المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
ولفظ «العالم» ليس في القرآن، ولا يوجد في كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين، وإنما الموجود لفظ (العالمين) وفيه العموم، كقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) ﴾ [الفاتحة: 2] وقد يقال: فيه خصوص، كقوله: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) ﴾ [الجاثية: 16] وقوله: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) ﴾ [آل عمران: 42] وقوله تعالى: ﴿مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80) ﴾ [الأعراف: 80] عند من يجعل ذلك المراد به الآدميون أو أهل عصرهم.
وكذلك لفظ «الخلق» هو معرف باللام، ففيه عموم، وقد ينصرف إلى المعهود، الذي هو أخص من جملة المخلوقات كقوله في حديث خلق آدم: «فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن» وفي الحديث المتقدم ذلك، وكذلك قوله في حديث الخلق: «وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل».
والله سبحانه وتعالى أعلم.
والمقصود هنا التنبيه على فساد حجج الدهرية، المعطلة للصانع تعالى، وتناقضها، ومشاركة الجهمية لهم في بعض أصولهم الفاسدة، مع حجج الدهرية المثبتة له أيضًا.
وقد تقدم ما ذكره أبو المعالي من أن شبه الدهرية لحصرها أربعة أقسام:
أحدها: تعرضهم للقدح في الدليل الذي ذكره أبو المعالي، دليل المعتزلة ومن اتبعهم من المتكلمين الذي استدلوا به على حدوث الأجسام -دليل الأعراض- ونحن قد ذكرنا في غير هذا الموضع كلام أئمة المسلمين في هذه الطريقة: تحريمًا، وكراهة وإبطالًا.
قال: «والقسم الثاني يتعلق بالتعرض لنفي الصانع، ولهم في ذلك طريقان:
أحدهما: أن إثبات قائم بنفسه يتقدس عن الجهات المحاذيات غير معقول.
والثاني: يتعلق بالتعديل والتجويز، والحكم بأن الحكيم لا يفعل الفعل إلا لغرض، والغرض ما له الضر والنفع، وذلك يستحيل على القديم».
قلت: هاتان أيضًا كلامهم فيهما مع المعتزلة في الأصل، فإنهم جهمية أثبتوه بالصفات السلبية، وهم أيضًا قدرية، ثم انتقلت هذه الحجة إلى المرجئة، فجاوبوهم في المقدمة الثانية ببعض جواب المعتزلة، وأجابوهم في الصفات بجواب يقال: إنه متناقض.
قال أبو المعالي: «والقسم الثالث يشتمل على الاستشهادات بالشاهد على الغائب من غير رعاية وجه في الجمع بينهما».
قال: «والقسم الرابع من كلامهم يشتمل على ضروب من التمويهات».
قلت: قد نبهنا على القسم الثالث، والمقصود هنا القسم الثاني، فإنه الذي ذكروا فيه نفي الصانع، وهو أعظم كلامهم؛ والحجة العظمى التي عول عليها ابن الراوندي المصنف «كتاب التاج في قدم العالم» ومحمد بن زكريا المتطبب، فيما صنفه
في ذلك حيث قال بالقدماء الخمسة، والاحتجاج بها على قدم العالم: تارة مع الإقرار بالعلة الموجبة، وتارة مع عدم ذلك.
فأما الأول فقالوا: لو كان العالم محدثًا لكان محدثه فاعلًا مختارًا، وهو محال لوجهين:
أحدهما: أن ذلك الاختيار إما أن يكون لغرض أو لا يكون، فإن كان لغرض فهو باطل لأمرين:
أحدهما: أنه يجب أن يكون وجود ذلك الغرض أولى به من عدمه، وإلا لم يكن غرضًا، وإذا كان وجوده أولى به، كان مستكملًا بخلق العالم وهو محال.
فإن قيل: هو فعله لا لغرض يعود إليه، بل لغرض يعود إلى غيره، وهو الإحسان إلى الغير، وهذا يدفع المحذور.
قيل: الإحسان إلى الغير، إما أن يكون بالنسبة إلى ذاته أولى من تركه، وإما أن لا يكون، فإن كان مساويًا لم يكن غرضًا، وإن لم يكن مساويًا عاد المحذور.
الثاني: أن من فعل لغرض غيره، كان الفاعل دون
المفعول، كالخادم والمخدوم، ومن الممتنع أن يكون غير الله أشرف منه، فيمتنع أن يفعل لغرض غيره.
وإن قيل: إنه فعل العالم لا لغرض، كان عابثًا، والعبث على الحكيم محال؛ ولأنه يكون ترجيحًا لأحد طرفي الممكن على الآخر من غير مرجح، وهو محال.
الوجه الثاني: أنه لو فعل بالاختيار فإما أن يجوز منه فعل القبيح أو لا يجوز.
وإن شئت قلت: فإما أن يجوز عليه فعل كل شيء، وإما أن يكون متنزهًا عن بعض الأفعال.
فإن قيل: إنه يجوز أن يصدر منه فعل القبيح، لم يؤمن من تصديق المتنبئين الكذابين بالمعجزات، ولم يؤمن أيضًا الخبر المخالف لمخبره، فإن الكذب وتصديق الكاذب قبيح، وتجويز ذلك يبطل النبوات وأخبار المعاد، وهذا تبطل بهما الملل.
وإن قيل: أنه لا يفعل القبيح، وهذا قبيح.
الثاني: أن العالم مملوء طافح بالشرور والآفات، وأنواع الألم والعقوبات، والقول بالغرض باطل، وإذا بطل القسمان بطل القول بالفاعل المختار.
وأما الاحتجاج بها على نفي الصانع مطلقًا فأن يقال: إن
كان موجبًا بذاته لزم قدم المفعولات، وهو خلاف المحسوس؛ لأن الموجب لفعل المحدث الذي هو علة تامة، إن كان موجودًا في الأزل لزم قدم المحدثات، وإن لم يكن موجودًا فصدوره بعد أن لم يكن يحتاج إلى سبب حادث، والقول فيه كالقول في غيره من الحوادث، فيمتنع حدوث محدث عن موجب بذاته، وإن كان فاعلًا باختياره عادت الحجة المتقدمة.
وهذه الحجة لما كان أصلها هو البحث عن حكمة الإرادة، ولم فعل ما فعل؟ وهي «مسألة القدر» ظهر بها ما كان السلف يقولونه: إن الكلام في القدر هو «أبو جاد الزندقة»، وعلم بذلك حكمة نهيه صلى الله عليه وسلم لما رآهم يتنازعون في القدر عن مثل ما هلك به الأمم قال لهم: «بهذا هلكت الأمم قبلكم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض»، وعن هذا نشأ مذهب المجوس والقدرية، -مجوس هذه الأمة- حيث خاضوا في التعديل والتجويز بما هو من فروع هذه الحجة، كما أن التجهم فروع تلك الحجة.
ثم إن الدهرية ظنوا أنهم بالقول بقدم العالم، ينجون من هذه الشبهات، وكان الذي وقعوا فيه شرًّا مما وقعت فيه المجوس والقدرية، ولهذا كان المشركون والصابئون القائلون بقدم العالم، ومن معهم من الفلاسفة شرًّا من المجوس، ومن معهم من القدرية والمعتزلة وغيرهم.
والمقصود بيان هذا، يقال لهم: لا ريب في هذا الوجود المشهود، المستلزم لوجود الموجود القديم الواجب، فإن نفس الوجود يستلزم موجودًا قديمًا، واجبًا بنفسه إذ كل موجود فإما أن يكون واجبًا قديمًا أو يكون محدثًا أو ممكنًا.
والمحدث لا بد له من محدث، والممكن لا بد له من واجب.
وهذا مما لا ينازع فيه أحد من بني آدم؛ وإنما الدهرية تقول: هذا العالم قديم واجب بنفسه، أو يقولون: هو معلول علة قديمة واجبة بنفسها.
فيقال لهؤلاء: إن قلتم إن هذا العالم واجب الوجود بنفسه قديم، لزمكم هذه المحالات وأضعافها، فإنه يقال لكم: لأي سبب تحرك الفلك الأعلى وغيره من الأفلاك، ولم حصلت هذه الاستحالات؟ فإن هذه أمور حادثة بعد أن لم تكن، وهي ممكنة قطعًا، فالمحدث لها سواء كان الفلك أو غيره، الذي قد قدر أنه قديم واجب الوجود بنفسه، إن أحدثها لغرض، لزم أن يكون مستكملًا بها، والتقدير أنه قديم واجب الوجود بنفسه، فقد لزمكم أن يكون القديم الواجب الوجود بنفسه مستكملًا بغيره، وهذا هو المحال الذي فررتم منه، فقد وقعتم فيه، مع ما في ذلك من المحالات اللازمة على هذا التقدير، مثل امتناع كون الفلك الأعلى، هو المحدث لجميع الحركات وغير ذلك، حتى لو قدر في كل فلك متحرك، أنه قديم واجب الوجود
بنفسه، كان هذا السؤال قائمًا فيه، وفي حركاته الحادثة بعد أن لم تكن.
وكذلك إن قالوا: تحرك لأجل العناية بالسافلات، لزم أن يكون الأعلى خادمًا للأدنى، وأن تكون هذه الغاية أعلى من الفاعل، الذي هو أشرف منها، وهو متناقض.
وإن فرض أن قائلًا يقول، أو يخطر له: إن الفلك ليس بقديم واجب بنفسه، ولا معلول علة قديمة، بل يقول: حدث بنفسه، بعد أن لم يكن، وهذا لا نعلم به قائلًا، وقد ذكر أرباب المقالات، أنهم لم يعلموا به قائلًا، لكن هو مما يخطر بالقلب ويوسوس به الشيطان.
فيقال: هذا الوجود المشهود، إما أن يكون موجودًا بنفسه، وإما أن لا يكون.
وإذا كان موجودًا بنفسه، فإما أن يكون قديمًا
-وهو القسم الذي تقدم بيان تناقض أصحابه- وإما أن يكون محدثًا بنفسه، فيقال: هذا القول أظهر فسادًا وتناقضًا؛ فإنه من المعلوم بالفطرة البديهية، أن المحدث قبل أن لم يكن، لا يتصور أن يحدث عن غير محدث، ولا أن يحدث نفسه.
فلا يكون الشيء صانعًا لنفسه، لا مصنوعًا لنفسه، ولا يكون أيضًا علة غائية لنفسه، كما قد بسطنا هذا في غير هذا الموضع، قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) ﴾ [الطور: 35] قالوا: من غير خالق لهم، قال جبير بن مطعم: لما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية في صلاة المغرب أحسست بفؤادي قد انصدع.
وقد تكلمنا عن هذه الآية في غير هذا الموضع، بين سبحانه باستفهام الإنكار الذي يتضمن أن الأمر المنكر من العلوم المستقرة، الملازمة للمخاطب، التي ينكر على من جحدها؛ لأنه سفسط بجحد العلوم البديهية الفطرية
الضرورية؛ فإنه من المعلوم أن ما حدث لا يكون من غير محدث أحدثه، ولا يكون هو حدث بنفسه، فقال: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) ﴾ [الطور: 35] وهذا يستلزم الجمع بين النقيضين وغيره من المحالات.
وإن كانت إحالته في العقل، من أظهر العلوم الضروريات؛ فإن كونه فاعلًا لنفسه، يقتضي أن يكون وجوده قبلها، وكونها مفعولة، يقتضي أن يكون وجوده بعد نفسه، فيجب أن تكون نفسه موجودة معدومة في آن واحد.
والمقصود هنا تباين تناقض حججهم، وأن الذي يقولونه فيه من المحذور أعظم مما فروا منه.
فيقال: إذا قدر أنه حدث بنفسه، بلا محدث، بل عن العدم المحض، فمعلوم أن هذا مع كونه معلوم الفساد بالضرورة، من أبعد الأشياء، عن الأمور الموجودة المحسوسة وعن القياس العقلي، فمن جوز أن يكون هذا الوجود صدر عن عدم محض، فصدوره عن علة موجبة لا تستلزم وجود المعلول، أقرب إلى العقل وأبعد عن المحذور، وهو الذي فروا منه، لأن أكثر ما في هذا، أنه تكون العلة التامة قد تخلف عنها معلولها، أو وجد المعلول عن علة ليست تامة، ومن المعلوم أن صدوره لا عن شيء، أعظم امتناعًا وفسادًا من صدوره عن علة ليست تامة، ومن المعلوم أن العلة التامة بلا معلول، أقل فسادًا وامتناعًا، من وجود المحدث لا من علة أصلًا؛ فإن المعلول إما
محدث، وإما قديم، ومعلوم بالعقل أن حاجة المعلول المحدث إلى العلة، أظهر من حاجة المعلول القديم، ووجود المعلول بلا علة، أبعد في العقل من وجود العلة بلا معلول، فإذا جوزتم صدور المحدث بلا علة ولا محدث، كان تجويز وجود العلة التامة، مع تأخير معلولها أقرب في العقل وأبعد عن المحال.
وكذلك أيضًا إذا جوزتم صدوره عن العدم، فصدوره عن فاعل مستكمل بفعله، أو فاعل بفعل لا لغرض، أقرب في العقل وأبعد عن المحال مما جوزتموه؛ فإن هذا غايته أن يكون أحدثه فاعل ناقص أو عابث، وبكل حال فهذا أقل امتناعًا من أن يكون حدث لا عن شيء.
وبالجملة فافتقار المحدَث إلى المحدِث، من أبدَه العلوم وأوضح المعارف، وهذا لم ينازع فيه أحد من العقلاء، وأي قول قيل، كان أقرب إلى العقل وأبعد عن المحال من هذا، فإذا قرر هذا القول، ظهر أن المحال الذي فيه، أعظم من المحال الذي يلزم غيره، ولهذا لم نكثر تقرير هذا القول، وإنما تكلمنا على ما قال به قائلون -وهم الدهرية القائلون بقدم العالم، إما واجبًا بنفسه، وإما واجبًا بعلته- فهؤلاء إذا ظهر تناقض قولهم، كان تناقض ذلك القول أظهر.
وقد ذكرنا بعض تناقضهم.
ويقال لهم أيضًا: هذه الكمالات الحاصلة للفلك، بإحداث ما يحدثه من الحركات، إن كانت مقدورة له في الأزل فلم أخرها؟ وإن كانت غير مقدورة له، فقد أثبتموه عاجزًا عن غير
ما فعل من الإحداث! فإذا أقررتم بخلق الفلك، لم يلزمكم في إثباته أكثر من هذا -وهو أن يكون مستكملًا بما يحدثه من الأفعال، وأن يكون وجود تلك الأفعال في الأزل ممكنًا- وغاية ما يلتزمونه من قيام أفعال حادثة بذاته، أو من كونه جسمًا، أو غير ذلك: فإن هذا كله لازم لكم، إذا قلتم بأن الفلك قديم واجب الوجود.
فإذا كان كل محذور يلزمكم على تقدير إثبات الصانع، يلزمكم أيضًا على تقدير نفي الصانع، كان القول بنفيه باطلًا قطعًا، وكانت هذه الحجة فاسدة؛ وهذا هو المقصود هنا.
وأما بيان أن هذه الحوادث الموجودة في العالم، يمتنع أن يكون الفلك مستقلًّا بها، فذاك له مقام آخر، إذ الغرض هنا بيان تناقضهم، مع أن ذلك ظاهر بين، والعقلاء المعروفون، متفقون على أن الحوادث التي تحدث، لا يستقل بها الفلك، ويمتنع أن يكون في المخلوقات ما يستقل بإحداث محدث منفصل عنه، فهذا له مقام آخر، وهو دليل مستقل عظيم القدر على ثبوت الصانع تعالى.
وهكذا الإلزام على «التقدير الثاني» وهو أن يقال: هذه الحركات لغير غرض.
فيقال: يلزمكم بموجب كلامكم؛ أن يكون الموجود القديم الواجب الوجود، يفعل أفعالًا دائمة مستمرة لغير غرض، وقد قلتم: إنه عبث والعبث على الحكيم
محال، فمهما كان جوابكم عن ذلك، في هذا أمكن أن تجيبوا أنفسكم به، إذا كان القديم الواجب الوجود هو صانع الفلك، مع كون المحذور حينئذ أقل عندكم، فلو عدلتم عن القول الأخف إلى القول الأقبح -ولله المثل الأعلى- فنزهتموه إذا كان موجودًا قديمًا صانعًا، عن أن يستكمل بفعله، أو يكون عابثًا فيه، فجعلتموه معدومًا؟! وأي موجود فرض، كان خيرًا من المعدوم، فعدلتم عن أن تصفوه بنوع نقص، فوصفتموه بما يجمع كل نقص، ثم وصفتم غيره بصفات الكمال، التي هي وجوب الوجود والقدم، مع وصفكم له بتلك النقائص فاجتماع هذه النقائص مع هذه الكمالات لازم لكم، ولم تستفيدوا إلا كمال التعطيل والجحود بلا حجة أصلًا.
وقد ظهر فساد حجتهم وتناقضهم فيها من وجوه:
أحدها: أن الذي نفوه به، يلزمهم مثله، فيما أثبتوه من موجود قديم واجب، وهو الفلك المشهود.
الثاني: أنهم قصدوا تنزيهه عن تجدد كمال له بفعله، أو عن عبث، فجعلوه أعظم نقصًا من المستكمل العابث، ومن المعلوم أنه إذا قدر فاعل يستكمل بفعله، كان خيرًا من المعدوم، فإن الفلك أو غير الفلك إذا قدر ذلك فيه لم يشك عاقل أنه خير من المعدوم، فكان نفيهم له، الذي فروا إليه شرًّا من نفي بعض الأمور، التي ظنوها كمالًا.
فتدبر هذا أيضًا.
وكذلك إذا قدر موجود كامل، يفعل فعلًا لغير غرض له، وقيل: إنه عابث، فهو أكمل من العدم، الذي ليس بشيء أصلًا، فإن الفاعل لغير
غرض، بمنزلة الساكن الذي لا يفعل، وهذا يقال فيه: إنه جامد، ويقال: في ذلك إنه عابث، والجامد والعابث خير من العدم المحض، لا سيما إذا كان متصفًا بسائر صفات الكمال.
الثالث: ما تركب من هذين الوجهين، وهو أنهم مع التزام المحالات التي زعموا أنهم فروا منها، ومع التزام ما هو شر مما فروا منه، لم يستفيدوا بذلك إلا جحود الصانع -تعالى وتقدس رب العالمين- الذي هو أصل كل باطل، وكفر وكذب وتناقض وشر في الوجود، كما أن الإيمان به أصل كل حق وهدى، وصدق واستقامة وخير في الوجود.
وهكذا يقال لهم في فعل القبائح، وعدم فعلها من وجوه:
أحدها: أن هذا لازم لكم، فيما تصفونه بأنه واجب لذاته قديم، وهذا لا بد منه على كل تقدير، ولا مندوحة عنه.
الثاني: أن يقال تجويز تصديق الكاذب أو الكذب، أكثر ما يقال فيه إنه يستلزم بطلان الرسالة، والخبر عن الثواب والعقاب، وهذا المحذور أخف بكثير من محذور نفي الصانع.
فهل يسوغ في العقل، أن نجحد الصانع وخلقه للعالم، لأن ثبوت ذلك يستلزم بطلان النبوة والوعد والوعيد؟! فإنه يقال لذلك: وأنت إذا نفيته بطلت النبوة والوعد والوعيد أيضًا، وبطل أضعاف هذا من أمور الديانات فبتقدير أن يكون هذا لازمًا على التقديرين، لا يجوز أن يحتج به على نفي أحدهما، مع كثرة المحاذير على هذا التقدير؛ بل غاية ما يقال: إذا قدر أنه لازم فليس بمحذور، ومعلوم أن الإقرار بالصانع تعالى، مع الكفر بالرسل والمعاد،
أقل كفرًا من جحود الصانع، كما أن الإقرار بالصانع مستكملًا أو عابثًا، أقل كفرًا من جحوده، فالتزام زيادة الحجة والتعطيل بلا حجة، من أبطل الباطل.
وهكذا ما احتجوا به على جحود فعل القبيح -كتكليف المحال، ووجود الشرور- فإنه يقال فيه هذان الوجهان:
أحدهما: لزوم ذلك أيضًا، مع ما يصفونه بالقدم، ووجوب الوجود.
الثاني: أن ذلك إنما يستلزم نقصًا، وذلك أهون من العدم.
فإذا كانت الحجة إنما تستلزم في الوجود، لم يجز أن يلتزم عدمه بلا حجة؛ بل كان إثبات الوجود الناقص لا بد منه على كل تقدير.
ومَثَلُ من احتج على بطلان الخالق، بأن ذلك يستلزم بطلان النبوة والمعاد، مثل من بلغه أن الله تعالى بعث رسولًا، وأن قومًا كذبوه فتأذى بذلك، فجاء إليه فقتله، وقال إنما قتلته لئلا يتأذى بالتكذيب، وهؤلاء أعدموا الخالق، لئلا تكذبه رسله على زعمهم.
وكذلك مثل من أراد أن ينصر ملكًا له مملكة عظيمة، ولكن
بعض رعيته عصوه، فعمد إلى ذلك الملك فقتله، أو عزله عن الملك بالكلية، وقال إنما فعلت ذلك إجلالًا لقدره، لئلا يعصيه بعض رعيته.
ويحكى عن بعض الحمقى؛ أنه رأى ذبابًا وقع على وجه مخدومه؛ فأخذ المداس فضرب به وجه مخدومه، ليطير عنه الذباب.
ومثل من كان له ميراث من أبيه، غصب بعض الناس شيئًا منه، فقصد بعض الحكام أو بعض الشهود [دفع] الشر عن ذلك الوارث، ودفع تضرره بالغصب، فأثبت أنه ليس ابنه، وأنه لا يستحق شيئًا من الميراث، وقال: إنه بهذا الطريق امتنع أن يكون مغصوبًا، وزال تضرره بالغصب.
أو رجل كان له عقار عظيم، من مساكن وبساتين وغيرها، وله منافع عظيمة وحقوق كثيرة، قد غصبه بعض الناس بعضها، وهو متألم لذلك، فقام قوم من الحكام والشهود والأعوان، ليزيلوا عنه، فسعوا في أخذ ذلك العقار منه بالكلية، وإخراجه من ملكه ويده بلا فائدة حصلت له أصلًا، وقالوا هذا العقار إذا كان له، فلا بد أن يؤخذ منه هذا الجزء اليسير فيتألم،
فأعدموه إياه كله بلا فائدة حصلت له.
ومثل من قال: أنا لا أصلي لأني إذا صليت أقصر في ذكر الله، وعبادته وطاعته، التي ينبغي أن أفعلها في الصلاة، فأنا أترك الصلاة بالكلية، خوفًا من ترك بعض واجباتها.
وكذلك من قال: لا أزكي أصلًا، لأني إذا زكيت، فقد يأخذ زكاة بعض مالي من لا يستحقها، فيحرم المستحقين لها، فأنا أحرم المستحقين جميع الزكاة، لئلا يحرموا بعضها بالمزاحمة.
ومثل من ارتكب الفواحش المحرمة، وترك النكاح الحلال، قال: لأني إذا نكحت المرأة فقد أطؤها وهي حائض أو في الدبر، فاستحل الفواحش من التلوط وغيره حذرًا من هذا الذنب.
أو من أخذ يسرق أموال الناس، خوفًا من تجارة أو صناعة، يكون ظلمه فيه أقل من ظلم السرقة.
أو من أقام ببلاد الحرب معاونًا لهم على قتال المسلمين، خوفًا من أن يهاجر إلى بلاد المسلمين، فيقصر بجهاد أهل الحرب.
والأمثال في هذا كثيرة جدًا.
ومن العجب أن المتكلمين المناظرين لهؤلاء، وأمثالهم من أهل الكفر، إذا أوردوا سؤلًا من جنس هذا السؤال، أن
يدخلوا معهم في جوابه وحَلِّهِ، وقد لا يكون المجيب متمكنًا من ذلك علمًا وبيانًا، ولا ينقطع بذلك الخصم، ولا يهتدي لنقص قوى إدراكه أو سوء قصده، أو لاحتياج تحقيق ذلك إلى مقدمات متعددة وزمان طويل، وتقرير لتلك المقدمات بجواب ما ترد بها من ممانعة ومعارضة.
فيتركوا أن يبدؤوهم من أول الأمر ببيان فساد هذه الحجة، وبيان تناقضهم، وأن قائلها يلزمه إذا قال بها أعظم مما أنكره، فإذا تبين له فسادها وللمتكلمين معه: حصل دفع هذا الشر وبطلان هذا القول وهذه الحجة، وهو المقصود في هذا المقام، ثم بيان الحق وتكميله مقام آخر.
ومثالُ ذلك مثالُ من قدم العدو بلاده، فأخذ يبني ويغرس، ويعمر ما ينتفع به لنفسه، ويدفع به عدوه، قبل دفع العدو عن بلاده، فجعل كلما عمر شيئًا خربه العدو، وهو غير متمكن من العمارة الثانية، فإذا كان قادرًا من أول الأمر على دفع العدو كان ذلك أولى، وإن حصل له في ذلك نوع مشقة، فهي أخف من كل مشقة يلتزمها مع بقاء العدو ببلاده.
والحجج الباطلة هي عَدُوُّ الحق، فهي عدو في قلب الناظر بنفسه لطلب الحق، وقلبه كبلاده، وهي أيضًا عدو له مع المناظر الذي يناظره، وسواء كان معاونًا أو مغالبًا؛ ولهذا ناظر إبراهيم الخليل بمثل هذه المناظرة المتضمنة قياس الأولى، وإلزام الخصم على قوله، أعظم مما ألزمه هو على قول خصمه، كما قال: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ
سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام: 81-82] قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ [الأنعام: 83] قال زيد بن أسلم وغيره: بالعلم.
فالعلم بحسن المحاجة مما يرفع الله تعالى به الدرجات، وكذلك قال تعالى فيما أمر أن يخاطب به أهل الكتاب ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) ﴾ [المائدة 59-60].
فصل
«يجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة، أن يفحص عن منافع جميع الموجودات.
وأما دلالة الاختراع، فيدخل فيها وجود الحيوان كله، ووجود النبات ووجود السموات، وهذه الطريقة تنبني على أصلين، موجودين بالقوة في جميع فطر الناس:
أحدهما: أن هذه الموجودات مخترعة.
وهذا معروف بنفسه في الحيوان والنبات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: 73] الآية؛ فإنا نرى أجسامًا جمادية، ثم تحدث فيها الحياة، فنعلم قطعًا، أن هاهنا موجدًا للحياة ومنعمًا بها، وهو الله تبارك وتعالى، وأما السموات فنعلم من قبل حركاتها التي لا تفتر، أنها مأمورة بالعناية بما هاهنا، ومسخرة لنا، والمسخر المأمور، مخترع من قبل غيره ضرورة.
وأما الأصل الثاني: فهو أن كل مخترَع فله مخترِع، فيصح من هذين الأصلين أن للموجود فاعلًا مخترعًا له، وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات.
ولذلك كان واجبًا على من أراد أن يعرف الله حق معرفته، أن يعرف جواهر الأشياء، ليقف على الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء لم يعرف حقيقة الاختراع، ولهذا أشار تعالى وتقدس بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 185] وكذلك أيضًا من تتبع معنى الحكمة في موجود موجود؛ أعني معرفة السبب الذي من أجله خلق، والغاية المقصودة به، كان وقوفه على دليل العناية أتم.
فهذان الدليلان هما دليلا الشرع.
وأما أن الآيات المنبهة على الأدلة المفضية إلى وجود الصانع سبحانه في الكتاب العزيز، هي منحصرة في هذين الجنسين من الأدلة فهذا بين لمن تأمل الآيات الواردة في الكتاب العزيز في هذا المعنى [وذلك أن الآيات في الكتاب العزيز في هذا المعنى] إذا تصفحت وجدت على
ثلاثة أنواع:
إما آيات تتضمن التنبيه على دلالة العناية.
وإما آيات تتضمن التنبيه على دلالة الاختراع.
وإما آيات تجمع الأمرين من الدلالة جميعًا.
فأما الآيات التي تتضمن دلالة العناية فقط، فمثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) ﴾ [النبأ: 6-7]-إلى قوله- ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) ﴾ [النبأ: 16] ومثل قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا (61) ﴾ [الفرقان 61] إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62) ﴾ [الفرقان 62] ومثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) ﴾ [عبس: 24] الآية.
ومثل هذا في القرآن كثير.
وأما الآيات التي تضمنت دلالة الاختراع فقط، فمثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (6) ﴾ [الطارق: 5-6] ومثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) ﴾ [الغاشية: 17] الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: 73] ومن هذا قوله تعالى حكاية
عن إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) ﴾ [الأنعام: 79] إلى غير ذلك من الآيات التي لا تحصى.
فأما الآيات التي تجمع الدلالتين فهي كثيرة أيضًا، بل هي الأكثر مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾ [البقرة: 21] إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (22) ﴾ [البقرة: 22] فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾ [البقرة: 21] تنبيه على دلالة الاختراع، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: 22] تنبيه على دلالة العناية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 33] وقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾ [آل عمران: 191] وأكثر الآيات الواردة في هذا المعنى، يوجد فيها النوعان من الدلالة.
فهذه الطريق هي الصراط المستقيم، التي دعا الله
تعالى الناس منها إلى معرفة وجوده، ونبههم على ذلك بما جعل في فطرهم من إدراك هذا المعنى، وإلى هذه الفطرة الأولى المغروزة في طباع البشر، الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ﴾ [الأعراف: 172] إلى قوله تعالى: ﴿بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف: 172] ولهذا قد يجب على من كان وكده، طاعة الله في الإيمان به، وامتثال ما جاء به رسله أن يسلك هذه الطريقة، حتى يكون من العلماء الذين يشهدون لله بالربوبية، مع شهادته لنفسه، وشهادة ملائكته له، كما قال تبارك وتعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18) ﴾ [آل عمران: 18] ودلالة الموجودات من هاتين الجهتين عليه، هو التسبيح المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44].
فقد بان من هذا أن الأدلة على وجود الصانع تعالى منحصرة في هذين الجنسين: دلالة العناية، ودلالة الاختراع.
وأن هاتين الطريقتين هما بأعيانهما طريقة الخواص -وأعني
بالخواص العلماء-[وطريقة الجمهور] وإنما الاختلاف بين المعرفتين في التفصيل: أعني أن الجمهور يقتصرون في معرفة العناية والاختراع، على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس، وأما العلماء، فيزيدون إلى ما يذكرون من هذه الأشياء بالحس ما يدركون بالبرهان، أعني من العناية والاختراع، حتى لقد قال بعض العلماء: إن الذي أدرك العلماء من معرفة منافع أعضاء الإنسان والحيوان هو قريب ألف منفعة.
وإذا كان هذا هكذا، فهذه الطريقة هي الطريقة الشرعية والطبيعية، وهي التي جاءت بها الرسل، ونزلت بها الكتب.
والعلماء ليسوا يفضلون الجمهور في هذين الاستدلالين من قبل الكثرة فقط؛ بل ومن قبل التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه؛ فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات، مثالهم في النظر إلى المصنوعات، التي ليس عندهم علم بصنعتها؛ فإنهم إنما يعرفون من أمرها، أنها مصنوعات فقط، وأن لها صانعًا موجودًا، ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى
المصنوعات التي عنده علم ببعض صنعتها وبوجه الحكمة، فيها ولا شك أن من حاله من العلماء بالمصنوعات هذه الحال، فهو أعلم بالصانع، من جهة ما هو صانع، من الذي لا يعرف من تلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط.
وأما مثال الدهرية في هذا، الذين جحدوا الصانع سبحانه وتعالى، فمثال من أحس مصنوعات فلم يعترف أنها مصنوعات، بل نسب ما رأى فيها من الصنعة إلى الاتفاق والأمر الذي يحدث من ذاته».
قلت: ذكره لهذين النوعين كلام صحيح حسن في الجملة، وإن كان في ضمنه مواضع قصر فيها، مثل ما ذكره في دلالة حركة الفلك، وتفسير الآية، وتسبيح المخلوقات، واستدلال إبراهيم.
ودليل الإحداث والاختراع يدل على ربوبية الله تعالى، ودليل الحكمة والعناية والرحمة يدل على رحمته، وقد افتتح الله كتابه العزيز بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) ﴾ [الفاتحة: 2-3] وهذا أجود من طريق المتكلمين، طريقة الأعراض، وإن كان لم يستقص الكلام في دلالة ثبوت الصانع تعالى، ولم يفصل إحداث الجواهر وغير ذلك.
مع أن طرق معرفة الصانع بالفطرة والضرورة وبالنظر والاستدلال، بنفس الذوات وبصفاتها، باب واسع ليس هذا موضعه وثير [مـ]ـمن يرغب عن طريقة الأعراض، يذكر ما في خلق الإنسان، أو في خلق ما يشهد حدوثه من هذين النوعين، من الحدوث الدال على المحدث، والحكمة الدالة على قصد الصانع، ورحمته ونعمته بما يدل عليه.
وقد ذكرنا ما ذكره الخطابي من كراهة طريقة الأعراض، وأنها بدعة محظورة، وقد قال في أوائل كتابه «شعار الدين»: «القول فيما يجب من معرفة الله سبحانه وتعالى: أول ما يجب على من يلزمه الخطاب، أن يعلم أن للعالم بأسره صانعًا، وأنه هو الله الواحد لا شريك له، وقد جرى كثير من عوام المسلمين في هذا على عادة النشوء وحكم الولادة، فكان إيمانهم إيمان تلقين وتربية، وذلك أنهم يولدون في دار الإسلام، ويتربون في حجور المسلمين، وينشأون في بلادهم، فيتلقنون كلمة التوحيد من الآباء والأمهات، ويسمعون الأذان من المؤذنين، ويتلقون
القرآن من الأئمة في الصلوات، ومن المعلمين في المكاتب، فيستحكم حكم الدين في قلوبهم، ويعتقدون حسنه وصحته تقليدًا، فينتفعون به ويقتصرون عليه.
ودين الإسلام إذ كان موثوقًا بصحته، مشهودًا له بالفضل على كل دين سواه، فقد يجب على كل متدين به، أن يكون مصدر اعتقاده إياه عن نظر واستدلال، ليكون العلم به أصح، والوثيقة به أشد، وقد نصب الله تعالى الأدلة وأزاح بها العلة، ووسع من وجوهها، وكثر من عددها، فهي عل اختلاف مراتبها في الوضوح والغموض، معروضة للاستدلال بها، والاستشهاد بمواضعها، فلا أحد يعقل من آحاد الناس، إلا وله في جليها مستدل، وفي واضحها مستشهد، وإن كان نزل فهمه عن دقيقها ولطيفها، فالواجب على كل من الناس أن يبذل وسعه فيه، ويبلغ جهده في دركه، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾ [العنكبوت: 69].
فمن أوضح الدلالة على معرفة الله سبحانه وتعالى، على أن للخلق صانعًا ومدبرًا، أن الإنسان إذا فكر في نفسه رآها مدبرة، وعلى أحوال شتى مصرفة، كان نطفة ثم علقة، ثم مضغة؛ ثم عظامًا، ولحمًا، فيعلم أنه لا ينقل نفسه من حال النقص إلى حال الكمال، لأنه لا يقدر أن يحدث في الحال الأفضل، التي هي حال كمال عقله، وبلوغ أشده عضوًا من الأعضاء، ولا يمكنه أن
يزيد من جوارحه جارحة، فيدله ذلك على أنه في وقت نقصه، وأوان ضعفه عن فعل ذلك أعجز؛ وقد يرى نفسه شابًّا، ثم كهلًا ثم شيخًا، وهو لم ينقل نفسه من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم، ولا اختاره لنفسه، ولا في وسعه أن يزايل حال المشيب ويراجع قوة الشباب، فيعلم بذلك أنه ليس هو الذي فعل هذه الأفعال بنفسه؛ وأن له صانعًا صنعه، وناقلًا نقله من حال إلى حال، ولولا ذلك لم تتبدل أحواله بلا ناقل ولا مدبر.
فإن قيل: إن النطفة قديمة، وفيها قوة قابلة للاغتذاء، فإذا وقعت في الرحم، والطبائع معتدلة، قبلت بالقوة التي فيها الاغتذاء والتربية، حتى تستوي جارحة، ويتم بها خلقه.
قيل: لو كانت النطفة قديمة، كما زعمتم لم يجز عليها الانقلاب والتغير؛ لأن التغير والانقلاب من سمات الحدث، فبطل أن يكون المنقلب المتصرف قديمًا.
فأما ما ادعوه من قبول النطفة، بما فيها من القوة والاغتذاء والتربية، فإن ذلك لا ينكر، إذا صح العلم به من طريق العادات، ولكن الذي ننكره من ذلك، أن يكون هذا الفعل
للنطفة بذاتها، من غير مدبر دبرها لذلك، ولو كان هذا جائزًا من غير مدبر حكيم، عالم قدير، يعلم كيف يدبر النطفة، ويقلبها أطوارًا ويسوي منها السمع لما يصلح له، ويضعه في موضعه، والبصر في مكانه، الذي يليق به في البدن، وكذلك تعليق اليدين العاملتين في موضعهما، والرجلين الحاملتين في أخص المواضع بهما، ووضع كل شيء من القلب والكبد والطحال، وسائر الأجسام في الموضع الذي هو أملك به، وأشكل لما أعد له من الفعل، واليدين.
لجاز أن يرتفع الماء من [البئر] إليه، ويختلط بالطين، ويقع الطين في قالب اللبن، وينطبع به، ثم يرصف إلى موضع البناء، فيرتفع بعضه على بعض فينتضد حتى يكون بناءً رفيعًا محكمًا مشيدًا، من غير بان ولا رافع ساقًا على ساق؛ بل ينطبع الماء والتراب بنفسهما لا بشيء سواهما، فإن لم يكن هذا جائزًا، لأنه ليس من طبع الماء والتراب أن يكون منهما ما وصفت، فكذلك غير جائز تركيب الإنسان، وتصويره وتخطيطه على ما عليه الإنسان، من حسن الصورة، وعجيب التركيب، بنفس النطفة وطبعها.
ويجاز على هذا بطبع الخشب، وجود سفينة اجتمعت أجزاؤها واعتدلت،
وتماسكت وداخل بعضها بعضًا، وقربت من الساحل معها دقلها وآلاتها، يعبر من يريد العبور من السواحل، ثم تعود بنفسها إلى مركزها ومرساها كذلك.
ويجاز بطبع الماء والنار والتربة، أن يوجد حمام في أسفله نار وفي بيوته ماء على غاية الاعتدال في الحرارة والرطوبة، من غير بان بناه ومسخن سخنه، ومدبر دبره.
فإن لم يجز شيء مما ذكرناه، فليكن مثل ذلك ما ادعوه من النطفة واجتماع خلق الإنسان منها، من غير مدبر حكيم دبره وأحكمه.
فهذا الدليل يتضمن أن المحدثَ لا بد له من محدث، وأن ما فيه من الحكمة لا بد له من قاصد حكيم».
ثم ذكر دليلين في العالم:
أحدهما: حدوث ما يحدث لاختلاف الحركات الطبيعية الدالة على أنه بإرادة، -كما قد نبهنا أن الإرادة هي أصل جميع الحركات-.
الثاني: ما في العالم من الحكمة فقال: «دليل ثان: أنا رأينا أشياء متضادة من شأنها التباين والتنافر والتفاسد، مجموعة
في بدن الإنسان، وأبدان سائر الحيوان، وهي الحرارة والبرودة، فعلمنا أن جامعًا جمعها وقهرها على اجتماع وأقامها بلطفه، ولولا ذلك لتنافرت وتفاسدت، ولو جاز أن تجتمع المتضادات المتنافرات، وتتقاوم من غير جامع يجمعها، لجاز أن يجتمع الماء والنار، ويتقاوما من ذاتهما من غير جامع يجمعهما ومقيم يقيمهما، وهذا محال لا يتوهم، فتعين أنما كان اجتماعهما بجامع قهرهما على الاجتماع والالتئام.
دليل ثالث: أنك إذا تأملت هيئة هذا العالم ببصرك واعتبرتها بفكرك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه ساكنه من آلة وعتاد، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدوة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وضروب النبات مهيئة للمطاعم والملابس والمشارب، وصنوف الحيوان مسخرة للمراكب، مستعملة في المرافق، والإنسان كالمُمَلّك البيت المخول ما فيه، وفي هذا كله دلالة واضحة على أن العالم مخلوق، بتدبير وتقدير ونظام، وأن له صانعًا حكيمًا، تام القدرة بالغ الحكمة، وقد نبه كتاب الله عز وجل على هذا النوع من الاستدلال، فقال تعالى: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) ﴾ [الذاريات: 21] إشارة إلى أثارة الصنعة الموجودة في الإنسان، من يدين يبطش بهما، ورجلين يمشي بهما، وعين مبصرة، وأذن يسمع، ولسان يتكلم به، وأضراس تحدث له عند غناه عن الرضاع وحاجته إلى الغذاء، ومعدة
أعدت لطبخ الغذاء، وكبد يسلك إليها صفوه، وعروق ومعابر ينفذ منها إلى الأطراف، وأمعاء يرسب إليها ثقل الغذاء، ويبرز عن أسفل البدن.
وقال عز وجل: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) ﴾ [الغاشية: 17] الآية، هذا من قريب ما يستدركه العاقل من وجوه الأدلة، من غير كثير استقصاء في فعل ومعاناة بدقيق فكر؛ وذلك أنه خطاب للعرب؛ ومن سنة العربي أن يركب راحلته فيسير عليها فيما قرب من الأرض باغيًا حاجته، وفيما بعد عنها ظاعنًا في السفر في الحال يكثر في بلادهم، فإذا خلا بالمكان لم ير إلا سماءً فوقه وأرضًا تحته، وجبلًا عن يمينه وجبلًا عن شماله، ومطية هو راكبها.
فإذا تأمل هذه الأشياء استبان فيها أثر الصنعة ولطف الحكمة -مما جمع الله له من المرافق فيها- أن صانعها لطيف خبير، عالم قدير، حكيم عليم.
وقد قيل: إن الإبل خصت بالذكر من بين سائر الحيوان، وذلك أن الأنعام ضروبها أربعة: حلوبة، وركوبة، وأكولة، وحمولة.
والإبل تجمع هذه الخلال كلها.
وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ
السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } [البقرة: 164] فذكر خلق السموات بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، وسيرها في أفلاكها الذي يختلف الليل والنهار به، ويتبين زيادتهما ونقصانهما ودخول أحدهما على الآخر، وأخذ بعضها من بعض، فيكون بها انقسام فصول السنة، وتعاقب الحر والبرد، الذين بأحدهما: لقاح الشجر، وبالآخر: نضج الثمار، وذكر الله (الأرض) التي هي مسكن الحيوان والدواب، وفيها قرار البحار، التي تجمع المياه التي تحمل السفن والفلك، وذكر (الريح) التي تنشئ السحاب، وتجريها إلى حيث أذن لها أن تمطر، فيحيي بها البلاد والزرع والأنعام، وبها يجري الفلك والسفن في البحار، فتصلح بهذه الأمور معايش الناس وتكثر بها منافعهم، وباجتماع هذه الأمور ومعاونة بعضها بعضًا يتم صلاح أمر العالم وينتظم، وفي ذلك دليل على أن صانع العالم قادر حكيم عالم خبير.
ووقع ذكر هذه الأمور عقب قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) ﴾ [البقرة: 163] ليدل بها على صدق الخبر، عما قد يدلنا به من وحدانيته سبحانه.
وذكر رحمته ورأفته بخلقه، وطرق الاستدلال كثيرة، لكنا أخبرنا منها في الكتاب ما هو أقرب إلى الأفهام» وذكر تمام الكلام الذي كتبناه في موضعه.
واستدلال الناس من جميع الطوائف، بما يشهدونه في العالم من الحكمة والنعمة، والبرهنة على حكمة الرب ورحمته، وإرادته النعمة والإحسان، إلى عباده وعنايته كثيرة جدًا.
وإنما المقصود هنا: أن الفلاسفة يصرحون بذلك، وهم من أكثر الناس نظرًا في حكم الموجودات، وقد اعترفوا بما تقدم من أن هذه الموافقة تعلم ضرورة أنها من قبل فاعل قاصد لذلك مريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق فعلم أن نفيهم بعد ذلك كونه فاعلًا مختارًا تناقض منهم.
وأيضًا فلو لم يتناقضوا لكانت هذه الدلالة مع دلالة الاختصاص، كلاهما يدل على الإرادة، والاختصاص يدل على إرادة في نفس المفعول، وهذا يدل على الإرادة للمفعول ولحكمته.
فهذه ثلاث طرق.
وقد اعتذر ابن سينا ونحوه من المتفلسفة عن هذا فقال في «الإشارات» بعد أن ذكر حججه على نفي الفعل بالقصد والاختيار: ( «إشارة» لا تجد إن طلبت مخلصًا إلا أن تقول: إن تمثل النظام الكلي في العلم السابق، مع وقته الواجب اللائق، يفيض منه ذلك النظام على ترتيبه وتفاصيله معقولًا فيضانه، وهذا هو العناية، وهذه جملة تهتدي سبيل تفاصيلها).
وهذا الكلام أبعد ممن يقول بتخصيص العالم بوقت دون وقت، وصفة دون صفة، إنما كان لأن العلم القديم تعلق به على ذلك الوجه، كما قال ذلك طوائف من المتكلمين من الأشعرية وغيرهم، كما سيأتي بيانه.
مثل أن هؤلاء جعلوا العلم مخصصًا لما أريد، وهؤلاء المتفلسفة جعلوا العلم مخصصًا لما لم يرد عندهم.
والكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: لا نسلم أن هذا مخلصًا، ولا أنه واقع ولا ممكن، كيف نعلم أنه لا مخلص غيره، وهم لم يذكروا حجة على ذلك، ولا يمكنهم أن يقيموا عليه حجة أصلًا.
الوجه الثاني: أن يقال: العلم أبدًا تابع للمعلوم مطابق له، ثم قد يكون سببًا في وجود المعلوم، كالعلم بما يفعله العالم، مثلما ذكره من علم الرب تعالى بالنظام الكلي، وقد لا يكون سببًا، كالعلم بالأمور التي لا تكون بفعل الإنسان ولا بقصده، ثم من الناس -من المتفلسفة ونحوهم- من يجعل العلم مطلقًا صفة فعلية، أو يجعله هو وحده الموجب للمعلوم، وهو غلط كما سنبينه.
ومنهم -من المتكلمين وغيرهم- من يجعله أبدًا صفة
انفعالية مطابقة للمعلوم، لا يكسبه صفة ولا يكتسب عنه صفة، ويقول فيه وفي القول: ليس لمتعلقهما منها صفة ثبوتية، وهذا وإن كان أقرب إلى الصواب من القول الأول ففيه تقصير؛ بل الصواب أنه يجتمع في جنسه الأمران، إذ الأولون يسلمون أنه عالم بنفسه، وهذا ليس مؤثرًا في المعلوم، والآخرون يقولون: الإرادة مشروطة بالعلم، وهذا اعتراف بتوقف المفعول عليه؛ لكن المقصود الكلام في العلم الذي له تأثير في المعلوم وهو العلم العملي، فنقول:
من الأمور المعلومة بالفطرة البديهية الضرورية، أن الإنسان إذا عمل عملًا بإرادته، يجد من نفسه أنه يكون شاعرًا بما يريد أن يفعله، وأنه مع الشعور لا بد أن يكون مريدًا، ولا بد مع هذين أن يكون قادرًا عليه، ويجد من نفسه أن إحساسه وشعوره يقتضي إرادة الفعل ومحبته، وأن له شعورًا بما يفعله لأجله، وشعورًا بالحب والإرادة التي في نفسه لذلك المطلوب، وشعورًا بالفعل الذي يتوصل به إليه.
فهذه أربع حقائق: مراد مطلوب بالفعل؛ وإرادة في النفس له، وفعل موصل إليه، وإرادة لذلك الفعل، كالطعام مثلًا، والشعور يتعلق بهذه الأربعة، فإنه إذا أخبر بالطعام وهو جائع أحس من نفسه بشهوته ومحبته، فأراد أكله، ومقصوده بذلك وجود لذة الأكل ودفع ألم الجوع؛ وهو يفرق بين نفس الأعيان واللذة بها وبين إرادة ذلك، ثم يريد الأكل الموصل إلى المطلوب، ويفعل هذا الفعل.
وهكذا في شهوة النكاح، وهكذا في جميع الأفعال من العبادات وغيرها، والعلم سابق للإرادة
والعمل في ذلك كله.
فإنه مثلًا يعرف الله تعالى وثوابه وعقابه، فيصير في قلبه محبة له أو لثوابه الملائم له.
فالله تعالى هو مقصوده ومعبوده، وهو يريد التنعم بما يحصل له من النعيم، المتعلق بذاته تعالى، كالنظر إليه أو من مخلوقاته، مثل موجودات الجنة، فكلاهما مقصود له، وقصد هذا مستلزم هذا، كتلازم قصد الأعيان المطعومة، وقصد لذة الأكل، ثم يريد الأعمال الموصلة إلى ذلك ويعملها.
ومن المعلوم أن نفس العلم بالمعقولات لا يغني عن إرادة ذلك والقدرة عليه، فمن ادعى أن مجرد العلم هو كاف في حصول المعلومات، كان مكابرًا مباهتًا؛ فإنه في المشاهد منتف قطعًا، وأما في الغائب فغايته أن يعلمه بنوع شيء: قياس الشمول، أو التمثيل.