الجزء الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
وكذلك الانقسام إلى قسمين هو حكم عقلي وكذلك لزوم أحد الوصفين لا بعينه حكم عقلي ليس بحسي فإذا كان هذا الحكم يحكم به العقل بمجرد علمه وجود الشيء المحايث والمباين قبل علمه بكونه محدثاً علم أن العلم بهذا الانقسام العقلي لا يتوقف على الحكم بالحدوث بل يعلم بمجرد العلم بكونه موجوداً فلو كان المقتضي له ليس هو الوجود بل هو الحدوث أو ما يشترط فيه الحدوث كان الحكم بذلك يدون العلم بمقتضيه وملزومه حكماً بالذهن بلا حجة فإنه إنما يستدل على الشيء بعلته أو معلوله أو يستدل بأحد المعلولين على الآخر فإذا كانت جميع وجوه الأدلة منتفية انتفى العلم فإذا كان العلم بهذا الانقسام موجوداً بدون هذه الوجوه علم أنها ليس أدلة فلا تكون داخلة في التعليل وكذلك قوله الأمر المعلوم بالبديهة لا يجوز أن يكون علة وصف استدلالي إنما هو العلة التي توجب العلم بالحكم ولكن يجوز أن يكون المؤثر فيما أدركه الحس ما لم
يذكره الحس ولكن هذا الانقسام ليس من الأمور الحسية بل من الأحكام العقلية والعقل لا يحصر شيئاً قبل الإحاطة بأفراده ولا تلازم بين شيئين قبل العلم بوجه الملازمة فإن لم يكن الوجود هو المقتضي لهذا الحصر والتقسيم لهذه الملازمة لم يجز حكم الذهن بذلك حتى يعلم دليلاً يدله على هذا الحصر والتقسيم وهذه الملازمة ولا يجوز أن يكون الحكم بديهياً ودليله نظرياً استدلالياً ومن يدبر عقله علم أنه يحكم بهذا التقسيم وهذا اللزوم بمجرد العلم بالوجود قبل العلم بالحدوث وغيره فإن لم يكن الوجود مقتضياً له لم يكن له أن يحكم إلا بما أحسه وهذان هذا مباين لهذا وهذا محايث له أما أن يحكم حكماً عاماً على جميع الموجودات إما أن يكون محايثاً وإما أن يكون مبايناً قبل علمه بتساويهما في ذلك فهو حكم بلا أصل وهذا الكلام يحتاج إلى تقرير أن العلة الخارجة هي العلة الذهنية وإلا فيمكن النزاع في ذلك وإما قوله في السؤال السابع لو كان الوجود واحداً في الشاهد والغائب ليس إلا بالاشتراك اللفظي وهذا لا يمكن إلا بأن يكون الباري مثلاً للمحدثات أو يكون الوجود زائداً
على الماهية والمخالفون لا يقولون بواحد منهما فيقال مثل هذا الكلام تكرر في تصانيف هذا الرجل وهو غلط عظيم في أظهر الأمور وأول الأمور المعقولة من العلم الكلي وهو وجود الحق ووجود الخلق ولهذا يغلط به من نقل مذاهب الناس فإن مذهب عامة الناس بل عامة الخلائق من الصفاتية كالأشعرية والكرامية وغيرهم أن الوجود ليس مقولاً بالاشتراك اللفظي فقط وكذلك سائر أسماء الله التي سمي بها وقد يكون لخلقه اسم كذلك مثل الحي والعليم والقدير فإن
هذه ليست مقولة بالاشتراك اللفظي فقط بل بالتواطؤ وهي أيضاً مشككة فإن معانيها في حق الله تعالى أولى وهي حقيقة فيهما ومع ذلك فلا يقولون إن كما يستحقه الله تعالى من هذه الأسماء إذا سمي بها مثل ما يستحقه غيره ولا أنه في وجوده وحياته وعلمه وقدرته مثلاً لخلقه ولا يقولون أيضاً إن له أو لغيره في الخارج وجوداً غير حقيقتهم الموجودة في الخارج بل اللفظ يدل على قدر مشترك إذ أطلق وجرد عن الخصائص التي تميز أحدهما وهو لا يستعمل كذلك في أسماء الله فقط ولا هو موضوعاً في اللغة كذلك وإنما يذكر كذلك في مواضع تجرد عن الخصائص كما تجرد في المناظرة لأمور يحتاج إليها فيقدر تجريده عن الخصائص تقديراً كما يقدر أشياء لم توجد وهو حينئذ دال على قدر مشترك بين المسلمين ولكن ذلك المشترك ليس مجموع حقيقة كل منهما الموجودة في الخارج فإن لفظ الموجود إذا جرد يدل على الموجود المطلق لم يكن الوجود المطلق حقيقة إلا في الذهن وأما
الوجود الخارجي فوجود كل موجود معين مميز عن الآخر مختص به وذلك كـ الجسم المطلق والحيوان المطلق والإنسان المطلق وقد تقدم غير مرة أن حقيقة ذلك أن هذه الحيوانية الخارجية المعينة تشبه هذه الحيوانية وهذه الإنسانية الخارجية تشيه هذه الإنسانية فبينهما مشابهة من هذا الوجه وإن كانت بينهما مخالفة من وجوه أخرى وإذا قيل هذا موجود وهذا موجود ففيه إثبات أصل الوجود والثبوت والكون لكل منهما وأن ما لهذا يشبه ما لهذا من هذا الوجه وهذا المعنى الذي اشتركا فيه واشتبها في غاية البعد عن حقيقة كل منهما كما أن حقيقة كل منهما يكون في غاية البعد عن حقيقة الآخر فوجود أحدهما في الخارج هو عين حقيقته فإذا قيل إن سائر الحقائق والماهيات تشاركها في مسمى الحقيقة والماهية أو تشبهها في ذلك كان هذا
الشبه البعيد في غاية البعد عن الحقيقتين ولكن الأمور العظيمة الاختلاف بالحقيقة قد تشتبه في أمر ما وهو الذي اشتركت فيه وأعم هذه الأمور هذا الوجود الثابت والكون فمن كان نظره في هذا نظره في أبعد الأشياء عن حقيقة الرب وكثير من هؤلاء يعتقد أنه قد أدرك حقيقته أو أنه لا حقيقة له إلا ذلك وهؤلاء من أعظم الخلق تمثيلاً لربهم بكل شيء وقد جعلوا كل شيء نداً له وكفواً حيث جعلوا حقيقته هي الوجود المطلق وذلك يثبت لكل موجود فهم أعظم الخلق إشراكاً بالله ومن هنا قال الاتحادية منهم إنه وجود كل شيء وأنه وجود الموجودات كلها ونحو ذلك مما هو من أعظم الإشراك والتعطيل وأصل هذا أن الاشتراك أو الاشتباه في أمر ما لمسمى الوجود أو الحي أو غير ذلك لا يقتضي التماثل بوجه من الوجوه بل يقتضي نوع اشتباه وقد يكون بعيداً عن التماثل وهذا الرازي يظن كثيراً أن الاشتراك في شيء هو التماثل فيحكم على
المشتبهين في شيء بحكم المتماثلين ثم إنه في موضع آخر يناقض ذلك حتى يجعل الأمور المتماثلة في الحكم لا تتماثل في العلة والأمور المتماثلة في العلة لا تتماثل في الحكم إذ هو متناقض في عامة كلامه ثم إن هؤلاء المتفلسفة والمتكلمة والمتصوفة وسائر الملاحدة من القرامطة وغيرهم الذين يقولون حقيقته هي
الوجود المحض أو المطلق أو نحو ذلك يزعمون أنهم أبعد الخلق عن التشبيه وأنهم هم الموحدون المحققون للتوحيد حتى ينفوا الصفات والأسماء نفياً منهم زعموا الشبيه وهم أعظم الخلق تشبيهاً وتمثيلاً وإشراكاً وجعلوا أنداداً لله مع ما هم عليه من التعطيل وأبعد الخلق عن أن يوحدوا الله تعالى بوحدانيته التي انفرد بها عن سائر مخلوقاته فإنهم جعلوا حقيقته الوجود المطلق فهذا القدر ثابت لكل موجودة فقد جعلوا حقيقته ما هو ثابت لكل شيء فقد جعلوا حقيقة الله تشركه فيها البعوضة والنملة بل الكلب والخنزير وقد يصرحون بأن وجود الكلب والخنزير عين وجوده وهذا من أغلظ الإشراك والكفر برب العالمين وهو تعطيل الله إذ لا وجود للوجود المطلق إلا في المعين فإذا لم تثبت له حقيقة موجودة مختصة به منفصلة عن الموجودات لزم
تعطيله ثم إن حقيقته التي اختص بها وامتاز بها عن خلقه لا يثبتونها وبها وجبت له الوحدانية والوجود من حيث هو وجود كالثبوت والكون وكونه حقاً وهذا القدر ثابت لكل ما خلقه وسَوّاه وهو سبحانه رب كل موجود سِوَاه وخالقه وباريه ليس كمثله شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً وهذا الموضع قد أوسعنا القول فيه في مواضع غير هذا وهو منشأ الاشتراك والضلال في طوائف من الفلاسفة والاتحادية وسائر الملاحدة الذين يعمهم معنى الجهمية وإن كان لبعضهم عن بعض في ذلك مزية ومنشأ هذا من القياس الفاسد والتمثيل برب العالمين والتسوية بينه وبين غيره كما قال تعالى فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ﴿94﴾ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ﴿95﴾ قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ ﴿96﴾ تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿97﴾ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿98﴾ وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ﴿99﴾ [الشعراء 94-99] وأصل الإشراك الذي هو من القياس الفاسد هو من إبليس أول من قاس قياساً
فاسداً وهو إمام المشركين وقائدهم ولا ينجو منه إلا المخلصون الذين أثبتوا لله ما يختص به من الصفات والعبادات كما قال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿82﴾ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿83﴾ [ص 82-83] وقال تعالى إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴿99﴾ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴿100﴾ [النحل 99-100] وهذا باب واسع ليس هذا موضعه وذلك أنهم يجردون أسماء هذا وصفاته وأسماء هذا وصفاته فيسوون بينهما ويجردون القدر المشترك بينهما فيثبتونه حقيقة خارجة وقد يجعلون هذا الذي جردوه هم بأذهانهم فقدروه في أنفسهم هو الحقيقة الموجودة في الخارج كقولهم هو في كل مكان بذاته وقولهم هو نفس ووجود
الموجودات وهو الوجود المطلق ونحو ذلك وأما السؤال الثامن فقوله في المعارضة إن المقتضي لقبول الانقسام في الجوهر والعرض لو كان هو الوجود لزم في الجوهر وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض وكذلك في العرض وهو فيقال هذا غلط ظاهر ومغالطة قبيحة وذلك أن هذا الموجود إما أن يراد به الموجود المعين الخارجي فيكون المعنى أن يلزمه أحد الحكمين إما المحايثة وإما المباينة لا يقال فيها إنه منقسم إليهما وعلى هذا فالجوهر الموجود يلزمه أحدهما والعرض الموجود يلزمه أحدهما وإما أن يراد به الوجود المطلق الكلي الذي هو مورد التقسيم إلى الأقسام فهذا إذا قيل إنه ينقسم إلى محايث ومباين فهو كقولنا ينقسم إلى جوهر وعرض ولا يلزم من قبول القسمة أن يكون أحد قسميه القسمة التي يقبلها هو بل هذا جمع بين النقيضين وأما قوله في السؤال التاسع إن هذا الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة اللازمة عنه باطلة وهذا يدل على أنه منقوض وبيانه من وجوه
الأول أن كل ما سوى الله محدث فتكون صحة الحدوث حكماً مشتركاً فلابد لها من علة مشتركة والمشترك الحدوث أو الوجود والحدوث لا يكون علة صحة نفسه فوجب كونها معللة بالوجود فيلزم أن يكون الله محدثاً فيقال صحة الحدوث ليست من أحكام الأمور الوجودية بل من أحكام الأمور التي يمكن وجودها سواء كانت موجودة أو لم تكن بخلاف المحايثة والمباينة فإنها مختصة بالوجود دون العدم وأما صحة الحدوث فهي مشتركة بين الوجود الممكن وبين كل معدوم ممكن فبينها وبين لزوم المحايثة أو المباينة عموم وخصوص إذ صحة الحدوث يعم المعدوم الممكن بخلاف لزوم المحايثة والمباينة وبخلاف الرؤية وأما لزوم المحايثة أو المباينة والرؤية فلا يعلم انتفاؤه عن الله بخلاف صحة الحدوث فإنه يعلم بالضرورة انتفاؤه في حق الله تعالى وإذا كان كذلك فيجب أن تكون علة صحة الحدوث ما يطابقه في العموم وذلك ليس هو الحدوث فإنه أخص منه إذ ليس كل ما صح حدوثه كان محدثاً ولا الوجود فإنه ليس كل موجود يصح حدوثه والمطابق له هو الإمكان الخاص فصحة الحدوث معللة بعلة مشتركة وهو الإمكان الخاص وهذه علة
مطردة منعكسة كتعليل الموجود بالرؤية وبلزوم المحايثة والمباينة وقوله في الوجه الثاني إن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم أو قائم بالحجم ثم نذكر التقسيم إلى آخره حتى يلزم أن يكون الباري إما حجماً أو قائماً بالحجم والقوم لا يقولون به فعنه جوابان أحدهما أن المعنى بالحجم في اللغة الظاهرة هو الشيء الكثيف المتحد كالحجر والتراب خلاف الهواء فإنه لا يسمى في اللغة المشهورة حجماً فإن كان مقصوده هذا فليس كل موجود في الشاهد إما حجماً أو قائماً بالحجم وإن أراد به أن كل موجود في الشاهد قائم بنفسه أو قائم بالقائم في نفسه فهذا مطرد في الغائب وأن حال كل موجود في الشاهد فهو إما جسم وإما عرض أو إما جوهر وإما عرض ويذكر التقسيم إلى آخره فيقال له لفظ الجوهر والعرض في الاصطلاح الخاص ليس نفيهما عن الله من الشريعة كما أنه ليس إثباتهما من
الشريعة بل سلف الأمة وأئمتها أنكروا على من تكلم بنفيها كما أنكروا التكلم بإثباتها أو أكثر وعدوا ذلك بدعة فليس لأحد أن ينفي بهذين اللفظين اللذين ليس لهما أصل لا في نص ولا في إجماع ولا أثر إلا بحجة منفصلة غير هذا اللفظ إذ الحجج التي يستدل فيها باللفظ لابد أن يكون لفظها منقولاً عمن يجب اتباع قوله وهو الكتاب والسنة أو الإجماع فكيف باللفظ الذي لا ينقل عن إمام في الدين ولا أحد من سلف الأمة وأما المعاني المرادة بهذين اللفظين فلابد من تفسيرها فإن الناس متنازعون فيما يريدون بهذه الألفاظ من المعاني ومتنازعون في لزوم تلك المعاني لبعض وغير ذلك وإذ كان كذلك فإن فسر مفسر معنى الجوهر والعرض بما لم يعلم انتفاؤه في حق الله تعالى كان ذلك طرد الدليل فلا ينتقض به ولا ينتقض الدليل حتى يبين أن هذا التقسيم يمكن في بعض المعاني التي يجب نفيها عن الله تعالى ولم يفعل ذلك وذلك يظهر بالوجه الثاني وهو أن قوله وهم لا يقولون به قياس إلزامي وقد تقدم أنه قد قال إن هذا الدليل ليس بحجة لا في النظر ولا في المناظرة وذلك أن هذا الدليل إن كان مستلزماً ثبوت مسمى الجسم والعرض كان حجة عليهم في هذا
الموضع كما هو حجة على أولئك في المواضع الأُخَر فإذا ذكروا فرقاً فإن كان ذلك الفرق صحيحاً لم يصح النقض بالجسم والعرض وإن لم يكن الفرق صحيحاً لم يكن نفيهم لمسمى الجسم والعرض صحيحاً على التقديرين فلا يلزم بطلان هذه الحجة الوجه الثالث وأما قوله في الوجه الثالث إن كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان وساق التقسيم إلى آخره حتى يلزم كونه محايثاً للعالم أو مبايناً عنه في أي جهة كان وذلك يقتضي أن لا يختص بجهة فوق بل يلزم صحة الحركة على ذاته من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال فعنه أجوبة أحدها أنه ليس كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان بل من الأجسام الموجودة ما يمتنع من بقاء حقيقته أن يكون من الآخر إلا في جهة معينة كما أن رأس الإنسان يمتنع أن يكون إلا فوق وبطن قدمه يمتنع أن يكون إلا في أسفله ولو غير ذلك خرج عن حقيقته وكذلك العرش يمتنع أن يكون في أسفل سافلين وأسفل سافلين يمتنع أن يكون فوق العرش
الثاني أن يقال ما تعني بقولك فلابد وأن يكون محايثاً له أو مبايناً عنه في أي جهة كان أتعني أن العقل يشهد أنه لابد من وجوب المباينة ولو بأي جهة كان أو تعني أنه لابد مع وجوب المباينة من جواز المباينة من جميع الجهات فهذان معنيان متغايران فإن وجوب مطلق المباينة من غير تعيين جهة غير وجوب المباينة ووجوب جوازها بكل جهة فإن عني أن كل موجودين فإنه ولابد أن يتحايثا أو يباين أحدهما الآخر وأنه لابد مع ذلك أن يجوز مباينته من جميع الجهات فهذا القدر ليس معلوماً بالبديهة ولا بالحس وكثير من الناس ينازع في كثير من ذلك وبالجملة ليس هذا هو العلم البديهي الذي يعلم في المشهودات فإنا لا نعلم أن كل ما هو قائم بنفسه يجوز أن يكون في جميع الجهات من كل قائم بنفسه هذا لا يعلم بالبديهة بحال وإذا لم يكن معلوماً بالبديهة لم يجب أن يعلل بعلة تعم الوجود حتى نعلم ثبوته وحينئذ فمن الناس من يقول ليس هذا ثابتاًً لجميع المخلوقات ومنهم من يثبته للمخلوق دون الخالق وإذا كان الأمر كذلك فإن المنازع يقول قد قام الدليل على أن هذا ليس ثابتاً لجميع الموجودات وليس هو مما علم بالبديهة أنه يشترك فيه جميع
المشهودات فلا يكون نظير حجتنا إذا علم اختصاصه ببعض الموجودات فإنه يعلل بما يختص به الوجه الرابع أن الاستدلال بما يجب لكل موجودين والواجب لكل موجودين أن يكونا متباينين أو متحايثين أما كون أحدهما يصح أن يكون مبايناً للآخر من جميع جهاته فهذا ليس هو الواجب لكل موجودين والحجة كانت فيما يلزم الموجود من المحايثة أو المباينة واللازم له أصل المباينة أما المباينة من جميع الجهات فليس ذلك بلازم وإن كان جائزاً بل يجوز أن يجعل الله بعض الأشياء لا تباين إلا بجهة معينة الخامس أن يقال ليس للعالم إلا جهتان وهي العلو والسفل فأما العلو فهو مختص بالله تعالى وأما أسفل سافلين فذلك سجين وهو المركز الذي لا يسع إلا الجوهرالفرد
وكل قائم بنفسه فإنه يصح أن يكون مبايناً عنه بجميع الجهات لأن كل ما سواه يصح أن يكون فوقه وإن كان كذلك فيقال بموجب المعارضة وهو أن الله تعالى يجوز أن يكون مبايناً للعالم من جميع جهاته لأن جميع جهاته لأن جميع جهاته هي العلو ليس له جهة أخرى فظهر القول بموجب الحجة ألا ترى أن سطح العرش مباين للعالم كذلك السادس أن قوله ذلك يستلزم صحة الحركة عليه من الفوق إلى السفل وهم لا يقولون بذلك فنقول هذا قياس إلزامي وفي صحة الحركة نزاع مشهور
وهم يدعون ثبوت الفارق فإن صح ما يدعونه من الفارق وإلا كانت هذه الحجة حجة عليهم في المسألتين جميعاً ولا يتعضل ذلك كما تقدم نظيره وأما قوله في الرابع إن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة والمباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو مركباً من الجواهر وكون كل موجود في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد أن يكون معللاً بالوجود فوجب أن يكون الباري على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه عندهم ليس بعرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف من الأجزاء والأبعاض فيقال له أما تسمية صفاته عرضاً فإن منهم من سمى صفاته أعراضاً مع أن النزاع في ذلك لفظي وذلك أن الجهمية من المعتزلة وغيرهم الذين ينفون الصفات لما رأوا أن الصفات تقوم بالأجسام وهي الأعراض أيضاً وبها أو ببعضها احتجوا
على حدوث الموصوف الذي قامت به وقالوا به وقالوا إنها لا تقوم إلا بمتحيز ولا تقوم إلا بمحدث نفوها عن الله تعالى وقالوا من أثبتها فقد قالوا إنه يقوم به الأعراض وهي لا تقوم إلا بمتحيز فيكون متحيزاً محدثاً فسلك معهم مثبتة الصفات ثلاثة مسالك أحدها قول من يقول له صفات لكن ليست أعراضاً أو لا تسمى أعراضاً لأن العرض ما يعرض لمحله ويزول عنه وصفاته لازمة لذاته ليست زائلة عنها وهذا مما قوى عند هؤلاء أن يقولوا الأعراض لا تبقى زمانين أصلاً ليكون هذا فرقاً بين صفات الله تعالى وصفات المخلوقين من تسمية صفات المخلوقات أعراضاً دون صفات الخالق وبهذا وأمثاله انتحلوا دعوى السنة في قولهم الأعراض لا تبقى زمانين لأن هذا
مما وكدوا به في اعتقادهم مذهب أهل السنة في ثبوت صفات الله تعالى وهذه طريقة الكلابية والأشعرية ومن وافقهم من الفقهاء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم والمسلك الثاني طريقة من لا ينازعهم في تسمية صفات الله تعالى أعراضاً كما لا ينازعهم في تسمية من قامت به من الصفات جسماً ولا يقول أيضاً بأن الأعراض لا تبقى بل الأعراض التي في الحس باقية هي باقية كالألوان وغيرها بخلاف ما ليس باقياً كالحركة وهؤلاء يقولون هب أن الأعراض قامت به وهب أنه جسم فليس يلزم من ذلك محذور وهذا قول طوائف من الصفاتية من الكرامية والشيعة ومن وافقهم من الفقهاء وغيرهم والمسلك الثاني أن لا يقولوا صفاته أعراض ولا يقولوا ليست أعراضاً كما لا يقولون إنه جسم ولا أنه ليس بجسم لأن ذلك كله بدعة مذموم عند سلف الأمة وأئمتها ولأن النزاع في ذلك إن كان في معنى وجب إثبات المعنى الحق دون المعنى الباطل فيسأل النفاة المثبتة ما أرادوا بذلك فإن أثبتوا حقاً وباطلاً أقر الحق دون الباطل وكذلك النفاة إن نفوا حقاً
وباطلاً نفى الباطل دون الحق ومن أثبت حقاً أو نفى باطلاً أقر ومن أثبت باطلاً أو نفى حقاً منع وإن كان النزاع في اللفظ فما يوصف به الباري نفياً وإثباتاً من الأسماء والصفات فالمتبع فيه الشريعة فلا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله لا من الإثبات ولا من النفي والله سبحانه وتعالى قد أخبر أنه أحد صمد ونزه نفسه عن الوالد والولد والشريك والكفو والسمي والحاجة والنوم وغير ذلك مما دل عليه القرآن ولم يذكر هو ولا رسوله ولا أهل العلم والإيمان به أنه ليس بجسم ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهة ولا أن صفاته ليست بعرض ولا قائمة بالغير ولا نحو ذلك وكذلك في الإثبات له الأسماء الحسنى التي يدعى بها وليس في تلك الأسماء أنه جسم ولا جوهر ونحو ذلك ولا أن صفاته تسمى أعراضاً ونحو ذلك فلم يكن واحد من هذين مشروعاً على الإطلاق ولا هو أيضاً منهياً عنه على الإطلاق بل إذا أثبت الرجل معنى حقاً ونفى معنى باطلاً واحتاج إلى التعبير عن ذلك بعبارة لأجل إفهام المخاطب لأنها من لغة المخاطب ونحو ذلك لم يكن ذلك منهياً عنه لأن ذلك يكون من باب ترجمة أسمائه وآياته بلغة أخرى ليفهم أهل تلك اللغة معاني كلامه وأسمائه وهذا جائز بل مستحب أحياناً بل واجب أحياناً وإن لم يكن ذلك مشروعاً على الإطلاق كمخاطبة أهل هذه الاصطلاحات الخاصة في أسماء الله وصفاته وأصول الدين
باصطلاحهم الخاص إذا كانت المعاني التي تبين لهم هي معاني القرآن والسنة تشبه قراءة القرآن بغير العربية وهذه الترجمة تجوز لإفهام المخاطب بلا نزاع بين العلماء وأما قراءة الرجل لنفسه فهذا لايجوز عند عامة أهل العلم لا في الصلاة ولا في خارج الصلاة وجوَّزه بعضهم مطلقاً لكن لمن لم يحسن العربية لكن المخاطبة ليست كإقراء القرآن لكن تشبه ذكره والثناء عليه والدعاء له بما لم يوِّقت الشارع فيه شيئاً بعينه ولهذا يكره أيضاً عند كثير من العلماء أو أكثرهم تغيير العربية إلا للحاجة ومنهم من لم يكرهه إذا تبيين ذلك فجوابه من وجوه أحدها أن هذا الوجه الذي ذكره هو من الوجوه
الإلزامية وهذه ليست بحجه لا للناظر ولا للمناظر كما تقدم غير مرة وذلك أن هذه الحجة إما أن توجب أن كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام أو لا توجبه فإن لم توجبه فلا يضر وإن أوجب ذلك ولم يذكر الفارق فرقاً بين الموضعين وإلا كانت حجة عليهم في الموضعين وكان له أن يقول أنا إنما أثبت الجسم والجوهر والعرض لكذا وكذا فإن كان هذا فرقاً صحيحا بطل الإلزام وإن لم يكن فرقاً صحيحاً تاماً امتنع الحكم إذ ليس في ذلك نص ولا إجماع عام الوجه الثاني أن يقال كون الموجود في الشاهد جوهراً فرداً أو ليس بجوهر فرد ليس ذلك بمشهود ولا معلوم بحس ولا ضرورة كالعلم بأن الموجود في الشاهد إما مباين وإما محايث بل في ذلك نزاع عظيم بين المتكلمين وهذا المؤسس هو من المتوقفين في إثبات الجوهر الفرد وقد حكى التوقف فيه عمن حكاه من أذكياء الطوائف كأبي الحسين البصري وأبي المعالي الجويني وإذا لم يكن هذا معلوماً بالحس والاضطرار لم يكن نظير تلك الحجة
الوجه الثالث أن من ينكر الجوهر الفرد من أهل الكلام والفلسفة أو من توقف فيه يمنع الانقسام إلى هذه الثلاثة وهؤلاء طوائف كثيرون الوجه الرابع أن قوله إن المباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو يكون مركباً من الجواهر وكون كل موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد وأن يكون معللاً بالوجود يقال له ليس كون الأشياء القائمة بأنفسها في الشاهد مركبة من الجواهر وإنها إما جوهر فرد وإما جسم مؤتلف مما يعلم لا بحس ولا بضرورة كما يعلم أن الموجود إما أن يقوم بنفسه وإما أن يقوم بغيره بل في ذلك نزاع عظيم بين الناس نفياً وإثباتاً ووقفاً وإذا كان كذلك لم يكن نظيراً له الوجه الخامس أن من يقول الجسم واحد في نفسه ليس مركباً من الجواهر من أهل الكلام والفلسفة سواء قالوا ينقسم إلى جزء لا يقبل القسمة أو قالوا يقبل القسمة إلى ما لا يتناهى ينازعون في هذا الانقسام ويقولون لا نسلم أن القائم بنفسه لا يكون إلا مركباً من الأجزاء أو جوهراً فرداً وهؤلاء طوائف كثيرة
الوجه السادس أن يقال قد مر الكلام على معنى القسمة والتركيب وأن حاصله يعود إلى تميز شيء من شيء كامتياز صفة من صفة وأن ذلك مما يجب الاعتراف به في حق كل موجود فإنه يمتنع أن يكون شيء من الموجودات بدون ذلك وإن كان كذلك لم يكن ما يلزم الوجود مما سموه انقساماً وتركيباً محالاً فإذا أوجبت الحجة القول به قيل به الوجه السابع أن يقال إن عنيت بكونه عرضاً أنه صفة قائمة بالموصوف ويكون منقسماً أي فيه نوع تميز فهذا يلتزمه أهل الإثبات للعلو وإن عنيت بكونه عرضاً أنه يعرض ثم يزول وبكونه منقسماً مركباً أنه يقبل التفرق والاجتماع بعد التفرق فيقال هذا وصف له بعدم بعد الوجود وبوجود بعد عدم وإذا كان هذا كذلك لم يمتنع أن يكون الموجب لذلك متضمناً للعدم فإن الممتنع تعليل الأمر الوجودي كالرؤية ولزوم أحد الوصفين الموجودين بما فيه عدم أما الوصف المشتمل على عدم فلا يمتنع تعليله بالوصف المشتمل على عدم يوضح ذلك الوجه الثامن وهو أن العرض ... الذي يختص به المخلوق جوهر عند من يقول بذلك ويفرق بين صفة الخالق وصفة المخلوق مما يمتنع بقاؤه ويجب عدم بعد وجوده وأقل ما في ذلك أنه يجوز عدمه بعد وجوده والجسم المخلوق إما
أن يكون متفرقاً في نفسه منقسما قسمة حقيقة بحيث يكون بعضه منفصلاً عن بعض وإما أن يكون قابلاً لذلك وعلى التقديرين فلا يكون هذا الحكم صفة للموجود من حيث هو موجود فإن الموجود من حيث هو موجود لا يكون واجب العدم ولا واجب التفرق والانفصال وإذا كان كذلك كان نفس هذا الوصف المذكور يوجب أن يخص ما يجوز عليه العدم والتفرق الوجه التاسع أن وجوب العدم أو التفرق لا يجوز تعليله بالوجود فإن الوجود نفسه لا يوجب التفرق والعدم فإن العدم ينافى الوجود والشيء لا يكون موجباً لما ينافيه وكذلك التفرق هو نوع من عدم الكمال فإن الاجتماع صفة كمال وقوة والافتراق ينقص تلك القوة والكمال وكذلك يسمى الشيء جميلاً والجمال مشتق من الإجمال الذي هو الجمع والضم ولهذا يقال كل ألم في العالم فأصله من تفرق واجتماع فكون الشيء موجوداً أو مقصوداً بحيث يحصل به الفرح والسرور لا يناسب تفرقه واختلاله وإنما يناسب اجتماعه وإكماله ولهذا كان الاسم الصمد فيه معنى الاجتماع المنافي للتفرق وفيه اجتماع الخلق إليه بحيث يكون هو المقصود لهم في العبادة في الدعاء والعبد لابد له من قصد يقصده والشيء
إنما يقصد لنفسه أو لغيره والله هو المقصود المعبود لنفسه وهو المدعو المسئول الذي يسأل منه كل شيء وإذا كان كذلك تبين أن هذا الحكم لا يجوز تعليله بالوجود المطلق ولا بما يشتمل على الوجود الواجب وأما قوله في الوجه الخامس إن كل موجود يفرض مع العالم فهو إما أن يكون مساوياً للعالم أو زائداً عليه في المقدار أو أنقص منه في المقدار فانقسام الموجود في الشاهد إلى هذه الأقسام الثلاثة للأربعة كذا حكم لابد له من علة ولا علة إلا الوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به فثبت بما ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة فيقال له عن هذه أيضاً وجوه أحدها أن هذه أيضاً حجة إلزامية لا حقيقية فالذي ينفي هذه الأقسام عن الباري إما أن يذكروا فرقاً صحيحاً أو لا يذكروه فإن ذكروه بطل إلزامهم بذلك في حجة المباينة والمحايثة وإن لم يذكروا فرقاً صحيحاً كان ذلك حجة عليهم
في الموضوعين كما تقدم نظيره وحينئذ فلا يكون هذا حجة لا في نظر ولا في مناظرة فإن هذا ليس متفقاً على نفيه بل أكثر أهل الإثبات يلتزم أحد الأقسام الوجه الثاني أن يقال هذا التقسيم باطل فإن كل ما نشهده فهو جزء من العالم سواء كان قائماً بنفسه أو بغيره فكيف يقال فيما هو بعض العالم إما أن يكون مساوياً للعالم أو أزيد منه أو أنقص منه ومن المعلوم أنه لا يكون إلا أنقص منه وإذا كان لا يصح أن يكون مساوياً له ولا أزيد وبهذا يظهر أن هذا ليس نظير الحجة فإن تلك مضمونها أن كل موجود يلزمه أحد الأمرين إما المحايثة لغيره وإما المباينة له والوجود ينقسم إلى قسمين محايث ومباين ولا يمكن أن يقال الموجود المشهود يلزمه أحد هذه الأقسام إنما يلزمه واحد منها معين وهو النقص الوجه الثالث أن هذا الذي ذكره إنما هو فيما يقدر وجوده ويفرض مع العالم ومعلوم أن ما يقدر وجوده ويفرض لا يعلم حكمه بالحس ولا بالبديهة كما يعلم حكم الموجود المشهود المحسوس مع الموجود المشهود المحسوس فإن تلك الحجة مبناها على ما علم بالحس والضرورة ثم النظر هل ذلك معلل بما يتناول الوجود الواجب أو بما يخص غيره وأما الموجودات المقدرة فحكمها لا يعلم بحس ولا ضرورة وإنما
يعلم بالقياس على ماعلم وجوده الوجه الرابع أن هذا إذا كان في الوجود المقدر مع العالم فذلك الموجود إما أن يكون هو الله أو غيره فإن كان غيره فقد علم أنه معدوم لأن كل مايقدر وجوده سوى الله فهو من العالم فلا يمكن تقدير موجود غير الله خارج عن مجموع خلقه وإن كان المراد بهذا الموجود هو الله كان المعنى أن الله لا يخلو إما أن يكون أكبر من العالم أو أصغر أو بقدره وإذا كان هذا هو المعنى المقدر فاحتجاجه بهذا على أن الباري موصوف بأحد هذه الأقسام هو استدلال بالشيء على نفسه فالدليل هو غير المدلول ويكون التقدير أن الرب الموجود مع العالم إما أن يكون مساوياً له أو أكبر أو أصغر وإذا كان كذلك فهو إما أن يكون مساوياً أو أكبر أو أصغر ومعلوم أن هذا باطل فضلاً أن يكون نظير الحجة وقد ظهر بما نبهنا عليه في الكلام على هذه الحجة أن قوله ونحن بعد أن بالغنا في تنقيحها وتقريرها أوردنا عليه هذه الأسئلة القاهرة والاعتراضات القادحة ليس الأمر كما قاله فإن الحجة لم يستوف تقريرها كما يجب وليس ما ذكره من الاعتراض كما زعم هذا مع أنا لم نستوف الكلام في تقريرها ولا في الأجوبة على أسولته لأن المقصود حكاية ما ذكره هو من الحجة وذكر ما ينبه على الحكم العادل بينه وبين خصومه
فصل قال الرازي الشبهة الثالثة للكرامية في إثبات كونه تعالى ف الجهة قالوا ثبت أن تعالى تجوز رؤيته ولرؤية تقتضي مواجهة المرئي أو مواجهة شيء هو في حكم مقابلته وذلك يقتضي كونه تعالى مخصوصاً بجهة قال والجواب اعلم أن المعتزلة والكرامية توافقوا على أن كل مرئي لابد وأن يكون في جهة إلا أن المعتزلة قالوا لكنه ليس في الجهة فوجب أن لا يكون مرئياً والكرامية قالوا لكنه مرئي فوجب أن يكون في الجهة وأصحابنا نازعوا في هذه المقدمة وقالوا لا نسلم أن كل مرئي فإن مختص بالجهة بل لا نزاع في أن الأمر في الشاهد كذلك فلِمَ قلتم إن كل ما كان كذلك في الشاهد وجب أن يكون في الغائب كذلك وتقريره أن هذه المقدمة إما أن تكون مقدمة بديهية أو استدلالية فإن كانت بديهية لم يكن في إثبات كونه تعالى مختصاً بالجهة حاجة إلى هذا الدليل وذلك لأنه ثبت في الشاهد أن كل قائم بالنفس مختص بالجهة وثبت أن الباري جل وتعالى قائم بالنفس فوجب القطع بأنه تعالى مختص بالجهة لأن العلم الضروري حاصل بأن كل ما ثبت في الشاهد
وجب أن يكون في الغائب كذلك فإذا كان هذا الوجه حاصلاً في إثبات كونه تعالى في الجهة كان إثبات كونه في الجهة بكونه مرئياً ثم إثبات أن كل ما كان مرئياً فهو مختص بالجهة تطويل من غير فائدة ومن غير مزيد شرح وبيان وأما إن قلنا إن قولنا كل مرئي فهو مختص بالجهة ليست مقدمة بديهية بل هي مقدمة استدلالية فحينئذ ما لم يذكروا على صحتها دليلاً تصير هذه المقدمة يقينية وأيضاً فكما أنا لا نعقل مرئياً في الشاهد إلا إذا كان مقابلاً أو في حكم المقابل للرائي فكذلك لا نعقل مرئياً إلا إذا كان صغيراً أو كبيراً أو ممتداً في الجهات أو مؤتلفاً من الأجزاء وهم يقولون إنه تعالى يرى لا صغيراً ولا كبيراً ولا ممتداً في الجهات والجوانب والأحياز فإذا جاز لكم أن تحكموا بأن الغائب مخالف للشاهد في هذا الباب فلم لا يجوز أيضاً أن يقال إن المرئي في الشاهد وإن وجب كونه مقابلاً للرائي إلا أن المرئي في الغائب لا يجوز أن يكون كذلك والكلام على ما ذكره من وجوه
أحدها أن ما ذكره عن المعتزلة والكرامية ليس هو قولهم فقط بل قول عامة طوائف بني آدم من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس والمشركين والصابئين وهو قول جماهير مثبتي الصفات ونفاتها ولا يعرف القول بإثبات الرؤية مع نفي كون الله تعالى فوق العالم إلا عن هذه الشرذمة وهم بعض أتباع الأشعري ومن وافقهم وليس ذلك قول أئمتهم كما يقول هؤلاء وإن كانوا هم وغيرهم يقولون إن في كلام أئمتهم تناقضاً أو اختلافاً فقد قدمنا أن تناقض من كان إلى الإثبات أقرب هو أقل من تناقض من كان إلى النفي أقرب وقد قدمنا أن العلم بأنه فوق العالم أعظم من العلم بأنه يرى فعلم ذلك بالعقل أعظم في الطريقة البديهية والقياسية وعلم ذلك بالسمع أعظم لما في الكتاب والسنة من الدلالات الكثيرة التي لا يحيها إلا الله تعالى على أن الله فوق ولهذا تجد هؤلاء الذين يثبتون الرؤية دون العلو عند تحقيق الأمر منفقين لأهل السنة والإثبات يفسرون الرؤية التي يثبتونها بنحو ما يفسرها به المعتزلة وغيرهم من الجهمية فهم ينصبون الخلاف فيها مع المعتزلة ونحوهم ويتظاهرون بالرد عليهم
وموافقة أهل السنة والجماعة في إثبات الرؤية وعند التحقيق فهم موافقون للمعتزلة إنما يثبتون من ذلك نحو ما أثبته المعتزلة من الزيادة في العلم ونحو ذلك مما يقوله المعتزلة في الرؤية أو يقول قريباً منه ولهذا يعترف هذا الرازي بأن النزاع بينهم وبين المعتزلة في الرؤية قريب من اللفظي فعلم أن هؤلاء حقيقة باطنهم باطن المعتزلة الجهمية المعطلة وإن كان ظاهرهم ظاهر أهل الإثبات كما أن المعتزلة عند التحقيق حقيقة أمرهم أمر الملاحدة نفاة الأسماء والصفات بالكلية وإن تظاهروا بالرد عليهم والملاحدة حقيقة أمرهم حقيقة من يجحد الصانع بالكلية هذا لعمري عند التحقيق وأما عوام الطوائف وإن كان فيهم فضيلة وتميز فقد يجمعون بين المتناقضات تقليداً وظناً ولذا لا يكونون جاحدين وكافرين مطلقاً لأنهم يثبتون من وجه وينفون من وجه فيجمعون بين النفي والإثبات قال الأشعري في الإبانة باب الرد على الجهمية
نفيهم علم الله وقدرته قال الله تعالى أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ [النسا 166] وقال سبحانه وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ [فصلت 47 فاطر 11] وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه فقال سبحانه فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ [هود 14] وقال سبحانه وتعالى وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء [البقرة 255] وذكر تعالى القوة فقال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً [فصلت 15] وقال سبحانه ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴿58﴾ [الذاريات 58] وقال الله تعالى وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات 47] قال وزعمت الجهمية والدرية أن الله عز وجل لا علم له ولا حياة ولا سمع ولا بصر وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير فمنعهم من ذلك خوف السيف من إظهارهم ذلك فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا لا علم ولا قدرة لله فقد قالوا ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير فلم تقدر المعتزلة أن تفصح
بذلك فأتوا معناه وقالت إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن نثبت له علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وهؤلاء الذين ذكر قولهم قالوا ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير وهؤلاء شر من الملاحدة الذين تقدم ذكرهم وحكاية الرازي قولهم الذين يقولون لا نقول موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل فإن أولئك امتنعوا من التسمية بالضدين لم ينفوا أن يكون هو تعالى في نفسه موصوفاً بأحدهما فهؤلاء الذين نفوا ذلك أعظم من أولئك وقد أخبر أن قول المعتزلة مأخوذ من هؤلاء وكذلك قال في كتاب المقالات لما قال وهذا ذكر اختلاف الناس في الأسماء والصفات فقال الحمد لله لذي بصرنا خطأ المخطئين وعمى العمين وحيرة المتحيرين الذين نفوا صفات الله رب العالمين وقالوا إنه جل ثناؤه وتقدست
أسماؤه لا صفات له وأنه علم له ولا قدرة له ولا حياة له وسمع له ولا بصر له ولا عز له ولا جلال له ولا عظمة له ولا كبرياء له وكذلك قالوا في سائر صفات الله التي يوصف لنفسه قال وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعاً لم يزل ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا قديم وعبروا عنه بأن قالوا نقول عين لم يزل ولم يزيدوا على ذلك غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره فأظهروا أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك قال وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الأيادي كان ينتحل قولهم فزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة ومنهم رجل يعرف بعباد بن سليمان يزعم أن الباري تعالى عالم قادر سميع بصير
حكيم جليل في حقيقة القياس قال وقد اختلفوا فيما بينهم اختلافاً تَشَتَّتَت فيه أهواؤهم واضطربت فيه أقاويلهم اهـ ثم ذكر بينهم نزاعاً كثيراً يس هذا موضعه وقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري في كتاب ذم الكلام في آخره لما عقد باباً في ذكر
هؤلاء الأشعرية المتأخرين فقال باب في ذكر كلام الأشعري ولما نظر المبرزون من علماء الأمة إلا على التعطيل البحت وأن قطب مذهبهم ومنتهى عقيدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة إنه تعالى في كل موضع وفي كل شيء وما استثنوا جوف كلب ولا جوف خنزير ولا حشا فراراً من الإثبات وذهاباً عن التحقيق وأن ولهم سميع بلا سمع بصير بلا بصر عليم بلا علم قادر بلا قدرة إله بلا نفس ولا شخص
ولا صورة ثم قالوا لا حياة له ثم قالوا لا شيء فإنه لو كان شيئاً لأشبه الأشياء حاولوا حول مقال رؤوس الزنادقة القدماء إذ قالوا الباري لا صفة له ولا لا صفة خافوا على قلوب ضعفاء المسلمين وأهل الغفلة وقلة الفهم منهم إذ كان ظاهر تعلقهم بالقرآن وإن كان اعتصاماً به من بالسيف واجتناباً به منه وإذ هم يرون التوحيد ويخاوضون المسلمين ويحملون الطيالسة فأفصحوا بمعائبهم وصاحوا بسوء ضمائرهم ونادوا على خبايا نكتهم فيا طول ما لقوا في أيامهم من سيوف الخلفاء وألسن العلماء وهجران الدهماء فقد شحنت كتاب تكفير الجهمية من مقالات علماء الإسلام