الجزء الخامس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن تيمية
- الكتاب
- بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية
- المؤلف
- تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728هـ)
- المحقق
- مجموعة من المحققين
- الناشر
- مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
- الطبعة
- الأولى، 1426هـ
- عدد الأجزاء
- 10 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]أعده للشاملة: محمد المنصور
حاصلاً بتمامه في الأزل أو لايكون فإن لم يحصل لم يحصل إلا لمؤثِّر والكلام فيه كالكلام في الأول فتسلسل وهو محال وإن كان حاصلاً فهو معلوم بالضرورة أن المؤثر إذا حصل مع جميع الأمور التي باعتبارها تتم مؤثريته فإنه يستحيل تخلف الأثر عنه فإذًا يستحيل تخلف العالم عن الباري وكذلك أنه يمكن الجواب عن القسمين بهذين الوجهين أما الأول فيقال لا نسلِّم أن المؤثر إذا لم يكن حاصلاً بتمامه ولكن نفس التأثير الذي يقال إنه قام به من التخليق والكلام والإرادة لم يكن حاصلاً أو وجود شرط وانتفاء مانع ليس بحاصل فإن هذا كله من تمام المؤثر كان المراد بالمؤثر عنده مجموع الأمور التي إذا وجدت وجد المفعول وهي الأمور التي يجب أن يقارنها المفعول وتكون واجباتها فإذا لم تحصل هذه الأمور لم يكن المؤثر حاصلاً لكن يقال هذه الأمور إذا لم تكن جميعها حاصلة بل فات بعضها لم يكن المؤثر الأول حتى يلزم
التسلسل بل يكون هذا المؤثر الثاني هو المؤثر في ذلك الشرط أو زوال ذلك المانع وليس المؤثر في العالم المؤثر في بعض الأسباب التي يجب العالم عندها سواء قيل هو التخليق أو الكلام أو الإرادة أو غير ذلك فإن قيل المؤثر في ذلك التتمة الذي هو الموجب الذي يجب عنده وجود الأثر إما أن يكون حاصلاً بتمامه في الأزل أو لا يكون كان المختار أنه لم يزل حاصلاً في الأزل وهنا جوابان أحدهما أن يقال لا نسلِّم أن وجود مفعول يتوقف على هذا المؤثر بل يقال ليس في الوجود المعروف مؤثر يجب عنده وجود الأثر وجوبًا يمتنع زواله حتى يقال فإن لم يكن لم يحصل الأثر ولا موجب الحوادث إلا مشيئة الله تعالى ومشيئته ليس لها نظير حتى يقاس بها والله ليس كمثله شيء والثاني أن يقول حصوله بعد ذلك يكون لوجود شرطه أو انتفاء مانعه وهذا التسلسل في الشروط وانتفاء الموانع ليس ممتنعًا عند المنازع وإنما الممتنع التسلسل في العلل التامة التي كلُّ علة تُوجِب الأخرى والأمر هنا ليس كذلك بل يكون حدوث هذا الشرط موقوفًا على شرط آخر ليس علة له ويجوز تعاقب الشروط ودليل ذلك أن الحوادث اليومية موجودة والعالم مملوء من الحوادث فالموجب التام لكل حادث إما أن يكون حاصلاً في الأزل أو لايكون ويعود التقسيم
وغاية ما قاله هؤلاء أن هذه الحوادث تتبع حركة الفلك المتعاقبة وليس الغرض الكلام في هذا الجواب ليس المقصود أنهم إذا اشترطوا شروطًا ولم يكن ذلك من التسلسل الممتنع فهنا أولى الوجه الثاني أن يقال وإن كان المؤثر بتمامه حاصلاً في الأزل لكن لِمَ قلتم إنه يستحيل تخلف الأثر عنه قوله من المعلوم بالضرورة أن المؤثر إذا حصل مع جميع الأمور التي باعتبارها تتم مؤثريته فإنه يستحيل تخلف الأثر عنه يقال هذه قضية كلية مضمونها أن كل مؤثر تام فإنه يستحيل تخلف الأثر عنه والقضية الكلية لابد لها من أفراد غير مورد النزاع الذي يراد الاستدلال عليه بها ومعلوم أن الوجود كله ليس فيه مؤثر تام غير الله أصلاً بل لا يصدر عن شيء واحد من المخلوقات أثر أصلاً ولا يصدر إلا عن شيئين فصاعدًا وليس من المخلوقات ما يقال إنه مؤثر إلا
ويمكن تخلُّف أثره عنه سواء في ذلك المؤثرات الاختيارية والطبيعية فإذا لم نشهد في العالم مؤثرًا يجب وجوبًا عقليًّا أن يقترن بعه الأثر المنفصل عنه فكيف يعلم أن المؤثر التام يجب اقتران الأثر به فضلاً عن أن يكون ذلك معلومًا بالضرورة وهو حكم لانظير له ومورد النزاع غير معلوم فإن قال أريد بالمؤثر التام ما يجب عند وجود الأثر كان التقدير المؤثر الذي لا يتخلَّف عنه أثره إما أن يكون حاصلاً في الأزل أو لايكون والجواب أن هذا ليس بحاصل في الأزل ولا في الموجودات المشهودة مؤثر لا يتخلف عنه أثره وتحرير هذا الوجه أن جميع ما يفرض من المؤثرات المشهودة يمكن وجودها عقلاً مع عدم أثرها وليس في العالم مؤثر واحد يوجب أثرًا أصلاً وإنما التأثير عقب شيئين كما تقدم بيانه ووجود تلك الأسباب بدون ذلك الأثر ممكن فإذا لم يحكم العقل حكمًا قاطعًا بأن ما يعرفه من المؤثرات يوجب الآثار وجوبًا يمتنع فكاكه لم يكن له سبيل إلى أن يحكم بوجوب مقارنة الأثر للمؤثر الوجوب العقلي أصلاً ويعود الأمر إلى أن يقال فإذا صدر عنه الأثر تارة ولم يصدر أخرى كان تخصيصًا بغير مخصص وهذا هو الذي قدمنا الكلام عليه فقلنا إنهم أثبتوه في حق الله بالقياس على خلقه مع وجود الفارق ويمكن تلخيص هذا الجواب بأن يقال في
الوجه الثالث قولك ما لأجله يكون المحدث محدثًا إما أن يكون أزليًّا أو لايكون ما تعني به أتعني به ما يجب وجود الأثر عنده أم تعني به ما لأجله يجوز أن يكون فاعلاً مثل قدرته وغيرها من صفاته فإن قال أعني الأول قيل ليس ذاك بأزلي ولا نسلم بأنه محتاج إلى حصوله في كون المحدث محدثًا وإن سلَّمنا أنه لابد منه فلا نسلم لزوم التسلسل وإن أريد به الثاني فهو أولى ولكن ليس ذلك بموجب لوجود الأثر عنده الوجه الرابع أن هذه الحجة مدارها أنه إذا كان مؤثرًا تامًّا وجب وجود الأثر مقارنًا له وإذا لم يكن مؤثرًا تامًّا امتنع وجود الأثر عنه إذا لم يكن تامًّا وامتنع أن يتم المؤثر بعد ذلك لأنه يستلزم التسلسل وحينئذٍ فيلزم امتناع إحداثه بعد أن لم يكن محدثًا فلابد في هذه الجهة من تقدير هذه المقدمات ومطلوبهم ثبوت القسم الأول وهو انه مؤثر تام فيجب مقارنة الأثر له ويمتنع تخلف الأثر عنه أو أن يفعل شيئًا بعد أن لم يكن فعله والمؤثر التام هو العلة وهو المولِّد وقد يقولون إن ذلك لا ينافي كونه مختارًا إذ اختياره للشيء المعين من لوازم ذاته ولو لم يكن مؤثرًا تامًا امتنع منه الفعل سواء قيل إنه تم أو لم يقل إنه تم وإذا كان كذلك فالعلمُ بهذه المقدمات في حق الله لا سبيل لهم إليه إلا بمجرد القياس الذي لا يصح فإن واجب الوجود لا ندَّ له ولا عدل له ولا مثل له حتى يقال إنه
بمنزلة ذلك المؤثر التام والمنع متوجه على هذه المقدمات الثلاث فَلِمَ قلتم إنه إذا كان كاملاً في نفسه قادرًا على الفعل بحيث لايعجز عنه إذا أرادوه أنه يجب صدور الفعل عنه غايتكم في هذا أن تمثِّلوا الله ببعض مخلوقاته وتقيسوا عجزه ونقصه على عجز هذه المخلوقات ونقصها وقد أجابهم من أجابهم من المتكلمين كالرازي وغيره بجواب بنوه أيضًا على القياس الفاسد فقالوا لهم قولكم جميع جهات مؤثِّرية الباري في العالم لابد وأن تكون حاصلة في الأزل ويلزم من ذلك امتناع تخلف العالم عنه قلنا هذا إنما يلزم إذا كان موجبًا بالذات أما إذا كان قادرًا فلا وقال هؤلاء قولاً كليًّا إن القادر لا يتوقَّف ترجيحه لأحد المثلين على الآخر على مرجح لوجهين أحدهما أن الواحد من الناس إذا استوى في حقه إرادة الفعلين كالهارب إذا عَنَّ له طريقان متساويان في حقه والجايع إذا قدم له رغيفان متساويان في حقه فإنه يرجح أحدهما لا لمرجِّح الثاني أن القادر إنما يفعل أحد المقدورين دون الآخر
لإرادته له والإرادة بنفسها مرجحة لأحد المقدورين وذلك صفة نفسية لها لا يجوز تعليلها بأمرٍ خارجٍ عنها وهذه خاصية الإرادة كما أن خاصية القدرة كونها بحيث يتمكن بها من الفعل وخاصية العلم كونه بحيث يعلم به فكذلك خاصية الإرادة كونها بحيث يخصص بها مقدور على مقدور ومنهم من قال ترجيح القادر بإرادته لابد له من ترجيح ومنهم من ذكر الترجيح بالعلم ومنهم من ذكر الترجيح بما في الفعل من الإحسان ومنهم من ذكر الترجيح بالقدرة وهو أنه كان ممتنعًا والمقصود هنا الكلامُ على من سلَّم ما ذكروه في المرجح الموجب بالذات ومنعه في القادر المختار فالصواب هو الفرق بين الله وبين غيره لا الفرق بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار فيقال لهم ما ذكروه ممتنع في حق الله تعالى بكل وجه وليس في الوجود شيء موجب بذاته تجب مقارنة موجبه
له أصلاً بل جميع الكائنات إنما هي أسباب لا يوجد الأثر عنها إلا بسبب آخر فإما أن يكون علمنا في الموجودات سببًا هو موجب بذاته وهو على تامة مولد بنفسه فهذا خلاف ما الوجود عليه فما من أثر يصدر إلا عن اشتراك بسببين فأكثر ومع هذا فيمكن تخلفه عنهما وإذا وجد هذا في جميع ما يقال إنه مؤثر من المؤثر باختياره وقدرته وبطبعه وقوته فليس فيها شيء يستقل بأثره وحده فضلاً عن أن يقال إنه موجب له بذاته والأثر الحاصل عند اجتماع أسباب كالحريق الحاصل عند وجود النار وجسم يلاقيه والشعاع الحاصل عند وجود الشمس وجسم يقابله ليس بواجب أيضًا فقد يمكن أن يكون ذلك ولا يكون إشراق ولا إحراق فإذا كان ليس في الوجود من يفعل بذاته أثرًا فضلاً عن أن يقال إنه موجب وإنما الأثر يصدر عن شيئين كصدور الولد عن الوالدين والنتيجة عن المقدمتين وهو مع
ذلك ليس بواجب كيف يسلّم لهم أن الموجب بالذات لا يتخلف عنه الأثر وهو قول لا حقيقة له وبهذا يتبين أن القوم أشركوا بالله وعدلوا به وضربوا له مثل السوء كما فعل إخوانهم الذين جعلوه يولِّد البنات وهملا يرضون بتوليدهن وجعلوا مملوكه شريكه وهم لا يرضون بمشاركة المملوك وذلك أن هؤلاء جعلوا الأثر لازمًا له لايمكنه دفعه بوجه من الوجوه قياسًا على ما هو موجب بذاته من العلل وهم مع ذلك لم يجدوا في العلل ما يكون معلوله لازمًا لايمكنه دفعه بوجه من الوجوه فوصفوا الله بما ينزهون عنه المخلوقات ووصفوه من التولد والعجز بما لا يصفون به المصنوعات ولهذا كان مذهب أهل السنة والجماعة أنه ليس في الموجود مؤثر تام إلا الله تعالى فلا رب غيره ولا إله سواه ولهذا قال من قال من متكلمة أهل الإثبات كالأشعري إن أخص وصف الله هو القدرة على الاختراع ور ريب أن هذا من أخص أوصاف الله وإن لم يكن هو وحده الأخص لكن الشعري حرر القول في هذا الأصل تحريرًا باين به سائر أهل الضلال من
أهل القبلة وكان انتصاره لهذا الأصل من أحسن أو أحسن ما نصره من مذاهب أهل السنة والجماعة وأما الذين يفرقون بين الموجب بالذات والفاعل بالاختيار في الشاهد والغائب فتفريقهم باطل أما في الشاهد فلأن الفاعل باختياره إذا حصل عنده الإرادة الجازمة مع القدرة التامة كان بمنزلة الموجب بذاته وجاز أن يسمى موجبًا بذاته والموجب بذاته إنما أوجب بصفة قائمة به طبيعية هي نظير الاختيار في المختار وكلاهما فيه قوة فعل بها وكلاهما فيه اقتضاء وميل إلى الفعل وكلاهما يسمى طبيعة وغريزة فإن خلقية الحي يسمى طبيعة له كما يسمى بذلك ما في الجامدات لكن بينهما من الفرق حصول الشعور في أحدهما دون الآخر والشعور يستلزم اللذة والألم ولهذا فرق بينهما بأن جعل أحدهما إرادة دون الآخر وإن كان قد يسمى إرادة كما في قوله تعالى جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ [الكهف 77] وهذا الفرق أول من أحدثه في الإسلام القدرية وبالغوا في إثبات الفعل للحي القادر حتى جعلوا الإنسان مستقلاً بما يفعله وأخرجوا فعله عن أن يكون مخلوقًا لله ومقدورًا له ومرادًا
له والأشعرية ونحوهم وإن خالفوهم في هذا فقد وافقوهم وزادوا عليهم في سلب ما في الأجسام من القوى والطبائع التي بها يفعل ما جعلها الله فاعلة له وفي الحقيقة فالجميع فيه القوى والطبائع التي هي مبدأ الميل إلى الفعل والحركة سواء كانت مع الحياة أو بدونها والله هو خالق هذا كله لكن غير الحي لا تكون حركته إلا تبعًا إذا خرج من مستقره كان فيه ميل إلى مستقره فليست الحركة فيه أصلية بخلاف الحي فإن كل حركة في الكون مبدؤها من اختيار حيٍّ وملائكة الله تعالى هم الذين يدبر الله بهم ما يدبره من أمر خليقته كما يدبر بالآدميين ما شاء لكن الملائكة أكبر وأكثر كما قال تعالى فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ﴿5﴾ [النازعات 5] وقال تعالى فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴿4﴾ [الذاريات 4]
وأمثال ذلك مما ليس هذا موضعه فأولئك الفلاسفة أشركوا بالله وعدلوا به حيث قاسوه على الموجب بذاته من المخلوقات وهؤلاء كانوا أمثل فإنهم لما عدلوا به وأشركوا بما شبهوه بالفاعل باختياره من المخلوقات ثم إن كل واحد من الفريقين لو كان حكمُ الأصل ثابتًا لكان قياسه من أفسد القياس لما فيه من تسوية رب العالمين ببعض المخلوقات فكيف وحكم الأصل مُنتفٍ في الأصلين فإن أولئك قاسوه على القادر المختار الذي يرجِّح أحد المثلين على الآخر وهو نفسه إن شاء فعل وإن شاء ترك وليس في الوجود قادر مختار بهذا المثابة كل قادر مختار من المخلوقين فإنه لايفعل حتى تثبت له إرادة جازمة معينة لمراده وتكون حاصلة فيه من غيره وهذا خير من بعض الوجوه والله تعالى له المثل الأعلى ليس كذلك بل هو يستقل بالفعل بإرادته التي لم يستفدها من غيره من غيره ولايضطر إلى الفعل فلا فعلُه ولا نفسُ إرادته تضطره بل هذان وصف الآدميين وإنكار القدرية لذلك وما يقال إنه موجب بذاته في
المخلوقات سواء قيل إنه يقتضي بالطبع بلا حياة ولا شعور أو فيل إن له حياة وشعورًا ليس كما يقوله هؤلاء بل ليس في الوجود ما يفعل شيئًا إلا بشريك معاون له يكون هو وذاك سببين والله تعالى لا شريك له ثم إذا وجد شريك كان صدور الأثر عنهما بغير اختياره ولا بمشيئته ويكون عاجزًا عن رد الأثر إذا وجد الشريك والله تعالى لا يفعل شيئًا إلا باختياره ومشيئته وليس عاجزًا عن رد الشيء لفعل غيره له بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فظهر أن هؤلاء جميعهم أتوا من تمثيل الله بخلقه ثم إنهم غلطوا في حكم الأصل الذي مثَّلوه به قال الله تعالى وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ ﴿100﴾ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴿101﴾ [الأنعام 100-101] فهذا بعض ما يتعلق بقولهم في المقدمة الواحدة أنه يجب مقارنة الأثر إذا كان تامًّا وأما المقدمة الثانية وهو أنه إذا لم يوجد المؤثر التام امتنع صدور الفعل عنه ويمتنع أن يكون تامًّا بعد أن لم يكن فيمتنع
أن يفعل بعد أن لم يفعل فهم إنما يوجبون بالمؤثر التام ما تجب مقارنة الفعل له وقد قلنا إن هذا لاوجود له فبطل قولهم إذا لم يوجد المؤثر التام بهذا التفسير امتنع وجود الفعل بل جميع المؤثرات التي نشهدها يمكن تخلف الأثر عنها فلا تكون تامة عندهم ومع هذا فالأثر يوجد عندها ثم لو سلم أن هذه يمتنع صدور الأثر عنها لم يسلم أن الباري كذلك وأنه إذا كان بحيث لايجب صدور الفعل عنه لايكون مؤثرًا تامًّا فيمتنع صدور الفعل عنه بل هذا القول هو عين الباطل في حق الله تعالى أن يقال لايفعل حتى يمتنع أن يفعل ويمتنع أن يفعل إذا لم يجب أن يفعل فالفعل منه إما واجب لا يقدر على تركه أو ممتنع لا يقدر على فعله بل هذا سلب لقدرته التي هي مدلول فعله وقد جعلوه بهذا أعجز من عامة المخلوقات وأنقص منها فإنه ليس شيء منها بحال يكون المتولد عنه إما واجبًا لايمكن عدمه بحال وإما ممتنعًا لايمكن وجوده بحال ونحن نعلم أن الأمور الموجودة يجب وجودها بمشيئة الله تعالى لها وما لم يوجد يمتنع وجودها بعدم مشيئة الله لها فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فالوجوب والامتناع هو بحسب مشيئة الله وعدم مشيئته وأما الوجوب والامتناع بحسب سبب آخر فهو باطل وهو خلاف الواقع ومن استقرأ الموجودات لم يجد شيئًا موجبًا يمتنع أن يكون
موجبًا ويمتنع إن لم يكن موجبًا بهذا الاعتبار أن يوجد ذلك الأثر وإذا كان الوجوب والامتناع في الممكنات بحسب مشيئة الله تعالى فلا نظير لمشيئته كما لا نظير له ومن قاسها ومثَّلها بغيرها فهو كمن قاسه ومثله بغيره وذلك من الإشراك به وجعل الأنداد والأمثال والأكفاء له وهو ممتنع في نفسه لأن مماثلته لغيره توجب اتصاف أحدهما بصفة الآخر وذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم بيانه وأيضًا فإنهم يمثلون بغيره فيما هو نقص وعجز في ذلك الغير لو كان موجودًا وهو سبحانه لا يمثّل بغيره ويسوَّى به في الكمالات فكيف في النقائص فصار هذا باطلاً من ثلاثة أوجه أحدها أن هذا الوصف ليس ثابتًا لغيره حتى يجعل هو وإياه تحت قضية كلية في قياس شمولي أو يشبه به في قياس
تمثيل ولو كان موجودًا أو مقدرًا لم يجز أن يعدل بالله ويسوي به لأن الله أكبر من كل شيء ولو جاز أن يعدل بغيره لم يعدل به فيما هو نقص لا يعدل بالناقصات فلو كان حكم الأصل موجودًا كان قياسهم من باب ويجعلون لله ما يكرهون حيث وصفوه بما ينزهون عنه المخلوقات فيف ولا وجود للأصل وأما الكلام على أصلهم الثاني وهو انه يمتنع أن يصير مؤثرًا تامًّا بعد أن لم يكن فيمتنع أن يحدث شيئًا والمؤثر التام عندهم الذي تجب مقارنة الفعل له فهذه أيضًا باطلة من جانب النفي والإثبات كبطلان وجوب المقارنة التامة وامتناعها فإنه يقال إما أن يكون مؤثرًا تامًّا في الأزل بجميع حوادث العالم أو لا يكون فإن كان مؤثرًا تامًّا وجب وجودها جميعًا في الأزل وهو خلاف المشهود المحسوس المعلوم لكل أحد فإن لم يكن مؤثرًا تامًّا في الأزل امتنع أن يصير بعد ذلك مؤثرًا تامًّا فيجب أن لايفعل شيئًا فيلزمهم إما قدم جميع الحوادث أو عدمها وكلاهما معلوم الفساد وإنما لزمهم ذلك لأجل المقدمتين اللتين بَنَوا عليهما قدم العالم فإنهم قالوا لا يفعل إلا أن تكون بحيث تجب مقارنة الأثر له ويمتنع أن يصير كذلك بعد أن لم يكن لأنه يفضي إلى التسلسل فيقال لهم المؤثر في جميع هذه الحوادث كائنًا ما كان إما أن يكون مؤثرًا
تامًّا بتفسيركم أو لا يكون فإن كان كذلك وجب قدمها جميعها وإن لم يكن كذلك وجب امتناعها جميعها لامتناع تمام المؤثرية فيما بعد واعتذارهم عن ذلك بأن تمام المؤثرية في الفلك التاسع الذي بحركته تستعد القوابل لفيضان الوجود والكمال عليها لا يدفع هذا التناقض الظاهر فإن مجموع هذه الأمور التي حصلت بها هذه الآثار هي المؤثر التام فحدوث هذا المجموع إما أن يصدر عن مؤثر تام أو لا فإن لم يصدر عن مؤثر تام موجب للمقارنة بطل قولهم إن الثر لايصدر إلا عن مؤثر تام تجب مقارنة الثر له فإن صدرت عن مؤثر تام تجب مقارنة الثر له فإن كان قديمًا لزم قدمها وإن كان محدثًا فالقول في علة حدوثه كالقول فيما تقدم وهذا كلام قاطع
وبرهان ساطع لا مندوحة عنه وبغيره يتفطن لضلال هؤلاء الذين هم أكفر وأضل من عموم المشركين اللذين هم بربهم يعدلون يوضح ذلك أن حقيقة ما يقولونه إن المؤثرية التامة لكل حادث يحدث مستلزمة لحدوثه فكلما دار الفلك حدث بدورانه من استعداد القابل وفيض الفاعل ما يستلزم الحادث بمجموعهما وبالمجموع تتم المؤثرية هذا حقيقة قولهم فإذا كانت المؤثرية التامة تحدث شيئًا بعد شيء كما تحدث عنها الآثار شيئًا بعد شيء فكل من المؤثرية وآثارها تحدث شيئًا بعد شيء لكن بعض أجزائها قديم إما واجب الوجود بنفسه وإما غير واجب الوجود بنفسه بل بغيره وبعض أجزائها حادث وإذا كان كذلك فلابد لحدوث المؤثرية شيئًا بعد شيء من سبب إذ الحادث لايحدث نفسه كالحركة الفلكية شيئًا بعد شيء لابد لحدوث مؤثريتها من سبب حادث فإذا قيل هو التصورات المتجددة أو الشوق المتجدد أو ماذا عسى أن يقال كان
القول في حدوث هذا كالقول في حدوث ما حدث عنه فكيف ما داروا كانوا مضطرين إلى حدوث حوادث في العالم من غير حدوث شيء في العالم كالحركة الفلكية فإنها حادثة شيئًا بعد شيء في العالم وكحركة النفس المحركة لها عند من يقول بذلك منهم كان ذلك حادثًا في العالم وفي الممكنات من غير أن يكون في الممكنات سبب يقتضي حدوثه ومن غير أن يحدث في الممكنات وفي العالم ما يحصل به مؤثرية ذلك الحادث فإذا كان في العالم من الحوادث ما ليس له سبب تام يقتضي حدوثه من العالم علم أن الموجب التام للحدوث أمر خارج عن العالم ولا يخرج عن العالم إلا الله سبحانه يجوز أن يحدث الحوادث بعد أن لم تكن من غير أن يعاونه شيء على ذلك هو المطلوب واعلم أن الكلام هنا على وجهين أحدهما إفساد دليلهم على القدم وهو قولهم يمتنع حدوثه بعد أن لم يكن لأن الحادث يقتضي شيئًا وحدوث الحادث عن العلة التامة القديمة محال فلا يكون العالم حادثًا فقد تبين أن هذا مُنتقِض بجميع الحوادث وبجميع ما يقال إن وجد سبب لها فإنها حادثة بعد أن لم تكن ونفس حركة الفلك ظاهرة في النقض فإن الحركة حوادث متوالية وليس فوقها عندهم سبب حادث يوجبها فهي حوادث عن علة قديمة عندهم فقد جوَّزوا حدوث الحادث عن حركة تامة قديمة فإن
قالوا فوقها سبب حادث به تمت مؤثريتها كما يقوله من يجوز قيام الحوادث به منهم جاز عند هؤلاء حدوث العالم بمثل هذا فعلى القولين تبطل الحجة وأما الوجه الثاني فهو الاستدلال بهذه على حدوث العالم وهو أن يقال لو كان العالم قديمًا للزم أن يكون له موجب تام يستلزم موجبُه قِدَمَهُ عن غير موجب فإنه يستلزم محالاً لأنه إنْ لم يكن تامًّا مستلزمًا أمكن وجوده وأمكن أن لا يوجد والممكن لا يوجد إلا بموجب تام مستلزم والموجب التام المستلزم لا يتخلف عنه شيء من موجباته ولوازمه فجميع الحوادث إن كان هو موجِبًا تامًّا مستلزمًا لها لزم قدمُها وهو خلاف المشاهدة وإن لم يكن موجِبًا تامًّا مستلزمًا لها فلابد من شيء يتم به موجبها وذلك إن كان قديمًا لزم قدمها لأن قدم الملزوم يوجب قدم اللازم وإن كان محدثّا كان من جملة الحوادث فلابد له من شيء به يتم مُوْجِبُهُ من غير الحوادث لأن الكلام في جميع الحوادث وما يتم به الموجب من غير الحوادث لا يكون إلا قديمًا ولو كان قديمًا لزم قدم الحوادث فصار قدم العالم مستلزمًا لقدم الحوادث وهو ممتنع فقدم العالم ممتنع فصار قدم العالم مستلزمًا لعدم قدمه وما اقتضى ثبوت نفيه كان ممتنعاً ثبوته واعلم أنه كما يُحتج بما في العالم من الحوادث فإنه يحتج
بما فيه من الاختصاص والمقادير والصفات والأزواج المتنوعة كما قال وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿49﴾ [الذاريات 49] فإن مبدع العالم إن كان علة موجبة بنفسه وهو واحد بسيط امتنع أن يصدر عنه أمور مختلفة على أصلهم وإن لم يكن كذلك كان فاعلاً بمشيئته واختياره ما يختاره من المفعولات وحينئذ فيمتنع أن يقال الحركة هي الموجبة للحوادث لأن الحركة إنما تحدث عنها مع بقية الحركات المختلفة لأن حركات الأفلاك مختلفة كما أن الأفلاك مختلفة ومعلوم أن حركة التاسع ليست الموجبة للحركة التي تخلفها في الثامن فإن قيل إنها توجب الحركة التي ترادفها إذ للثامن وغيره من الأفلاك حركة تخصُّه وحركة تابعة لحركة التاسع فالحركات إذاً مختلفة والمتحركات مختلفة والمعلولات المختلفة تستلزم عللاً مختلفة إذ العلة الواحدة من كل وجه لا تُوجِب معلولين مختلفين ولايقال ذلك بحسب القوابل لأن الكلام في القوابل المختلفة كالكلام في الحركات المختلفة وهذه المختلفات من الفاعل والقوابل لاتكون صادرة عن علة واحدة فيقتضي الصدور عن فاعل حي ذي صفات ومشيئة يفعل بها وهذا ضد ما يقولونه من أنه واحد لايصدر عنه إلا الواحد فإن هذا الواحد الذي أثبتوه ونفوا عنه الصفة والقدر وسموا ذلك تركيباً وكثرة قد تبرهن في غير هذا الموضع بالوجوه الكثيرة
أنهم لا دليل لهم على هذه الوحدة وأن ألفاظ حججهم ألفاظ فيها إجمال واشتراك كما قد بيَّناه في غير هذا الموضع بل تبين بالبرهان أن هذه الوحدة يمتنع أن يوصف بها موجود وأن وصف المبدع بها يقتضي تعطيله ولهذا آل بهم الأمر إلى القول بأن الوجود كله واحد ثم إن العالم فيه كثرة مشهودة فإن كان الصادر عن الواحد واحداً من كل وجه فلا يصدر عنه إلا واحد ويلزمهم نفي الكثرة المشهودة في الوجود وهو خلاف المشاهدة وإن كان فيه ما يسمونه كثرة وتعدداً وتركيباً ونحو ذلك فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد فهم بين أمرين إما إثبات الواحد ونفي جميع الصادر الثاني والثالث والرابع والخامس وإما إثبات الكثرة في الصادر الأول ثم في المبدع يوضح هذا أن الفلك الثامن مكوكب كثير الكواكب والتاسع فوقه أطلس فمن أين جاءت هذه الكثرة العظيمة وإذا قالوا إنه صدر عنه عقل ثم عن العقل عقل ونفس وفلك إلى العقل العاشر ثم صدر عنه ما تحت فلك القمر ففي هذا الكلام من التناقض والهذيان ما لا يروج على عقول الصبيان وقد كنت في أوائل معرفتي بأقوالهم بعد بلوغي بقريب وعندي من الرغبة في طلب العلم وتحقيق هذه الأمور ما أوجب أني كنت أرى في منامي ابن سيناء وأنا أناظره في هذا المقام
وأقول له أنتم تزعمون أنكم عقلاء العالم وأذكياء الخلق وتقولون مثل هذا الكلام الذي لايقوله أضعف الناس عقلا وأورد عليه مثل هذا الكلام فأقول العقل الأول إن كان واحداً من جميع الجهات فلا يصدر عنه إلا واحد لايصدر عنه عقل ونفس وفلك وإن كان فيه كثرة فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد ولو قيل تلك الكثرة هي أمور عدمية فالأمور العدمية لايصدر عنها وجود ثم إذا جوَّزوا صدور الكثرة عن العقل الواحد باعتبارٍ ما فليجوِّزوا صدورَها عن المبدع الأول بمثل ذلك الاعتبار بدون هذه الواسطة كقولهم باعتبار وجوبه صدر عنه عقل وباعتبار وجوده صدر عن نفس وباعتبار إمكانه صدر عنه فلك فإن هذه الصفات وإن كانت أموراً ثبوتية فقد صدر عن الواحد أكثر من واحد وإن كانت إضافة أو سلباً أو مركباً منهما فالمبدع الأول عندهم يتصف بالسلب والإضافة والمركب منهما فبطلانُ كلامهم في هذا المقام الذي هو أصل توحيدهم يظهر من وجوه كثيرة متعددة تبيَّن فيها أن القوم من أجهل الخلق وأضلهم وأبعدهم عن معرفة الله وتوحيده فإن عوام اليهود والنصارى الذين لم نوافقهم أعلم بالله من خواص هؤلاء الفلاسفة المبدلين الصابئين وقد بينا في غير هذا الموضع أن ما يذكرونه من المجردات المفارقات إنما أصله ما تصوروه من الكليات الذهنية المجردة
عن المحسوسات العينية فتخيَّلوا ما في الذهن ثابتاً في الأعيان كما تخيل قدماؤهم كأصحاب أفلاطون أن الكليات ثابتة في الخارج أزلية وهي المثل الأفلاطونية وتخيلوا وجود هيولى مقارنة للصورة ومدة وراء حركة الأجسام وتخيل غير هؤلاء كأصحاب فيثاغورس وجود أعداد خارجة عن المعدودات وتخيل أرسطو وأصحابه وهو صاحب التعاليم تركيب الجسم من مادة وصورة وأن المادة
شيء كوجود تختلف عليه صورة الأجسام وهي عند التحقيق ترجع إلى تقدير ذهني لا حقيقة له في الخارج وكذلك تخيُّله أن حقائق الأنواع الكلية ثابتة في الأعيان الخارجية وأنها غيرها وكل هذا لأن الذهن يجرد العقول عن المحسوس والمعقولات أمور كلية ثابتة في الذهن والذهن يجردها تجريداً بعد تجريد كما يجرد العدد عن المعدود والأنواع عن الأشخاص والأقدار عن المقدورات ومن هذا الباب تجريده للكليات الخمسة فمن تخيل أن المجردات أمور ثابتة في الخارج كان نسبتها كمن رأى صورة في المرآة فظن تلك الصورة التي يراها في نفس المرآة موجودة في الخارج فجاء ليمسها أو لينالها كما ينال الصورة المحسوسة فلم يجد شيئاً ولاريب أن هؤلاء وسائر الذين كفروا كما قال تعالى وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿39﴾ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ
بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ﴿40﴾ [النور 39-40] فالمثل الأول نسبة الجهل المركب والكفر المركب كالاعتقادات الفاسدة كاعتقاد هؤلاء والثاني نسبة الجهل البسيط والكفر البسيط كحال من لم يعتقد منهم شيئاً أو تعارضت عنده الاعتقادات وصار حيران لا يرى حقًّا وإذا تأمل العاقل كلامهم فيما يثبتونه من العقول المجردة المفارقة علم أنهم أخذوا ذلك عن المجردات المعقولة لنا وتلك الأعراض قائمة في أنفسنا وهم يجعلون تلك المفارقات جواهر روحانية بل هي عندهم أشرف الموجودات ومن يجمع بين كلامهم وبين ما جاءت به الرسل يجعل هذه المجردات التي هي في الحقيقة خيالات ملائكة الله التي أخبرت بها الرسل وقد بينا في غير هذا الموضع أن من نزل الملائكة على ما يدعيه هؤلاء من هذه المجردات كان من أجهل الناس وأكفرهم فإنه قد ذكر من أصناف الملائكة وأوصافهم ما تبين أنه أبعد الأشياء عن هذه ولهذا يصيرون إلى جعل الملائكة قُوى في النفس صالحة كما يجعلون
الشياطين كذلك ومن سمع ما أخبر الله به في القرآن والسنة عن الملائكة والشياطين علم أن بين هذا وهذا من الفرق ما لا يخفى على أدنى الناس علماً بما جاءت به الرسل وما يقوله هؤلاء إنما يلبسون على الناس بعباراتهم الغريبة وبمن أضلوه من متكلم متصوف حتى اخذ عبارات المسلمين مما جاء بها الكتاب والسنة فنزلها على معاني هؤلاء الكفرة الملحدين كما يوجد مثل ذلك في كلام صاحب رسائل إخوان الصفا وصاحب جواهر القرآن ومشكاة الأنوار ومن سلك
هذا السبيل من فيلسوف قرمطي ومشارك له في بعض ذلك وإن كان فيه من التصوف الإسلامي ما يباين به القرمطي لكن يشاركه من وجه ويفارقه من وجه وما أحسن ما قال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري فيمن هو خير من هؤلاء أخذوا أصح الفلسفة فلبّسوه لحاء الإسلام وهو كما قال الحلية حلية مسلم والعبارة عبارة مسلم والمعرفة والقصد ليست معرفة المسلمين ولا قصد المسلمين بل ذلك سبيا الزنادقة المنافقين أعداء الرسل وسوس الملل الوجه الخامس على أصل حجتهم أن يقال أنتم طلبتم
الموجب للتخصيص فيقال إذا جعلتموه مولداً موجباً بذاته كان المحذور ألزم ولزمكم من الجهل بعدم المخصص المرجح أعظم مما لزمكم من الجهل به على تقدير تخصيصه بمشيئته وذلك أنه يقال إذا كان العالم متولداً عنه لازماً لذاته لا ينفكّ عن ذاته ولايقدر على إزالة لزومه له وتولده عنه ولاعلى عدمه كما هو قولكم فما الموجب لكونه بهذه الصفة مع ما في ذلك من القصور والعجز والنقص فإن كون الذات بحيث يلزمها غيرها ويتولد عنها ولاينفك عنها ولايقدر على دفع تولُّده ولزومه لها ولو أراد أن يدفعه لم يستطع ولا يمكنه ذلك لاريب أنه أنقص من كون الذات تقدر على دفعه وإن شاءت دفعه عنها دفعته ولو لم تكن أنقص لكن كونه بهذا التولد وهذا الإيجاب وهذا الاقتضاء وهذا الإحداث لابد له من موجب فإن كونه كذلك نوع من الاختصاص إذ تعقل وجود الذات الواجبة خالية عن هذا اللزوم والتولد فلابد لهم أن يقولوا نفس الذات الواجبة بخصوصها لايمكن أن يكون إلا كذلك على هذا الاقتضاء والتولد فإنه لو أمكن أن يكون كذلك وأمكن أن لايكون كذلك كان وجود أحد الممكنين متوقفاً على مرجح فإذا قالوا ذلك قيل من المعلوم أن كون ذاته من لوازمها أن تفعل إن شاءت وتترك إن شاءت هو أعظم في القدرة والكمال من أن يكون من لوازمها الفعل الذي لايقدر على تركه ولو شاءه ومن تدبَّر هذا وميَّزه حسم هؤلاء الذين بدلوا دين
المرسلين وغيروا فطرة الله التي فطر الناس عليها وكل ما يسألون عنه من وجه خالقيته وفاعليته يلزمهم في وجه توليده أو محايثته أعظم منه ومن هنا يظهر الوجه السادس وهو أن يقال واجب الوجود ليس كمثله شيء من الأشياء ولايجوز أن يُجعَل له عدل ولا ند ولا مثل في أفعاله كما لايجوز أن يُجعَل له ذلك في صفاته وأسمائه ومن خصائصه أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وانه ما شاء فعل وليس غيره من القادرين بهذه المثابة وليس غيره يفعل ما يشاء بل قد يعجز عنه وإذا كانت مشيئته في عمومها ونفوذها من خصائصه فهو إذا شاء فعل وإذا شاء ترك وذاته هي الموجبة لهذه المشيئة المتعلقة بالفعل وإن لم يكن لغيره مثل هذه المشيئة إذ ليس غيره واجب الوجود ولا صفاته واجبة بوجه كما أن ذاته ليست واجبة بل يمكن وجود ذاته دون صفاته وإن كانت ذاته واجبة بغيرها فكما لاعدل لله في صفاته لاعدل لع في أفعاله يقرر هذا الوجه السابع وهو أنهم يقولون إنه وَلَدَ الفلك إما بواسطة فلك وإما بواسطة عقل ونفس أو بغير واسطة والفلك له مشيئة يفعل بها على التعاقب حوادث العالم فإذا كانوا يجعلون له
ولداً تولد عنه ويثبتون لولده مشيئة وفعلاً يفعل به الحوادث على التعاقب فإثبات مشيئةٍ له يفعل بها أولى وأحرى وإيجاب ذاته لصفاته أقرب إلى المعقول من إيجابها لأمور منفصلة عنه إذ الصفات صفات كمال فكونُ الذات تستلزمها تقتضي كمال الذات أما كون الذات مستلزمة لغيرها المنفصل عنها بحيث لايمكنها فراقه فهذا لا كمال فيه ومن المعلوم أن الأعلى لا يُستكمَل بالأسفل ومن هنا يظهر الوجه الثامن وهو أنهم نفوا الصفات وليس له إلا صفة سلب أو إضافة أو مركبة منهما قالوا لأن الصفات تقتضي من التعدد والتركيب ما يقتضي الحاجة إلى الغير المنافية لوجوب الوجود ومن المعلوم بالفطرة البديهية أن كون الذات قد تولد عنها ذات أخرى لايمكن أن تنفصل عنها أصلاً ولايقدر على دفع لزومها وتولدها عنها ولو أرادت ذلك لم ينف مرادها ولايقدر أن يغير شيئاً ولايحدثه ولايتصرف فيه بوجه من الوجوه فهذه الذات أولى بالنقض من غبر وجه من الذات المستغنية بما هي عليه من الصفات وقد قدمنا فيما تقدم الجوابَ عن شبهة التركيب الخارجة وبيَّنا أن ذلك كله ألفاظ مجملة مشتركة وأن الموجود يمتنع أن
يكون إلا بصفات ونفيها ينفي الوجود الواجب والممكن وأما ما ذكروه من التولُّد والتعليل فالنقض فيه ظاهر وأين من يتولد عنه الشيء بغير اختياره ممن يفعل باختياره هذا من أبين الأمور الحسية العقلية أن الذي يفعل باختياره أكمل ممن يتولد عنه الفعل من غير أن يقدر على منعه له أو يكون له اختيار في تركه وهو وإن اثبتوا له غاية وربما يثبتون له إرادة تستلزم العالم فهم يتناقضون في ذلك كما قد بسطناه في غير هذا الموضع وبينا أنه أنهم ينفون الاختيار ويثبتون من الحكمة الغائية في العالم ما يستلزم الاختيار وكذلك الغاية ولا ريب أنهم كثيرو التناقض كما قد بيناه في غير هذا الموضع وهذا حال كل من خالف الرسل يكون تناقضه على قدر مخالفته ويقال لهم الذي يمكنه الفعل والترك أكمل ممن لايمكنه إلا الفعل بل كثيرٌ من أهل الكلام يقول الذي يقدر أن يريد الفعل ويقدر أن يريد الترك أكمل ممن لايقدر على إرادة الترك بل هو لايمكنه إلا إرادة للفعل بل هذا نوع من الخبر وإن كان فيه اختياراً إلا أنذلك أكمل وإن كان كذلك فكونُه سبحانه على صفة يشاء الفعل ويشاء الترك أكمل من أن تكون ذاته لا تقتضي إلا شيئاً معيناً
وإذا كان لابد من أن يكون هو على وجه يوجب وجود العالم على ما هو عليه ثم يمكن أن يكون ذلك على وجه هو فيه أكمل من وجه كان من قال إنه على الوجه الأنقص دون الأكمل من أجهل الناس وأظلمهم لاسيما إذا ادعى امتناع الوجه الأكمل ولزوم الوجه الأنقص الوجه التاسع أنه لاريب أن لذاته خصوصية يتميز بها عن سائر الذوات إذ الوجود المطلق الذي لا اختصاص فيه بشيء دون شيء إنما وجوده في الذهن لا في الخارج بينهم وهو القدر المشترك بين الموجودات فإن المطلق بشرط الإطلاق لا وجود له في الخارج بالاتفاق والمطلق لا بشرط لا يوجد أيضاً في الخارج مطلقاً بالاتفاق وإن كان المتفلسفة كابن سيناء يتناقضون في هذا الموضع فيجعلون الوجود الواجب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق ويجعلون موردَ التقسيم بين الواجب والممكن الذي هو موضوع العلم الإلهي عندهم الوجودَ المطلق لا بشرط وقد دخل معهم في هذا التناقض أهل الوحدة كابن عربي وابن سبعين وأمثالهم
ممن يقول بأن الوجود واحد وهو الله سواء فسّر بهذا أو بهذا فمن فسره بالمطلق بشرط الإطلاق لزمه أن يكون معدوماً في الخارج ومن فسره بالمطلق لا بشرط فغايته أن يجعله وجود المخلوقات أو جزءاً منها أو حالاً فيها وكل ذلك من أبين الأقوال فساداً في العقل وأظهرها كفراً في الدين وعلماء النظار كالقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي المعالي والغزالي قد بيَّنوا فساد قول من يجعله وجوداً مطلقاً فيقول كل موجود فله حقيقة يختص بها ويتميز بها ويباين بها غيره وإذا كان كذلك فكونُه بتلك الحقيقة الخاصة
المباينة لغيرها في حقيقتها المخالفة لما سواها في ماهيَّتها إن قيل لابد له من موجب فلا موجب له سوى الذات نفسها فهي موجبة لما هي عليه بنفسها ووجودها على ما هي عليه واجب بها لا بغيرها وإن قيل لا مُوجب له بمعنى أنه لا موجب لتلك الحقيقة والخاصية منفصل عنها فهو أيضاً صحيح وإنما المقصود أن تلك الحقيقة الخاصة واجبة الوجود بنفسها لايجوز أن يُطلَب لها سبب منفصل عنها بل طلب ذلك إنكار لواجب الوجود بنفسه وإنكار الوجود الواجب يستلزم إنكار الموجود كله إذ الموجود إما أن يكون واجبًا أو ممكناً والممكن لابد له من واجب فلابد في الوجود من واجب وإذا كان إنكار الاختصاص الواجب بنفسه يقتضي إنكار واجب الوجود وإنكار
الموجود بالكلية كان هذا أعظم السفسطة وإذا كان الأمر كذلك كان طلب علة علمه ومشيئته وقدرته وسائر صفاته الواجبة له كطلب علة ذاته وهو محال فالأول مثله فقول القائل لِمَ فعل بعد أن لم يكن يفعل كقول القائل لم فعل ولِمَ شاء وذلك كقوله لِمَ كان وهذه كلها أسوِلَةُ باطلة لأنها تنافي وجوب الوجود ويتقرر ذلك بالوجه العاشر وهو أن هذه المسائل هي مسائل الشيطان الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول مَنْ خَلَقَ الله فإذا وجد أحدُكم ذلك فَلْيستعِذ بالله ولينتهِ.
وفي حديثٍ آخر في الصحيح لايزال الناس تَسْوِلُكُمْ حتى يقولوا هَذَا الله خَلَقَ كل شيء فمن خلق الله فهذه السؤالات من شياطين الإنس والجن أسولة معلومة الفساد في العقل ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم العبدَ إذا جاءته هذه.
المسائل أن يستعيذ بالله منها وينتهي فإن الشيطان يلقي إليه هذه المسائل ليشكِّكه في الحق كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه إن للملك لمةً وللشيطان لمة فلمةُ الملك إيعادٌ بالخير وتصديق بالحق ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق الوجه الحادي عشر أما ما ذكروه منقوضٌ عليه بجميع ما في الوجوه من الحوادث وبجميع ما في الوجود من كل موجود وصفة وقدرة وذلك أنه ما من موجود من سماءٍ أو أرضٍ أو ليلٍ أو فلكٍ أو نجمٍ أو بشرٍ أو حيوان أو نباتٍ إلا وهو مخصوص بأمور متعددة من الخواص في مقاديره وصفاته ومكانه وزمانه وهذا يذكر على وجهين الأول النقض بالحوادث كلها فإنه يقال في كل حادث
جميع الأمور المعتبرة في تأثيره إما أن تكون حاصلة في الأزل أو لاتكون فإن كانت حاصلة وجب قدمه وهو خلاف المشهود وإن لم تكن حاصلة في الأزل فالقول في حصولها بعد ذلك كالقول في ذلك الحادث ويلزم التسلسل فيجب أن لا يحصل بعد ذلك فيمتنع حدوث هذه الحوادث وهو خلاف المشهود فطردُ قياسهم هذا الذي به يهوِّلون يلزمهم إما القول بقدم جميع الموجودات وإما عدم جميع المفعولات وإذا بطل القِدَمُ والعَدَمُ عُلِم أنهم زَلّت بهم القَدَمُ والثاني أن يقال هذه مع حدوثها وما يزعم أنه قديم من الأفلاك والكواكب والعناصر هي مختصة في مقاديرها وصفاتها وأحيازها وحركات من الخصائص مما لايحصيه إلا الله تعالى فالمقتضي لذلك التخصيص إما أن يكون موجباً بالذات ليس له التخصيص أو لايكون فإن كان موجباً بالذات فهو لا اختصاص فيه على ما يزعمونه بل هو واحدٌ من جميع الوجوه والعقلُ الصريح يشهد أن ما يكون كذلك لا يُخصّصُ شيئاً بصفةٍ وقدرٍ دون شيء ولايعقل ذاتاً على صفة مخصوصة دون ذات وإن كان الفاعل لذلك ما من شأنه التخصيص فهو يخص الحوادث بأوقاتها كما يخصها بأحيازها وكما يخصها بصفاتها وأقدارها بل أمر الزمان أخص من غيره ومها اعتذروا به مثل أن يقولوا لايمكن غير ذلك أو ما سوى ذلك.
ممتنع فإنه يقال نظيره في محل النزاع كما قال من قال من المتكلمين إنه لم يكن فعله إلا حين فُعلَ بل قد يدرك العقل الإحالة في العدم أعظم مما يُدركه في هذه الخصائص والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما مخالفة هؤلاء لما جاءت به الرسل عن الله وما نزلت به كتبه فهو أعظم وأكثر من أن يوصف هنا وإن كان من دخل في الملل من منافقيهم من الملاحدة القرامطة الباطنية ومن ضاهاهم من المتفلسفة ونحوهم يزعمون أنهم يجمعون بين الكتب الإلهية وبين هذه الفلسفة الفاسدة الحائدة كما فعل أصحاب الرسائل التي سمَّوها رسائل إخوان الصفا وغيرهم فإن من تحققت معرفته ببعض ما جاءت به الرسل وببعض ما عليه هؤلاء علم أنهم أعداء الرسل وسُوْسُ الملل وأنهم من أعظم الناس نفاقاً للمرسلين إذا أظهروا موافقتهم وأعظمهم معاداة لهم وكفراً بهم ومحاربة لهم إذا اظهروا مخالفتهم بل هم أئمة الكفر من كل طائفة كما قال تعالى وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) [القصص 41] وقال تعالى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) [غافر 56] وقال تعالى فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا
بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85) [غافر 83-85] وقال تعالى مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) [غافر 4-5] وقال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31) [الفرقان 31] وقال وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا [النعام 112] وقال تعالى ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) [المدثر 11-26] وهذا باب واسع ليس هذا موضعه وقد تكلمنا على كثير مما يتعلق بهذا في غير هذا الموضع وإنما نبَّهنا هنا على ذلك لِتعلُّق الكلام في المكان بالكلام في الزمان وتعلق الكلام في كونه فوق العالم بكونه قبل العالم كما قال سبحانه هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) [الحديد 3] وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء