بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 42-81
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء السادس

صفحات 42-81
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

المعنى واسجد لله وعلى هذا التقدير فلا يكون في ذلك مخالفة لظاهر القرآن ولا لمضمره أيضًا وإذا كان الاقتراب من الله غير ممكن بل من الممكن الاقتراب إلى ثوابه وكرامته أو غير ذلك كان هذا هو المضمر ابتداء وعلى هذا التقدير أيضًا فلا يكون قد خولف ظاهر القرآن فعلى التقديرين لم نترك ظاهر القرآن فدعواه ترك ظاهره دعوى باطلة وهذا بيِّنٌ لا مندوحة عنه الوجه الثالث قوله هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية لا يدل على أنه مخالف للظاهر كما لم يدل على المقترب إليه فمن المعلوم أن المُقْتَرِبَ إلى الله إنما يَقْتَرِبُ بطاعته وعبادته التي من جملتها السجود وهو أعظم العبادات البدنية الفعلية لكن إذا قال قائل التقرب بالطاعة والعبودية لم يكن قد بيَّن المتقرب إليه ولا بيَّن أن ظاهر

التقرب غير مراد فقوله القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية كلام لا يليق بمورد النزاع ولا يتناول المقصود الوجه الرابع أن يقال التقرب سواء كان بالعبادة والطاعة أو بغير ذلك لابد له من متقرَّب إليه فإن القرب من الأمور المستلزمة للإضافة فلابد فيه من متقرب إليه وهو لم يذكر المتقرب إليه من هؤلاء في النص ولا في كلامه ليبين أن الظاهر من النص متروك وظهر أن كلامه كلام من لم يتصور ما يقول الوجه الخامس أن يقال إن هذا التقرب إذا لم يكن إلى الله تعالى فإلى من هو فإن قال إلى الطاعة والعبادة قيل له الطاعة والعبادة نفس فعل العبد الذي هو الاقتراب والمسئول عنه ما يتقرب إليه لا ما يتقرب به فما هذا

المتقرب منه وإن قال المتقرب إليه هو ثواب الله قيل له ثواب الله في الآخرة هو الجنة وفي الدنيا ما يجده من النعم ومن المعلوم أن الساجد لم يتقرب إلى الجنة إلا كما يتقرب إلى الله تعالى فإنه لم يقطع ببدنه مسافة بينه وبين الجنة وإذا كان كذلك كان المحذور الذي فرَّ إليه المتأول من جنس ما فر منه وأما ثواب الدنيا فيقال أولاً ليس ذلك بلازم فمن المتقربين من لا يثاب إلا بعد الموت ويقال ثانيًا ليس في مجرد السجود تقرب إلى نفس الأجسام التي ينعمه الله بها فإن تلك قد تكون غير معلومة للعبد ولو كانت معلومة لم يكن التقرب إليها مقدوراً له بل إثباتها بقدرة الله ومشيئته فكيف يكون العبد متقربًا إليها الوجه السادس أن قوله فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود يقال له يحتاج أن نُبَيِّن أن ظاهر الخطاب هو الاقتراب بنفس السجود والقرآن إنما فيه وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)

[العلق 19] وأنت لم تبين أن ظاهره الاقتراب بالسجود واعلم أنا نحن لا ننازع في السجود يكون بع اقتراب كما لا ننازع في أن الاقتراب إلى الله ولكن نحن كل ما نقوله لا ندعي أنه يخالف ظاهر القرآن بل إما أن يكون ظاهر القرآن دالاًّ عليه أو هو معلوم من ظاهر القرآن ومن دليل آخر أو معلوم من دليل لا يعارضه ظاهر القرآن الوجه السابع أن يقال له المعلوم بالضرورة أنه لا يكون اقتراب فعلي إلا الاقتراب بالجهة أي شيء كان المتقرب إليه فإذا أمر العبد أن يقرب إلى شيء أو يتباعد عنه أو يتقرب من شيء أو يتباعد عنه لم يعقل إلا الاقتراب والتباعد بالجهة وكذلك إذا قيل فلان قد تقرب إلى كذا أو تباعد منه فالمعلوم بالضرورة أن التقرب بالأفعال لا يكون إلا اقتراباً بالجهة

فإن قيل فقد يقال هذا قريب من هذا بمعنى أنه مشابه له قيل عنه جوابان أحدهما أن هذا قرب في الصفات ونحن قلنا التقرب بالأفعال الثاني أن القرب هاهنا بالجهة أي هذا مكانه ومكانته قريب من هذا كما بسطنا هذا الكلام في موضعه فإن قيل القرب والبعد لا يعقل إلا للأجسام قيل وجميع ما يوصف به الرب مثل العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والرحمة والغضب والرضا والسخط والإرادة والمحبة والفعل وغير ذلك لا يعقل إلا للأجسام سواء بسواء فنفي إحدى الصفات بمثل هذا الكلام كنفي سائر الصفات وذلك باطل بالاتفاق ويقال هنا جواب مركب وهو أن هذه الصفات إما أن

تكون في نفس الأمر لا تقوم إلا بما هو جسم أو لا تكون فإذا كان الأول لم يكن القول بالجسم باطلا على الإطلاق ولم يصح نفي الجسم مطلقًا بل يُنفى الباطل وإن كان الثاني كان قولهم هذه الصفات لا تكون إلا للأجسام قولاً باطلاً فهذا الكلام يبين بطلان إحدى المقدمتين لا بعينها وأيهما بطلت بطلت هذه المعارضة العقلية القياسية التي

تزعمون أنها توجب تأويل النصوص الوجه الثامن قوله فإن هذا القرب ليس إلا بالطاعة والعبودية فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود يقال هذا الكلام تضمن إثبات القرب الأول ونفي الثاني وأنهما متناقضان متضادان وليس فيما ذكرته بيان تناقضهما فإن كون القرب بالطاعة والعبودية لا ينافي كونه بالجهة إذ الطاعة هي فعل المقترب والجهة مكان فعله ولا منافاة بين الفعل والمكان فإن يُثْبِت قربًا ينافي قرب الجهة كان كلامه باطلاً وهذا ممتنع فليس في شيء من أنواع القرب ما ينافي قرب الجهة إذ القرب مستلزم الجهة الوجه التاسع قولك القرب بالجهة معلوم بالضرورة أنه

لا يحصل بسبب السجود يقال تدعي أنه لا يحصل إلى الله أو لا يحصل إلى الله ولا إلى غيره فإن كان المدعى هو الثاني فهذا تعطيل للنص لا تأويل فإنك إذا ادعيت أن القرب لا يتصور إلى شيء من الأشياء بالجهة امتنع أن يكون العبد متقربًا إلى شيء من الأشياء وتسمية العمل الذي ليس فيه قرب إلى شيء تقربًا لا يكون لا حقيقة ولا مجازًا فيكون باطلاً ويكون قلبًا للغة وتبديلاً لها وإن ادعى أن القرب يحصل إلى غير الله بالجهة كان قوله إن القرب بالجهة يعلم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود إطلاقاً باطلاً بل كان عليه أن يقول لا يحصل إلى غير الله وإذا قال ذلك قيل له لا فرق بين كون السجود مقربًا بالجهة إلى الله أو إلى غيره وهذا الوجه بيِّنٌ ظاهر فإنه بين أمرين إما أن يسمى ما ليس فيه تقرب بوجه من الوجوه تقربًا وإما أن يخالف ما ادعاه من العلم الضروري

وعلى التقديرين فهو يبطل بل مضمون قوله إنه زعم أن القرآن باطل بالضرورة الوجه العاشر أن يقال بل التقرب إلى الله بالسجود حق كما دلت عليه النصوص مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأخبر أن العبد يقرب من ربه وأنه أقرب ما يكون العبد في سجوده وقال في الحديث الآخر أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل الآخر فهذا قرب الرب من عبده وذاك قرب العبد من ربه وقوله تعالى وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) [العلق 19]

يدل على ذلك لأن قوله وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) ذكر بعد قوله اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) إلى قوله أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (10) إلى قوله كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) [العلق 19] ومعلوم أنه ذكر الصلاة لله وأمر بالسجود لله فقوله وَاقْتَرِبْ (19) [العلق 19] أيضًا أمر بالاقتراب إلى الله وحذف مثل هذا المفعول للاختصار كثير في كلام العرب لدلالة الكلام ودلالة الحال عليه فإنه إذا كان قد أمره أن يقرأ باسم ربه الذي خلق فَلأن يكون السجود له والاقتراب إليه أولى وأحرى وأمره بالاقتراب مطلق لا يتقيد بالسجود بل يكون الاقتراب بالسجود وبغير السجود وإن كان العبد أقرب ما يكون من ربه إذا كان ساجدًا ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

قال يقول الله تعالى من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه ولايزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه فإذا أحبَبْتُهُ كنت سمعه الذي يسمع به وبَصَرَه الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي ولئن سألني لأعطينه ولأن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله تَرَددِي عن قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له منه

وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ومن تقرب إليَّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا ومن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعًا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة وذكر التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة كثير في الأحاديث وقد قال تعالى في كتابه أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ

[الإسراء 57] وابتغاء الوسيلة إلى ربهم أيهم اقرب هو طلب التقرب إليه وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة 35] وقال تعالى وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) [سبأ 37] وقال تعالى وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) [الواقعة 10-12] وقال فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) [الواقعة 88-89] وقال وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) [المطففين 27-28] فوصف خير الأصناف الثلاثة من عباده بأنهم المقربون

وقال تعالى في موسى وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) [مريم 52] وقال في داود وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (25) [ص 25] والزلفى هو القرب وفي الأثر المحفوظ عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال يدنيه حتى يَمَسَّ بعضه رواه حماد بن

سلمة والثوري وسفيان بن عيينة عن ابن أبي

نجيح عن مجاهد وقال في أم المسيح يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) [آل عمران 45] وقال في الملائكة لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) [النساء 172] وهذا أمر مستقر في الفطر حتى المشركين الذين يعبدون الأوثان أخبر عنهم بقوله تعالى وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر 3] والله لم ينكر على المشركين طلب التقرب إلى الله تعالى وإنما أنكر عليهم أنهم اتخذوا أولياء من دونه يتقربون

بعبادتهم إليه وهو تعالى لم يشرع ذلك ولم يأمر به بل إنما يُتَقَرَّبُ إليه بعبادته وحده لا شريك له فأما قوله فأما القرب بالجهة فمعلوم بالضرورة أنه لا يحصل بسبب السجود فيقال له المعلوم بالضرورة أن جسد الإنسان لا يرتفع في السجود إلى فوق وليس قربه مجرد قرب جسده كما أن تقارب بني آدم وتباعدهم ليس بمجرد قرب الجسد وبعده بل كما قال قائلهم وإن كانت الأجساد منا تباعدت فإن المدى بين القلوب قريب وذلك أن قلوب بني آدم وأرواحهم لها قرب وبعد وحركة وصعود وهبوط ومكانة كما أن الجسد له كذلك والناس يحس أحدهم بقرب قلب بعض الناس من قلبه وبعده منه فالساجد إذا سجد يتقرب قلبه وروحه إلى الله تعالى نفسه وكذلك الأعمال الصالحة جميعها التي يتقرب بها إلى

الله تقرب بها روحه وقلبه إلى الله نفسه فإذا كان في الدار الآخرة قرب جسده أيضَا مع قلبه ورفع بعضهم فوق بعض درجات وظهر في الدار الآخرة ما كان باطنًا في الدنيا وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ولو قال قائل إن السجود وغيره من الأعمال الصالحة هي تورث القرب إلى الله تعالى كما قال وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ [آل عمران 133] والمغفرة والجنة ليست من أفعالهم لكن المسارعة إليها هو بالمسارعة إلى الأعمال الصالحة الموجبة لذلك فكذلك الأمر بالاقتراب إلى الله تعالى هو أمر بالأعمال الموجبة لذلك فكان في هذا الكلام ما يَرُد على المنازع ويمنع أن يكون ظاهر القرآن ضلالاً

يقرر ذلك أن الله تعالى قد أخبر في غير موضع من كتابه بانتهاء العباد إليه عمومًا وخصوصًا فقال يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) [الانشقاق 6] فذكر أنه كادح إليه وأنه ملاقيه وقال تعالى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) [الأنعام 38] وقال تعالى وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) [المائدة 48] وقال كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8) [العلق 6-8] وقال تعالى إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) [الغاشية 25-26] وقال تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) [الأنعام 60-62] وقال تعالى وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ [الأنعام 94] وقال وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) [يونس 46] وقال فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ

فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) [غافر 77] وقال وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) إلى قوله تعالى وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا [الأنعام 27-31] فأخبر أنهم يقفون على ربهم وأخبر أن الذين كذبوا بلقاء الله خاسرون وقال تعالى وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (10) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11) وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) [السجدة 10-12] فذكر كفرهم بلقاء ربهم وذكر أنهم يرجعون إلى ربهم بعد الموت وذكر أن المجرمين ينكسون رؤوسهم عند ربهم وقال وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) [البقرة 45-46] وقال فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) [الكهف 110] وقال تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44) [الأحزاب 44] وقال الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ

مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) [البقرة 156-157] وقال يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) [القيامة 10-13] وقال إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) [القيامة 30] وقال يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30) [الفجر 27-30] وقال إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إلى قوله إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا إلى قوله تعالى فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) إلى قوله وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس 13-15] وقال وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) [الأنعام 51] وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه

يقول يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة حتى يضع كَنَفَهُ عليه فيقول هل تعرف فيقول أعرف ربِّ فيقول هل تعرف فيقول أعرف رب فيبلغ من ذلك ما شاء الله فيقول الله إني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أسترها عليك اليوم قال وأما الكافر أو المنافق فينادى عليهم على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين

وقد ذكر سبحانه وتعالى السعي إليه في الدنيا كقوله تعالى عن الخليل صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84) [الصافات 84] فقال الخليل صلى الله عليه وسلم وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) [الصافات 99] وقال موسى صلى الله عليه وسلم وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) [طه 84] وقول المسيح صلى الله عليه وسلم مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ [آل عمران 52] وفي الصف قال تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) [الذاريات 50] وقال تعالى وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر 54] وقال وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) [النور 31] وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم 8] وقال المؤمنون رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ

أَنَبْنَا [الممتحنة 4] وقال وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) [الشورى 10] وقال تعالى اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) [الشورى 13] وقال وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (30) [الرعد 30] وقول نبينا صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه

وفي الحديث الذي علمه البراء بن عازب اللهم إني أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وألجأت ظهري إليك وفوضت أمري إليك رغبة ورهبة إليك لاملجأ ولا منجا منك إلا إليك وفي حديث المباهاة يوم عرفة يقول الله تعالى انظروا

إلى عبادي أتوني شعثًَا غبرًا ما أراد هؤلاء والسجود هو نهاية خضوع العبد وتواضعه والعبد كلما تواضع رفعه الله كما في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله

فالمتواضع لله الذي ذلَّ واستكان لله تعالى لا لخلقه يكون قلبه قريبًا من الله فيرفعه الله بذلك فهو في الظاهر هابط نازل وفي الباطن وهو في الحقيقة صاعد عالٍ كما في مسند الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو محفوظ عن عمر موقوفًا قال ما من أحد إلا وفي

رأسه حَكَمَة فإن رفعَ رأسه قيل له انتكس نَكَسَكَ الله وإن طأطأ رأسه قيل له انتعش نَعَشَكَ الله

فالمتكبر الذي يطلب الاستعلاء يعاقب بأن يخفضه الله وينكسه والمتواضع الذي يتواضع لله فيطأطئ رأسه لله يثيبه الله بأن ينعشه ويرفعه وكل هذه أمور حقيقية وسنبسط الكلام إن شاء الله على ذلك في الكلام على نصوص العلو وما يتبعه

فصل قال الرازي السدس قوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] وقال تعالى وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) [الواقعة 85] قلت أما آية القرب فهي نظير قوله وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) [ق 16] وقد تقدمت وأما قوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] فلم يذكر من أي وجه يجب مخالفة ظاهر الآية وكأنه يقول ظاهرها أن نفس صفة الله ثَمَّ وصفة الله لا تكون ثَمَّ والكلام على هذه الآية من وجوه أحدها أن يقال نحو ما ذكرتُه في بعض المجالس فإن هذه الآية هي التي أوردها عليّ بعض أكابر

الجهمية لما ذكرت أن السلف لم يتأولوا آيات الصفات وأخبارها وجرى في ذلك مناظرة مشهورة وكانوا أيامًا يكشفون الكتب ويطالعون ما قدروا عليه ويفتشون الخزائن حتى وجدوا ما زعموا أنهم يعارضون به فلما اجتمعنا في المجلس الثاني أو الثالث قال ذلك الشخص قد وجدنا عن السلف أنهم تأولوا فقلت لعلك قد وجدت قولهم في قوله تعالى فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] أي قبلة الله فقال نعم فقلت هذا معروف عن مجاهد والشافعي

وغيرهما وهذا حق ولكن ليس هو من باب التأويل فإن لفظ الوجه ظاهر هنا في الوجهة على قول هؤلاء وقد قال تعالى وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة 148] فأخبر أن الوجهة يوليها العبد أي يتولاها أي يستقبلها ويقولون أي وجه تقصد أَيْ أَيّ وجهة تقصد وفلان قد قصد هذا الوجه وجاء من هذا الوجه أي الوجهة والجهة وهو قد قال وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة 115] وهذه هي الجهات ثم قال فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] أي تستقبلوا فإن ولى هنا فعل لازم بمعنى تولى واستقبل وإن كان يستعمل أيضًا متعديًا فقد قرئ هُوَ مُوَلِّيهَا وهو مُولَّاها

وهذا كما يقال وجه وتوجه وقدم وتقدم وبين وتبين فالمعنى أينما تستقبلوا فثم وجه الله أي مكان تستقبلوه فهنالك وجه الله والمقصود بهذا الكلام أن من قال من السلف والأئمة لم يقولوه لأنهم ينفون وجه الله الذي يراه المؤمنون في الآخرة ل قالوه لأن ذلك ظاهر الخطاب عندهم لأن لفظ الوجه مشهور أنه يقصد به الجهة والقبلة هي الجهة وقد اخبر أن وجهه ثم أي في ذلك المكان وهذا يناسب أن يكون قبلته في ذلك المكان لأن صفته ليست في مكان فهذا القول ليس عندنا من باب التأويل الذي هو مخالفة الظاهر أصلاً وليس المقصود نصر هذا القول بل بيان توجيهه وأن قائليه من السلف لم يكونوا من نفاة الصفة ولا ممن يقول ظاهر الآية ممتنع ثم يقال هنا جواب مطلق وهو أن الوجه يراد به الجهة ولا يكون ذلك خرفًا لظاهر الخطاب إذ كان ذلك

مبينًا في الكلام كقول أنس في حديث الاستسقاء فلم يقدم أحد من وجه من الوجوه إلا أخبر بالجود فهذه الآية إما أن يكون ظاهرها أن وجه الله الذي هو الصفة ثم أو يكون ظاهرها أن الذي ثم هو القبلة

المخلوقة فقط أو يكون ظاهرها أن كلاهما ثم أو تكون مجملة تحتمل الأمرين فإن كان ظاهرها هو الأول أقرت على ظاهرها ولا محذور في ذلك ومن يقول هذا لا يقول إن وجه الله هو نفسه في نفس الأجسام المستقبلة فإن هذا لا يقوله أحد من أهل السنة بل يقول فثم إشارة إلى البعيد وقوله فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا [البقرة 115] أي أينما تستقبلوا والعبد إذا قام إلى الصلاة فإنه يستقبل ربه والله يقبل عليه بوجهه ما لم يصرف وجهه عنه كما تواترت بذلك الأحاديث الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه وإذا

كان كذلك فقد أخبر أنه أينما استقبل العبد فإنه يستقبل وجه الله فإن ثم وجه الله فإن الله فوق عرشه على سمواته وهو محيط بالعالم كله فأينما ولى العبد فإن الله يستقبله وعلى هذا فقوله ثم إشارة إلى ما دل عليه أينما وهو المستقبل وهذا مبسوط في غير هذا الموضع وإن كان ظاهرها أن الذي ثم هو القبلة المخلوقة فقط لم تكن مصروفة عن ظاهرها إذا فسرت بذلك وتوجيه ذلك أن يقال قوله فثم إشارة إلى مكان وجود والله تعالى فوق العالم ليس هو في جوف الأمكنة لكن يرد على هذا أن يقال لو أراد الله ذلك لقال فأينما تولوا فوجهوا الله لأنه إذا لم يرد بالوجه إلا الجهة المستقبلة فهي التي تولى كما قال وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [البقرة 148] فأخبر أن العباد يولون نفس الوجهة فإذا كان المراد بالوجه الوجهة قال فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115]

أي فهو قبلة الله وقد يؤكد ذلك بأن يقال لفظ الوجه وإن كان مراده الجهة لكن الله إنما سمى القبلة في كتابه وجهه لم يسمها وجهًا فيفسر القرآن بعضه ببعض ويقال أيضًا إذا كان المراد ليس هو إلا أن هناك قبلة مخلوقة لله فهذا قد عرف بقوله وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة 115] وأما إن قيل إن ظاهرها يتناول الأمرين وقول مجاهد وغيره لا ينافي ذلك فإن القبلة ما يستقبله المصلي وقد ثبت بالنصوص المتواترة أن المصلي يستقبل ربه وهو أيضًا يستقبل القبلة المخلوقة القريبة منه وهي السترة والبعيدة عنه وهي الكعبة مثلاً فإن كلاهما يسمى قبلة إذ القبلة ما يستقبل فيكون على هذا قوله فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] أي فثم جهته التي يصلي إليها وثم وجهه الذي يستقبله المصلي وكل ذلك موجود في توجه العبد وليس في ظاهر القرآن أن الله تعالى في جوف المخلوقات وإنما قال فثم وهذا إشارة إلى ما استقبل

فتناول العالم وما وراءه وما فوقه فإن ذلك كله يستقبله العبد ومن قال هذا قال إن الله ذكر هذا الموضع بلفظ الوجه لا بلفظ الجهة والكلام هو في استقبال القبلة في الصلاة فلا يجوز حمل الآية على أحد المعنيين دون الثاني وقد تقدم بيان أنه لا يجوز حمله على الوجهة فقط وكذلك لا يجوز حمله على صفة الله فقط لأن المقصود بالآية بيان جواز استقبال تلك الجهة في الصلاة فلابد من دلالتها على هذا الحكم يوضح ذلك أن المصلي إنما مقصوده التوجه إلى ربه وكان من المناسب أن يبين له أنه إلى أي الجهات صليت فأنت متوجه إلى ربك ليس في الجهات ما يمنع التوجه إلى ربك فجاءت الآية وافية بالمقصود فقال وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [البقرة 115] فأخبر أن الجميع ملكه وهو خَلْقه وقد علم بالفطرة والشرعة أن الرب فوق خلقه ومحيط به فدل ذلك على أن من استقبل شيئًا من المشرق أو المغرب فإنه متوجه إلى ربه كسائر ما يستقبله والله قبل وجهه إلى أي جهة صلى لأنه فوق ذلك كله ومحيط بذلك كله الوجه الثالث أن يقال بل هذه الآية دلت على الصفة

كغيرها وذلك هو ظاهر الخطاب وليست مصروفة عن ظاهرها وإن كانت مع ذلك دالة على استقبال قبلة مخلوقة ويجزم بذلك فلا نسلم أنها مصروفة عن ظاهرها ولفظ الوجه هو صفة الله فما الدليل على وجوب تأويلها وقوله فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [البقرة 115] فيه الإشارة إلى وجه الله بأنه ثم والله تعالى يشار إليه كما تقدم تقرير هذا الوجه الرابع أن يقال أنت ادعيت أن جميع فرق الإسلام يقرون بالتأويل وذكرت هذه الآية للاحتجاج بذلك فإن لم يكن تأويلها متفقًا عليه لم ينفعك ذكرها ومعلوم عدم الاتفاق

على ذلك فإن كثيرًا من أهل الإثبات بل أكثرهم جعلها من آيات الصفات مع قولهم إن الله فوق العرش خارج العالم كما تقدم بيانه وسواء كان قولهم حقًّا أو باطلاً لا إجماع معك وإن ادعيت وجوب التأويل بدليل آخر لم ينفعك في هذا المقام

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل