الجزء الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
فيهم ودأب الخلفاء فيهم ودق عامة أهل السنة عليهم وإجماع المسلمين على إخراجهم من الملة ثقلت عليهم الوحشة وطالت عليهم الذلة وأعيتهم الحيلة إلا أن يظهروا الخلاف لأوليهم والرد عليهم ويصبغوا كلامهم صبغاً يكون ألواح للأفهام وأنجع في العوام من أساس أوليهم تحدوا بذلك المساع وليتخلصوا من خزي الشناعة فجاءت بمخازيق تراءى للعين بغير ما في الحشايا ينظر الناظر الفهم في جذرها فيرى مخ الفلسفة يكسي لحاء السنة وعقد الجهمية وينحل ألقاب الحكمة يردون على اليهود قولهم يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة 64] فينكرون الغل وينكرون اليد فيكونون أسوأ حالاً من اليهود لأن الله سبحانه أثبت الصفة ونفى العيب واليهود
أثبتت الصفة وأثبتت العيب وهؤلاء نفوا الصفة كما نفوا العيب ويردون على النصارى في مقالتهم في عيسى وأمه فيقولون لا يكون في المخلوق غير المخلوق فيبطلون القرآن فلا يخفى على ذوي الألباب أن كلام أولهم وكلام آخرهم كخيط السحارة فاسمعوا الآن يا ذوي الألباب وانظروا ما فضل هؤلاء على أولئك أولئك قالوا قبح الله مقالهم إن الله موجود بكل مكان وهؤلاء يقولون ليس هو في مكان ولا يوصف بأين وقد قال المبلغ صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل لجارية معاوية بن الحكم رضي الله عنه أين الله وقالوا هو من فوق كما هو من تحت لا ندري أين هو ولا يوصف بمكان فليس هو في السماء وليس هو في الأرض وأنكروا
الجهة والحد وقال أولئك ليس له كلام إنما خلق كلاماً وهؤلاء يقولون تكلم مرة فهو متكلم به منذ تكلم لم ينقطع الكلام ويوجد كلامه في موضع ليس هو به ثم يقولون ليس هو في مكان ثم قالوا ليس له صوت ولا حروف وقالوا هذا زاج وورق وهذا صوف وخشب وهذا إنما قصد به النفس وأريد به التفسير وهذا صوت القاري أما ترى أن منه حسناً غير حسن وهذا لفظه أو ما تراه مجازاً به حتى قال رأس من رؤوسهم أو يكون قرآن من
لبد وقال الآخر من خشب فراوغوا فقالوا هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك ثم قالوا غير مخلوق ومن قال مخلوق كافر وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود لفظية الجهمية الذكور بمرة والجهمية الإناث بعشر مرات
وأولئك قالوا لا صفة وهؤلاء يقولون وجه كما يقال وجه النهار ووجه الأمر ووجه الحديث وعين كعين المتاع وسمع كأذن الجدار وبصر كما يقال جداران هما يتراءيان ويد كيد المنة والعطية والأصابع كقولهم خراسان بين أصبعي الأمير والقدمان كقولهم جعلت الخصومة تحت قدمي والقبضة كما قيل فلان في قبضتي أي أنا أملك أمره وقال الكرسي العلم والعرش الملك والضحك والرضى والاستواء والاستيلاء والنزول القبول والهرولة مثله شبهوا من وجه وأنكروا من وجه وخالفوا السلف وتعدوا الظاهر فردوا الأصل ولم يثبتوا شيئاً ولم يبقوا موجوداً ولم يفرقوا بين التفسير والعبارة بالألسنة فقالوا لا نفسرها نجريها عربية كما وردت وقد تأولوا تلك التأويلات الخبيثة وأرادوا بهذه المخرقة أن يكون عوام المسلمين أبعد غياباً عنها وأعيا ذهاباً منها ليكونوا أوحش عند ذكرها وأشمس عند
سماعها وكذبوا بل التفسير أن يقال وجه ثم لا يقال كيف وليس كيف في هذا الباب من مقال المسلمين فأما العبارة فقد قال الله تعالى وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ [المائدة 64] وإنما قالوها هم بالعبرانية فحكاها عنهم بالعربية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب كتابه بالعبرانية فيها أسماء الله وصفاته فيعبر بالألسنة عنها ويكتب إليه بالسريانية فيعبر له زيد بن ثابت رضي الله عنه بالعربية والله تعالى يدعى بكل لسان باسمه فيجيب ويحلف بها فيلزم وينشد فيجاز ويوصف فيعرف ثم قالوا ليس ذات الرسول صلى الله عليه وسلم بحجة وقالوا ما هو بعدما مات بمبلغ فلا يلزم به الحجة فسقط من أقاويلهم
على ثلاثة أشياء أنه ليس في السماء رب وفي الروضة رسول ولا في الأرض كتاب كما سمعت يحيى بن عمار يحكم به عليهم وإن كانوا يموهونها وورّوا عنها واستوحشوا من تصريحها فإن حقائقها لازمة لهم وأبطلوا التقليد فكفَّروا آباءهم وأمهاتهم وأزواجهم وعوام المسلمين وأوجبوا النظر في الكلام واضطروا إليه الدين بزعمهم فكفَّروا السلف وقالت طائفة منهم الفرض لا يتكرر فأبطلت الشرائع
وسموا الإثبات تشبيهاً فعابوا القرآن وضللوا الرسول فلا تكاد ترى منهم رجلاً ورعاً ولا للشريعة معظماً ولا للقرآن محترماً ولا للحديث موقراً وسلبوا التقوى ورقة القلب وبركة التعبد ووقار الخشوع واستفضلوا الرسول فانظر فلا هو طالب آثاره ولا تتبع أخباره ولا يناضل عن سننه ولا هو راغب في أسوته يتقلب بمرتبة العلم وما عرف حديثاً واحداً تراه يهزأ بالدين ويضرب له الأمثال ويتلعب بأهل السنة ويخرجهم أصلاً من العلم تنفر لهم عن بطانة إلا خانتك ولا عن عقيدة إلا رابتك وألبسوا ظلمة الهوى وسلبوا هبة الهدى فتنبو عنهم الأعين وتشمئز منهم القلوب قال وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن إسماعيل الأشعري كان لا يستنجي ولا يتوضأ ولا يصلي وقد سمعت محمداً العمري النسابة أبا المعالي
يقول سمعت أبا الفضل الحارثي القاضي بسرخس يقول سمعت زاهراً بن أحمد يقول أشهد لما مات أبو الحسن الأشعري متحيراً بسبب مسألة تكافؤ الأدلة فلا جزى الله امرءاً أناط مخاريقه بمذهب الإمام المطلبي رحمه الله تعالى وكان من أبر خلق الله قلباً وأصونهم سمتاً وأهداهم هدياً وأعمقهم علماً وأقلهم تعمقاً وأوقرهم للدين وأبعدهم من التنطع وأنصحهم لخلق الله جزاه خيراً قال فرأيت قوماً منهم يجتهدون في قراءة القرآن وحفظ حروفه والإكثار من ختمه ثم اعتقاده فيه ما قد بيناه اجتهاد روغان كالخوارج وذكر بإسناده من حديث سفيان الثوري
عن الصلت بن بهرام عن المنذر بن هوذة عن خرشة ابن الحر أن حذيفة بن اليمان قال إنا آمنا ولم نقرأ وسيجيء قوم يقرؤون القرآن ولا يؤمنون وبإسناده من حديث زيد بن أبي أنيسة عن القاسم بن
عوف قال سمعت ابن عمر يقول لقد عشنا برهة من دهرنا وإن أحدنا يؤتي الإيمان قبل القرآن وبإسناده من حديث إسماعيل ب مهاجر عن أبيه عن ابن عمر قال إنا كنا صدور هذه الأمة وكان الرجل من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصالحيهم وما يقيم إلا سورة من القرآن أو شبه ذلك وكان القرآن قد ثقل عليهم رزقوا علماً به وعملاً
وأن آخر هذه الأمة يخفف عليهم القرآن حتى يقرأه الصبي والعجمي لا يعلمون شيئاً منه قلت ومثل ذلك معروف عن جندب بن عبد الله البجلي أنه قال أوتينا الإيمان قبل أن نقرأ القرآن ثم أوتينا القرآن فازددنا إيماناً وإنكم تأتون القرآن قبل الإيمان فتوسل أحدكم
وهذا الرازي لما ذكر مسألة الرؤية في نهايته وذكر فيها حجج النفاة والمثبتة كان ما ذكره من حجج النفاة العقلية والسمعية أظهر مما ذكره من حجج المثبتة وهذه عادته في كثير من مناظرته يحتج بالباطل من السفسطة وفروعها بما لا يحتج بمثله للحق وقال في مسألة الرؤية بعد أن ذكر مسالكها العقلية فظهر من مجموع ما ذكرناه أن الأدلة العقلية ليست قوية في هذه المسألة قال واعلم أيضاً أالتحقيق في هذه المسألة أن الخلاف فيها يقرب أن يكون لفظياً وسنبينه إن شاء الله تعالى الوجه الثاني أن هذا الرجل قد اعترف هو ومن يوافقه أن الرؤية التي دل عليها الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة بل الإدراك المنفي عن الله في قوله لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الأنعام 103] يدل على أن الله تعالى في الجهة وذلك يقتضي دلالة الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة على شيئين على رؤية الله تعالى وعلى أنه في الجهة وذكر اعتراف فضلاء المعتزلة بأن النبيين كانوا يعتقدون ذلك
أما الأول فإنه لما ذكر الحجج السمعية التي للمعتزلة على نفي الرؤية قال وهذه الشبه أربع الأولى وهي الأقوى التمسك بقوله تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ قال واعلم أن هذه الآية تارة يتمسكون بها على أنه تعالى لا يُرى بالأبصار في الدنيا ولا في الآخرة وتارة على استحالة كوننا رائين له أما الوجه الأول فإنما يتم بإثبات أمور أربعة أحدها أن إدراك البصر هو الرؤية قال ويدل عليه أمران أحدهما أنه لا فرق في اللغة بين أن رأيت فلاناً ببصري وبين أن يقال أدركته ببصري كما لا فرق بين أن يقال أدركته بأذني وسمعته بأذني وثانيهما أن أهل اللسان فهموا من هذه الآية نفي الرؤية وذلك يدل على أن العرب يستعملوا إدراك البصر بمعنى الرؤية
وروي عن عائشة لما بلغها أن كعباً قال إن محمداً رأى ربه أنكرت ذلك وقالت ثلاث من حدثك بهن فقد كذب من حدثك أن محمداً رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله قال تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ [الأنعام 103] قال وروي عن ابن عباس مثل ذلك ثم قال في الجواب عن هذا لا نسلم أن إدراك البصر عبارة عن نفس الرؤية بيانه هو أن الإدراك غير موضوع بالحقيقة للرؤية أصلاً لكنه مستعمل في رؤية الشيء المحدود بطريق المجاز ومتى كان كذلك لم يلزم من الآية هاهنا نفي الرؤية وإنما قلنا إن
الإدراك غير موضوع للرؤية حقيقة لأن لفظ الإدراك حقيقة في غير الرؤية فوجب أن يكون حقيقة في الرؤية وإنما قلنا إن الإدراك غير حقيقة في الرؤية لأنها حقيقة في اللحوق والبلوغ سواء كان في المكان كما في قوله تعالى قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴿61﴾ [الشعراء 61] أو في الزمان كما يقال أدرك قتادة الحسن أو في صفة وحالة كما يقال أدرك الكلام وأدركت الثمرة إذا نضجت وأيضاً فإنه يقال أدركت ببصري حرارة الليل وإن كانت الحرارة لا ترى فعلمنا أن الإدراك حقيقة في غير الرؤية فوجب أن لا يكون حقيقة في الرؤية لئلا يؤدي إلى الاشتراك الذي هو خلاف الأصل وإنما قلنا إن الإدراك لا يستعمل مجازاً إلا في رؤية الشيء المتناهي لوجهين أحدهما أنا لما أبصرنا الشيء المتناهي فكان البصر على بعده من ذلك المرئي يتناوله ولم يتناوله غيره فجرى ذلك مجرى من قطع المسافة إلى شيء حتى بلغه ووصل إليه فلما توهم في هذا النوع من الإبصار معنى اللحوق سمي إدراكاً فأما إدراكنا لشيء الذي لا يكون في جهة أصلاً فإنه لا يتحقق فيه معنى البلوغ فلا جرم
لا يسمى إدراكاً الثاني أن الاسم إنما يوضع لما يكون معلوماً للواضع والعرب ما كانوا يتصورون إلا رؤية الشيء المحدود أما عند الخصم فلأن الرؤية لا على هذا الوجه مستحيلة وأما عندنا فإنه وإن أمكن ألا يكون كذلك لكنه ما كان معلوماً للعرب ولا متصوراً لهم وإذا ثبت ذلك ثبت أنهم لم يستعملوا الإدراك إلا لرؤية الشيء الذي في جهة فثبت بما ذكرناه أن الإدراك لو أفاد الرؤية لأفاد رؤية الشيء المتناهي وهذا هو المراد من قول قدماء الأصحاب الإدراك هو الإحاطة بالمرئي وإذا ثبت أن الإدراك لا يفيد إ رؤية مخصوصة لم يلزم من نفي الإدراك نفي مطلق الرؤية لأنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم وأما قوله العرب لا تفرق بين الرؤية وبين الإدراك
قلنا إن ادعيتم ذلك في مطلق الرؤية فهو ممنوع ودليله ما مضى وإن ادعيتم ذلك في رؤية مخصوصة فهو مسلم ولا يضرنا قوله أهل اللسان فهموا من هذه الآية نفي الرؤية فدل على أن إدراك البصر هو الرؤية قلنا وقد نقل أيضاً أن كثيراً من السلف فهموا الرؤية من قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿22﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿23﴾ [القيامة 22-23] مع أن النظر عندكم ليس هو الرؤية وكذلك هاهنا قلت فقد أخبر أن العرب ما كانوا يتصورون إلا رؤية الشيء المحدود وأن رؤية ما ليس في الجهة لم يكن معلوماً لهم ولا متصور لهم وإذا كان كذلك وقد ثبت في النصوص المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته وقال أيضاً إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب وكما ترون القمر صحواً ليس دونه سحاب وثبت اتفاق سلف الأمة على أن المؤمنين يرون الله يوم القيامة وقد أخبر أن العرب المخاطبين بهذا
الكلام لم يكونوا يتصورون من ذلك إلا رؤية ما كان في الجهة وأن ما سوى ذلك لم يكن معلوماً ولا متصوراً لهم من لفظ الرؤية ومع هذا فالنبي صلى الله عليه وسلم وأهل الإجماع من الصحابة والتابعين أخبروا الخلق بأنهم يرون ربهم ولم يقولوا برؤية في غير جهة ولا ما يؤدي هذا المعنى بل قال كما ترون الشمس والقمر فمثل رؤيته بالرؤية لما هو في جهة علم بالاضطرار أن الرؤية التي تدل عليها نصوص الرسول وإجماع السابقين هي الرؤية التي كان الناس يعرفونها وهي لما يكون في الجهة وهذا بين وأيضاً فقد أخبر أن ما لا يكون في جهة تسمى رؤيته إدراكاً وأن لفظ الإدراك إذا أريد به الرؤية فهي رؤية مخصوصة وهي رؤية المتناهي الذي يكون في جهة فأما الشيء الذي لا يكون في جهة فلا تسمى رؤيته إدراكاً وإذا كان كذلك فيكون قوله تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ أي متناهياً لا تحيط به ولا تدركه متناهياً محدوداً وهذا الذي ذكره جيد وإن كان لم يستوف حجته فإن أئمة السلف بهذا فسروا الآية وما ذكرته المعتزلة عن ابن عباس أنه تأول الآية على نفي الرؤية كذب على ابن عباس بل قد ثبت عنه بالتواتر أنه كان يثبت رؤية
الله وفسر قوله تعالى لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ بأنها لا تحيط وضرب المثل بالسماء فقال ألست ترى السماء فقال بلى فقال أكلها ترى فقال لا قال فالله أعظم وإذا كان كذلك فمعلوم أن الله نفى إدراك الأبصار له ولم ينف إدراكه هو لنفسه ولم ينف مطلق الرؤية فلو كان هو في نفسه بحيث تمتنع رؤيته مطلقاً ليس الممتنع الإحاطة دون الرؤية التي ليست بإحاطة لم ينف هذا الخاص وهو الإدراك من الأبصار دون إدراكه هو ودون رؤية الأبصار لأن نفي العام يستلزم نفي الخاص ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام بل يقتضي جواز الخاص أو إبهامه لأن المدح بنفي الخاص مع كونه منتفياً لا يحسن كما لا يحسن أن يقال لا يقدر بنو آدم على إفناء جميعه أو لا يقدرون على إفناء ذاته وصفاته فإن هذا غير مقدور لا لبني آدم ولا لغيرهم بل هو ممتنع في نفسه وكذلك لا يقال الآدميون لا يقدرون على إعدامه أو إماتته أو على سلب قدرته وعلمه ونحو هذا لأن هذه الأمور ممتنعة في
نفسها لا يختص بنو آدم بنفي الاقتدار عليها بل تخصيصهم بذلك يوهم أنه هو يقدر على ذلك وهذا كلام باطل فإن هذا ليس بشيء أصلاً حتى تكون رؤية الله عند النفاة هي من باب الممتنعات مثل عدمه وموته وإحداثه ونحو ذلك ولو كان كذلك لم يحسن نفي هذا عن أبصار العباد كما لا يحسن مدحه بأن العباد لا يعدمونه ولا يميتونه بل تخصيصهم بنفي إدراك أبصارهم له يقتضي أنه هو يدرك نفسه وإذا كان كذلك فإن لفظ الإدراك يقتضي الرؤية الخاصة لمن يكون في جهة علم أن الآية دلت على أنه كذلك وأما ما ذكره عن فضلاء المعتزلة فإنه أورد سؤال أبي الحسين البصري وأتباعه وهو أن موسى عليه السلام يجوز أن يكون عالماً باستحالة الرؤية وقال في الجواب قوله لِمَ لا يجوز أن يقال إن موسى عليه السلام كان جاهلاً باستحالة الرؤية عليه قلنا لوجوه ثلاثة الأول الإجماع على أن علم الأنبياء بالله وصفاته أتم من علم غيرهم بذلك ف يشك أحد أن دعوى الإجماع في ذلك أظهر من دعوى إجماع الصحابة على العمل بالقياس وأخبار
الآحاد فإذا خصنا هذه الأصول بالإجماع فلأن يتمسك بالإجماع هاهنا أولى الثاني أن قبل ظهور أبي الحسين لم ينسب أحد من الأئمة موسى عليه السلام إلى الجهل بل الناس كانوا بين المعترف بصحة الرؤية وبين المنكر لها متأولين لهذه الرؤية إما على سؤال رؤية الآية أو على أنه عليه السلام سأل الرؤية لقومه وإذا كان كذلك كان أبو الحسين مسبوقاً بهذا الإجماع فيكون سؤاله مردوداً الثالث وهو أن أبا الحسين يدعي العلم الضروري بأن المرئي يجب أن يكون مقابلاً للرائي أو لآلة الرؤية والعلم الضروري حاصل بأن ما كان مقابلاً للجسم فهو مختص بجهة وتحيز فهذان العلمان الضروريان إن كانا حاصلين لموسى عليه السلام فيلزم من اعتقاد صحة رؤية الله اعتقاده لكونه جسماً متحيزاً قال وذلك ما لا يجوز بالاتفاق على الأنبياء عليهم السلام لأن تجويزه يمنع من العلم بحكمته عند أبي الحسين وإذا لم يحصل عنده العلمان الضروريان كان ذلك قادحاً في كونه عليه الصلاة والسلام عاقلاً وذلك لا يقوله عاقل فضلا عن
المسلم اهـ قلت فهذا الذي ذكره عن أبي الحسين وأتباعه وهم فضلاء المعتزلة قد تضمن أن موسى عليه السلام سأل الله أن يراه بالبصر وهم يقولون يعلم العاقل بالضرورة أن المرئي لا يكون إ في جهة ويعلم العاقل بالضرورة أنه لا يكون في الجهة إلا الجسم المتحيز وذلك يقتضي أن موسى عندهم كان يعتقد أن الله في جهة وأنه جسم وأما قول هذا بالاتفاق لا يجوز أي بالاتفاق بينه وبين الشيخ أبي الحسين لكن هذا الاتفاق ليس بحجة بالإجماع الوجه الثالث أن كون الرؤية مستلزمة لأن يكون الله بجهة من الرائي أمر ثبت بالنصوص المتواترة ففي الصحيحين وغيرهما الحديث المشهور عن الزهري قال أنا سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد
الليثي أن أبا هريرة أخبرهما أنا الناس قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب قالوا لا قال فهل تمارون في رؤية القمر ليس دونه سحاب قالوا لا يا رسول الله قال فإنكم ترونه كذلك وذكر الحديث بطوله قال أبو سعيد أشهد لحفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا هو في الصحيحين من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن
يسار عن أبي سعيد قال قلنا يا رسول اله هل نرى ربنا قال هل تضارون في رؤية الشمس إذا كان صحواً قلنا لا يا رسول الله قال فهل تضارون من رؤية القمر ليلة البدر إذا كان صحواً قلنا لا قال فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤيتهما وساق الحديث بطوله وفي صحيح مسلم من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قال ناس يا رسول الله أنرى ربنا يوم القيامة قال فهل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة ليست في سحاب قالوا لا قال فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس في سحاب قالوا لا قال والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤية أحدهما وذكر الحديث بطوله فهذا فيه مع إخباره أنهم يرونه إخبارهم أنه يرونه في جهة منهم من وجوه
أحدها أن الرؤية في لغتهم لا تعرف إلا لرؤية ما يكون بجهة منهم فأما رؤية ما ليس في الجهة فهذا لم يكونوا يتصورونه ولا يعرفونه فضلاً عن أن يكون اللفظ يدل عليه كما قد اعترف هو بذلك فيما تقدم وهو أيضاً فإنك لست تجد أحداً من الناس يتصور وجود موجود في غير جهة فضلاً عن أن يتصور أنه يرى فضلاً عن أن يكون اسم الرؤية المشهورة في اللغات كلها يدل على هذه الرؤية الخاصة الوجه الثاني أنه قال فإنكم ترون ربكم كما ترون الشمس صحواً وكما ترون القمر صحواً فشبه هم رؤيته برؤية الشمس والقمر وليس ذلك تشبيهاً للمرئي بالمرئي ومن المعلوم أنه إذا كانت رؤيته مثل رؤية الشمس والقمر وجب أن يرى في جهة من الرائي كما أن رؤية الشمس والقمر كذلك فإنه لو لم يكن كذلك لأخبرهم برؤية مطلقة نتأولها على ما يتأول من يقول بالرؤية في غير جهة أما بعد أن يستفسرهم عن رؤية الشمس صحواً ورؤية البدر صحواً ويقو إنكم ترون ربكم كذلك فهذا لا يمكن أن يتأول على الرؤية التي يزعمونها فإن هذا اللفظ لا يحتملها لا حقيقة ولا مجازاً
الوجه الثالث أنه قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب وهل تضارون في القمر ليس دونه سحاب فشبه رؤيته برؤية أظهر المرئيات إذا لم يكن ثَمَّ حجاب منفصل عن الرائي يحول بينه وبين المرئي ومن يقول إنه يرى في غير جهة يمتنع عنده أن يكون بينه وبين العباد حجاب منفصل عنهم إذ الحجاب لا يكون إلا لجسم ولما يكون في جهة وهم يقولون الحجاب عدم خلق الإدراك في العين والنبي صلى الله عليه وسلم مثَّل رؤيته برؤية هذين النورين العظيمين إذا لم يكن دونها حجاب الوجه الرابع أنه أخبر أنهم لا يضارون في رؤيته وفي حديث آخر لا يضامون ونفي الضير والضيم أن ما يكون لإمكان لحوقه للرائي ومعلوم أن ما يسمونه رؤية وهو رؤية ما ليس بجهة من الرائي لا فوقه ولا في شيء من جهاته لا يتصور فيها ضير ولا ضيم حتى ينفي ذلك بخلاف رؤية ما يواجه الرائي ويكون فوقه فإنه قد يلحقه فيه ضيم وضير إما بالازدحام عليه أو كلال البصر لخفائه كالهلال وإما لجلائه كالشمس والقمر ومثل هذا الحديث المشهور حديث قيس بن أبي حازم
عن جرير بن عبد الله البجلي قال كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر قال إنكم سترون ربكم عياناً كما ترون هذا لا تضارون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وقرأ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وهذا لفظ البخاري في بعض طرقه وفيه زيادة لفظ عياناً وإلا فبقية ألفاظ الحديث مستفيضة في الصحيحين وغيرهما وفي الصحيحين من حديث يحيى بن سعيد وثنا سعيد بن أبي عروبة ثنا
قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون ذلك فيقولون لو استشفعنا على ربنا فأراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فذكر الحديث إلى أن قالوا ائتوا محمداً عبداً قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتوني حتى أستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجداً لربي فيدعني ما يشاء الله أن يدعني ثم يقال لي ارفع محمد قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه الله ثم أشفع فيحدّ لي حداً فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه الثانية فإذا رأيت ربي عز وجل وقعت أو خررت ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال لي ارفع رأسك قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة ثم أعود إليه الثالثة فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجداً لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني فذكر الحديث
فكون الرائي وهو النبي صلى الله عليه وسلم يراه والرائي في مكان ولا يراه والرائي في مكان آخر ويعود إلى ذلك المكان دليل على أن المرئي يرى والرائي في مكان ولا يرى إذا كان الرائي في مكان آخر وهذا الاختصاص لا يكون إلا بما يكون بجهة من الرائي بخلاف ما يسمونه رؤية فإنها من جنس العلم اختصاص لها بكون الرائي في مكان دون مكان وأيضاً ففي الصحيحين عن أبي عمران الجوني عن أبي
بكر بن عبد الله بن قيس وهو ابن أبي موسى الأشعري عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن فأخبر أنهم لا يمنعهم من النظر إلا ما على وجهه رداء الكبرياء ومن يقول إنه يرى لا في جهة عنده ليس المانع إلا كون الرؤية لم تخلق في عينه لا يتصور عنده أن يحجب الرائي شيء منفصل عنه أصلاً سواء فسر رداء الكبرياء بصفة من صفات الرب أو بحجاب منفصل عن الرب فعلى التقديرين لا يتصور عند هؤلاء أن يكون ذلك مانعاً من الرؤية ولا يمنع من رؤية الله عندهم إ ما يكون في نفس الرائي وكذلك قوله في جنة عدن سواء كانت ظرفاً له أو للرداء فعلى التقديرين
يخالف مذهب هؤلاء وأيضاً ففي صحيح مسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه قال فيقولون ما هو ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ويدخلنا الجنة قال فيكشف الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحب إليهم ما هو فيه ثم قرأ لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس 26] فأخبر أنه
يكشف الحجاب فينظرون إليه ومن يقول يرى لا في جهة لا يقول إن بينه وبين الخلق حجاباً ولا يتصور أن يحتجب عن الخلق وأن يكشف الحجاب وقد صرحوا بذلك كله قالوا لأن ذلك كله من صفة الجسم المتحيز فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بذلك علم أنه يرى في الجهة وليست الرؤية التي أخبر بها ما يزعمونه من الأمر الذي لا يعقل ينافقون فيه أهل الإيمان وعن شعبة بن يعلى بن عطاء عن وكيع بن حدس
عن أبي رزين قال قلت يا رسول الله أنرى ربنا يوم القيامة قال نعم قال وما آية ذلك في خلقه قال أليس كلكم ينظر إلى القمر ليلة البدر وإنما هو خلق من خلق الله الله أعظم وأجل وفي رواية حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع ابن حدس عن عمه أبي رزين قال قلت يا رسول الله كلنا نرى الله يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر مخلياً قلت بلى قال والله أعظم وذلك آيته في خلقه رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه ولفظ أبي داود قلت يا رسول الله كلنا يرى ربه وفي رواية له مخلياً به يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه قال يا أبا رزين أليس كلكم يرى القمر وفي رواية له ليلة البدر مخلياً به قلت بلى قال والله أعظم قال الخلال سمعت أبا
سعيد المصيصي الفقيه قال قال أبو صفوان رأيت
المتوكل في النوم وبين يديه نار مؤججة عظيمة فقلت يا أمير المؤمنين لمن هذه النار فقال هذه لابني المنتصر لأنه قتلني وتدري لِمَ قتلني لأني حدثته أن الله يرى في الآخرة قال أبو سعيد فقال إبراهيم الحربي هذه رؤيا حق وذلك أن المتوكل كتب حديث حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع ابن حدس بيده عن عبد الأعلى وقال لا أكتبه إلا بيدي فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يرى يوم القيامة لما سأله وسأله عن آية ذلك في خلقه والآية العلامة والدلالة وهو ما يعلم به ويدل على جواز ذلك فذكر له النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل بطريق القياس
التنبيه والأولى وقد قدمنا غير مرة أن مثل هذا القياس في قياس الغائب على الشاهد هو مما ورد في الكتاب والسنة فقال أليس كلكم يرى القمر مخلياً به ليلة البدر قال فالله أعظم وأجل وقال إنما هو خلق من خلق الله وذلك آيته في خلقه وإثباته صلى الله عليه وسلم جواز الرؤية لجميع الخلق في وقت واحد وكل منهم يكون مخلياً به بالقياس على رؤية القمر مع قوله والله أعظم وأجل دليل واضح على أن الناس يرونه مواجهة عياناً يكون بجهة منهم وأنه إذا أمكن في بعض مخلوقاته أنه يراه الناس في وقت واحد كلهم يكون مخلياً به فالله أولى أن يمكن ذلك فيه فإنه أعظم وأجل الوجه الرابع أن كون الله يرى بجهة من الرائي ثبت بإجماع السلف والأئمة مثل ما روى اللالكائي عن علي بن
أبي طالب أنه قال إن من تمام دخول الجنة والنظر إلى الله في جنته وعن عبد الله بن مسعود أنه قال في مسجد الكوفة وبدأ باليمين قبل الحديث فقال والله ما منكم من إنسان إلا أن ربه سيخلو به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر قال فيقول ما غرك بي يا ابن آدم ثلاث مرات ماذا أجبت المرسلين ثلاثاً كيف علمت فيما علمت وعن أبي موسى الأشعري أنه كان يعلم الناس سنتهم ودينهم قال فشخصت أبصارهم أو قال حرفوها عنه قال فما حرف أبصاركم عني قالوا الهلال أيها الأمير قال فذاك أشخاص أبصاركم عني قالوا نعم قال فكيف إذا رأيتم الله جهرة
وعن معاذ بن جبل قال يحبس الناس يوم القيامة في صعيد واحد فينادي أين المتقون فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر قلت من المتقون قال قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة فيمرون إلى الجنة
وروى اللالكائي عن ابن وهب قال سمعت مالك بن أنس يقول الناظرون ينظرون إلى الله عز وجل يوم القيامة بأعينهم وعن أشهب قال وسئل مالك عن قوله تعالى وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿22﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿23﴾ [القيامة 22-23] أينظر الله عز وجل قال نعم فقلت إن أقواماً يقولون ينظر ما عنده قال بل ينظر إليه نظراً وقد قال موسى قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن