الجزء الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
الصواع فقد كانوا يستحقون الخطاب بالسرقة لأنهم سرقوا يوسف من أبيه ولبسوا على أبيهم فإن الدين كله مداره على العدل والقسط قال تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد 25] وإن قُدر أن ذلك الظالم متأول وأنه معتقد صواب نفسه فهو من البغاة المتأولين والبغاة المتأولون يجب أن يعاملوا بالقسط والعدل فيدفع بغيهم وإن كان في ذلك ضرر بهم لأنهم أيضاً يضرون غيرهم فيتقابل الضرران ويتميز أهل العدل بأنهم أهل الحق والعدل فلهذا كان هذا مما أمر الله به ورسوله وهو من العدل والقسط ومن هذا ما وصف الله تعالى به نفسه في مثل قوله تعالى وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) [البقرة 14-15] وفي مثل قوله إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ [النساء 142] وفي مثل قوله الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) [التوبة 79] فلما كان المنافقون فيهم من الكذب والظلم ما هو استهزاء
وخديعة ومكر وسخرية بغير الحق جازاهم الله على ذلك بما فعله بهم من الاستهزاء والخديعة والسخرية بالحق والعدل ومثله قوله إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) [الطارق 15-16] وقوله أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) [الطور 42] وقوله فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) [القلم 44] وقوله أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) [المؤمنون 55-56] وقوله فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) [الأنعام 44] إلى أمثال ذلك في القرآن وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع فإذا كان كذلك وقد علم أن هؤلاء الملاحدة الجهمية وسائر أتباعهم فيهم من النفاق أعظم مما يوجد في أكثر أهل الأهواء وفيهم من صفات المنافقين بقدر ذلك من السخرية والاستهزاء والخديعة ونحو ذلك فالله تعالى يجازيهم على أعمالهم جزاءً وفاقاً وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46) [فصلت] فيما يأمر به ويشرعه وفيما يقدره ويتوعد به وهذا يتقرر بالوجه العاشر وهو أن هؤلاء الجهمية فيهم من استعمال
الألفاظ المجملة وإفهام الناس خلاف ما في نفوسهم ما لا يوجد في غيرهم من أهل الأرض والرافضة يشركونهم في ذلك لكن هؤلاء أعظم كفراً ونفاقاً فلهذا قال عبد الرحمن بن مهدي هما ملّتان الجهمية والرافضة ذكره البخاري في كتاب خلق الأفعال وقال البخاري ما أبالي أصليت خلف الجهمي والرافضي أم صليت خلف اليهودي والنصراني ولا يُسلَّم عليهم ولايعادون ولايناكحون ولايشهدون ولاتأكل ذبائحهم وهذا مشروح في غير هذا الموضع فإن الجهمية قدحوا في حقيقة التوحيد وهو شهادة أن لا إله إلا الله والرافضةُ حقيقةُ قولهم قدحٌ في الأصل الثاني وهو شهادة أن محمداً رسول الله فإذا جمع الإنسان بين الرفض والتجهم يقرب حينئذ إلى الملاحدة القرامطة الباطنية الذين هم أعظم أهل الأرض نفاقاً وكتماناً لما في أنفسهم وإظهاراً لخلاف ما يعتقدونه ومخاطبة للناس بالألفاظ المجملة التي يفهمون الناس منها
ما لا يقصدونه هم ولفرط ضلالهم يجعلون الأنبياء كذلك زعماً منهم أن هذا هو الكمال الذي لا كمال بعده وهؤلاء الملاحدة هم الذين ينفون عن الله النقيضين جميعاً وينفون أسماء هـ الحسنى وهم مشتركون مع الفلاسفة المشائين في عامة الأمور الإلهية فإنه بعد ظهور الإسلام وانتشاره لم يكن بُدٌّ من الدخول فيه رغبة في أهله ورهبة منهم فصار هؤلاء المنافقون من المتفلسفة ونحوهم يدخلون في هؤلاء الملاحدة وأشباههم ولهذا ذكر ابن سيناء اشتغاله بهذه الفلسفة كان لأن أباه كان من أهل دعوة القرامطة الملاحدة الذين كان ملكهم إذ ذاك بمصر وكان لهم ظهور عظيم في الأرض وقصص يطول شرحها ولهذا لما ظهر المشركون من الترك من التتار وأتباعهم كان من أعظم من انضم إليهم من المنافقين هم الملاحدة وصار مقدم الفلاسفة الطوسي الذي كان وزيراً للملاحدة الباطنية
وزيراً لهؤلاء المشركين وقدموه على الطوائف المنتسبة إلى العلم الذين يسمونهم الداشمندية من جميع أصناف الناس من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم وظهر بسبب ظهوره من النفاق والزندقة في المنتسبين إلى العلم ما لا يمكن وصفه وتصرف في أهل الإسلام تصرُّفَ الأعداء المحادِّين لله ورسوله بحسب الإمكان مع ما كان عليه من الفلسفة وسعة الخلق والحلم والتدبير المطابق لمذهب الصابئين المتبوعين لليهود والنصارى التنصر والإشراك وهو لايُظهر لكل مسلم خروجهم عن الإسلام ونفاقهم وزندقتهم ولكن المقصود الجهمية الذين يوجبون الإسلام ويحرمون ما سواه فإن هؤلاء يستعملون من الألفاظ المجملة التي يعنون بها ما لا يفهمونه الناس ما لا يحصيه إلا الله وذلك في الألفاظ الشرعية التي في كتاب الله تعالى وسنة رسوله إذا أظهروا الإيمان بها وفي الألفاظ التي يثبتونها هم لبيان ما يجب في أصول الدين وصفات الله تعالى فيوهمون الناس أنهم لاينفون عن الله إلا ما قد يظهر أنه نقص
وعي وهم ينفون بها أموراً لو فهمها الناس لكفَّروهم وهذا موجود في كلام أئمتهم حتى أن الأتباع يُعرضون عن تلك المواضع وأما الألفاظ الشرعية فيقرون بها بفهم منها وهم يحرفونها إلى معانٍ بعيدة عن مدلولها ومعناها فإذا كانوا بهذه الحال فكيف يليق بهم أن يعيبوا أهل الإثبات على ألفاظ قليلة مجملة إذا وافقوهم عليها بأحد المعنيين دون الآخر مع أن تلك الألفاظ ليست شرعية الوجه الحادي عشر قوله أنهم يطلقون لفظ الجسم على الله تعالى إلا أنهم يقولون لانريد به كونه تعالى مؤلفاً من الأجزاء ومركباً من الأبعاض بل نريد به كونه تعالى غنيًّا عن المحل قائماً بالنفس وعلى هذا التقدير فإنه يصير النزاع في كونه تعالى جسماً أم لا نزاعاً لفظيًّا يقال له قد تقدم حكاية أقوال هؤلاء القائلين بالأجزاء أو نفاة ذلك والخلاف مع الطائفتين جميعاً ليس بلفظي محض بل هؤلاء يقولون إنه فوق العرش ومنهم من يقول هو مماس له ويقولون مع ذلك ليس بمركب ولا مؤلف بل هو جسم كما أن الكلابية وأئمة الأشعرية يقولون هو فوق العرش ويقولون ليس
بجسم وهؤلاء جميعاً يثبتون ذات الرب تعالى كما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها ثم إن كثيراً من الناس النفاة والمثبتين يقولون لا يكون فوق العرش إلا ما كان مركباً من الأبعاض مؤلفاً من الأجزاء وأولئك ينكرون هذا فهذا موضع نزاع بين الطائفتين وليس هو نزاعاً لفظيًّا مطلقاً لكن يقال إذا كان الجسم عند مُطْلِقِهِ لا يكون إلا مؤلفاً مركباً من الأجزاء والأبعاض وهؤلاء يقولونه وينفون هذا المعنى صار النزاع لفظيًّا فيقال هؤلاء وإن نفوا هذا المعنى لكن يثبتون معنى آخر يستلزم عند المنازع هذا المعنى وأيضاً فإنهم إذا قالوا أنه قائم بالنفس غني عن المحل أرادوا بذلك أنه مباين للعالم بالجهة ولايُتَصور عندهم قائم بالنفس إلا كذلك والمنازع يزعم أنه يمكن أن يكون قائماً بالنفس لامبايناً لغيره ولامحايثاً له ولاداخل العالم ولاخارجه وأولئك يقولون هذا خلاف ما يعلم بالضرورة وجحد للمعقول الصريح وأولئك يقولون لهم إثبات ما بين بالجهة خارج العالم ليس بمؤلف ولامركب أيضاً خلاف ما يعلم بالضرورة وجحد
للمعقول الصريح وإذا كانت كل طائفة تذكر أن قول الأخرى يتضمن مخالفة العلم الضروري والمعقول الصريح لم يكن هذا النزاع لفظيًّا محضاً ولا هو أيضاً نزاعاً في جميع مسمى الجسم ومسمى القائم بالنفس بل في بعضه فإن أولئك يوافقون هؤلاء على نفي بعض مسمى الجسم وهو التأليف والتركيب ولا يوافقونهم على نفي المباينة بالجهة وامتناع خلوه عن المحايثة والمباينة وهؤلاء يوافقونه في لفظ القائم بالنفس على استغنائه عن الغير وعدم حاجته إليه وهو وجوب الوجود لكن لايوافقونهم على عدم مباينته بالجهة وامتناع قائم بنفسه غير مباين القائم الآخر بغير الحقيقة والزمان بل عندهم كل قائم بنفسه لابد أن يباين القائم الآخر بنفسه بغير الحقيقة والزمان إذ المباينة بالحقيقة والزمان وتوابع ذلك تحصل بين القائم بنفسه وبغيره وبين القائمين بغيرهما فظهر أن الذين يفسرون الجسم بالقائم بنفسه دون التركيب وافقوا أولئك على نفي بعض مسمى الجسم عندهم دون بعض وأولئك وافقوا هؤلاء على إثبات بعض مسمى القائم بنفسه دون بعض وأن أولئك
يقولون يعلم بالاضطرار أن كل ما هو قائم بنفسه لايكون إلا جسماً كما يقول هؤلاء يعلم بالضرورة أن ما يكون جسماً لايكون إلا مؤلفاً وقد قدمنا فيما تقدم أنه إذا كانت كل طائفة مصيبة فيما تذكره من العلم الضروري فخطأُ المثبتة أقل من خطأ النفاة في الشرع والعقل فإن المثبتة أثبتت ما علم بالفطرة والشرعة من أن الله فوق العالم وقد وافقها على ذلك سلف الأمة وأئمتها وغايتهم أنهم نفوا بعضهم لوازم ذلك وأما النفاة فإنهم نفوا ما علم بالفطرة والشرعة ثبوته وادَّعَوا وجود موجود يعلم بالفطرة عدمه وأخرجوه عن النقيضين وأثبتوا له النقيضين فكانوا أكثر تناقضاً وتعطيلاً ونفياً للحق وإذا كان كل من العلمين ضروريًّا لزم المعنى الذي سموه تأليفاً وتركيباً واستعمالنا في هذا الموضع وفي غيره لفظ الضرورة مثل قولنا معلوم بالضرورة وبالاضطرار وهذا من العلوم الضرورية ومما يضطر الإنسان إلى العلم به ونحن مضطرون إلى العلم بكذا ونحو ذلك من باب المخاطبة لهم بلغتهم وعرفهم واصطلاحهم وهذا الاصطلاح قد اشتهر حتى صار ظاهراً في ألسنة أهل العلم من عامة الطوائف والذي يضطر إليه الإنسان
قد يكون علماً وقد يكون عملاً وقد يراد بالاضطرار إليه وجوده بغير اختياره وقد يراد احتياجه إلى وجوده فإن هذا في الأصل مشتق من الضرر وهذا اللفظ جاء في كتاب الله تعالى متضمناً هذا المعنى كما قال تعالى وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) [البقرة 126] وقال أيضاً فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ [البقرة 173] فحذف فاعل اضطر لأن الجوع هو الذي اضطره يعني جعله محتاجاً إلى ذلك والجوع ضرر وهناك يضطر إلى العذاب بمعنى يلجأ إليه بغير اختياره والعذاب هو الضر ر فتارة يكون الضرر من جهة السبب المضطر وتارة من جهة الغاية التي يضطر إليها لكن لما كان هذا متضمناً معنى الإلجاء والاضطهاد والإكراه ونحو ذلك مما فيه عدم الاختيار استعمله هؤلاء فيما يوجد بغير اختيار الإنسان من العلم وإن لم يكن هنالك ضرر وما يوجد بغير اختياره وتارة لا يكون له فيه اختيار أصلاً وتارة يكون مختاراً له من وجه دون وجه كالمضطر إلى الإطعام ولهذا ما كان من القسم الأول سموه ضروريًّا بلا نزاع وما كان من القسم الثاني سماه بعضهم ضروريًّا ولم يسمه بعضهم ضروريًّا بل سماه كسبيًّا
واختياريًّا ونظريًّا ومن قال بالأول قال العلوم كلها ضرورية في الانتهاء وهذا حق والنزاع لفظي وهم لا يطبِّقون ذلك إلا على العلوم الصادقة بناءً على أن العبد لايضطر إلى اعتقاد غير حق وهذا صواب في القطرة الصحيحة فإنها مفطورة على الشعور الصحيح والإرادة لكن إذا غيرت الفطرة فقد يضطر إلى إكراه فاسد كالإحساس الفاسد ويضطر إلى إرادة فاسدة كما دل عليه القرآن الوجه الثاني عشر قوله فذلك المشار إليه إما أن لايبقى منه شيء في جوانبه الستة أو يبقى يقال له هؤلاء المنازعون نزاعاً معنويًّا يقولون لايجوز أن يقال يبقى منه شيء ولايجوز أن يقال لا يبقى منه شيء لأن البقاء وعدمه فرع على كونه مركباً منقسماً وإذا قدرنا أنه قائم بنفسه مشار إليه بالحس ليس بمركب لم يَجُز أن يقال يبقى أو لا يبقى فهذا قولهم في المقام الأول فإن قال هذا خلاف الحس أو الضرورة لم يدفع ذلك فإنَّ دَفْعَ ذلك يكون باطلاً من جنس
دفعه الباطل بل يقال إما أن يكون هذا حقًّا أو خطأً فإن كان حقًّا فلا كلام عليه وإن كان خطأ فلا ريب أنه أبعد عن الخطأ من دعوى موجود لاداخل العالم ولا خارجاً عنه ولامبايناً لغيره ولامحايثاً له وكون القائم بنفسه لايباين القائم بنفسه إلا بالحقيقة والزمان أو كون القائم بنفسه لا يباين القائم ينفسه بالجهة ونحو ذلك من الأمور التي كُلُّ من فهمها وتصورها علم أنها مخالفة للحس والضرورة ولاريب أن الفطرة هي بذلك أعظم إقراراً منها بهذا فإنك إذا عرضت على كل ذي فطرة سليمة وجود موجود لاداخل العالم ولاخارجه أو وجود الباري لافوق العالم ولافيه ونحو ذلك يكون إنكاره بفطرته ذلك إنكاراً يضطر إليه لا يملك دفعه عن نفسه ولو عرضت عليه موجوداً فوق العالم مشاراً إليه بالحس لايوصف بأنه يبقى منه شيء في جوانبه الستة أو لايبقى لم يكن إنكاره لهذا بفطرته وبديهته كإنكاره لذلك فإنَّ فَهمَ هذا أدق وهو بعد فهمه أقرب إلى دخول الشبهة فيه من الأول ولهذا كان الذين قالوا ذلك فيهم من فضلاء المسلمين وأعيان العلماء ما ليس في أولئك فإن أولئك ليس فيهم من يقلده المسلمون فرعاً من فروع الدين فضلاً عن أن يقلدوه أصول دينهم ولا فيهم إلا من له مقالات تخالف إجماع المسلمين بل هو كفر صريح
الوجه الثالث عشر قوله وإما أن يبقى منه شيء فهذا يقتضي كونه مركباً مؤلفاً من الجزأين أو أكثر يقال هذا مبنيٌّ على أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة وهذا فيه نزاع مشهور فالمؤسس من الموافقين في هذا الأصل فالمنازع يقول لا أسلِّم أنه إذا بقي منه كان مركباً من الجزاء بل هو واجب في نفسه وإن تميز في الحس أو العلم منه شيء عن شيء الوجه الرابع عشر أن هذا بعينه يَرد عليك في جميع ما أثبته من الصفات كالحياة والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك وهذا قد أورده عليك نفاة الصفات فقال في حجتهم إن ذات الله لو كانت موصوفة بصفات قائمة لها لكانت حقيقة الإلهية
مركبة من تلك الذوات ومن تلك الصفات ولو كانت كذلك لكانت ممكنة لأن كل حقيقة مركبة فهي محتاجة إلى أجزائها وكل واحد من أجزائها غيرها فإذن كل حقيقة مركبة في ذاتها فهي محتاجة إلى غيرها وذلك في حق الله تعالى محال فإذن يستحيل اتصاف ذاته بالصفات وقال في الجواب قوله يلزم من إثبات الصفات وقوع الكثرة في الحقيقة الإلهية فتكون تلك الحقيقة ممكنة قلنا إن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة احتياج تلك الحقيقة إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال استناد تلك الصفات إلى الذات الواجبة لذاتها وإن عنيتم به توقف الصفات في ثبوتها على تلك الذات المخصوصة فذلك مما نلتزمه وهذا الجواب يقال نظيره إن عنيتم بكونه مؤلفاً مفتقراً إلى غيره افتقاره إلى سبب خارجي فلا يلزم لاحتمال أن تكون تلك الذات بما هي عليه من الصفة والقدر الواجبة واجبة لذاتها وإن عنيت
أن تلك الذات لا يمكن وجودها أو لايعقل وجودها إلا على هذا الوجه فهذا مما نلتزمه الوجه الخامس عشر أن هذا يلزم سائر بني آدم وسائر من أقرَّ بوجود شيء ما فإن الموجود لابد أن يتميز منه شيء عن شيء وأما الوجود الواجب فالتميز فيه أظهر لأنه أكمل وأتم فلابد أن يتميز عن غيره من الموجودات بخصوص ذاته الواجبة مع مشاركته لها في عموم الوجود وهذا إثبات لمعنيين يُعلم أحدهما مع عدم العلم بالآخر فإما أن ينفي أحدهما مع تقدير عدم الآخر أو لا ينفي فإن لم ينفِ لزم أن يكون أحدهما عين الآخر وهو محال وإن جاز ذلك جاز ذلك في نظيره فلا فرق بين أن تُجعل الحقيقتان المتميزتان في الذهن إحداهما عين الأخرى أو يجعل الحيزات المتميزات أحدهما عين الآخر وغن لم ينف لزم التركيب من صفتين وأكثر فكذلك القول في كونه عاقلاً ومعقولاً وعقلاً وذي عناية وفاعلاً وموجباً لغيره وسائر
هذه المعاني وقول القائل هذه الأمور إضافية ليست وجودية لاينفعه ولو لم يقل إن الإضافات من جملة الأعراض الوجودية فكيف إذا قيل ذلك وذلك أنا نعلم بالاضطرار أن هذه الأمور يختص بها الموجود دون المعدوم وأنه لايجوز وصف المعدوم بها والأمور العدمية المحضة لا يختص بها الموجود ولا يكون وصف المعدوم بها ممتنعاً وأيضاً فإن المعدوم يوصف بنقائضها فيقال ليس بفاعل ولا عاقل ولامعقول ولا عقل ولا واجب ولا له عناية فلو كانت هي أموراً عدمية لكانت نقائضها وجودية فإن الوجود نقيض العدم ولو كانت نقائضها وجودية لامتنع وصف المعدوم بها فإنه من أَبْدَهِ العلوم الضرورية أن الوجود لايكون صفة للعدم فإن كانت نقائضها صفة للعدم كانت عدماً فتكون هي وجودية وهي معانٍ ثابتة لواجب الوجود بالاضطرار ولابد من ثبوت معاني متعددة لكل موجود فإن كانت هذه المعاني المتميزة في العلم من ضرورة الوجود الواجب
وغير الواجب كان ما سموه تركيباً من ضرورة كل موجود فلا تكون محالاً بل تكون واجباً ويمتنع وجود موجود بدون هذه المعاني التي سموها تركيباً ويكون نفيها نفياً للوجود وذلك جماع السفسطة ولهذا جعل الناس أول قولهم سفسطة وآخره زندقة الوجه السادس عشر قوله أقصى ما في الباب أن يقول قائل إن تلك الأجزاء لاتقبل التفريق والانحلال إلا أن هذا لايمنع من كونه في نفسه مركباً مؤلفاً كما أن الفلسفي يقول إن الفلك جسم إلا أنه لايقبل الخرق والالتئام فإن ذلك لايمنع من اعتقاد كونه جسماً طويلاً عريضاً عميقاً يقال له هذا مثل قول القائل إن القول بثبوت الصفات قول بثبوت الأعراض والأعراض لا تقوم إلا بمتحيز غاية ما في الباب أن يقال تلك الصفات لازمة للموصوف لا تفارقه ولا تزايله ولهذا امتنع من امتنع من تسميتها أعراضاً قال لأن العرض ما لا يبقى بل يَعرض ويزول وتلك الصفات
لازمة باقية فيقال له إلا أن هذا لا يمتنع كونه في نفسه متحيزاً قامت به الصفات التي هي من جنس الأعراض كما أن الفلسفي لما اعتقد في الإنسان أنه حيوان ناطق وأن هذه صفات ذاتية له لايمكن أن تفارق ذاته لا في الذهن ولا في الخارج لم يمنعه ذلك من أن تكون هذه الصفات عنده أعراضاً وكذلك إذا قال القائل القول بكونه عالماً قادراً حيًّا هو قولٌ بثبوت هذه الصفات بل إذا قال القائل القول بكونه واجب الوجود أنه فاعل العالم وأنه عاقل ومعقول وعقل وأن له عناية ونحو ذلك هو قول بثبوت الأعراض والصفات والتركيب أقصى ما في الباب أن يقول قائل إن هذه الصفات والأجزاء ذاتية للموصوف لايقبل مفارقتها ومما يوضح ذلك أن هؤلاء يسمون الصفات الذاتية أجزاء
ويقولون أجزاء الحد وأجزاء الكم والقدر فهم إذا أثبتوا هذه المعاني كانوا مضطرين إلى القول بثبوت هذه الأمور التي يسمونها أجزاء وصفات ذاتية ونحو ذلك ومتى ادعوا أنها أمور ليست وجودية وأن المفهوم منها واحد كانوا من أعظم الناس مكابرة للضروريات في كل واحدة من الدعوتين ومتى أقروا بما هو معلوم بالفطرة الضرورية وبما هو أجلى العلوم البديهية أنها أمور وجودية وليس أحدهما هو الآخر فقد أقروا بما منه فروا وهذا شأن من فر من الحق الذي لا يفرّ منه إلا إليه ولا ملجأ منه إلا إليه قال تعالى وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) [الذاريات 49] قالوا لتعلموا أن خالق الأزواج واحد فأخبر أن لكل شيء ندًّا ونظيراً خلاف زعم الذين جعلوا له ولداً وقالوا لم يتولَّد عنه ولم يصدر عنه إلا
واحد وهو العقل الأول ثم قال فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) [الذاريات 50-51] فأمرهم بالفرار إليه وأن لايجعلوا معه إلهاً آخر فمن طلب نفي شيء عنه أو إثبات شيء له بالتسوية بينه وبين غيره فقد أشرك به ووقع فيما عنه فرَّ ولم ينجه إلا الفرار إلى الله وحده الوجه السابع عشر أن قول القائل في جميع هذه المعاني الثابتة في حق الرب أقصى ما في الباب أن يقول قائل هي لازمة ذاتية لاتقبل الانفصال والزوال كلامٌ فاسد فإن هذا ليس أقصى ما في الباب وليس هذا هو الفارق بين رب العالمين وبين بعض مخلوقاته بل بينهما من عدم التشابه والتماثل ما لا يدركه عقل عاقل وما يتصور من قدر مشترك فيه نوع مشابهة ما فتلك من أبعد الأمور بعداً عن الحقيقة بحيث لايقتضي مماثلة بوجه من الوجوه إذ هذه الأمور لا تقتضي مماثلة بين الوجودين المخلوقين فَأَنْ لا تقتضي بين وجود الرب الخالق ووجود المخلوق أولى وأحرى وهذا كقول القائل إذا كان حيًّا عالماً قادراً والعبد حيًّا عالما ً قادراً فقد ثبت أنه مركب أو انه مماثل ونحو ذلك أقصى ما في الباب أن ذلك تجب له هذه الأسماء وهذا لا تجب له أو أن يقول قائل إذا كان موصوفاً
بالحياة والعلم والقدرة فقد ثبت التركيب ولذا أقصى ما في الباب أن ذلك تجب له هذه الأسماء وهذا لا تجب له أو أن يقول قائل إذا كان موصوفاً بالحياة والعلم والقدرة فقد ثبت التركيب أقصى ما في الباب أن يقال تلك الصفات لازمة دون هذه وكذلك سائر النظائر بل هو مثل أن يقول القائل إذا كان موجوداً وهذه المشهودات موجودة فقد تماثلا في الحقيقة الوجودية أقصى ما في الباب أن يقول هذا واجب وهذا ليس بواجب وكل هذه المقاييس والأمثال المضروبة باطلة فإن حقيقة ذات الله تعالى التي هي ليس بينها وبين غيرها من الحقائق تماثُل بوجه من الوجوه بل كل ما يعلم من التباين بين موجود وموجود فالتباين الذي بين الله وبين خلقه أعظم من ذلك بما لا يقدر قدره إلا الله إذ العلم بحقيقة ذلك من خواص الرب سبحانه وتعالى ولا يعلم ما هو إلا هو لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) [الأنعام 103] الوجه الثامن عشر أنا قدمنا غير مرة أن الله لايضرب له المثل بغيره ولا يسوَّى بينه وبين غيره لا في نفي ولا في إثبات بل هذا من الإشراك وجعل الأنداد والأكفاء له وهذا من
أعظم الأمور فساداً وتحريماً في العقل والدين وذلك أكبر الذنوب بل ما ثبت لغيره من صفات الحمد والثناء فهو أحق به وأولى ولايكون مماثلا لذلك الغير في ذلك النفي والتنزيه وفد ذكرنا أن مثل هذا القياس العقلي والمثل المضروب هو الذي يستعمل في باب الربوبية في كتاب الله تعالى في باب التنزيه عن الشركاء والأولاد وغير ذلك ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ عنه قال نعم قال فاقضوا الله فالله أحق بالقضاء وهذا المعنى جاء في أحاديث متعددة صحيحة فقبول الاستيفاء من الإنسان عن غيره لما
كان من باب العدل والإحسان كان الله أحق بالعدل والإحسان من العباد وكان الذي يقضي عن غيره حق المخلوق هو أحق بأن يقضي عنه حق الخالق من جهتين من جهة أن حق الخالق أعظم ومن جهة أنه أعدل وأرحم ونظير ذلك في جانب النفي ما رواه الإمام أحمد في مسنده أنهم لما فاتتهم الصلاة سألوه هل يقضونها مرتين فقال أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم يقول إنه نهى عن الربا لما فيه من الظلم وهو المعاوضة عن الشيء بما هو أكبر منه في الديون الثابتة في الذمة بعوض أو غيره وهو أحق بتنزيهه عن الظلم من عباده وكذلك الأمثال والمقاييس التي تضرب في عمل العبد له مثل طاعته وعبادته وشكره وخوفه ورجائه والاستحياء منه وغير ذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم لبهز بن حكيم لما قال فإذا كان أحدنا خاليًا قال فالله
أحق أن يُسْتَحْيَى منه من الناس ومثل قوله في القرآن وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة 62] فالأمثال تضرب تارة لما يوصف به من الصفات والأفعال وهو الحق الموجود وتارة لما يؤمر به الإنسان من الأعمال وهو الحق المقصود وقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما رأى امرأة من السبي لما رأت طفلاً أخذته فأرضعته أترون هذه طارحة ولدها في النار قالوا لا يا رسول الله قال للهُ أرحم بعباده من هذه بولدها فيه قياس الأولى لكن من باب التصور وقد يستعمل من باب
التصديق بأن يقال إذا كانت هذه لكونها كانت سبباً في وجود هذا فيها هذه الرحمة فالرب الخالق لكل شيء ووجود كل شيء منه أحق بأن يكون رحيماً بذلك ومن باب الأمر قول ابن عمر لغلامه نافع وقد رآه يصلي في ثياب ناقصة فقال أرأيت لو أرسلتك في حاجة أكنت تذهب هكذا فقال لا فقال فالله أحق من تُزُيِّنَ له من الناس وهذا يسبه حديث بهز بن حكيم ومنه الحديث
المرفوع لايمنعن أحدكم هيبةُ الناس أن يقول الحق إذا رأى منكراً أو سمعه فيقول الله له ما منعك أن تقول الحق فيقول ربِّ خفت الناس فيقول الله فإياي كنت أحق أن تخاف وهذا المعنى في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ [العنكبوت 10] ومن باب الخبر قوله تعالى أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [يس 81] أمثال بني آدم فيعيدهم كما قال أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) [الأحقاف 33] وكما قال تعالى لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) [غافر 57] إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59) [غافر 59] وأما ظن من ظن كالرازي أن قوله عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ
المراد به إعادة خلق السموات والأرض واستدل بذلك في مسالة الإفناء فليس بشيء والعربية تمنع ذلك ومن ذلك الاستدلال على قدرته على الإعادة بقدرته على الابتداء كقوله وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) [يس 78-79] وقوله إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ [الحج 5] وقوله وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ثم قال وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ [الروم 27-28] فأخبر أن له المثل الأعلى وذلك يدل على ما ذكرناه من أنه له قياس الأعلى لا المساوي وقد ذكر مثلين مثلاً لنفي الشرك ومثلاً لإعادة الخلق وذلك في الأصلين الإيمان بالله وباليوم الآخر ومنه قوله تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40) [القيامة 36-40] فبيَّن بما ضرب من المثل الأعلى أن الذي خلق الإنسان على هذه الصفة أولى بأن يكون قادراً على إحيائه وذلك معلوم بالفطرة
الضرورية العقلية ومن باب النهي قوله تعالى وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة 267] يقول إذا كنتـ م في حقوق بعضكم على بعض لا تأخذو ن إلا بإغماض فأنا أحق ألا تؤدوا في حقي الخبيث ومنه قول بعض السلف لبنيه في الأضحية لايُهدى أحدكم ما يستحي أن يهديه لكريمه فإن الله أكرم الكرماء ومنه حديث عمر في الناقة التي أهداها وقد بُذِلَ له فيها مال كثير وهذا الذي نبهنا عليه من أن الطرق العقلية القياسية في أمر الربوبية لا تكون من باب التمثيل والتشريك الذي تستوي أفراده
وإنما هو من باب قياس الأولى والتنبيه قاعدةٌ شريفة عظيمة القدر ولهذا خلاصة ما عند المتكلمين من الطرق العقلية هي من هذا الباب فإن كلامهم يشتمل على حق وباطل مثال ذلك أنهم لما أثبتوا كونه سميعاً بصيرًا بالطرق العقلية ذكر أبو عبد الله الرازي هذا المؤسس في كتاب نهاية العقول طرقَهم وبسط الكلام في ذلك بسطاً كثيراً ثم أنه زيفها وذكر عللها ثم قال الفصل الثالث فيما تُعَوِّلُ عليه هذه المسألة فذكر طريقة عقلية وطريقة سمعية قال والمعتمد طريقان الأول ما ذكره الإمام الغزالي وهو أنه قال نحن نعلم بالضرورة أن السميع والبصير أكمل ممن لايكون سميعاً بصيراً والواحد منا سميع بصير فلو لم يكن الباري كذلك لزم أن يكون الواحد منا أكمل من الباري وذلك معلوم الفساد بالضرورة فوجب القطع بكونه سميعاً بصيراً ثم أورد على هذه الطريقة أَسْوِلَةً وذكر جوابها وتقريرها يمكن أجود ما قرره وكذلك يمكن تقرير الطريقة المشهورة أنه
حي والحي إما أن يكون سميعاً بصيراً أو أبكم وأصم وذكر غيرها وكان يمكن تقرير تلك الطرقة العقلية على هذه الطريقة الولية أيضاً لكن ليس هذا موضع شرح ذلك وإنما الغرض التنبيه على أن هذه القاعدة قاعدة شريفة عامة النفع وهي التي جاء بها الكتاب والسنة وهي مبرهنة معقولة في نفسها وقوله في القرآن وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ في موضعين من كتابه بيانٌ لها والمقصود هنا أنه سبحانه أنه كان له المثل الأعلى الذي فيه قياس الأولى فكونه تعالى لايتفرق ولاينحل ولايتمزق هو من معنى صمديته وقيوميته كما تقدم ذلك ومعلوم أن غيره إن كان له وصف من الاجتماع الذي فيه نوع تصمد فليس قيامه بنفسه كقيام الحق ولا تصمده كتصمد الحق سبحانه وتعالى بل هو القائم بنفسه الذي يجب له هذا القيام بنفسه ويمتنع عدمه وهو
القيم لكل ما سواه وهو الصمد السيد الذي لاجوف له ولايتفرق ويتبعض ويتمزق وهو الذي يصمد له كل حي ما سواه فهو الصمد في نفسه الذي يصمد له كل شيء وهو القائم بنفسه المقيم لكل شيء وإذا كان كذلك لم بجز أن يمثل بشيء من الأجسام بوجه من الوجوه بل للمنازع أن يقول ما يذكره وهو الوجه التاسع عشر أن نفي مباينته للغير يوجب عدم قيامه بنفسه ونفي عدم تفرقه يوجب عدم صمديته فالذي يقول لا هو مباين لغيره ولامحايث له ولايوصف باجتماع ولا افتراق ونحو ذلك من الأمور المتقابلة التي ينفونها عنه من جنس نفي الملاحدة لكونه عالماً وجاهلاً ولكونه قادراً وعاجزاً يوجب نفي كونه قيوماً وكونه صمداً ودلالة هذه السماء على موجب قول أهل الإثبات أظهر كثير من دلالة ما ذكره من الأدلة السمعية على قول أهل النفي ولهذا كان فضلاء أهل النفي إذا سمعوا
تفسير المفسرين لقوله الصمد بأنه الذي لا جوف له قالوا هذا تفسير المجسمة ومعلوم أن هذا تفسير الصحابة والتابعين وروي مرفوعاً وذلك أشهر من كلامهم من تفسير الصمد بأنه السيد وإن كان كلاهما حقًّا فإذا كان اسم الصمد يدل على أنه جسم واسمه القيوم يدل علة أنه ما باين العالم في الجهة أعظم من دلالة ما ذكره على النفي من وجوه كثيرة ظهر بطلان قول النفاة دع سائر الأسماء التي هي على ذلك أدل من اسمه العلي والأعلى والعظيم والكبير وغير ذلك الوجه العشرون قوله كما أن الفلسفي يقول الفلك
جسم إلا أنه لايقبل الخرق والالتئام فإن ذلك لايمنعه من اعتقاد كونه جسماً طويلاً عريضاً عميقاً يقال لاريب أن بين الشيئين اللذين يقال إنهما جسم قدراً مشتركاً وقدراً مميزاً وكذلك ما يقال إنه جوهر ومتحيز وقائم بنفسه أو غني عن المحل أو مباين لغيره أو محل للصفات أو حامل الصفات أو محل للأعراض أو حامل للأعراض مثل ما يقال إنه موجود وثابت وكائن وحق وغير ذلك من الأسماء العامة التي يسميها أهل النحو أسماء الأجناس فلا ريب أن بين المسميات بها قدراً مشتركاً وقدراً مميزاً والمعنيُّ بالقدر المشترك أن يكون في أحد المسميات ما يشبه ما في الآخر ليس المراد أن يكون في الخارج شيء معين هو بعينه مشترك بينهما فإن هذا ممتنع بكل موجود في الخارج فإنه متميز بنفسه مختص بصفاته لايشركه غيره في نفس وجوده وماهيته وصفاته القائمة به إلا بمعنى المشابهة والذهن يرتسم فيه معنى يتناول المشتبهين وذلك هو المعنى العام وله لفظ يطابقه وهو اللفظ العام وإذا كان كذلك فكونُ الفلك مشاركاً لغيره في مسمى الجسم وممتازاً عنه بعدم قبول الانقسام والانحلال لا يقتضي لهذا أن يكون الباري مع مخلوقاته عند من يصرِّح بلفظ
الجسم بهذه المنزلة فضلاً عمن يقول أعني به القائم بنفسه الغني عن المحل وإن كان عنده كل قائم بنفسه مباين لغيره حامل للصفات لا يُشار إليه بأنه هنا أو هناك وهو الذي يعنيه غيره بلفظ الجسم لكن مع هذا كله لايقتضي أن كون المميز بين الباري وبين مخلوقاته مثل المميز بين الفلك والعناصر وهو عدم الانخراق بل هذا بمنزلة أن يقال إذا كان قائماً بنفسه فهو مساوٍ لسائر القائمات بأنفسها من السموات والأرض والحيوان والشجر والنبات أقصى ما في الباب أن يقول قائل هذه القائمات بأنفسها تقبل التفرق والانحلال وهو ليس كذلك أو يقول إذا كان حيًّا عالماً قادراً سميعاً بصيراً فهو مساوٍ لكل موصوف بذلك من الآدميين والملائكة والجن أقصى ما في هذا الباب أن هذه الصفات يمكن زوالها عن محلها وتلك الصفات لايمكن زوالها عن محلها بل اشتراك الجسام والقائمات بأنفسها والمخلوقات في هذه الأمور العامة لايُوجِب اشتراكها في حقائقها بل لكل من هذه الأجناس حقيقة وصفات تخصه هو بها مباين مخالف لغيره أعظم بكثير مما هو له مشابه وقد تقدم بيان هذا لما بينا فساد قول من يقول بتماثل الأجسام وأنها لما اشتركت في
مسمى القدر وهذا من أبعد الأشياء عن حقائقها وصفاتها المقومة لها فكيف تكون متماثلة بمجرد ذلك وإذا كان الأمر كذلك في المخلوقات مع تماثلها في الجملة وأنه ما من شيء منها إلا وقد خلق الله له زوجاً كما قال تعالى وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات 49] فكيف بخالق الموجودات وبارئ الكائنات رب الأرض والسموات وصانع كل ما يعلم ويشهد خالق كل شيء ورب كل شيء ومليكه مع العلم بأن هذه العبارات العامة لم تدخل فيها نفسه المقدسة بما لها من السماء والصفات وهو سبحانه لايسمى من الأسماء ولايوصف من الصفات إلا بما يخصه ويمنع مشاركة غيره له وإذا أضيف ما يشبه ذلك الاسم أو الصفة إلى غيره كان أيضاً مقيداً بما يوجب اختصاص ذلك الغير به ويمنع أن يكون لله شريك في شيء من أسمائه وصفاته لكن إذا قُدِّر تجرُّد ذلك الاسم عن المخصصات وهذا تقدير لاوجود له في الخارج كان مشتركاً بين المسميات كما أنه إذا قدر صفة مشتركة بين الموصوفات وهو المعنى العام وهذا تقدير لاوجود له في الخارج كانت تلك الصفة وذلك المعنى العام مشتركاً بين الموصوفات والموجودات لكن هذا المطلق
المشترك من السماء والمعاني والصفات إنما ثبوتها في الأذهان لا في الأعيان وقد قدمنا أن هذا التقدير إنما يفعل للحاجة إلى زوال الاشتراك الذي في نفوس بني آدم الذين وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) فيقدر تقديراً ليبين بتقديره ما فيه من افتقاره أو ما فيه من علو الله على غيره وأن له المثل الأعلى وأنه أحق بكل ثناء وأبعد عن كل نقص كما يقدر وجود مثل للباري أو شريك في الملك ونحو ذلك ليس بتقديره امتناعه وتنزُّه الباري عنه إذ كل ما ينزه عنه الباري تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيراً من الشركاء والأولاد والأنداد والعيوب والنقائص وسائر ما يصفه به المبطلون الذين سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) فلابد من تصوره وتقديره في النفس ليُنفى عن الرب وينزه عنه إذ حكم الذهن بنفي الشيء وإثباته لايكون إلا بعد تصوره فلا يمكن نفي شيء وتنزيه الرب عنه إن لم يكن معلوماً متصوراً في الذهن وهو لاحقيقة له في الخارج فيكون مقدراً تقديراً بطريق المقايسة والمشابهة للمخلوق الموصوف ثم حينئذ يصير معلوماً فيُنفى ويسلب ويقدس الرب عنه وينزه وهذا الذي قلناه عام في كل أمر يُقدَّرُ مشتركٍ بين الرب وبين عباده من الأسماء والصفات وغير ذلك فليس بينهما قدر مشترك يستويا فيه ولكن هو أحق من كل موجود
وكامل بكل وصف له وجودية وكمالية وبنفي كل صفة سلبية ونقيصة وهو أحق بمناقضة المعدوم الناقص ومنافاته ومباينته من كل شيء فإذا ثبت لغيره صفة وجودية كمالية كان له من ذلك ما هو أكمل وأعلى وأرفع فإنه سبحانه وتعالى له المثل الأعلى وإذا نُزِّه غيره عن عدم أو نقص كان له من التنزيه ما هو أكمل وأعلى وارفع قال تعالى في الأول وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الروم 27] وقال في الثاني وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى وهي التي ضرب مثلاً إلى قوله لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [النحل 58-60] وإذا ثبت له الأعلى من ثبوت الوجود والكمال ونفي العدم والنقص فإن الذهن أيضاً يأخذ هنا قدراً مشتركاً فيجرده تجريداً وإن لم يكن ذلك موجوداً في الخارج ليستدل بذلك القدر المشترك على أن لله ما هو أعلى وأرفع في جانب الوجود والعدم وهذا الذي يسميه بعض الناس الألفاظ المشكِّكة فينتقل الذهن والمتكلم من إثبات القدر
المشترك إلى القدر المميز وإن لم يكن في الخارج شيء مشترك أصلاً ويثبت من المعاني والألفاظ التي فيها تشبيه واشتراك بحسب ذلك كلفظ الوجود والذات والعليم والقدير والسميع والبصير وغير ذلك من أسماء الرب وصفاته سبحانه وتعالى فليس لأحد قط أن يحصر الفارق بين الله وبين غيره في شيء معين من جنس ما يجده من الفوارق بين المخلوقات حتى يقول إنه ليس بينه وبين غيره من الفرق إلا مثل ما بين كذا وكذا ولو قال ذلك على تقدير قول منازعه وذلك أنه على ذلك التقدير أيضاً فلله حقيقة اختص بها تباين سائر الخلائق ولا يعلمها العباد وبالجملة فليس أحد يعلم حقيقة الرب كما يعلم الرب نفسه وقد قال إمام الأئمة صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
وإذا لم يكن هذا معلوماً وهو من الأمور التي يباين الله وتفارق حقيقته بها حقيقة غيره كان المدعي انحصارَ المباينة والمفارقة في شيء معين مبطلاً قائلاً على الله غير الحق مفترياً عليه وهذه الجملة مع بيانها فإنها نافعة في أصول عظيمة الوجه الحادي والعشرون قوله أقصى ما ذكره أنهم معتقدون كونه مركباً مؤلفاً فيقال قد تقدم غير مرة أن لفظ التركيب والتأليف فيه اشتراك وإجمال وإبهام وإيهام وأنت لم تُرد التركيب والتأليف المعروف في اللغة وهو أن يكون الشيء قد ركّبه غيره أو ألّفه غيره من شيئين مختلفين أو غير مختلفين أو ركبه في غيره أو ألّف بين شيئين كما قال تعالى فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) [الانفطار 8] وقال تعالى هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال 62-63]
وقال إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة 60] فلم ترد ما يشبه هذا التأليف والتركيب المعروف من اللغة التي نزل بها القرآن وإنما أرادت ما سميتموه أنتم تأليفاً وتركيباً كما سمَّى المنطقيون الموصوف بالصفات مركباً مؤلفاً وبمثل هذا الكلام المجمل المتشابه الذي يذكرونه وليس له أصل في كتاب الله وسنة رسوله ضل من ضلَّ كما وصف ذلك الأئمة وذموا المتكلمين بمثل هذا الكلام كقول الإمام أحمد فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يُلَبِّسون عليهم وهذا كما ذكر الأئمة فإن عامة الألفاظ التي يستعملونها هؤلاء من هذا الباب مثل لفظ الجسم والمتحيز والجوهر والطويل والعريض والعميق والمنقسم والمؤلف والمركب ليس فيها لفظ واحدٌ