الجزء الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
كان من الإثبات الذي ثبت لله تعالى ولغيره فإنه لا يكون إلا حقًّا متضمنًا مدحًا وثناءً وكمالاً والله أحق به ليس هو فيه مماثلاً لغيره وما كان من النفي الذي يُنْفَى عن الله وعن غيره فإنه لا يكون إلا نفي عيب ونقص والله سبحانه أحق بنفي العيوب والنقائص عنه من المخلوق فهذهِ الأقيسة العادلة والطريقة العقلية السلفية الشرعية الكاملة فأما ما يفعله طوائف من أهل الكلام من إدخال الخالق والمخلوق تحت قياس شمولي أو تمثيلٍ يتساويان فيه فهذا من الشرك والعدل بالله وهو من الظلم وهو ضرب الأمثال لله وهو من القياس والكلام الذي ذمَّه السلف وعابوه ولهذا ظن طوائف من عامة أهل الحديث والفقه والتصوف أنه لا يتكلم في أصول الدين أو لا يتكلم في باب الصفات بالقياس
العقلي قط وان ذلك بدعة وهو من الكلام الذي ذمه السلف وكان هذا مما اطمع الأولين فيهم لما رأوهم ممسكين عن هذا كله إما عجزًا أو جهلاً وإما لاعتقاد أن ذلك بدعة وليس من الدين وقال لهم الأولون رَدُّكُم أيضًا علينا بدعة فإن السلف والأئمة لم يردوا مثل ما رددتم وصار أولئك يقولون عن هؤلاء إنهم ينكرون العقليات وأنهم لا يقولون بالمعقول واتفق أولئك المتكلمون مع طوائف من المشركين والصابئين والمجوس وغيرهم من الفلاسفة الروم والهند والفرس وغيرهم على ما جعلوه معقولاً يقيسون فيه الحق تارة والباطل أخرى وحصل من هؤلاء تفريط وعدوان أوجبَ تفرقًا واختلافًا بين الأمة ليس هذا موضعه ودين الإسلام هو الوَسَطُ وهو الحق والعدل وهو متضمن لما يستحق أن يكون معقولاً ولما ينبغي عقله وعلمه ومُنزَّه عن الجهل والضلال والعجز وغير ذلك مما دخل فيه أهل الانحراف فسلك الإمام أحمد وغيره مع الاستدلال بالنصوص وبالإجماع مسلكَ الاستدلال بالفطرة والأقيسةِ العقلية الصحيحة المتضمنة للأَوْلَى
وذلك أن النجاسات مما أمر الشارع باجتنابها والتنزه عنها وتوعد على ذلك بالعقاب كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح تنزهوا عن البول فإن عامة عذاب القبر منه وهذا مما علم بالاضطرار من دين
الإسلام وهي فُطرت القلوب على كراهتها والنفور عنها واستحسان مجانبتها لكونها خبيثة فإذا كان العبد المخلوق الموصوف بما شاء الله من النقص والعيب الذي يجب تنزيهُ الرب عنه لا يجوز أن يكون حيث تكون النجاسات ولا أن يباشرها ويلاصقها لغير حاجة وإذا كان لحاجة يجب تطهيرها ثم إنه في حال صلاته لربه يجب عليه التطهير فإذا أوجب الرب على عبده في حال مناجاته أن يتطهر له ويتنزه عن النجاسة كان تنزيهُ الرب وتقديسهُ عن النجاسة أعظم وأكثر للعلم بأن الرب أحقُّ بالتنزيه عن كل ما يُنزّه عنه غيره وأيضًا فالمعبود أعظم من العابد وهذا معلوم في بدائِهِ العقول لا سيما وهو سبحانه القدوسُ السلامُ والقدوسُ مأخوذ من التقديس وهو التطهير ومنه سُمِّيَ القدوس قدوسًا والجهمية تدعي أنها تقدسهُ بنفي الصفات ويسمون كلامهم
تأسيس التقديس ومنهم من يقول بمخالطته للنجاسات والباقون يلتزمون ذلك فهم منجِّسون لا مقدسون ومِن أنكرِ الأمور في بدائِهِ العقول أن يكون العابد واجبًا عليه التنزيه عن النجاسات التي تخرج منه مع أن المعبود مختلط بها ملاصق لها وإذا كان العلم بأن الرب سبحانه أحق بالتنزيه والتعظيم من العبد والمعبود أحق بذلك من العابد كان هذا القياس وأمثاله من أظهر الأقيسة في بديهة العقول بل قد قال تعالى لخليله وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿26﴾ [الحج 26] فإذا أمر عبده بتطهير بيته الذي يُطافُ به ويصلِّي فيه وإليه ويعكف عنده من النجاسة أَلَمْ يكن هو أحق بالطيب والطهارة والنزاهة من بيته وبدن عبده وثيابه ولهذا كان هؤلاء الاتحادية والحلولية يصفونه بما توصف به الأجسام المذمومة ويصرحون بذلك وهؤلاء من أعظم الناس
كفرًا وشتمًا لله وسبًّا لله وسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا وحصل بما ذكره الأئمة أن هؤلاء الجهمية هم أصل قولهم الذي به يُمَوِّهون على الناس إنما هو التنزيه ويسمون أنفسهم المُنَزِّهون وهم أبعد الخلق عن تنزيه الله وأقرب الناس إلى تنجيس تقديسه وهذا يظهر بوجوهٍ كثيرةٍ لكن المذكور هنا كونهم يقولون إنه في كل مكان من الأمكنة النجسة القذرة فَأَيُّ تنزيهٍ وتقديسٍ يكون مع جعلهم له في النجاسات والقاذورات والكِلاَبِ والخنازير بل وتصريحهم بذلك حتى حدثني من شَهِدَ أحذقَ محقِّقيهم التلمساني وآخر من
طواغيتهم وقد اجتاز بكلب جربٍ ميتٍ فقال ذلك للتلمساني وهذا الكلب أيضًا ذلك فقال أوَ ثَمَّ شيء خارج عن الذات وهذا التلمساني هو وسائر الاتحادية كابن عربي الطائي صاحب الفصوص وغيره وابن سبعين وابن الفارض والقونوي صاحب ابن عربي شيخ التلمساني وسعيد
الفرغاني إنما يَدَّعون الكشف والشهود لما يخبرون عنه وأن تحقيقهم لا يوجد بالنظر والقياس والبحث وإنما هو شهود الحقائق وكشفها ويقولون ثبت عندنا في الكشف ما يناقض
صريح العقل ويقولون لمن يُسْلِكُونهُ لابد أن يجمع بين النقيضين وأن يخالف العقل والنقل ويقولون القرآن كله شرك وإنما التوحيد في كلامنا ويقولون لا فرق عندنا بين الأخوات والبنات والزوجات فإنَّ الوجود واحد لكنْ هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم ومن شعر هذا التلمساني قبحه الله يا عاذلي أنت تنهاني وتأمرني والوجدُ أصدقُ نهَّاءٍ وأمَّارٍ فإن أُطِعْك وأعصى الوجد عدمت عمي عن العيان إلى أوهام أخبار وعينُ ما أنت تدعوني إليه إذا حقَّقته تره المنهيَّ يا جاري يقول أنت تدعوني إلى أن أعبد الله ولا أعبد غيره وما ثم غيره بل هو الذي تظنه غيرًا وقد بسطت الكلام على ذلك في غير هذا الموضع
أصل ذلك أن علم الإنسان كله إنما يحصل بطريق الإحساس والمشاهدة الباطنة والظاهرة أو بطريق القياس والاعتبار أو بطريق السمع والخبر والكلام كما قال تعالى إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴿36﴾ [الإسراء 36] والعبد الصادق يحصل له من المشاهدة الباطنة ما ينكشف به أمور كانت مغطاةً عنه ويفهم من كلام الله ورسوله والسلف معانيَ يشهدها لم يكن قبل ذلك يشهدها بل يظهر له قوله تعالى سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ثم قال أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴿53﴾ [فصلت 53] أي أو لم يكفِ بشهادته وعلمه التي أخبرهم عنها في كتابه وهؤلاء المنافقون المرتدون الزنادقة ومن وقع في بعض ضلالاتهم من الغالطين الضالين هم في الشهود الذي يحصل لهم ويجعلونَهُ من جنس شهود المؤمنين مثل ما هم في المخاطبة التي تقع لهم ويجعلونها من جنس مخاطبة المؤمنين التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم إنه قد كان في الأمم محدثون فإنْ يكن في أمتي أحدٌ فعمر وقد رواه البخاري في صحيحه من
حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البخاري ورواه زكريا ابن أبي زائدة عن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول قد كان يكون في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فإن عمر بن الخطاب منهم قال ابن وهب تفسير محدثون ملهمون قال
أبو مسعود الدمشقي الصواب من حديث إبراهيم بن سعد عن أبي هريرة كما ذكره البخاري وأما حديث ابن عجلان عن يعد فإنه يقول فيه عن عائشة كذلك رواه عن الناس ولا أعلم أحدًا تابع ابن وهب عن إبراهيم بن سعد في قوله عن عائشة
والمخاطبة التي تقع لهؤلاء المنافقين والغالطين والمتشبهين بالمؤمنين هي من الشياطين التي تنزل على أمثالهم من كل أفَّاكٍ أثيم ومن حديث النفس ولهذا يكثرون من الشعر والكهانة التي يقترن بأهلها الشياطين كثيرًا قالوا لابن عمر ولابن عباس إن المختار يزعم أنه ينزل عليه فقال صدق هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴿221﴾ [الشعراء 221] وقالوا للآخر إنه يزعم أنه يوحى إليه فقال صدق وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ [الأنعام 121] فلهم وحي وتنزيل ولكن من الشياطين كما تنزل على أشباههم من السحرة والكهان وبينهم قدرٌ مشترك في كثيرٍ من الأمور
وأما المشاهدة فإن أحدهم يشهد بباطنه الوجود المطلق الساري في الكون كله الذي لا يختص بشيء دون شيء وهذا شهود صحيح لكن ضلوا في ظنهم أن ذلك هو رب العالمين وأن ما وراءَ السموات والأرض شيءٌ آخر حيث يقولون ما فوق العرش رب ولا فوق العالم إله ويقول أحدهم لو زالت السموات والأرض زالت حقيقة الله فكانوا في هذا الشهود والذوق والوجود كما ذكرته لمن خاطبته من أهل المعرفة والتحقيق في بيان الشبهة التي ضل بها هؤلاء ما كثرة ما فيهم من العبادة والصدق في ذلك العلم والفضيلة فقلت هم بمنزلة من شاهد شعاع الشمس فظن أن ذلك هو الشمس وليس وراء الشعاع شيء آخر أصلاً وجحد أن
يكون في الوجود شمس غير ما شهده من الشعاع وهذا مثل بعيد وإلا فالله سبحانه وتعالى أجلُّ وأعلى وأعظم وأكبر من جميع المخلوقات أن يكون نسبته إليها كنسبة الشمس إلى شعاعها ولكن هذا كما تقدم من باب قياس الأولى فإنه إذا كان من شهد شعاع الشمس ووجدَهُ فظن أنها عينُ الشمس وحقيقتها من أعظم الجاهلين الضالين فالذي شهد وجود المخلوقات فاعتقد أن عين وجود رب العالمين هو الأرض والسموات أعظم جهلاً وضلالاً وهؤلاء لم يكن ضلالهم فيما علموه وشهدوه من وجود المخلوقات ولكن في نفي ما لم يشهدوه وأنكروه من وجود رب السموات ثم ضلوا فظنوا وجود المخلوق هو وجود خالق الكائنات فوافقوا فرعون في ذلك النفي وامتازوا عنه بهذا الإثبات وهذا حال عامة الكفار وأهل البدع إنما ضلالهم في التكذيب بما لم يعرفوه من الحق لا بما علموه من الحق لكن يضمُّون إلى ذلك التكذيب ظنونًا كاذبة تنشأ عن الهوى يصدقون لأجلها بالباطل وذِكْرُ الأئمة في الرد على الجهمية ما عَلِمَهُ المسلمون بضرورة حسهم وعقلهم ودينهم وتنزيهه عن أن يكون في أجوافهم وأحشائهم أيضًا مع ما ذكروه من تنُّزهه عن الأنجاس
لأن ذلك أقرب إلى حس الإنسان وبديهة عقله فكلما كان المعلوم مما يحسه الإنسان ويعقله بديهة كان أعلم به لا سيما مع تكرر إحساسه به وعقله له وأيضًا فنبهوا بذلك على ما ذكره الله تعالى من كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وأنّ الله تعالى حل في بطن مريم فإن هذا تكفير لكل من قال في بشرٍ إنه الله بطريق الأولى فمن قال في الوجود كله ذلك أكفر وأكفر ولهذا اجتمع جماعة عظيمة بدمشق في سماع فأنشد فيه القوّال شعرًا لابن إسرائيل وكان شاعرًا من شعراء الفقراء في شعره إيمان وكفر وهدى وضلال وفي شعره كثير من كلام الاتحادية لكن التلمساني وابن الفارض أحذق في الاتحاد منه فأنشد القوّال له وما أنت غير الكون بل أنت عينه ويفهم هذا السر من هو ذايق وكامن هناك شيخ يعرف بالشيخ نجم الدين بن الحكيم صحب الشيخ إسماعيل الكوراني فأنكر ذلك وتلا قوله تعالى
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [المائدة 72] والتفت إلى القوّال وقال له قل وما أنت عينُ الكون بل أنت غيرهُ ويشهد هذا الأمر من هو صادق وهي واقعة مشهورة حدثني بها غير واحد ممن شهدها ولقد أحسن هذا الشيخ التالي لهذه الآية في الرد على هذا الشعر الذي هو من أقوال الملاحدة والاتحادية وأيضًا نبهوا بذلك على ضلال من يقول إنه الله أو أن الله فيه من أهل الاتحاد والحلول الخاص فإن المسلمين يعلمون بضرورة حسهم وعقلهم أن الله ليس في أجوافهم ولا أحشائهم ثم احتج الإمام أحمد بالنصوص فقال وقد أخبرنا الله أنه في السماء فقال سبحانه أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ﴿16﴾ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً [الملك 16-17] الآية وقال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر 10] وقال إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [آل عمران 55] وقال بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ [النساء 158] وقال وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ [الأنبياء 19] وقال يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴿50﴾ [النحل 50] وقال ذِي الْمَعَارِجِ ﴿3﴾ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج 3-4] وقال وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [الأنعام
61] وقال وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴿255﴾ [البقرة 255] وقال فهذا خبرُ الله أخبرنا أنه في السماء ثم احتج بحجة أخرى من الأقيسة العقلية قال ووجدنا كل شيء أسفل مذمومًا قال الله تعالى إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء 145] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ﴿29﴾ [فصلت 29] وهذه الحجة من باب قياس الأولى وهو أن السفل مذموم في المخلوق حيث جعل الله أعداءَهُ في أسفل سافلين وذلك مستقرٌ في فطر العباد حتى أن أتباع المضلين طلبوا أن يجعلوهم تحت أقدامهم ليكونوا من الأسفلين وإذا كان هذا مما ينزه عنه المخلوق ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق فالربُّ تعالى أحق أن ينزهَ ويقدس عن أن يكون في السفل أو يكون موصوفًا بالسفل هو أو شيء منه أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه بل هو العلي الأعلى بكل وجه ولهذا يروى عن بشر المريسي أنه كان يقول في سجوده سبحان ربي
الأسفل وكذلك بلغني عن طائفة من أهل زماننا أن منهم من يقول إن يونس عرج به إلى بطن الحوت كما عرج بمحمد إلى السماء وأنه قال لا تفضلوني على يونس وأراد هذا المعنى وقد بينا كذب هذا الحديث وبطلان التفسير في غير هذا الموضع
وهذه الحجة التي احتج بها الأئمة أجود من حجة التناقض التي احتج بها أبو الحسن فإنه يرد على تلك الأسولة ما لم يرد على هذه حيث يمكن أن يقال هو يجمع بين ما يتناقض
في حق غيره كما قيل لأبي سعيد الخراز بماذا عرفت ربك قال بالجمع بين النقيضين ثم تلا قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿3﴾ وأما هذا القياس قياس الأول ووجوب تنزيه الرب عن كل نقص ينزه عنه غيره ويذم به سواه فهذا فطري ضروري متفق عليه ثم ذكر أحمد حجة أخرى عقلية قياسية قال وقلنا لهم أليس تعلمون أن إبليس مكانه مكان ومكان الشياطين مكانهم مكان فلم يكن الله ليجتمع هو وإبليس في مكان واحد
وهذا التنزيه عن مجامعة الخبيث النجس من الأحياء نظيرُ التنزيه عن مجامعة الخبيث النجس من الجمادات ولهذا نهي عن الصلاة في المواطن التي تسكنها الشياطين كالحمام والحش وأعطان الإبل ونحو ذلك وإن كان المكان ليس فيه من النجاسات الجامدة شيء بل أرواث الإبل طاهرة بل قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح من غير وجه أنه ذكر أن الكلب
يقطع الصلاة وخصَّه في الحديث الصحيح بالأسود وقال إنه شيطان لما سئل عن الفرق بين الأحمر والأبيض والأسود فقال الأسود شيطان وفي الصحيح عنه أنه قال إن الشيطان تفلت علي البارحة فأراد أن يقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فذعته ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمقاتلة المار بين يدي المصلي وقال إن معه القرين فأما مرور
الإنسي فقد قال ابن مسعود إنه يذهب بنصف اجر الصلاة وأما شيطان الجن فقد قال طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم إنه يقطع الصلاة إذا علم ذلك كما بقطعها الكلب الأسود البهيم الذي هو شيطان الدواب
وأيضًا فالشيطان ملعون رجيم كما قال تعالى وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً ﴿117﴾ لَّعَنَهُ اللهُ [النساء 117-118] وقد أخبر سبحانه وتعالى أن الشياطين ترجم بالشهب لئلا تسترق السمع من الملائكة فقال تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴿6﴾ وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ ﴿7﴾ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ ﴿8﴾ دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴿9﴾ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ﴿10﴾ [الصافات 6-10] وقد أمر الله عباده بالاستعاذة من الشيطان فقد قال لكبيرهم في السماء اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُوماً مَّدْحُوراً لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴿18﴾ [الأعراف 18] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض عباد الله وهو عمر بن الخطاب ما رآك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجك وقد أخبر الله في كتابه عن هرب الشيطان من
الملائكة حيث قال وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿48﴾ [الأنفال 48] فإذا كان ملعونًا مبعدًا مطرودًا عن أن يجتمع بملائكة الله أو يسمع منهم ما يتكلمون به من الوحي فمن المعلوم أن بعده عن الله أعظم وتنزه الله وتقديسه عن قرب الشياطين أولى فإذا كان كثير من الأمكنة مملوءًا وكان تعالى في كل مكان كان الشياطين قريبين منه غير مبعدين عنه ولا مطرودين بل كانوا متمكنين من سمع كلامه منه دع الملائكة وهذا مما يعلم بالاضطرار وجوب تنزه الله وتقديسه عنه أعظم من تنزيه الملائكة والأنبياء والصالحين وكلامه الذي يبلغه هؤلاء ومواضع عباداته فإن نفسه أحق بالتنزيه والتقديس من جميع هذه الأعيان
المخلوقة ومن كلامه الذي يتلوه هؤلاء ثم أجاب الإمام أحمد عن حجتهم فقال وأما معنى قوله تبارك وتعالى وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام 3] يقول هو إله من في السموات وإله من في الأرض وهو على العرش وقد أحاط بعلمه ما دون العرش ولا يخلو من علم الله مكان ولا يكون علم الله في مكان دون مكان وكذلك قوله تعالى لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴿12﴾ [الطلاق 12] ثم ذكر الإمام أحمد حجة اعتبارية عقلية قياسية لإمكان ذلك هي من باب الأولى قال ومن الاعتبار في ذلك لو أن رجلاً كان في يده قدح من قوارير صاف وفيه شيء كان بصر ابن آدم قد أحاط بالقدح من غير أن يكون ابن آدم في القدح فالله سبحانه له المثل الأعلى قد أحاط بجميع خلقه
من غير أن يكون في شيء من خلقه قلت وقد تقدم أن كل ما يثبت من صفات الكمال للخلق فالخالق أحق به وأولى فضرب أحمد رحمه الله مثلاً وذكر قياسًا وهو أن العبد إذا أمكنه أن يحيط بصره بما في يده وقبضته من غير أن يكون داخلاً فيه ولا محايثًا له فالله سبحانه أولى باستحقاق ذلك واتصافه به وأحق بأن لا يكون ذلك ممتنعًا في حقه وذكر أحمد في ضمن هذا القياس لقول الله تعالى وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى مطابق لما ذكرناه من أن الله له قياس الأولى والأحرى بالمثل الأعلى إذ القياس الأولى والأحرى هو من المثل الأعلى وأما المثل المساوي أو الناقص فليس لله بحال ففي هذا الكلام الذي ذكره واستدلاله بهذه الآية تحقيق لما قدمناه من أن الأقيسة في باب صفات الله وهي أقيسة الأولى كما ذكره من هذا القياس فإن العبد إذا كان هذا الكمال ثابتًا له فالله الذي له المثل الأعلى أحق بذلك ثم ذكر قياسًا آخر فقال وخصلة أخرى لو أن رجلاً بنى دارًا بجميع مرافقها ثم أغلق بابها وخرج منها كان لا يخفى عليه كم بيت في داره وكم سعة كل بيت من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار فالله سبحانه له المثل الأعلى قد
أحاط بجميع ما خلق وقد علم كيف هو وما هو من غير أن يكون في جوف شيء مما خلق وهذا أيضًا قياس عقلي من قياس الأولى قرر به إمكان العلم بدون المخالطة فذكر أن العبد إذا صنع مصنوعًا كدار بناها فإنه يعلم مقدارها وعدد بيوتها مع كونه ليس هو فيها لكونه هو بناها فالله الذي خلق كل شيء أليس هو أحق بأن يعلم مخلوقاته ومقاديرها وصفاتها وإن لم يكن فيها محايثًا لها وهذا من بين الأدلة العقلية وهذان القياسان أحدهما لإحاطته بخلقه إذ الخلق جميعًا في قبضته وهو محيط بهم وببصره والثاني لعلمه بهم لأنه هو الخالق كما قال سبحانه أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿14﴾ [الملك 14] وهؤلاء الجهمية نفاة الصفات كثيرًا ما يجمعون بين نفي علوه وكونه فوق العالم وبين الريب في علمه فكثيرًا منهم مستريب في علمه لا سيما من تفلسف منهم فتارة يقولون لا علم له وتارة يقولون لا يعلم إلا نفسه وتارة
يقولون إنما يعلم غيره على وجه كلي ولهم من الاضطراب في مسألة العلم ماهو نظير اضطرابه في علوه وفوقيته وكان ما ذكره الله في كتابه وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها من الجمع بين هذين ردًّا لضلال هؤلاء في الأمرين كما قال تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿4﴾ [الحديد 4] وهؤلاء جاحدون أو مستريبون بأنه فوق العرش وبأنه معنا أينما كنا ومن هؤلاء طوائف موجودون وإن كان لهم من الفضيلة والذكاء ما تميزوا به على من لم يشركهم في ذلك ولهم من السمعة والرياسة مالهم ففيهم من الجهل والنفاق هذا وغيره ولا حول ولا قوة إلا بالله قال الإمام أحمد ومما تأول الجهمية من قول الله تعالى مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ الآية قالوا إن الله عز وجل معنا وفينا فقلنا لِمَ قطعتم الخبر من أوله إن الله يقول أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ يعني أن الله
بعلمه رابعهم وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ يعني بعلمه فيهم أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿7﴾ [المجادلة 7] يفتح الخبر بعلمه ويختم الخبر بعلمه ثم ذكر حجتين عقليتين على مباينته فقال ويقال للجهمي إن الله إذا كان معنا بعظمة نفسه فقل له هل يغفر الله لكم فيما بينكم وبين خلقه فإن قال نعم فقد زعم أن الله بائن من خلقه وأن خلقه دونه وإن قال لا كفر وذلك أن من أثبت أن شيئًا بين الله وبين خلقه فقد جعله مباينًا فإن المباينة والبين من اشتقاق واحد وإذا كان شيء بين شيئين فالثلاثة مباينة بعضها عن بعض وهذا الوسط من هذا وهو ما بينه وبين هذا وهو مباينه ومباين المباينين أولى أن يكون مباينًا وقد ذكر في كتابه أنه يحجب بعض خلقه عنه فقال تعالى
وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ [الشورى 51] وقال كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ﴿15﴾ [المطففين 15] واختصاص بعض خلقه بالحجاب يمنع أن يكون الجميع محجوبين وإذا كان البعض محجوبًا والبعض ليس محجوبًا امتنع أن يكون فيهم كلهم لأن نسبتهم إليه حينئذٍ تكون نسبة واحدة ووجب أن يكون بينه وبين بعضهم حجابًا وذلك يقتضي المباينة كما تقدم ومثل هذا قوله ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ [الأنعام 62] وقوله وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ [الأنعام 30] وقوله وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الكهف 48] وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ [السجدة 12] فلفظ إليه وعنده وعليه بحيث يكون بعض الخلق مردودًا إليه وبعضهم موقوفًا عليه ومعروضًا عليه وبعضهم ناكسو رؤوسهم عنده يقتضي أن الخلق ليسوا كلهم كذلك وأنهم قبل ذلك لم يكونوا كذلك وأنهم مباينون له منفصلون عنه وأنه بحيث يكون شيء عنده ويرد شيء إليه ويعرض ولو كانت ذاته مختلطة بذواتهم لامتنع ذلك وهذا يقتضي مباينته وامتيازه واختصاصه بجهة وحدٍّ وبطلان قول من يقول إن ذاته مختلطة بذواتهم أو يجعل الموجودات
لا تختلف نسبتها إليه بل ما فوق السماء كما تحتها وعلى قول هذا يمتنع لقاؤه والعروج إليه والرد إليه والوقوف عليه والعرض عليه وأمثال ذلك مما دلَّ عليه القرآن وعلم بالاضطرار من دين الإسلام ولهذا يجعلون ما جعل له في هذه الآيات إنما هو لبعض المخلوقات إما ثوابه وإما عقابه وإما غير ذلك أو يجعلون ذلك عبارة عن حصول العلم به وأمثال ذلك من التأويلات التي هي من جنس تأويل القرامطة قال الإمام أحمد وإذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له أليس كان الله ولا شيء فسيقول نعم فقل له حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه أو خارجًا عن نفسه فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل لابد له من واحد منها
إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه كفر حين زعم أنه خلق الجن والإنس والشياطين وإبليس في نفسه وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم دخل فيهم كان هذا أيضًا كفرًا حين زعم أنه في كل مكان وحُشٍّ قذر رديء وإن قال خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم رجع عن قوله كله أجمع وهو قول أهل السنة وهذه الحجة التي ذكرها الإمام أحمد مبناها على أنه لا لا يخلو عن المباينة للخلق والمحايثة لهم وهذا كما أنه معلوم بالفطرة العقلية الضرورية كما تقدم فإن الجهمية كثيرًا ما يضطرون إلى تسليم ذلك ولأن الخروج عن هذين القسمين مما تنكره قلوبهم بفطرتهم ومما ينكره الناس عليهم
وإذا كان كذلك فالإمام أحمد بنى الحجة على أن الله تعالى وحده كان متميزًا عن الخلق وهذه مخاطبة للمسلمين وسائر أهل الملل الذين يقرون بأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وأنها محدثة بعد أن لم تكن فإن الأمر إذا كان كذلك فمن أثبت محايثته للخلق أثبت محايثةً بعد أن لم تكن محايثة بخلاف ما لو لم يُقّر بذلك فإنه لا يثبت انفراده ومباينته أصلاً وهذا لا ريب أنه أعظم كفرًا وجحودًا للخالق كما تفعله الاتحادية من هؤلاء فإن هؤلاء كثيرًا إما أن يكون متفلسفة لكن المتفلسفة الضالون يقولون بقدم العالم إما معلولاً عن علة واجبة كما يقوله أرسطو وذووه وإما غير معلول كما يقوله غيرهم وهؤلاء ضموا إلى ذلك أنه هو العالم أو في العالم وأولئك الجهمية الذين ناظرهم الإمام أحمد وأمثاله كانوا أقرب إلى العقل والدين فإنهم لم يكونوا يقولون هو عين الموجودات ولا يقولون إنه لم يزل محايثًا لها ولا كانوا يظهرون أنه ليس بمباين للعالم ولا محايث له بل يقولون بنفي الاختصاص بالعرش بقولهم إنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان وإذا كان وحده ثم خلق الخلق فإما أن يقولوا إنه محلّ للخلق أو يقولوا إنه حلّ في الخلق أو
يقولوا إنه ليس بحالٍّ ولا محلّ فهذه القسمة حاصرة كما ذكره أحمد أنه لابد من قولٍ من هذه الأقوال الثلاثة فإن جعلوه محلاًّ للمخلوقات فقد جعلوا إبليس والشيطان والنجاسات مما يبعد عن الله ملعون مطرود جعلوه في جوف الله وذلك كفر وإن جعلوه حالاًّ فيها فقد جعلوه حالاًّ في كل مكان يتنزه عن مقاربته وملاصقته والقرب منه وذلك أيضًا كفر كما تقدم وفرَّق الإمام أحمد في كونه محلاًّ وكونه حالاًّ بين الخبيث والحي وبين الخبيث الموات الجامد فذكر في القسم الأول الخبيثَ الحي وهم الشياطين وفي الثاني الخبيث الجامد وهو النجس الرديء لأنه في هذا القسم يكون التقدير أن المخلوق أمكنة له ومحل والمكان المحل من شأنه أن لا يكون من الحيوانات فألزمهم المكان من الأجسام النجسة الخبيثة القذرة وفي القسم الأول ذكر أنه هو المحل والمكان فذكر المتمكن في المكان الحال فيه والعادة أن الحيوانات تكون في الأمكنة فالحيوان يتحرك في المكان وإليه ليس المكان هو يتحرك إلى الحيوان ويجيء إليه وإذا انتفى هذان القسمان
بقي القسم الثالث وهو أنه سبحانه وتعالى خلق الخلق خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم وهو الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة وعموم الخلائق من كل ذي فطرة سليمة ثم قال الإمام أحمد بيان ما ذكر الله في القرآن وَهُوَ مَعَكُمْ وهذا على وجوه قول الله تعالى لموسى إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه 46] يقول في الدفع عنكما وقال تعالى ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا [التوبة 40] يعني في الدفع عنا وقال وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿249﴾ [البقرة 49] يعني في النصرة لهم على عدوهم وقوله وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ [محمد 35] وفي النصرة لكم على عدوكم وقال سبحانه وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء 108] يقول بعلمه فيهم وقوله كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴿62﴾ [الشعراء 62] يقول في
العون على فرعون قال فلما ظهرت الحجة على الجهمي بما ادَّعى على الله عز وجل أنه مع خلقه قال هو في كل شيء غير مماس للشيء ولا مباين منه فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو مماس فلم يحسن الجواب فقال بلا كيف فخدع الجهال بهذه الكلمة موَّه عليهم فقلنا له إذا كان يوم القيامة أليس إنما هو الجنة والنار والعرش والهواء قال بلى قلنا فأين يكون ربنا قال يكون في كل شيء كما كان حيث كانت الدنيا فقلنا فإن مذهبكم أن ما كان من الله على العرش فهو في العرش وما كان من الله في الجنة فهم في الجنة وما كان من الله في النار فهو في النار وما كان من الله في الهواء فهو في الهواء فعند ذلك تبيَّن للناس كذبهم على الله عز وجل
فذكر الإمام أحمد بعد تفسير المعية التي احتجوا بها من جهة السمع حجتين عقليتين فذكر قول الجهمية أنه في كل شيء غير مماس للأشياء ولا مباين لها وهذا قول الجهمية الذين ينفون مباينته ثم يبقون مع ذلك مماسته فيقولون هو في كل مكان والصنف الآخر كالمؤسس ينفون مباينته الحقيقة وإن قالوا إنهم يثبتون مباينته بالحقيقة والزمان فإن أولئك أيضًا وإن نفوا المباينة فإنهم يثبتونها بالحقيقة والزمان فكلا الطائفتين يقولون إنهم يثبتون مباينته لكن ينفون أن يكون خارج العالم وكل من الصنفين خصم للآخر فيما يوافقه عليه الجماعة فالأولون يقولون كما تقول الجماعة إنه إذا لم يكن مباينًا للعالم بغير الحقيقة والزمان كان محايثًا له خلافًا للطائفة الأخرى ثم تقول بما تقول به الأخرى وما ليس بمباين للعالم بغير الحقيقة والزمان فيلزم أن يكون محايثًا له والآخرون يقولون إذا كان محايثًا للعالم كان مماسًّا له كما تقول الجماعة خلافًا لتلك الطائفة ثم يقولون مع الجماعة وما ليس بمماس
للعالم فيلزم أن لا يكون فيه وما لا يكون مباينًا له بغير الحقيقة والزمان فلا يكون خارجًا عنه واحمد رحمه الله ذكر ما يعلم بضرورة العقل من أنه إذا كان فيه وليس مباين فإنه لابد أن يكون مماسًّا له فإنه لا يعقل كون الشيء في الشيء إلا مماسًّا له لا مباينًا عنه فإنه لما كان خطابه مع الجهمية الذين يقولون إنه في كل مكان ذكر أنه لابد من المماسة أو المباينة على هذا التقدير وهو تقدير المحايثة فإن أولئك لم يكونوا ينكرون دخوله العالم وإنما ينكرون خروجه وذكر دعوى الجهمية بنفي هذين النقيضين قال فقلنا إذا كان غير مباين أليس هو مماس قال لا قال فكيف يكون في كل شيء غير مماس يقول أحمد إن هذا لا يُعقل فكيف يكون ذلك وذكر أن الخصم لم يحسن الجواب عن ذلك فإنه لا يمكنه أن يذكر ما يعقل كونه في كل شيء وهو مع ذلك غير مماس فلما كان هذا غير معقول لجأ الخصم إلى أن قال بلا كيف قال أحمد رحمه الله فخدع الجهال بهذه الكلمة مَوَّه عليهم