا تحلُّ المحدثات ويفارق هذا إثبات الـ ـنفس لأنَّه ليس في إثباتها ما يحيل صفاتها ولا يخرجهـ ـا عما يستحقه وقال بعد ذلك

ولا يجوز إثبات روح وقد قال أحمد فيما خرّجه في الردّ على الزنادقة في قوله تعالى وَرُوحٌ مِنْهُ فقال تفسير روح الله إنّما معناها أنَّه روح بكلمة الله تعالى خلقها الله كما يقال عبد الله وسماء الله وأرض الله قلت أمَّا ما ذكره من كلام أحمد فإنَّه موافق لألفاظ النصوص وقد قدمنا هذا وغيره من كلام أحمد وكله يدلُّ على أنَّ نفس الله هو الله وذاته لا صفة قائمة به وهكذا اللفظ الذي استشهد به على ذلك فإنَّ أحمد قال فقل له خلق الخلق في نفسه أو خارجًا من نفسه ثم بيَّن أنَّه إن قال خلقهم في نفسه كفر لأنّه جعل الأشياء الخبيثة كالشياطين في نفس الله وإن قال خلقهم خارجًا من نفسه ثم دخل فيهم كفر حيث جعله قد دخل في الأمكنة الخبيثة التي يعلم بالفطرة الضرورية تنزيه الله تعالى عنها وإن قال خلقهم خارجًا من

نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهذا صريح في أنَّ نفسه هي هو وهي ذاته لا صفة لذاته لأنّه لو كان المراد خلقهم في صفته أو خارجًا عن صفته لم تكن القسمة حاصرة إذ قد يخلقهم في المحل الذي هو فيه وأيضًا إن قال خلقهم في نفسه كفر وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه دخل في كل مكان وحش قذر رديء فهذا يبين أنَّ الخالق هو نفسه الذي قدر أنه خلقهم خارجًا عنه ثم دخل هو فيهم ولو أريد خلقهم خارجًا عن صفة من صفاته لكان المقدّر دخول تلك الصفة فيهم بعد ذلك لا دخوله هو وكذلك قوله وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة أي أن العالم مباين لذات الله تعالى وقد مر تقرير كلام أحمد في موضعه وأن حجته هذه النظرية من أحسن الحجج المعلومة ببديهة العقل

ولا يستقيم هذا الكلام إلا إذا كان معنى نفسه هو ذاته وهو ظاهر الكلام بل نصه لا يفهم منه غير ذلك وحينئذ فنتكلم مع الطائفتين أمَّا قوله من جعلها صفة فالنزاع معه لفظي فإنا لا ننازعه أنَّ هذا الاسم يستلزم ثبوت صفة زائدة على مسمّى الذات كالحياة والفعل ولكن المسمّى هو الذات الموصوفة بذلك لا نفس الصّفة فأمَّا جعل لفظ النفس اسمًا لنفس الصّفة فيقال هذا قول بلا دليل أصلاً لأنّه ليس ظاهر الخطاب فضلاً عن أن يكون نصه مقتضيًا أنها صفة ليست هي الله ومن زعم أنَّ هذا ظاهر النصوص فهو مبطل في ذلك كما أنَّ من زعم أنَّ ظاهرها يجب تأويله فهو مبطل في ذلك وقد قدمنا أنَّ كثيرًا من الناس يغلطون في دعواهم على النصوص أنَّ ظاهرها

كذا سواء أقرّوه أو صرفوه فإنّه لا يكون ذلك ظاهر النص وكل من سمع هذا الخطاب ابتداء فإنَّه يفهم منه ابتداءً أنَّه هو نفسه لا أنَّها صفة له الوجه الثاني أنه قال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام 54] فكما أنَّه لا يكتبها على غيره فلا يكتبها على صفة من صفاته إنما يكتبها على نفسه الوجع الثالث أنَّه قال سبحان الله رضاء نفسه وصفات الله لا يكون لها رضا إنَّما الرضا له نفسه هو الذي يرضى ويسخط الوجه الرابع قوله وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28] فكما أنَّه لا يحذر بعض مخلوقاته لا يحذر صفاته كالحياة ونحوها بل هو نفسه هو الذي يخاف ويرجى ويُتَّقى ويُعبَد وهم لا يمكنهم أن يقولوا نفسه هي صفة الغضب ونحو ذلك دو ن غيرها بل يجهلونـ ـها نظير الحياة والبقاء

كما ذكروه وهذه الصفة تتعلّق بالرضا والغضب ومعلوم أنَّ الله لا يحذّر عباده حياته وبقاءه ونحو ذلك ولا بنفي ذلك الوجه الخامس قوله لموسى وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] إنَّما اصطنعه لذاته لا لصفة له كالحياة والبقاء كما لم يصطنعه لشيء من خلقه الوجه السادس قول المسيح عليه السلام تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ [المائدة 116] فقد وصف النفس بأنَّ فيها علمًا والعلم وسائر الصفات إنَّما تقوم بالله نفسه لا تقوم بصفة كالحياة ونحوها الوجه السابع قوله ما في نفسي فإنَّ المراد به هو نفسه ليس المراد به صفة من صفاته إذ علمه لا يقوم إلاّ به نفسه وذاته وعينه لا تقوم بصفة من صفاته ولا أعلم ما في نفسك فإنَّ لفظهما سواء وقد خرج على وجه المقابلة

الوجه الثامن قوله إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي فإنَّ الذكر قول وكلام وسواء أريد الذكر الكامن أو اللفظ فإنَّه على التقديرين لا يقوم إلاَّ بالذاكر نفسه وعينه لا يقوم بصفة من صفاته فعلم أنَّ ذكر الله في الله نفسه وذكر العبد لله في نفسه الوجه التاسع قوله إن ذكرني في نفسه إذا كان المراد به هو نفسه وذاته فكذلك الآخر الوجه العاشر قوله في الحديث الصحيح لمَّا قضى الله الخلق كتب بيده على نفسه إنَّ رحمتي تغلب غضبي فهو لا يكتب على صفة له كالحياة والبقاء وإنَّما يكتب على نفسه فإن قالوا إن جاز حمل النفس على الذات جاز حمل الحياة والبقاء على الذات فيقال ذات حيَّة ذات باقية وقد أجمعنا ومُثبتو الصفات على انَّه حيّ بحياة باقٍ ببقاء كذلك جاز أن يكون ذات بنفس والجواب أنَّ مسمّى الحياة والبقاء وهو الصِّفة وأمَّا

مسمّى النفس هو الموصوف نفسه وليس في كتاب الله ولا سنّة رسوله لفظ النفس يراد به صفة موصوف لا في ذكر الخالق ولا في ذكر المخلوق كما قال تعالى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر 42] وقال كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران 185] وقال إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [يوسف 53] وقال وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) [القيامة 2] وقال يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) [الفجر 27] وقال فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [البقرة 54] وقال لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا [النور 12] وأضعاف ذلك في الحديث ليس المراد به أنَّ نفس الشيء صفة له فمن حمل قوله على نفسه أنَّه صفة من صفاته فقد حمل على غير لغة العرب التي أنزل الله بها كتابه وهذا خلاف نص القرآن وظاهره فضلاً عن أن يقال هو ظاهره وأيضاً فإنَّهم يؤكِّدون بها فيقولون رأيت زيدًا عينه نعم يوجد في كلام بعض المولَّدين

ما يشبه أن يكون لفظ النفس صفة كما يقولون فلان له نفس وفلانٌ ليس له نفس واترك نفسك وتعال ونفسك وحجابك ونحو ذلك فإنَّ مقصودهم الصفات المذمومة كالأهواء المتّبعة من الشهوة والغضب ونحو ذلك وهذا ليس من اللّغة التي يجوز حَمل كلام الله ورسوله عليها إذ مثل هذا لا يوجد إلا في كلام المتأخرين وذلك والله أعلم أنَّ هذا مثل قولهم فلان له يد وله لسان أي يد باطشة ولسان ناطق فيطلقون اسم الذات ويريدون به الصّفة المشهورة فيها فقول القائل اترك نفسك أو له نفس ونحو ذلك يريد به الذات على الصّفة المخصوصة وهي الصفة المذمومة كما يقال أمسك لسانك واكفف يدك أو له لسان وله يد وهذا يستعملونه في النفي كما يستعملونه في الإثبات فينفون الشيء لانتفاء الصفة المشهورة فيه كما يقال فلان ليس له

لسان أي لا يحسن أن يتكلم ولا يد له في هذا أو هو عاجز عن عمل هذا كما يقولون فلان ليس بإنسان لانتفاء الصّفات المعروفة في الإنسان عنه وهكذا لفظ النفس قد يقولون لا نفس له لانتفاء الهوى والغضب وقد يجعلون ذلك حمدًا إذا انتفى المذموم منه وقد يذمونه بذلك إذا انتفى فيه الجهة المحمودة فيقال ليس له نفس بهذا الاعتبار وإذا كان كذلك فمعلوم أنَّ مثل هذا في الإثبات إنَّما يراد به إثبات الذات الموصوفة بصفات النّفس لا يراد به مجرّد صفة فعلم أنَّ اسم النَّفس إنَّما هو اسم لذات الشيء الموصوفة قالوا قوله وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) [طه 41] المراد به الله الذي له النَّفس فكذلك قولكم وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ [آل عمران 28, 30] المراد به الله الذي له النَّفس فيقال لهم هذا لو كان صحيحًا لكان تأويلاً وهو من أضعف التأويلات فكيف تبطلون التأويل بمثل هذا التأويل وأيضًا فإنَّ اللفظ لا يحتمل ذلك في لغة العرب بوجه من الوجوه وأيضًا فإنَّ ذلك عدول عن مدلول اللفظ ومقتضاه بغير موجب

أصلاً وذلك من تحريف الكلم عن مواضعه وأمَّا لفظ الحياة والبقاء فلا يجوز أن يراد بها الذات الحيَّة لأنَّ ذلك صفة والذات هي الموصوف فمن اعتقد أنَّ مسمّى النَّفس في الخالق والمخلوق صفة وعرض لا موصوف وجوهر وجعل مسمّى لفظها من جنس مسمّى لفظ الحياة والبقاء فقد غلط على اللغة وغلط على القرآن والحديث قالوا وهذا يؤدّي إلى جواز القول بأنَّ الله نفس وأنَّه يجوز أن يدعى فيقال يا نفس اغفر لنا وقد أجمعت الأمّة على منع ذلك والجواب من وجوه أحدها أنَّ هذا منقوض عليهم بلفظ ذات وموصوف وقائم بنفسه وحقيقة وبائن من خلقه ونحو ذلك فإنَّه إن جاز أن يقال يا ذات يا موصوف يا قائمًا بنفسه يا حقيقة يا بائنًا من خلقه اغفر لنا جاز أن يقال يا نفس وإلاَّ فلا الثاني أنَّ الله إنَّما يُدعى بأسمائه الحسنى وهي الأسماء التي تدل عليه نفسه وتبين من أوصافه ما فيه حمد وثناء عليه فأمَّا الألفاظ التي لا تدل إلاَّ على مطلق الوجود ونحوه فلا يُدعى بها كما انَّه سبحانه لا يُدعى بالأسماء الدالة على خلقه للضرر

إلاَّ مقرونًا بالأسماء التي تدلُّ على خلقه للنفع فلا يقال يا ضارُّ ولا يا مانع إلاّ مقرونًا بيا نافع ويا هادي ويا معطي فإنَّ الاقتران يقتضي عموم القدرة والخلق والحكمة وهذا من أسمائه الحسني بخلاف إفراد أحدهما الثالث أنَّ هذا يرد عليهم فيما ادّعوه فإنّهم جعلوا له نفسًا هي صفة فينبغي أن يقال ياذا نفس اغفر لنا فإن قيل الإضافة تقتضي المغايرة بين المضاف والمضاف إليه فلا يكون هو نفسه المضافة إليه قيل لا نزاع بين أهل اللغة أنه يقال رأيت زيدًا نفسه وعينه وهذا هو زيد نفسه وعينه ونحو ذلك والمغايرة في مثل هذا هو أنَّ مسمى لفظ النفس والعين اعمّ من المضاف إليه فإنَّ النَّفس والعين لغيره أيضًا فإذا أُضيف ذلك إليه خصصه بالإضافة والمغايرة تارة تكون في الذات وتارة في الصِّفات في باب العطف كقوله تعالى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) [الأعلى 2-4] فكذا في باب الإضافة ومن هذا الباب قولهم ثوب خز وخاتم فضة

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل