الجزء الرابع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
إلا الوجود والثاني وهو الذي عوّل عليه ابن الهيصم في المناظرة التي زعم أنها دارت بينه وبين ابن فورك فقال لو كلن هذا الحكم معللاً بالحدوث لكان الجاهل بكون السماء حادثة جاهلاً بأن السماء بالنسبة إلى سائر الموجودات التي في العالم إما أن تكون محايثة لها أو مباينة عنها بالجهة لأن المقتضي للحكم إذا كان أمراً معيناً فالجاهل بذلك المقتضي يجب أن يكون جاهلاً بذلك الحكم ألا ترى الوجود لما كان هو المستدعي للتقسيم إلى القديم والمحدث لا جرم كان اعتقاد أنه غير موجود مانعاً من التقسيم بالقدم والحدوث فلما كان التقسيم إلى الأسود والأبيض معلقاً بكونه كان ملوناً كان اعتقاد أن الشيء غير ملون مانعاً من اعتقاد التقسيم إلى الأسود والأبيض ولما رأينا الدهري الذي يعتقد قدم السموات
والأرض لا يمنعه ذلك من اعتقاد أن السموات والأرضين إما أن تكون محايثة وإما أن تكون مباينة بالجهة علمنا أن هذا الحكم غير معلل بالحدوث الوجه الثالث في بيان أن المقتضي هذا الحكم ليس هو الحدوث وقد ذكره ابن الهيصم أيضاً في تلك المناظرة وتقريره أن كونه محدثاً وصف يعلم بالاستدلال وكونه بحيث يجب أن يكون إما محايثاً أو مبايناً بالجهة حكم معلوم بالضرورة والوصف المعلوم الثبوت بالاستدلال لا يجوز أن يكون أصلاً للحكم الذي يعلم ثبوته بالضرورة فثبت بهذه
الوجوه أن المقتضي لهذا الحكم ليس هو الحدوث المقدمة الرابعة وهي في بيان أنه لما كان المقتضي لهذا الحكم في الشاهد هو الوجود والباري موجود وكان المقتضي لكونه تعالى إما محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة حاصلاً في حقه فكان هذا الحكم حاصلاً هناك واعلم أنا نفتقر في هذه المقدمة إلى بيان أن الوجود حقيقة واحدة في الشاهد والغائب وذلك يقتضي كون وجوده تعالى زائداً على حقيقته فإنه ما لم يثبت هذا الأصل لم يحصل المقصود فهذا غاية ما يمكن ذكره في تقرير هذه الشبهة ومن نظر في تقريرنا لهذه الشبهة وتقريرهم لها علم أن التفاوت بينهما كبير قال والجواب أن مدار هذه الشبهة على أن كل موجودين في الشاهد فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو
مبايناً عنه بالجهة وهذه المقدمة ممنوعة وبيانه من وجوه الأول أن جمهور الفلاسفة يثبتون موجودات غير محايثة لهذا العالم الجسماني ولا مبايناً عنه بالجهة وذلك لأنهم يثبتون العقول والنفوس الفلكية والنفوس الناطقة
ويثبتون الهيولي ويزعمون أن هذه الأشياء موجودات غير متحيزة
ولا حالة في المتحيز فلا يصدق عليها أنها محايثة لهذا العالم ولا مباينة عنه بالجهة وما لم يبطلوا هذا المذهب بالدليل لا يصح القول بأن كل موجودين في الشاهد إما أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه الثاني أن جمهور المعتزلة يثبتون إرادات وكراهات موجودة لا في محل ويثبتون فناءً لا في محل وتلك الأشياء لا يصدق عليها أنها محايثة للعالم أو مباينة عن العالم بالجهة فما لم يبطلوا ذلك لا تتم دعواهم الثالث أنا نقيم الدليل على أن الإضافات أعراض موجودات في الأعيان ثم نبين أنها تمتنع أن تكون محايثة للعالم أو مباينة عنه بالجهة وذلك يبطل كلامهم وإنما قلنا إن
الإضافات أعراض موجودات في الأعيان وذلك لأن المعقول من كون الإنسان أباً لغيره مغاير لذاته المخصوصة بدليل أنه يمكن أن يعقل ذاته مع الذهول عن كونه أباً وابناً والمعلوم غير ما هو غير معلوم وأيضاً فإنه يمكن ثبوت ذاته منفكة عن الأبوة والبنوة مثل عيسى عليه السلام فإنه ما كان أباً لأحد ولا ابناً لأحد من الذكور والثابت غير ما هو غير ثابت فكونه أباً وابناً مغايراً لذاته المخصوصة ثم هذا المغاير إما أن يكون وصفاً سلبياً أو ثبوتياً والأول باطل لأن عدم الأبوة هو الوصف السلبي والأبوة رافعة له ورافع العدم الوجود فثبت أن
الأبوة وصف وجودي مغاير لذات الأب إذا ثبت هذا فنقول إنه مستحيل أن يقال الأبوة محايثة لذات الأب وإلا لزم أن يقال إنه قائم بنصف الأب نصف الأبوة وبثلثه ثلث الأبوة ومعلوم أن ذلك باطل ومحال أن يقال إنها مباينة عن ذات الأب مباينة بالجهة والحيز وإلا لزم كون الأبوة جوهراً قائماً بذاته مبايناً عن ذات الأب بالجهة وذلك أيضاً محال فثبت بهذا الدليل وجود موجود لا يمكن أن يقال إنه محايث للعالم ولا أن يقال مباين عنه بالجهة وإذا ثبت هذا بطل قولهم السؤال الثاني سلمنا أن كل موجودين في الشاهد فلابد أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة لكن كون الشيء بحيث يصدق عليه قولنا إما أن يكون وإما أن لا يكون إشارة إلى كونه قابلاً للانقسام إليهما لكن قبول القسمة حكم عدمي والعدم لا يعلل وإنما قلنا إن قبول القسمة حكم عدمي لأن أصل القبول حكم عدمي فوجب أن يكون قبول القسمة حكماً عدمياً وإنما قلنا إن أصل القبول حكم عدمي لأنه لو كان أمراً ثابتاً لكان صفة من صفات الشيء المحكوم عليه
بكونه قابلاً والذات قابلة للصفة القائمة بهاق يكون قبول ذلك القبول زائداً عليه ولزم التسلسل وإنما قلنا إنه لما كان أصل القبول عدمياً كان قبول القسمة أيضاً كذلك لأن القبول للقسمة قبول مخصوص فتلك الخصوصية إن كانت صفة موجودة لزم قيام الوجود بالعدم وهو محال وإن كانت عدمية لزم القطع بأن قبول القسمة عدمي وإذا ثبت أنه حكم عدمي امتنع تعليله لأن العدم نفي محض فكان التأثير فيه محالاً فثبت أن قبول القسمة لا يمكن تعليله السؤال الثالث هب أنه من الأحكام الوجودية فلم لا يجوز أن يكون معللاً بخصوص كونه جوهراً أو بخصوص كونه عرضاً قوله لأن كونه جوهرياً يمنع من المحايثة وكونه عرضاً بمنع من المباينة بالجهة وما كان علة لقبول الانقسام إلى قسمين يمنع كونه مانعاً من أحد القسمين قلنا ما الذي تريدون بقولكم الوجود في الشاهد ينقسم إلى المحايث وإلى المباين بالجهة إن أردتم أن الوجود في الشاهد قسمان
أحدهما أن يكون محايثاً لغيره بالجهة وهو العرض والثاني أن يكون مبايناً لغيره بالجهة وهو الجوهر وهذا مسلم لكنه في الحقيقة إشارة إلى حكمين مختلفين معللين بعلتين مختلفتين فإن عندنا وجوب كونه محايثاً لغيره معلل بكونه عرضاً ووجوب كون القسم الثاني مبايناً عن غيره بالجهة معلل بكونه جوهراً فبطل قولكم إن خصوص كونه عرضاً وجوهراً لا يصلحان لعلة هذا الحكم وإن أردتم به أن إمكان الانقسام إلى هذين القسمين حكم واحد وأنه ثابت في جميع الموجودات التي في الشاهد فهو باطل لأن إمكان الانقسام إلى هذين القسمين لم يثبت في شيء من الموجودات التي في الشاهد فضلاً عن أن يثبت في جميعها لأن كل موجود في الشاهد فهم إما جوهر وإما عرض فإن كان جوهراً امتنع أن يكون محايثاً لغيره بالجهة فلم يكن قابلاً لهذا الانقسام فثبت بما ذكرنا أن الذي قالوه مغالطة والحاصل أن هذا المستدل أوهم أن
قوله الموجود في الشاهد إما أن يكون محايثاً لغيره أو يكون مبايناً عنه بالجهة إشارة إلى حكم واحد ثم بنى عليه أنه لا يمكن أن يعلل هذا الحكم بخصوص كونه جوهراً لا بخصوص كونه عرضاً ونحن بينا أنه إشارة إلى حكمين مختلفين معللين بعلتين مختلفتين السؤال الرابع سلمنا أنه لا يمكن تعليل هذا الحكم بخصوص كونه جوهراً ولا بخصوص كونه عرضاً فلم قلتم إنه لابد من تعليله إما بالحدوث وإما بالوجود وما الدليل على هذا الحصر أقصى ما في الباب أن يقال سبرنا وبحثنا فلم نجد قسماً آخر إلا أنا بينا في الكتب المطولة أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود وشرحنا أن هذا السؤال هادم لكل دليل مبني على تقسيمات منتشرة غير محصورة بين النفي والإثبات
السؤال الخامس سلمنا أن عدم الوجدان يدل على عدم الوجود لكن لا نسلم قولكم أنا ما وجدنا لهذا الحكم علة سوى الحدوث والوجود بيانه من وجهين أحدهما أن من المحتمل أن يقال المقتضي لقولنا إن الشيء إما أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه هو كونه بحيث تصح الإشارة الحسية إليه وذلك لأن كل شيئين تصح الإشارة الحسية إليهما فإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما عين الإشارة إلى الآخر وذلك كما في اللون والمتلون وهذا هو المحايثة وإما أن تكون الإشارة إلى أحدهما غير الإشارة إلى الآخر وهذا هو المباينة بالجهة فثبت أن المقتضي لقبول هذه القسمة هو كون الشيء مشاراً إليه بحسب الحس وعلى هذا التقدير ما لم يقيموا الدلالة على أنه تعالى مشار إليه بحسب الحس لا يمكن أن يقال إنه يجب أن يكون محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة لكن كونه تعالى مشاراً إليه بحسب الحس وهو مما وقع النزاع فيه وحينئذ يتوقف صحة الدليل على صحة
المطلوب وذلك يفضي إلى الدور وهو باطل الثاني لاشك أن ما سوى الله تعالى إما أن يكون محايثاً لغيره أو مبايناً عن غيره بالجهة ولا شك أن الله تعالى مخالف لهذين القسمين بحقيقته المخصوصة إذ لو لم يكن مخالفاً لهما بحقيقته المخصوصة لكان مثلاً للجواهر والأعراض ويلزم منه كونه تعالى محدثاً كما أن الأعراض والجواهر محدثة وذلك محال وإذا ثبت هذا فنقول إن الجواهر والأعراض يشتركان في الأمر الذي وقعت به المخالفة
بينهما وبين ذات الباري فلم لا يجوز أن يكون المقتضي لقبول الانقسام إلى المحايث وإلى المباين هو ذلك الأمر وعلى هذا التقدير سقط هذا السؤال لأنه لا مشترك بين الجواهر والأعراض إلا الحدوث السؤال السادس سلمنا الحصر فلِمَ لا يجوز أن يكون المقتضي لهذا الحكم هو الحدوث قوله أولاً الحدوث ماهية مركبة من العدم والوجود قلنا كل محدث فإنه يصدق عليه كونه قابلاً للعدم والوجود وأيضاً كون الشيء منقسماً إلى المحايث والمباين معناه كونه قابلاً للانقسام إلى هذين القسمين فالقابلية إن كانت صفة وجودية كانت في الموضعين كذلك وإن كانت عدمية فكذلك ولا يبعد تعليل عدم بعدم أما قوله ثانياً لو كان المقتضي لهذا الحكم هو الحدوث لكان الجهل بحدوث الشيء يوجب الجهل بهذا الحكم قلنا الكلام عليه من وجهين الأول لِمَ قلتم إن الجهل بالمؤثر يوجب الجهل بالأثر ألا ترى أن جهل الإنسان بأسباب المرض والصحة وجهل نفاة الأعراض بالمعاني الموجبة لتغير أحوال الأجسام لا يوجب جهلهم بتلك التغيرات وجهل الدهري بكونه تعالى قادراً على الخلق والتكوين لا يوجب
جهله بوجود هذا العالم الثاني لوكان الجهل بالعلة يوجب الجهل بالمعلول لكان العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول وعلى هذا التقدير لو كان المقتضي لكون الموجودين في الشاهد إما متحايثين أو متباينين بالجهة هو الوجود لزم أن من علم كون الشيء موجوداً أن يعلم وجوب كونه محايثاً للعالم أو مبايناً له لكن الجمهور الأعظم وهم أهل التوحيد يعتقدون أنه تعالى موجود ولا يعلمون أنه تعالى لابد وأن يكون إما محايثاً للعالم أو مبايناً له فوجب على هذا المساق أن لا يكون المقتضي لهذا الحكم هو كونه موجوداً وهذا السؤال قد أورده الأستاذ ابن فورك من أصحابنا على ابن الهيصم ولم يقدر أن يذكر عنه جواباً سوى أن قال يمتنع أن يحصل العلم بالأثر مع الجهل بالمؤثر وطال كلامه في تقرير هذا الفرق ولم يظهر منه شيء معلوم يمكن حكايته قوله ثالثاً كونه محدثاً وصف استدلالي وكونه إما
محايثاً أو مبايناً أمر معلوم بالبديهة والوصف الاستدلالي لا يجوز أن يكون علة للحكم المعلوم بالبديهة قلنا ممنوع فإنا بينا أن المؤثر في كثير من الأشياء استدلالي والأثر بديهي السؤال السابع سلمنا أن المؤثر في هذا الحكم ليس هو الحدوث وأنه هو الوجود لكن لِمَ قلتم إنه يلزم حصوله في حق الله تعالى وبيانه أن المطلوب إنما يلزم لوكان الوجود أمراً واحداً في الشاهد والغائب أما إذا لم يكن الأمر كذلك بل كان وقوع لفظ الوجود على الشاهد والغائب ليس إلا بالإشراك اللفظي كان هذا الدليل ساقطاً بالكلية ثم إن الكرامية لا يمكنهم أن يقولوا بأن الوجود في
الغائب الشاهد واحد إذ لو كان كذلك لزمهم إما القول بكون الباري تعالى مثلاً للمحدثات من جميع الوجوه أو القول بأن وجوده زائد على ماهيته والقوم لا يقولون بهذا الكلام السؤال الثامن سلمنا أن ما ذكرتم يدل على أن الوجود هو العلة لهذا الحكم لكن هاهنا دليل آخر يمنع منه وهو أن المقتضي لقبول الانقسام في الجوهر والعرض لو كان هو الوجود لزم في الجوهر وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض وأنه محال ولزم أيضاً في العرض وحده أن يقبل الانقسام إلى الجوهر والعرض ومعلوم أن ذلك محال فإن قالوا إن كل جوهر وعرض فإنه يصح كونه منقسماً إلى هذين القسمين نظراً إلى كونه موجوداً وإنما يمتنع ذلك الانقسام نظراً إلى مانع منفك وهو خصوصية ماهيته قلنا هذا اعتراف بأنه لا يلزم من كونه الوجود علة لصحة أمر من الأمور أن يصح ذلك الحكم على كل ما كان موصوفاً بالوجود لاحتمال أن
تكون ماهيته المخصوصة مانعة من ذلك الحكم وإذا كان كذلك فلِمَ لا يجوز أن يقال الوجود وإن اقتضى كون الشيء إما محايثاً لغيره أو مبايناً عنه إلا أن خصوصية ذاته تعالى كانت مانعة من هذا الحكم فلِمَ يلزم من كونه تعالى موجوداً كونه بحيث يكون إما محايثاً للعالم أو مبايناً عنه بالجهة السؤال التاسع أن ما ذكرتموه من الدليل قائم في صور كثيرة مع أن النتيجة اللازمة عنه باطلة قطعاً وذلك يدل على أن هذا الدليل منقوض وبيانه من وجوه الأول أن كل ما سوى الله فهو محدث فتكون صحة الحدوث حكماً مشتركاً بينهما فنقول هذه الصحة حكم مشترك فلابد لها من علة مشتركة والمشترك إما الحدوث أو الوجود ولا يمكن أن يكون المقتضي لصحة الحدوث هو الحدوث لأن صحة الحدوث سابقة على الحدوث بالرتبة والسابق بالرتبة على الشيء لا يمكن تعليله بالمتأخر عن الشيء فثبت أن صحة الحدوث غير معللة بالحدوث فوجب كونها معللة بالوجود والله تعالى موجود فوجب أن يثبت في حقه صحة الحدوث وهو محال الثاني أن كل موجود في الشاهد فهو إما حجم أو قائم
بالحجم ثم يذكر التقسيم إلى آخره حتى يكون الباري تعالى إما حجماً أو قائماً بالحجم والقوم لا يقولون به الثالث أن كل موجودين في الشاهد فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه في أي جهة كان ثم يذكر التقسيم المتقدم حتى يظهر أن هذا الحكم معلل بالوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يصح على الباري كونه محايثاً للعالم أو مبايناً عنه في أي جهة كان من الجوانب التي للعالم وذلك يقتضي أن لا يكون اختصاص الله بجهة فوق بل يلزم صحة الحركة على ذات الله تعالى من الفوق إلى السفل وكل ذلك عند القوم محال الرابع أن كل موجودين في الشاهد فإنه يجب أن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً عنه بالجهة والمباين بالجهة لابد وأن يكون جوهراً فرداً أو يكون مركباً من الجواهر وكون كل
موجودين في الشاهد على أحد هذه الأقسام الثلاثة أعني كونه عرضاً أو جوهراً فرداً أو جسماً مؤتلفاً لابد وأن يكون معللاً بالوجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم ينكرون ذلك لأنه تعالى عندهم ليس بغرض ولا بجوهر ولا بجسم مؤتلف مركب من الأجزاء والأبعاض الخامس أن كل موجود يفرض مع العالم فهو إما أن يكون مساوياً للعالم أو زائداً عليه في المقدار أو أنقص منه في المقدار وانقسام الوجود في الشاهد إلى هذه الأقسام الثلاثة حكم لابد له من علة ولا علة إلا بالوجود والباري تعالى موجود فوجب أن يكون الباري تعالى على أحد هذه الأقسام الثلاثة والقوم لا يقولون به فثبت بما ذكرنا أن هذه الشبهة منقوضة قال واعلم أنا إنما طولنا في الكلام على هذه الشبهة لأن القوم يعولون عليها ويظنون أنها حجة قاهرة ونحن بعد أن بالغنا في تنقيحها وتقريرها أوردنا عليها هذه الأسولة
القاهرة والاعتراضات القادحة ونسأل الله تعالى أن يجعل هذه التحقيقات والتدقيقات سبباً لمزيد الأجر والثواب بمنه وفضله اهـ قلت والكلام على هذا مع العلم بأن المقصود ذكر القول الفصل والحكم العادل فيما يذكره النفاة من الحجج والجواب عما ذكره من جهة منازعيه ليس المقصود استيفاء حجج المثبتة بل إذا تبين أن هذا الذي هو الإمام المطلق في المتأخرين من هؤلاء النفاة المتكلمين والفلاسفة وعرف فرط معاداته لهؤلاء المثبتة الذين ذكرهم وذكر حججهم مع ما هم عليه من ضعف الحجج وقلة المعرفة بالسنن ومذاهب السلف ومع ما فيهم من الانحراف ثم تبين ظهور حججهم العقلية التي ذكرها مع السمعية على ما استوفاه من حجج النفاة العقلية والسمعية مع استعانته بكل من هو من النفاة حتى المشركين الصابئين مثل أرسطو وأبي معشر وشيعتهما من الفلاسفة
والمنجمين والمعتزلة وغيرهم ومع أنه لم يبق ممكناً فيما فيه شبهة حجة عرف من الحق ما يهدي به الله من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ولا حول ولا قوة إلا بالله وقد ذكر أن لهم طريقين على أن كل موجودين فلابد وأن يكون أحدهما محايثاً للآخر أو مبايناً له أحدهما ادعاء البديهة وقد ذكر أنه سبق الكلام في ذلك فأحال على ما تقدم وقد قدمنا القول على ما ذكره هناك في مقدمة كتابه مما يبين الحق لمن له أدنى نظر ولاحول ولا قوة إلا بالله وما ذكره هنا من حكاية كلام ابن الهيصم في مناظرته لابن فورك لم يبلغنا على الوجه المفصل لكن ذكر بعض المصنفين من النفاة أيضاً أنهما تناظرا بحضرة ولي السلطان محمود بن
سبكتكين وكان من أحسن ملوك أهل المشرق إسلاما ً وعقلاً وديناً وجهاداً وملكاً في آخر المائة الرابعة وكانت ملوك في خلافة القادر وكانت قد انتشرت إذ ذاك دعوة الملاحدة المنافقين الذين كانوا إذ ذاك بمصر وفد بنوا القاهرة وغيرها ولهم دعاة من أقاصي الأرض بالمشرق وغيره وكان والد ابن
سينا منهم وقال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في علوم الأوائل وكان بعض المشرق وكثير من جنده يميل إليهم وفي ذلك الوقت صنف الناس الكتب في كشف أسرارهم وهتك أستارهم مثل الكتاب الذي صنفه القاضي أبو بكر
الباقلاني وغيره وقد صنف مثل ذلك وبعضه كتب أخر وإنماالمقصود التنبيه على ما يتعلق بما نحن فيه وكان هذا مما دعا القادر إلى إظهار السنة وقمع أهل البدع فكتب الاعتقاد القادري المنسوب إليه وهو في الأصل من جمع الشيخ أبي أحمد القصاب وهو من أجل المشايخ
وأعلمهم وله لسان صدق عظيم وأمر القادر باستتابة من خالف ذلك من المعتزلة وغيرهم وقام الشيخ أبوحامد الأسفراييني إمام الشافعية والشيخ أبو عبد الله بن حامد إمام الحنابلة على
ابن الباقلاني بسبب ما ينسب إليه من بدعة الأشعري وجبت أمور بلغتنا مجملة غير مفصلة وصنف ابن الباقلاني كتابه المعروف في الرد على من ينسب إلى الأشعري خلاف قوله واعتمد السلطان محمود بن سبكتكين في مملكته نحو هذا وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر فلعنت الجهمية والرافضة والحرورية والمعتزلة والقدرية ولعنت أيضاً الأشعرية حتى جرى بسبب ذلك نزاع وفتنة بين الشافعية
والحنفية وغيرهم قوم يقولون هم من أهل البدع فيلعنون وقوم يقولون ليسوا من أهل البدع فلا يلعنون وجرت لابن فورك محنة بأصبهان وجرت له مناظرة مع ابن الهيصم بحضرة هذا السلطان محمود وكان يحب الإسلام والسنة مستنصراً بالإسلام عارفاً به غزا المشركين من أهل الهند وفتح الهند وروي أنه قتل عشرة آلاف زنديق فكان مما حكاه ميمون النسفي الحنفي في
كتابه وهو من نفاة العلو أن السلطان فهم كلام الطائفتين وفهم ما ذكرته المثبتة من أن أقوال النفاة توجب تعطيله وأنهم قالوا لو أردنا أن نصف المعدوم لم نصفه إلا بهذه الصفة بأنه لا داخل العالم ولا خارجه أو كلاماً هذا معناه وابن فورك عجز عن جواب هذا حتى كتب فيه على أبي إسحاق الأسفراييني وأن الأسفراييني لم يجب أيضاً بما يدفع به ذلك
إلا أن قال يلزم من الإثبات أن يكون جسماً أو نحو هذا مع أن المعروف عن أبي بكر بن فورك هو ما عليه الأشعري وأئمة أصحابه من إثبات أن الله فوق العرش كما ذكر ذلك في غير موضع من كتبه وحكاه عن الأشعري وابن كلاب وارتضاه وذكر البيهقي عنه في كتاب الصفات أنه قال استوى بمعنى علا وقال في قوله أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء [الملك 16]
أي من فوق السماء واحتج البيهقي لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة لقد حكمت فيهم
بحكم الله الذي حكم به فوق سبع سموات وبقول ابن عباس إن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة آلاف نور وهو فوق ذلك
وأبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني الذي له
الرسالة التي سماها برسالة الإيماء إلى مسألة الاستواء لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء وذكر أقوالاً متعددة قول الطبري أبي جعفر محمد بن جرير صاحب التفسير وأبي محمد بن أبي زيد والقاضي
عبد الوهاب وجماعة من شيوخ الحديث والفقه قال وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر وأبي الحسن يعني الأشعري وحكاه عنه أعني القاضي أبي بكر والقاضي عبد الوهاب نصاً وهو أنه سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه بذاته قال وأطلقوا القول في بعض الأماكن فوق عرشه قال أبو بكر الحضرمي وهو الصحيح الذي أقول به من غير تحديد ولا تمكن في مكان ولا كون فيه ولا مماسة
قال أبو عبد الله القرطبي صاحب التفسير الكبير في كتاب شرح الأسماء الحسنى بعد أن حكى كلام الحضرمي هذا قول القاضي أبي بكر في كتاب تمهيد الأوائل له وقاله الأستاذ ابن فورك في شرح أوائل الأدلة وهو قول أبي عمربن عبد البر
والطلمنكي وغيرهما من الأندلسيين وقول الخطابي في شعار الدين ثم قال بعد أن ذكر في الاستواء أربعة عشر
قولاً وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف بائن من جميع خلقه هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقاة ونقل أبو بكر بن فورك في كتاب مقالة أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وموافقته الأشعري وما بينهما من النزاع اليسير أو اللفظي فقال الفصل الأول في ذكر ما حكى شيخنا أبو الحسن رضي الله عنه في كتاب المقالات من جمل مذاهب أصحاب الحديث وأبان ما أبان في آخره أنه يقول بجميع ذلك ثم سرد ابن فورك المقالة التي تقدم ذكرنا لها من كلام الأشعري بعينها وما قيها من ذكر العرش واستواء الله عليه والصفات الخبرية وغير ذلك كما تقدم ثم قال في آخرها فهذا يحقق لك من ألفاظه أنه يعتقد لهذه الأصول التي هي قواعد أصحاب الحديث وأساس توحيدهم ولا ريب أن هذا قول الأشعرية المتقدمين وأئمتهم كلهم
ما علمت بينهم في ذلك نزاعاً وإنما أنكر ذلك من أنكره من متأخريهم وجميع كتب الأشعري تنطق بذلك كما ذكرناه فيما تقدم من كتبه وفيما لم يصل إلينا مما يحيل هو عليه مثل ما ذكره أبو القاسم بن عساكر في تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى أبي الحسن الأشعري بعد أن قال فلا بد أن نحكي عنه معتقده على وجهه بالأمانة ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة فاسمع ما ذكره في الإبانة فإنه قال الحمد لله الواحد العزيز الماجد المتفرد بالتوحيد المتمجد بالتمجيد الذي لا تبلغه صفات العبيد وليس له مثل ولا نديد وذكر تمام الخطبة إلى أن قال فإن قال قائل قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة فعرفونا
قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون قيل له قولنا الذي نقول به وديانتنا التي بها ندين التمسك بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون وبما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل نضّر الله وجهه قائلون ولمن خالف قوله مخالفون لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين فرحمة الله عليه من إمام مقدّم وكبير مفهم وعلى جميع أئمة المسلمين وذكر تمام الاعتقاد كما ذكرناه عنه فيما تقدم لما ذكر ما ذكره الأشعري في الإبانة ثم قال ابن عساكر بعد أن فرغ من سياق ذلك فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه وأبينه واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه قال الحافظ ابن عساكر قال أبو الحسن في كتابه الذي سماه العمد في الرؤية ألفناً كتابأ كبيراً في الصفات تكلمنا