بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلاميةصفحات 82-121
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء السابع

صفحات 82-121
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن تيمية
الكتاب
بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
المؤلف
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
المحقق
مجموعة من المحققين
الناشر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
الطبعة
الأولى، 1426هـ
عدد الأجزاء
10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور

وأما نقلهم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال أتى بظلل من الغمام بمعنى أنه يرسلها ولا يجيء هو فهذا كذب على ابن عباس ولم يذكروا له إسنادًا وقد روي عن ابن عباس من وجوه أنَّ الله نفسه يجيء كما رواه عثمان بن سعيد قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حمَّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن يوسف بن

مهران عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) [الفرقان 25] قال ينزل أهل السماء الدُّنيا وهم أكثر من أهل الأرض ومن الجن والإنس فيقول أهل الأرض أفيكم ربنا فيقولون لا وسيأتي ثم تشقق السماء الثانية وساقه إلى السماء السابعة قال فيقولون أفيكم ربنا فيقولون لا وسيأتي ثم يأتي الرب تبارك وتعالى في الكروبيين وهم أكثر من أهل السموات والأرض

قال وحدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن عوف عن أبي المنهال عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضي الله عنهما قال إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم فإذا كان ذلك قبضت هذه السماء الدنيا على أهلها فنشروا على وجه الأرض فإذا أهل السماء الدنيا أكثر من جميع أهل الأرض فإذا رآهم أهل الأرض فزعوا وقالوا أفيكم

ربنا فيقولون ليس فينا وهو آت قال ثم يقبض أهل السماء الثانية وساق إلى السماء السابعة قال فلأهل السماء السابعة وحدهم أكثر من أهل ست سموات ومن جميع أهل الأرض بالضِّعف قال ويجيء الله تعالى فيهم والأمم جثيًّا صفوف قال فينادي منادٍ ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم وسيأتي إن شاء الله تعالى تقرير ذلك في تفسير إتيان الله تعالى إذ ليس هذا موضعه الوجه الثالث أن قوله فيأتي الله في صورته التي يعرفون وقوله فيأتيهم الله في صورة غير صورته وقوله أتاهم ربُّ العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها أول مرة وفي صورة غير صورته التي رأوه فيها أول

مرة ونحو ذلك لو احتمل أن يكون بمعنى فيأتيهم بصورة فقد تقدم أن لفظ الصورة المضاف إلى شيء هو من باب الإضافة النفسية لا الخلقية كما تقدم بيانه لأن الإضافة الخلقية تكون قيما هو قائم بنفسه كما في قوله ناقة الله بيت الله أرض الله ونحو ذلك مما فيه دلالة على أنه منفصل عن المضاف إليه ولكن هو يحسن به وأما الصفات مثل العلم والقدرة ونحو ذلك فإذا أضيف كانت إضافته إضافة نفسية إذا لم يتبين خلاف ذلك إذ لم يُعلم أن هذه الأمور تقوم بنفسها والصورة هي قائمة بذي الصورة فليست من الأعيان المنفصلة عن المضاف إليه حتى تجعل بمعنى الملك فلا يمكن أن تكون صورة الله التي يأتي فيها مخلوقًا منفصلاً عنه يبعثه وهو لا يأتي الوجه الرابع أنه قد قال فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا وفي لفظ أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها أول مرة فيقول أنا ربكم ومعلوم أن أحدًا من الملائكة لا يقول للخلق أنا ربكم بل لا يدَّعي هذه الدعوى إلا كافر بالله

تعالى كفرعون والدجال والشيطان بل الملائكة عباد مطيعون للَّه تعالى لا يدعون الربوبية ولا الألوهية كما قال تعالى وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29) [الأنبياء 29] ولا يأمر الله أحدًا من الخلق أن يقول لجميع العباد أنا ربكم فإنه تعالى لا يأمر بالشرك ومن زعم أن الله يأمر بهذا فهو مفتر على الله وإن كان الملك يقوله امتحانًا فهذا لا يصلح كما لا يصلح أن يقول أحد من الأنبياء والمرسلين للناس أنا ربكم على سبيل الامتحان وأمَّا ما ذكره من امتحان النَّاس في عرصات القيامة فلا ننكره فإنَّ المحنة إنَّما تنقطع بدخول دار الجزاء الجنة أو النار فأمَّا عَرَصَات القيامة فإنَّ المحنة في هذا وفي أمره لهم بالسجود وفيما ورد من تكليف من لم يكلَّف في الدنيا من الأطفال والمجانين كما أنَّهم يُمتَحَنُونَ في قبورهم بمسألة منكر

ونكير لكن المحنة من الملَك أن يقول للعبد من ربُّكَ ومن نبيُّكَ الوجه الخامس أنَّه لو كان الممتحن لهم في الآخرة ملكاً من الملائكة لقال لهم من ربُّكم وما تعبدون ولقال لهم هلا تذهبون مع ربِّكم إذ من الممكن أن يُظهر لهم صورة ويقول لهم ملَكٌ هلاَّ تذهبون مع هذه الصُّورة كما أنَّه في أوَّل الحديث قال فأذَّن مؤذّنٌ ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلو كان

المخاطب لهم عن الله لقال لهم ما يصلح له كما في نظائر ذلك ولكن من شأن الجهميَّة أنَّهم يجعلون المخاطب للعباد بدعوى الربوبيَّة غير الله كما قالوا إنَّ الخطاب الذي سمعه موسى بقوله إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [طه 12] كان قائما بمخلوق كالشجرة وكما قال في قوله من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له إنه يقول هذا ملك من الملائكة وكما زعم هذا المؤَسسُ في قوله تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] إن ربه ملك من الملائكة وهذا كُلُّه من الكفر والإلحاد الوجه السادس أنه قال فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وهذا نص في أنهم رأوا الله قبل هذا الخطاب في صورة غير هذه الصورة فلو كان المخاطب لهم ملكا لكان المرئي قبل ذلك هو الملك لا الله والحديث نص في أنهم رأوا الله قبل هذه المرة

الوجه السابع أنه قال فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه وفي الحديث الآخر حتى إذا لم يبق إلاَّ من كان يعبد الله من بر وفاجر أتاهم الله في أدنى صورة من التي رأوه فيها وفي رواية إنا سمعنا مناديًا ينادي ليلحق كل قوم بما كانوا يعبدون وإنما ننتظر ربنا فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وفي رواية أتلهم الله رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها فيقال ماذا تنتظرون فيقولون فارقنا الناس أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ونحن ننتظر ربنا الذي كنا نعبد فيقول أنا ربكم فيقولون لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساقه فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه

إلا أذن الله له بالسجود ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة كُلَّما أراد أن يسجد خر على قفاه ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في الصورة التي رأوه فيها أول مرة فقال أنا ربكم فيقولون أنت ربنا وهذا صريح بأن الذي أتاهم وقال أنا ربكم هو الذي أراهم العلامة حتى عرفوه فسجدوا له بعد ذلك وعرفوا أنه رب العالمين ولو كان القائل أنا ربكم ملكًا لكان الملك هو الذي اعترفوا آخرًا أنه رب العالمين وهو الذي سجدوا له وهذا من أعظم الكفر والضلال الوجه الثامن أن قوله فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا وأنه يبدي العلامة التي ذكرها فيسجدون له صريح بأن الذي يسجدون له قد جاء في الصورة التي يعرفون ويتجلى لهم في الصورة التي رأوه فيها أول مرة وذلك صريح بأن الله هو الآتي في الصورة التي عرفوه فيها وسجدوا له لما عرفوه الوجه التاسع قوله يحتمل أن يكون المراد إذا جاء إحسان ربنا عرفناه وقوله فيأتيهم الله في الصورة التي

يعرفون معناه فيأتيهم الله بالصورة التي يعرفون أنها من أمارات الإحسان فيقال له هذا أولاً باطل فإن المراد إذا كان المعرفة بآياته فهو يظهر آيات العقاب تارة وآيات الإحسان تارة وهو الخالق لكل شيء وقد قال تعالى لما ذكر ما ذكره في صورة النجم فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) [النجم 55] وكذلك لما ذكر آياته في سورة الرحمن وقال تعالى إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا [النمل الآيات 91-93] وقال تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت 53] وإذا كانت معرفة الله بالآيات ليست موقوفة على الإحسان بطل هذا الوجه العاشر أن يُقال فلم لم يظهر لهم بعد ذلك شيئًا من الإحسان غير تجلِّيه هو فلو كان المراد إحسانه لوجب أن لا يعرفوه حتى يخلق شيئًا من نعمه في العرصَة قبل معرفتهم له وسجودهم له ولما عرفوه وسجدوا له قبل أن يخلق شيئًا من ذلك عُلِمَ أنَّه ليس المراد فإذا جاء إحسان ربنا عرفناه

الوجه الحادي عشر أن يُقال حَملُ قوله فيأتيهم في صورته التي يعرفون على إحداثه بعض المخلوقات باطل من الوجوه المتقدمة في قوله فيأتيهم الله في صورة أي بصورة هي ملك من الملائكة الوجه الثاني عشر أنَّه قد تقدم انه إذا قال أولا أنا ربكم فيقولون لا نشرك بالله شيئا أو نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتَّى يأتينا ربُّنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن له بالسجود إلى آخره فقد صرح بأن الآية التي عرفوه بها وهم قد ذكروا في تأويل ذلك أن المراد به إظهار الشدَّة يوم القيامة فيكون تأويلهم لذلك بأن الآية التي يعرفونه بها حتى يسجدوا له هي الإحسان كلامًا متناقضًا متهافتًا حيث جعلوا ما يتوقف معرفته به هو الإحسان وجعلوه هناك الشدَّة والعذاب الوجه الثالث عشر أنه قد أخبر أن هذه العلامة هي الكشف عن ساقه وسيأتي الكلام على هذا في موضعه وذلك يبطل أن يكون المراد فإذا جاء إحسان ربنا أو فيأتيهم بما يعرفون أنه إحسان

الوجه الرابع عشر أن في حديث جابر الذي في الصحيح ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك فيقولون من تنتظرون فيقولون ننتظر ربنا فيقول أنا ربكم فيقلون حتَّى ننظر إليك فيتجلى لهم يضحك قال فينطلق بهم ويتبعونه وهذا صريح في أن الذي أتاهم والذي تجلى لهم هو ربهم وأنهم عرفوه لما تجلى لهم يضحك وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على تمام ذلك الوجه الخامس عشر أن جميع ألفاظ الحديث صريحة في أن الذي جاء وأتى وقال أنا ربكم هو الذي رأوه فسجدوا له فاقتضى ذلك أن يكون المتجلي المسجود له هو الآتي الجائي فلو كان الذي أتى إنما هو ملك أو بعض النعم المخلوقة لم يصح ذلك ولهذا كان الإمام أحمد يحتج بإثبات المجيء والإتيان في مسألة الرؤية فذكر الخلال في كتابه السنة عن أبي طالب قال وقول الله عز وجل هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ [البقرة 210] وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) [الفجر 22] فمن قال إن الله لا يرى فقد كفر فبين أن هذه

الآيات تدل على أنه يأتي ويجيء وذلك يقتضي الرؤية كما صرحت به الأحاديث المفسرة لكتاب الله عز وجل الوجه السادس عشر أنه في حديث ابن مسعود فرَّق بين إتيان الرب نفسه وإتيان سائر المعبودات وذلك يفسِّر ما ورد في بقية الأحاديث حيث قال ثم ينادي مناد يا أيها النَّاس ألن ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا أن يولي كل إنسان منكم ما كان يتولاه ويعبده في الدنيا أليس ذلك عدلاً من ربكم قالوا بلى قال فينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون ويتولون في الدنيا قال فينطلقون ويمثل لهم أشباه ما كانوا يعبدون فمنهم من ينطلق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون قال ويتمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويتمثل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير قال فيتمثل لهم الرَّبُّ فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس فيقولون إن لنا إلهًا ما رأيناه بعد فيقول وهل تعرفونه إن رأيتموه فيقولون نعم بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه قال فيقول ما هي فيقولون يكشف عن ساقه قال فعند ذلك يكشف عن ساقه قال فيخر من كان

بظهره طبق ويبقى قوم ظهروهم كأنهم صياصي البقر قلما ذكر أولئك المعبودات ذكر أنه يمثل أشباهها وأن المعبود من الأنبياء تأتي شياطينهم مع أنهم قد اتبعوها وذكر أن الرب لما امتحن العباد هو الذي يمثل لهم وهو الذي أظهر لهم العلامة التي عرفوه بها حتى سجدوا فلو كان الآتي هو ملك من ملائكة الله أو شيء من مخلوقاته لكان بيان هذا أولى من بيان أولئك إنما جاءت أشباههم إذ في هذا من المحذور ما ليس في ذلك بل هذا التفريق بين هذا وهذا دليل واضح أن الذي أتاهم هو رب العالمين الذي تمثل لهم في الصورة والذي اتبعه أولئك هو أشباه المعبودات وشياطين الأنبياء وذلك لأن الأنبياء لم يأمر بعبادتهم إلا الشياطين والجمادات لم تقصد أن تعبد فلا فرق عند عابديها بينها وبين أشباهها والله سبحانه هو الذي أمر الخلق بعبادته وهو نفسه هو الذي عَبَدهُ المؤمنون فلا يصلح أن يأتيهم غير من يتبعونه غيره الوجه السابع عشر أنه قد أخبر أنه بعد إتيانه إياهم في الصورة التي يعرفون وإظهار الآية التي عرفوه بها وسجود

المؤمنين له دون المنافقين اتبعوه حتى مروا على الصراط كما بين ذلك في حديث أبي هريرة وجابر وابن مسعود فلو كان الذي جاء في هذه المرة الثانية هو بعض النعم لكانوا قد اتبعوا تلك النعمة المخلوقة فلا يكونون اتبعوا الرب الذي عبدوه وهو خلاف نصوص الأحاديث وخلاف العدل الذي أخبر به في الحديث وذلك لأن العبادة مستلزمة كمال المحبة للمعبود وكمال التعظيم له فإن المعبود هو الذي يقصد وَيُحَبُّ لذاته والمرء مع من أحب وهذه حقيقة العدل أن يكون الإنسان مع المحبوب الذي يحبه محبة كاملة بحيث يحبه لذاته وإذا كان كذلك فيمتنع أن يكون المؤمنون متبعون لغير الله والذي جاءهم هو الذي اتبعوه فهو الله وهو الذي جاءهم في الصورة التي عرفوه فيها ولا ريب أن عند الجهمية يمتنع أن يكونوا متبعين لله كما يمتنع أن يكون هو الآتي وكما يمتنع أن يكون قد أتاهم في صورة وكما يمتنع أن يتجلى لهم ضاحكًا وكما يمتنع أن يكشف عن ساقه فأحد الأمرين لازم إما أن يكون ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق أو ما يقوله هؤلاء الجهمية إذ هما متناقضان غاية التناقض ومن عرف ماجاء به

الرسول صلى الله عليه وسلم ثم وافقهم فلا ريب أنه منافق الوجه الثامن عشر قوله في العلامة يحتمل أن تكون العلامة كونه تعالى في حقيقته مخالفًا للجواهر والأعراض يُقال له قد صرح في حديث جابر فيتجلى لهم ضاحكًا ومع تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للعلامة التي أخبر بها بذلك يمتنع أن يكون هو ماذكره هؤلاء الوجه التاسع عشر أن كونه مخالفًا للجواهر الأعراض ما ينافي إتيانه في الصورة أولاً وآخرًا فلو كان ذلك هو العلامة لامتنع أن ينكروه ثم يعرفوه لاسيما وهو قد قال إن الصورة التي أتاهم فيها ثانية وهو ما يحدثه من إحسانه وذلك أمر لا يتعرض بحقيقة بل تلم المخلوقات مع قوله أنا ربكم مثل الملك مع قوله أنا ربكم لكن الملك حيٌّ وتلك النِّعم ليست حية ولكن يجوز إنطاق الجامدات الوجه العشرون أن عرصة القيامة لاسيما قبل جواز الصراط ليس هو محل الجزاء بالإنعام والإحسان وإنما هو مقام الامتحان فتفسير إتيان الله في الصورة التي يعرفون بالإحسان

مناقض لذلك الوجه الحادي والعشرون أنه قال فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيسجدون له فإن كانت تلك العلامة كونه مخالفًا للجواهر والأجسام لزم أن يكون في نفسه على صورة يخالف الجواهر والأجسام ويدل على ذلك دليلاً مستقلاً أنَّه قال في حديث أبي هريرة فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون أنت ربنا وقال في حديث أبي سعيد فيقول هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساقه إلى آخره فجعل الصُّورة التي يعرفون هي الصورة التي ظهرت بالعلامة وهي التي يسجدون لها الوجه الثاني والعشرون أن هذه المعرفة حصلت برؤيتهم ومعلوم أنَّ كون الشيء مخالفًا لغيره إذا عرف بالرؤية إنما يفيد أنَّه مخالف لما رؤي فأما مالم ير فقد تشترك أشياء في كونها مخالفة لما رؤي فيجوز أن يكون المتجلِّي لهم أشياء ليست مثل ما رأوه من الجواهر والأجسام وإن كانت مخلوقات أيضًا فإن قيل المراد أنَّه ليس بجوهر ولا جسم قيل هذا أمر

عدمي والأمور العدمية لا في العقل ولا في الحس فظهر أنَّ هذا فاسد وأما التأويل الثاني وهو أن يكون المراد من الصورة الصفة والمعنى أن يظهر لهم من بطش الله وشدة بأسه ما لم يألفوه ولم يعتادوه من معاملة الله تعالى ثم يأتيهم بعد ذلك أنواع الرحمة والكرامة على الوجه الذي اعتادوه وألفوه فهذا أفسد من الذي قبله وأكثر الوجوه التي أبطل بها ذلك يبطل بها هذا ولهذا خصائص ويظهر ذلك بوجوه أحدها أن تفسير الصُّورة بمجرد الصفة فاسد كما قدمناه وبينا أنَّه حيث دل لفظ الصُّورة على صفة قائمة بالموصوف أو على صفة قائمة بالذهن واللسان فلابد مع ذلك أن يدل على الصورة الخارجية وإن دلَّ على الصورة الذهنيَّة

الوجه الثاني أن إظهار الشدة في تسمية ذلك صفة كإظهار النعمة وكإظهار الملك إذ جميع ذلك عبارة عن خلق شيء من الأجسام وإظهاره فتسمية هذا صفة هون ما تقدم من الملك والإحسان تحكُّم باطل الوجه الثالث أن الناس ما زالوا يألفون أنَّ الله تعالى يبتليهم بالسراء والضراء فدعوى أن أحدهما مألوف دون الآخر باطل الوجه الرابع أن الله إذا أظهر عذابه وشدته لم يجز الامتناع من السجود له في هذه الحال ولا يجوز إنكار ربوبيته حتى يقول الأنبياء والمؤمنون نعوذ بالله منك وينكرون أن يكون هو ربهم الوجه الخامس أن السجود في حال إظهار الشدة أولى من السجود في حال إظهار النعمة ولهذا كانت الصلاة عند إظهار الآيات مثل الكسوف والخسوف مشروعـ ـة باتفاق المسلمين وهي أطول الصلوات وأكثرها قدرًا وصفة

وأما النعمة ففي سجود الشكر نزاع وأيضًا فإن الجنة لا سجود فيها وهي دار النعيم فكيف يُقال إنهم امتنعوا عن السجود له عند الشدة ولم يسجدوا له إلا عند النعمة الوجه السادس أن هذه الحال قبل مرورهم على الصراط وقبل ظهور المؤمن من المنافق وإنما يكون النَّعيم والعذاب والشدة والكرامة بعد ذلك إذا مروا على الصراط وتميز السعداء من الأشقياء الوجه السابع أنَّه قد أخبر في الحديث أنَّ المشركين الذين عبدوا مع الله إلهًا آخر ومن أشرك بالله من أهل الكتاب قد صاروا إلى العذاب وبعد ذلك يأتي المسلمين ربُّهم في غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتَّى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها فلم يظهر الشدة والبطش والعذاب

إلاَّ للكفار من المشركين وأهل الكتاب دون المسلمين الوجه الثامن أن في نفس الأحاديث أنه إذا سجد له المسلمون لم يتمكن من السجود إلا المؤمنون الذين كانوا يسجدون في الدنيا من تلقاء أنفسهم وأما المنافقون فلا يستطيعون السجود وفي أحاديث أخر أنهم بعد هذا يعطون الأنوار على قدر أعمالهم المنافقون والمؤمنون وإن كانت أنوار المنافقين تطفأ بعد ذلك ثم يمرون على الصراط فناج مسلَّم وهو الذي ينجو بلا أذى وناج مخدوش وهو الذي يصيبه من لفحها ومكدوش في نار جهنم وهم المعذبون فلم يكن العذاب والشدة إلا بعد هذا كله حين المرور على الصراط فكيف يقال إنّ إتيانه أولاً في غير صورته التي يعرفون هو إتيان عذابه وبأسه ولم يأت منه شيء الوجه التاسع أن هؤلاء يتأولون كشفه عن ساقه بأنه إظهار الشدة وفي نفس هذه الأحاديث أنه إذا أتاهم في الصورة التي يعرفون يكشف لهم عن ساقه فيسجدون له فإذا تأولوا مجيئه في الصورة التي يعرفون على إظهار رحمته وكرامته كان هذا من

التحريف والتناقض في تفسير الكتاب والسنة الوجه العاشر أنه ليس فيما ذكروه إلا أنه يجيء بعض مخلوقاته إما التي تسر وإما التي تضر ومن المعلوم أن الله لا يوصف بنفس المخلوقات بل بكونها ليست صفات له أظهر من كونها ليسـ ـت صورة له فقول القائل يأتيهم الله في صورته التي يعرفون أو التي لا يعرفون أي صفته التي يعرفون أو التي لا يعرفون ثم تأويل ذلك بمجيء بعض ما يخلقه من الضراء والسراء من أفسد الكلام فإن النعم والنقم ليست من صفات الله التي يوصف بها وإنما يوصف بأنه يخلقها ويحدثها ويفعلها فلا يصح أن يكون مجيئها مجيء الله في صفته الوجه الحادي عشر أن الناس تنازعوا في نفس الخلق والإحداث والتكوين هل هو من صفات الله تعالى أم لا وهذا المؤسس وأصحابه مع المعتزلة يقولون إن الخلق هو المخلوق ليس ذلك صفة لله بحال فإذا كان نفس التكوين ليس من صفاته عندهم فكيف يكون المخلوق المكون من

صفاته وأما جمهور الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف من أهل الكلام فيقولون إن الفعل نفسه والخلق من صفاته ولكن المخلوق ليس من صفاته فإذا قيل إن الله تعالى يأتي في صفته امتنع على قول أولئك أن يراد الأفعال وأما على قول هؤلاء فيكون الله في نفس ما يقوم به من الفعل لا إتيان المفعول المجرد وذلك لأن الصفة إما أن يراد بها القول لفظه ومعناه وإما أن يراد بها المعاني القائمة بالموصوف وعلى التقديرين فالمخلوقات ليست داخلة في صفات الله تعالى الوجه الثاني عشر أنه لو كان اللفظ فيأتيهم الله في صورة عظيمة أو في صفة عظيمة كما يقال جاء الملك في صورة عظيمة ودخل المدينة على صفة عظيمة ونحو ذلك وادعوا مع ذلك أن الصورة والصفة هي المخلوق لم يكن في الإحالة كما ادعوه في ألفاظ النصوص لأن قوله في صورة وفي صفة نكرة مثبتة لم يعين صاحبها فأما إذا قيل في صورته التي يعرفون وصورته لا يعرفون وفي صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة وقيل عن الصورة بمعنى

الصفة كان ذلك صفة له فيمتنع أن يكون عائدًا إلى غيره كما أنهم لما تأولوا في قوله خلق آدم على صورته أي على صفته كانت الصفة لله ما يوصف به من كونه عليمًا قديرًا أو مدبِّرًا أو مَلِكًا أو نحو ذلك لم يكن مجرد صفة المخلوق بهذا الحديث قيل خلق الله آدم على صورته الوجه الثالث عشر أنه لو قيل ذلك منكَّرًا لقيل فيأتيهم في صورةٍ أو صفة لوجب أن يكون هو الآتي وأن يكون موصوفًا بما يعود إليه من حكم ذلك كما في قولهم جاء المَلِكُ في صورة عظيمة أو صفة عظيمة فإن هذا اللفظ لا يقتضي أن الجائي مجرد مفعوله بل لابد أن يكون هو الجائي في صورة أو صفة عظيمة فكيف إذا كان النص فيأتيهم الله في صورته التي رأوه فيها أول مرة مع ما تقدم من الألفاظ الوجه الرابع عشر أن هذه الألفاظ كلها مصرِّحةٌ بأن الله تعالى هو الآتي وهي في ذلك موافقة لدلالة القُرآن مفسرة له حيث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأحاديث بأنهم يرون ربَّهم كما

يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب وكما يرون القمر صحوًا ليس دونه سحاب جوابًا لهم لمَّا سألوه هل نرى ريَّنا يوم القيامة وخبر مبتدأ فإنه كان يُحدّثُهم بهذا الحديث مرَّات متعددة ثم وصف هذه الرؤية فأخبر أنه إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ لتتبع كل أمة ما كانت تعبد وأخبر باتباع المشركين لما كانوا يعبدونه ثم قال وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربُّنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعم أنت ربُّنا فيتبعونه وفي الحديث الآخر يقال لهم هل بينكم وبينه علامة فتعرفونه بها فيقولون نعم فيكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّل في الصورة التي رأوه فيها أول مرة وفي الحديث الآخر ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك فيقول من تنتظرون فيقولون ننتظر ربَّنا فيقول أنا ربكم فيقولون حتى ننظر إليك فيتجلَّى لهم يضحك قال فينطلق بهم و

يتَّبعونه وفي الآخر قال يجمع الله الأوَّلين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء قال وينزل اللهُ في ظُلَلٍ من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادي منادٍ وإذا كانت الأحاديث مصرِّحةً بمجيء الربِّ نفسه تصريحًا يعلمه الخاص والعام ويزيل كل شبهة علم أن هذه التحريفات تكذيب للرسول صلى الله عليه وسلم لا تصدرُ إلاّ من جاهل بما أخبر ب هاو منافق ليس بمؤمن فاما من آمن به وعلم ما جاء به فلا يكون إلاّ مصدِّقًا بمضمونها الوجه الخامس عشر أنَّ مضمون أقاويل الجهمية أنه يُعبد غير الله في الدنيا والآخرة وهذا من جملة شركهم فإنهم دخلوا في الشرك من وجوه منها إثباتهم خصائص الربوبية لغير الله حتى جعلوه يدعي الربوبية ويحاسب العباد ويسجدون له ومن الناس من يذكر لهذا الخبر تأويلاً فمن أعظمها كفرًا وضلالاً تأويل الاتحادية والحلولية الذين يقولون إنَّ الله تعالى هو الوجود أو يقولون إنَّه حال في الوجود أو ظاهر فيه ويزعمون أن المخلوقات كلها مظاهر الرب ومتجلياته بمعنى

أن ذاته هي الظاهرة في المخلوقات ويحتجُّون على ذلك بهذا الحديث فهم مع تحريف الكلم عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله تعالى وآياته يجعلون الخاص عامًّا في مثل هذا الحديث وفي مثل قوله كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ومثل قوله لو أدلى أحدكم بحبل لهبط على الله

وذلك كقول صاحب الفصوص في تمام الكلام الذي

ذكرناه عنه في الفصّ الهودي بعد قوله فهو الشاهد من الشاهد والمشهود من المشهود فالعالم صورته وهو روح العالم المدبِّر له فهو الإنسان الكبير فهو الكون كله وهو الواحد الذي قام كوني بكونه ولذا قلت يتغذي فوجودي غذاؤه وبه نحن نحتذي فبه منه عن نظرت بوجه تعوّذي ثم قال ولهذا الكرب تنفس فنسب النفس إلى الرحمن لأنه رحم به ما طلبته النسب الإلهية من إيجاد صورة العالم التي قلنا هي ظاهر الحقّ إذ هو الظاهر وهو باطنها إذ هو الباطن وهو الأول إذ كان ولا هي وهو الآخر إذ كان عينها عند ظهروها فالآخر عين الظاهر والباطن عين الأول وهو بكل شيء عليم لأنه بنفسه عليم فلمَّا أوجد الصُّور في النفس وظهر سلطان النَّسب المعبَّر عنها بالأسماء صحّ

النّسب الإلهي للعالم فانتسبوا إليه تعالى فقال اليوم أضع نسبكم وأرفع نسبي أي آخذ عنكم انتسابكم إلى أنفسكم وأردُّكم إلى انتسابكم إليَّ أين المتقون أين الذين اتخذوا اللهَ وقاية فكان الحقُّ ظاهرهم أي عين صورهم الظاهرة وهو أعظم الناس وأحقه وأقواه عند الجميع وقد يكون المتَّقي من جعل نفسه وقاية للحق بصورته إذ هويَّة الحقّ قوى العبد فجعل مسمَّى العبد وقاية لمسمَّى الحق على الشهود حتى يتميَّز العالِمُ من غير العالِم هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر أية 9] وهم النّاظرون في لبّ الشّيء الذي هو المطلوب من الشيء فما سبق مقصِّرٌ مجدًّا كذلك لا يماثل له أجير عبدًا وإذا كان الحق وقاية للعبد بوجه والعبد وقاية للحق بوجه فقل في الكون ما شئت إن شئت قلت هو الخلق وإن شئت قلت هو الحق وإن شئت قلت هو الحق الخلق وإن شئت قلت لا حق من كل وجه ولا خلق من كل وجه وإن شئت قلت بالحيرة في ذلك فقد بانت المطالب بتعيينك

المراتب ولولا التحديد ما أخبرت به الرسل بتحوُّل الحق في الصُّور ولا وصفـ ـته بخلع الصُّور عن نفسه فلا تنظر العين إلاَّ إليه ولا يقع الحكم إلاَّ عليه فنحن له وبه في يديه وفي كل حال فإنَّا لديه لهذا ينكَّر ويعرَّف وينزَّه ويوصف فمن رأى الحق منه فيه بعينه فذلك العارف ومن رأى الحق منه فيه بعين نفسه فذلك غير العارف ومن لم ير الحقَّ منه ولا فيه وانتظر أن يراه بعين نفسه فذلك الجاهل وبالجملة فلابد لكل شخص من عقيدة في ربِّه يرجع بها إليه ويطلبه فيها فإذا تجلَّى له الحق فيها عرفه وأقرَّ به وإن تجلَّى له في غيرها أنكره وتعوَّذ منه وأساء الأدب عليه في نفس الأمر وهو عند نفسه أنَّه قد تأدَّب معه فلا يعتقد معتقد إلهًا إلاَّ بما جعل من نفسه فالإله في الاعتقادات بالجعل فما رأوا إلاَّ نفوسهم وما جعلوا فيها فانظر مراتب الناس في العلم بالله تعالى هو عين

مراتبهم في الرؤية يوم القيامة وقد أعلمتك بالسبب الموجب لذلك فإيَّاك أن تتقيَّد بعقد مخصوص وتكفر بما سواه فيفوتك خير بل يفوتك العلم بالأمر على ما هو عليه فكن في نفسك هيولياً لصور المعتقدات كلها فإنَّ الله تعالى أوسع وأعظم أن يحصره عقد دون عقد فإنه يقول فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ وماذكر أينًا من أين وذكر أنَّ ثَمَّ وجه الله ووجه الشيء حقيقته فنبَّه بهذا قلوب العارفين لئلا تشغلهم العوارض في الحياة الدنيا عن استحضار مثل هذا فإنه لايدري العبد في أيّ نفس يقبض فقد يقبض في وقت غفلة فلا يستوي مع من قبض على حضور ثم إنَّ العبد مع علمه بهذا يلزم في الصُّور الظاهرة والحال المقيدة التوجّه بالصلاة إلى شطر المسجد الحرام ويعتقد أن الله تعالى فيقبلته حال صلاته وهو بعض مراتب وجه الحق من فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ فشطر المسجد الحرام منها ففيه وجه الله ولكن لاتقل هو هنا فقط

بل قف عندما أدركت والزم الأدب في استقبال شطر المسجد الحرام وألزم الأدب عدم حصر الوجه في تلك الأينيَّة الخاصة بل هي من جملة أينيَّات ما تولى متول إليها فقد بان لك عن الله أنه في أينيَّة كل وجهة وما ثم إلا الاعتقادات فالكل مصيب وكل مصيب مأجور وكل مأجور سعيد وكل سعيد مرضيٌّ عنه وإن شقي زمانًا ما في الدَّار الآخرة فقد مرض وتألَّم أهل العناية مع علمنا بأنَّهم سعداء أهل حق في الحياة الدنيا فمن عباد الله من تدركهم تلك الآلام في الحياة الأخرى في دار تسمَّى جهنَّم ومع هذا لا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه أنه لا يكون لهم في تلك الدار نعيم خاص بهم إما بفقد ألم كانوا يجدونه فارتفع عنهم فيكون نعيمهم راحتهم عند وجدان ذلك الألم أو يكون نعيم مستقل زائد كنعيم أهل الجنان في الجنان

فهذا بعض كلامهم في باب الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر وهو اقرب شيء إلى كلام القرامطة الباطنية لكنَّ هؤلاء دخلوا من باب التصوُّف والتحقيق والكشوف وأولئك دخلوا من التشيُّع وموالاة أهل البيت ومالهم من علوم الأسرار وكلاهما من اكفر خلق الله وأعظمهم نفاقًا وزندقة

وتبديلاً لدين الإسلام وتحريفًا للكلم عن مواضعه وليس المقصود هنا وصف أنواع كفرهم ولكن المقصود الإخبار بأنهم جعلوا ما أخبرت به الرُّسل من أنَّ الله يجيء يوم القيامة في صورة أصلاً في أنَّ كل صورة في العالم فاللهُ هو الآتي فيها وانَّه الظَّاهر في صورة الموجودات بل هو عينها وقال ابن عربي أيضًا في حكمة إيناسية في كلمة إلياسية بعد أن ادَّعى أن المؤثِّر وإن كان الحق والمؤثر فيه هو العالم فالمؤثر فيه واحد من جهة الحقيقة ثم قال ومن ذلك قوله تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قال الله تعالى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ الآية [البقرة 186] إذ لا يكون مجيبًا إلاّ إذا كان من يدعوه وإن كان عين الداعي عين المجيب فلا خلاف في اختلاف الصُّور فهما صورتان بلا شك وتلك الصُّور كلها كالأعضاء لزيد فمعلوم أنَّ ويدًا حقيقة واحدة شخصيَّة وأنَّ يده ليست صورة رجله ولا رأسه ولا عينه ولا حاجبه فهو الكثير

الواحد الكثير بالصُّور الواحد بالعين وكالإنسان واحد بالعين بلا شكّ ولا شك أنَّ عَمْرًا ماهو زيد ولا خالد ولا جعفر وأنَّ أشخاص هذه العين الواحدة لا تتناهى وجودًا فهو وإن كان واحدًا بالعين فهو كثير بالصُّور والأشخاص وقد علمت قطعًا إن كنت مؤمنًا أنَّ الحقَّ عينه يتجلَّى يوم القيامة في صورة فيعرف ثم يتحوَّل في صورة فينكر ثم يتحوَّل عنها في صورة فيعرف وهو هو المتجلّي ليس غيره في كل صورة ومعلوم أنَّ هذه الصُّورة ما هي تلك الصورة الأخرى فكأن العين الواحدة قامت مقام المرآة فإذا نظر الناظر فيها إلى صورة معتقده في الله عَرَفَه فأقرَّ به وإذا اتفق أن يرى فيها نعتقد غيره أنكره كما يرى في المرآة صورته وصورة غيره فالمرآة عين واحدة والصُّور

كثيرة في عين الرائي وليس في المرآة صورة منها جملة واحدة مع كون المرآة لها أثر في الصُّورة بوجه وما لها أثر بوجه وكلامهم وإن اشتمل على أنواع عظيمة من الشرك الأكبر والكفر الأعظم فهم في هذا الحديث ضلوا من وجوه أحدها أنهم جعلوا إتيان الله يوم القيامة عباده في الصُّور غير الصُّور التي يعرفونها ثم في الصُّور التي يعرفونها هو من جنس جميع الصور الموجودة في الدنيا والآخرة حيث اعتقدوا أنه الظَّاهر في كل صورة حتَّى صور الكلاب والخنازير كما حدَّثني من كلن مع رجلين من طواغيتهم مرَّا بكلب ميت أجرب فقال أحدهما للآخر وهذا أيضًا ذاتي فقال وهل ثم شيء يخرج منها

وكمل سمعت وأنا صغير رجلاً كان من شياطينهم ولم يكن إذ ذلك أنه منهم ولا يعرف مذهبهم بل كان يتكلَّم في أمور وكان له ذكاء وكان من كلامه أنَّه حكى عن شيخ عظَّمَهُ أنه قال لرجل يقول يا حي يا قيُّوم ويكرر ذلك ويلهج به كما يحصل لمن غلبه الذكر والدعاء لمن غلب عليه ذلك فقال له لافرق بين قولك يا حي أو يا حجر فإن الحاء في الاسمين وكلاهما يوجب حركة النفس وقوَّتها وكلامًا من هذا النوع بَعُدَ عهدي عنه لكن علمت فيما بعد أنَّ مقصوده أنه ما ثَمَّ سوى الوجود فالحجر وغير الحجر سواء والمقصود بهذا الذكر أنَّ النفس يحصل لها بذلك حركة وتقوى بذلك كما يقوى البدن بمعالجة الأعمال لا أنَّ هناك ما يدعوه هو الحي القيُّوم غير هذا العالم الثاني أنَّه في حديث القيامة قد أخبر أنَّه يأتي المسلمين بعد ذهاب الكفّار من المشركين وأهل الكتاب مع آلهتهم وعلى قول هؤلاء يأتي في تلك الآلهة التي عبدها المشركون وهم الكفار من المشركين وأهل الكتاب العابدون لها وهو عندهم

العجل الذي عبد أصحاب العجل كما قال إمامهم إمام الضلالة صاحب الفصوص في الفص النُّوحي ومكروا مكرًا كبَّارًا لأن الدعوة إلى الله تعالى مكر بالمدعو لأنه ما عدم من البداية فيدعى إلى الغاية أدعو إلى الله فهذا عين المكر على بصيرة فنبّه أنَّ الأمر له كلُّه فأجابوه مكرًا كما دعاهم فجاء المحمَّدي وعلم أن الدعوة إلى الله ماهي من حيث هويَّته وإنَّما هي حيث أسماؤه فقال يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85) [مريم 85] فجاء بحرف الغاية وقرنها بالاسم فعرفنا أنَّ العالم كان تحت حيطة اسم إلهي أوجب عليهم أن يكونوا متقين فقالوا في مكرهم وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) [نوح 23] فإنهم إذا تركوهم جهلوا من الحق على قدر ماتركوا من هؤلاء فإنَّ للحق في كل معبود وجهًا يعرفه من يعرفه ويجهله من يجهله من المحمَّديين وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء 23] أي حكم العالم فالعالم يعلم من عبد وفي أي صورة ظهر حتى عبد وأنَّ

فصول الكتاب · 29 فصل · 813 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية · 813 صفحة
ـ[بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]ـ
الجزء الأول
مباينة الله لخلقه، أعظم من مباينة بعض الخلق بعضًا،
المباينة تقتضي المخالفة في الحقيقة
الوجه السادسالوجه السابعالوجه الثامنالوجه التاسعالوجه العاشرالوجه الحادي عشرالوجه الثاني عشرالوجه الثالث عشرالوجه الرابع عشرالوجه الخامس عشر
الجزء الثاني
الوجه الثاني
الوجه الأول
الجزء الثالث
أن أصل الشرك لم يكن من أهل الكتاب وإنما كان من غيرهم
الجزء الرابع
الجزء الخامس
القرآن جاء صريحاً في اليد بلفظ التثنية
الجزء السادس
ما ورد في الأخبار من المماسة والقرب
الجزء السابع
المراد بالنفس هو الذات
الجزء الثامن
فصل قال الرازي احتجوا بالآيات والأخبار والمعقول
الاشتباه الإضافي ليس له ضابط
جارٍ التحميل